أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ماهين شيخاني - العينان اللتان بقيتا في الأب














المزيد.....

العينان اللتان بقيتا في الأب


ماهين شيخاني
( كاتب و مهتم بالشأن السياسي )


الحوار المتمدن-العدد: 8724 - 2026 / 6 / 2 - 10:51
المحور: الادب والفن
    


حين كان يركض بين أشجار التوت خلف البيت، كانت عيناه تسبقان ضحكته.
وكان أبوه يقول لأمه مازحاً:
— هذا الولد لو مرّ في سوق العبيد قديماً لاشترته الملوك.
فتضحك الأم، ويهرب الصغير بين الحقول كعصفور أفلت من يد طفل.
كان اسمه روني.
وكانت عيناه الواسعتان تلتقطان الضوء بشراهة، كأنهما تخشيان أن ينطفئ العالم فجأة.
في المساء، كانت أمه تقف فوق رأسه وهو نائم، تتأمل جفنيه المطبقين وتطمئن أن الأحلام ما زالت تجد طريقها إليهما.
في الخامسة من عمره بدأ يشكو من ألم خفيف في عينه اليمنى.
قالت الأم:
— ربما غبار.
وقال جارهم:
— عين حاسد.
وقال آخر:
— التهاب بسيط وسيزول.
لكن الألم لم يزل.
كان يكبر بصمت، مثل شجرة سوداء تمد جذورها في الظلام.
في القرية لم يجدوا طبيباً مختصاً.
وفي المدينة القريبة لم يجدوا جهازاً للفحص.
كانت الحرب قد مرّت من هناك قبلهم، وأخذت معها الأطباء والمشافي والأدوية، وتركت الناس يتدبرون أوجاعهم وحدهم.
حمل الأب ابنه إلى دمشق.
قطع طرقاً طويلة وحواجز أكثر طولاً.
وفي إحدى غرف المشفى جلس أمام الطبيب ينتظر كلمة تطمئنه.
لكن الطبيب ظل صامتاً.
ثم قال أخيراً:
— ابنكم مصاب بورم خبيث في العين.
شعر الأب أن الغرفة تدور حوله.
سأل بصوت مرتجف:
— والعلاج؟
تنهد الطبيب.
— يجب استئصال العين فوراً.
حدق الأب فيه غير مصدق.
— مستحيل... أنا مستعد أبيع بيتي وأرضي وكل ما أملك. خذوا ما تريدون. فقط أنقذوا عينه.
خفض الطبيب رأسه.
— لو أخذته إلى أفضل مستشفى في العالم فسيكون القرار نفسه. إذا لم تُستأصل العين، سينتقل المرض إلى الدماغ.
خرج الأب من الغرفة كمن خرج من جنازته.
في تلك الليلة لم تنم الأم.
جلست في المطبخ تبكي بصمت.
وأخرجت صورة قديمة لروني وهو رضيع.
كان يحدق في العدسة بعينين واسعتين لا تعرفان شيئاً عن المرض.
نظر الأب إلى الصورة طويلاً.
ثم طواها وأعادها إلى مكانها.
لم يبكِ.
كان هناك نوع من الحزن أعمق من الدموع.
في الصباح وقّع على الموافقة.
كانت يده ترتجف وهو يضع اسمه أسفل الورقة.
وحين خرج روني من غرفة العمليات، كانت إحدى عينيه قد غادرت العالم.
تعلم الطفل أن يرى بعين واحدة.
وتعلم الأب أن يبتسم كي لا يراه ابنه مكسوراً.
مرت أشهر قليلة.
واشترى له نظارة شمسية.
وحاول الجميع أن يقنعوا أنفسهم بأن الكابوس انتهى.
لكن الكوابيس الحقيقية لا ترحل بهذه السهولة.
في أحد الأيام قال روني:
— بابا... في ظل قدامي.
شعر الأب أن قلبه توقف.
عادوا إلى المشفى.
وعاد الطبيب.
وعادت الصور.
وعاد الصمت نفسه.
هذه المرة لم يحتج أحد إلى شرح.
كان المرض قد وصل إلى العين الثانية.
وقف الأب أمام النافذة طويلاً.
ثم وقّع.
للمرة الثانية.
عندما خرج روني من العملية، كان الليل قد أصبح عالمه الوحيد.
وُضعت له عينان تجميليتان جميلتان.
وكان كل من يراه يظن أنه يبصر.
أما هو فكان يعيش داخل ظلام دائم لا ينتهي.
ومع ذلك، لم يتوقف عن الضحك.
كان يعرف أمه من رائحتها.
ويعرف أباه من وقع خطواته.
ويعرف أخاه الصغير سامر من صوته الذي يشبه زقزقة عصفور.
مرت سنتان.
وفي صباح شتوي حمل الأب سامر إلى الطبيب.
لم يكن الصغير قد أكمل عامه الثاني بعد.
لكن القلق كان ينهش قلب الأب منذ أشهر.
دخل الطبيب.
نظر إلى الصور.
وصمت.
عرف الأب الجواب قبل أن يتكلم.
شعر أن السنين كلها سقطت فوق رأسه دفعة واحدة.
ثم سمع الكلمات التي ظن أنه دفنها إلى الأبد:
— هناك ورم خبيث في العين.
هذه المرة لم يصرخ.
لم يجادل.
لم يعرض بيع الأرض أو البيت.
كان التعب أقدم من الكلمات.
خرج من المشفى حاملاً طفله.
وفي الطريق ظل صامتاً.
صامتاً إلى درجة أن روني انتبه.
سأله:
— بابا... لماذا لا تتكلم؟
لم يجب.
فمد روني يده وتحسس وجه أبيه.
وحين لامست أصابعه دموعه، فهم كل شيء.
سكت قليلاً.
ثم سأل:
— أخي أيضاً؟
انحنى الأب وأخفى وجهه بين كفيه.
ولأول مرة منذ سنوات بكى.
بكى كطفل ضائع.
ظل روني صامتاً.
ثم قال بهدوء:
— إذا أخذوا عينيه... قل له لا يخاف.
رفع الأب رأسه ببطء.
وأكمل روني:
— سأعلمه كيف يرى.
في تلك الليلة لم يستطع الأب النوم.
جلس في الظلام وحده.
يتذكر كل ما ظنه خسارة.
العين الأولى.
العين الثانية.
السنوات التي أمضاها مطارداً خوفه.
وفجأة أدرك شيئاً لم ينتبه إليه من قبل.
روني الذي لم يعد يرى الشمس منذ سنوات، كان ما يزال يعرف كيف يزرع الضوء في قلوب الآخرين.
أما هو...
فكان يغرق في الظلام كلما أضاء ابنه شمعة.
قبل الفجر بقليل، نهض الأب من مكانه.
دخل غرفة ولديه.
كان سامر نائماً قرب أخيه.
أما روني فكان مستيقظاً.
كأنه كان ينتظره.
اقترب الأب وجلس قربه.
فقال الطفل:
— هل ما زلت تبكي يا بابا؟
لم يجب.
مد روني يده في العتمة.
ووضعها على وجه أبيه.
ثم ابتسم.
ابتسامة صغيرة هادئة.
ابتسامة طفل لا يرى شيئاً...
لكنه كان الوحيد في الغرفة الذي يعرف أين يوجد النور.



#ماهين_شيخاني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الفرات… حين ضاق النهر بأوجاع البشر
- العلاقات الكوردية – العربية: تاريخ أصيل لا يحتاج إلى -مُحسّن ...
- الإعلام والقضية الكوردية: حين يصبح السلاح بلا رامٍ
- بين الواقعية والتنازل: إلى أين تمضي السياسة الكوردية في سوري ...
- لافتات الحسكة: حين تصبح اللغة ساحة حرب
- اليوم التالي لإيران: هل يملك الكورد رؤية النجاة وسط انهيار ا ...
- من أنقرة إلى طهران عبر بغداد: كيف تتوحّد القوى الإقليمية كلم ...
- غرب كوردستان: أرض مسروقة بخطوط الاستعمار
- حين تختطف الأحزاب كوردستان: من يملك الانتماء؟
- عندما يفشل الحب في بيوت الأدباء: من كافكا إلى كردستان
- في الحافلة وقصص أخرى
- كوردستان ليست بحاجة إلى أوصياء: صعود -تجار التحذير- في زمن ا ...
- دروس سوريا… ومأزق الخوف في إيران
- سوريا وميزوبوتاميا: اسم ينتمي إلى جغرافية حضارية واحدة
- -زعيم الكونفدرالية المنزلية-
- الثالوث المؤثر في المشهد الكوردي في سوريا.. قراءة تحليلية في ...
- -القيادة التي تخاف من النقد.. تدفن نفسها في مقبرة الصمت-
- بارون في الكامب
- - رحيل يوجع الذاكرة - قصة قصيرة
- دمعة الوداع


المزيد.....




- الكويت تخفض التمثيل الدبلوماسي الإيراني وتطلب مغادرة دبلوماس ...
- مئوية إدريس الشرايبي.. سيرة روائي شرح أعطاب الاستعمار بالفرن ...
- الشاعر السيريالى عبدالرؤوف بطيخ ضيفا على نادى أدب دمنهور برئ ...
- منشأة -الكهف- العملاقة للفنان الفرنسي جي آر في باريس تبدو مت ...
- بعد فوزها بجائزة دولية.. وجدان أبو شمالة: كتابي دعوة أخلاقية ...
- مدعومة من ترامب.. فنانون ينسحبون من حفلات بمناسبة الذكرى الـ ...
- من -موسكو الصغرى- إلى شاشة السينما..-باغي عينكاوة-.. مقهى يح ...
- موجة من الموسيقى القاتمة تسيطر على إصدارات نجمات البوب هذا ا ...
- -ليست مجرد مهنة-.. مكتبات الخرطوم تعاود نشاطها رغم ندوب الحر ...
- وفاة الممثلة المصرية سهام جلال عن 54 عامًا


المزيد.....

- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ماهين شيخاني - العينان اللتان بقيتا في الأب