أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ماهين شيخاني - سوريا وميزوبوتاميا: اسم ينتمي إلى جغرافية حضارية واحدة














المزيد.....

سوريا وميزوبوتاميا: اسم ينتمي إلى جغرافية حضارية واحدة


ماهين شيخاني
( كاتب و مهتم بالشأن السياسي )


الحوار المتمدن-العدد: 8579 - 2026 / 1 / 6 - 02:03
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


يعيدنا البحث عن أصل اسم “سوريا” إلى قلب العلاقة المصيرية التي تربطها بجارتها الشرقية العريقة، ميزوبوتاميا (بلاد ما بين النهرين). فالقصة ليست مجرد بحث لغوي عن جذر كلمة، بل هي كشف عن النسيج الحضاري المتداخل الذي شكل الهلال الخصيب. اسم “سوريا” الذي قد يكون تحريفاً لـ”آشور”، هو الدليل اللغوي على أن هذه الأرض كانت الامتداد الغربي والعمق الاستراتيجي للحضارات الميزوبوتامية العظيمة.
الاسم كخريطة للتداخل الجغرافي والتاريخي
تُظهر نظريات أصل التسمية أن “سوريا” لم تكن كتلة منعزلة:
1. النظرية الآشورية: تحريف للإسم “آشور”
أقوى دليل على الارتباط: الإمبراطورية الآشورية (مركزها في ميزوبوتاميا) هي التي طبعت اسمها على الأرض الغربية (سوريا) التي حكمتها.
2. النظرية الفينيقية: نسبة لمدينة صور
تظهر أهمية الساحل السوري كنافذة بحرية للمنطقة الداخلية (ميزوبوتاميا) التي كانت تتاجر عبرها.
3. النظرية السريانية: نسبة للسريان (الآراميين)
تعكس الهجرة والحضور الآرامي من سوريا إلى عمق ميزوبوتاميا، حيث أصبحت لغتهم لغة الإقليم.
نهر الفرات: الشريان الذي يربط الاسم بالأرض
العلاقة ليست اسمية فحسب، بل هي جغرافية وجودية:
الحد الطبيعي والرابط: كان نهر الفرات الحد الفاصل التقليدي بين سوريا (غرباً) وميزوبوتاميا (شرقاً)، ولكنه في الوقت نفسه كان طريقاً مائياً حيوياً للغزوات والتجارة والهجرات.
منطقة الجزيرة: تشكل شمال شرق سوريا (الجزيرة الفراتية) منطقة انتقالية طبيعية وثقافية، وهي جزء من الهلال الخصيب الذي يمتد من ميزوبوتاميا. هذه المنطقة كانت دوماً جسراً بين العالمين.
التاريخ المشترك: من الصراع إلى التمازج
1. السيطرة العسكرية: كانت سوريا مطمعاً وولاية تابعة للإمبراطوريات الميزوبوتامية المتعاقبة (الآشورية والبابلية)، لأنها منحتها الوصول إلى البحر والمعادن والطرق الدولية.
2. التبادل الحضاري: لم تكن العلاقة ذات اتجاه واحد. فكما فرضت آشور سيطرتها على سوريا، فإن الآراميين السوريين غزوا ميزوبوتاميا ثقافياً، حيث أصبحت لغتهم (الآرامية) لغة الإدارة والتجارة في الإمبراطورية الآشورية لاحقاً، ومقدمة للغة السريانية.
3. الإرث المشترك: هذا التداخل خلق ميراثاً حضارياً موحداً في مجالات الفنون والعمارة (مثل الزقورات والأساليب النحتية) والأنظمة القانونية والأساطير (مثل ملحمة جلجامش التي انتشرت في كل المنطقة).
ميزوبوتاميا الكوردية: الجسر البشري في قلب العلاقة
إذا كان اسم سوريا يعكس الامتداد الغربي للحضارات الميزوبوتامية، فإن ميزوبوتاميا الكوردية تمثل قلب هذا الامتداد، لا بوصفها هامشاً، بل باعتبارها المجال الجبلي–النهري الذي حفظ الاستمرارية الحضارية بين الشرق والغرب.
فالمناطق التي تُعرف اليوم تاريخياً بـ:
أعالي دجلة والفرات
بوتان، هكاري، جزيرة ابن عمر
شمال الجزيرة الفراتية (الحسكة، سري كانيه، ديرك)
هي ليست أطرافاً لسوريا أو العراق، بل جزء من ميزوبوتاميا العليا (Upper Mesopotamia)، وهي المنطقة التي تشكّلت فيها الهويات قبل تشكّل الدول.
الكورد كاستمرارية جغرافية لا طارئة تاريخية
في هذه المساحة تحديداً، لعب الكورد دور الاستمرارية السكانية بين:
آشور وبابل
سوريا الآرامية
الأناضول والمرتفعات الإيرانية
فبينما تغيّرت الإمبراطوريات، وبقيت الأسماء تتبدّل (آشورية، هلنستية، رومانية، إسلامية)، حافظت الجبال والسهول الشمالية لميزوبوتاميا على سكانها الأصليين، الذين نعرفهم اليوم باسم الشعب الكوردي.
وهنا تكتسب العلاقة بين سوريا وميزوبوتاميا بعداً أعمق:
فليست العلاقة فقط بين كيانين حضاريين،
بل عبر شعب عاش في المنطقة الانتقالية بينهما،
وكان جزءاً من الاثنين معاً.
الجزيرة الفراتية: سوريا الميزوبوتامية بوجهها الكوردي
ما يُسمّى اليوم بـ شمال شرق سوريا – أو تاريخياً حسب المصادر العربية – الجزيرة الفراتية – هو المثال الأوضح على هذا التداخل:
جغرافياً: جزء من ميزوبوتاميا
تاريخياً: فضاء آشوري– آرامي
سكانياً: مجال كوردي قديم
سياسياً: أُلحق بسوريا الحديثة بعد سايكس–بيكو
وبذلك، فإن فهم اسم “سوريا” بوصفه امتداداً آشورياً–ميزوبوتامياً، يقودنا بالضرورة إلى الاعتراف بأن جزءاً من سوريا الحالية هو امتداد طبيعي لميزوبوتاميا الكوردية، لا منطقة طارئة أو هامشية.
ما وراء الاسم: القضية الكوردية في قلب الهلال الخصيب
من هنا، لا تصبح هذه المقالة مجرد بحث لغوي أو تاريخي، بل مدخلاً لفهم أعمق للقضية الكوردية نفسها:
فالكورد لم يظهروا على أطراف الحضارة،
بل عاشوا في قلبها،في المنطقة التي حملت أسماء متعددة، لكنها حافظت على جغرافيتها وسكانها.
إن تغيّر الأسماء من آشور إلى سوريا، ومن ميزوبوتاميا إلى دول حديثة، لم يُلغِ حقيقة واحدة:
أن ميزوبوتاميا العليا، بوجهها الكوردي، كانت ولا تزال جزءًا أصيلاً من تاريخ الهلال الخصيب.
خلاصة :
اسم “سوريا” هو شاهد على التداخل الحضاري مع ميزوبوتاميا، لكن ميزوبوتاميا الكوردية هي الشاهد البشري الحيّ على هذا التداخل.
فالحدود الحديثة فصلت الجغرافيا سياسياً،لكنها لم تفصل التاريخ،ولا الذاكرة،ولا الشعوب.
وإذا كان فهم سوريا لا يكتمل دون ميزوبوتاميا،
فإن فهم ميزوبوتاميا نفسها لا يكتمل دون الكورد.



#ماهين_شيخاني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- -زعيم الكونفدرالية المنزلية-
- الثالوث المؤثر في المشهد الكوردي في سوريا.. قراءة تحليلية في ...
- -القيادة التي تخاف من النقد.. تدفن نفسها في مقبرة الصمت-
- بارون في الكامب
- - رحيل يوجع الذاكرة - قصة قصيرة
- دمعة الوداع
- استيقظ أيها المغفّل ..؟!.
- خرائط الروح/ قصة قصيرة .
- ” حصيلة عمرٍ في دفاتر الخيبة”
- الخرائط الجديدة… بين إرث سايكس – بيكو وتحوّلات الجيوبوليتيك ...
- الكورد بين فخ -الاعتدال- وعمى الشوفينية العربية: نحو عقد وطن ...
- // النهر الذي ابتلع الوعد/ قصة قصيرة
- أنصاف الحقوق… أنصاف الرجال..- مقال
- لماذا أحب هذا الرجل..؟.
- - البيان السوري الجديد والكورد: بين فخّ التنازلات وفرص التفا ...
- “اللحظة التاريخية: لماذا يجب على الكورد توحيد صفوفهم الآن؟”.
- أنواع السلام السياسي: بين شجاعة القرار وخيانة المبادئ
- حل حزب العمال الكردستاني: مبادرة تاريخية أم تسليم سياسي؟
- “حين يدقّ المطرُ النافذة”
- - في هندسة الخلق... براهين الجمال والدقة على وجود الخالق -


المزيد.....




- إيران مستعدة لفعل -كل ما يلزم- للتوصل لاتفاق نووي.. وتحذر: أ ...
- اللحظات الأولى بعد تحطم مروحية للجيش الإيراني في سوق بمدينة ...
- فرنسي تسعيني يرزق بطفلة ويثير جدلا واسعا
- التونسي حنبعل المجبري وآخرون يواجهون عنصرية في البريميرليغ
- بعد 15 عاماً، هل تجرى انتخابات للمجالس المحلية في مصر قريباً ...
- -ترامب رجل أفعال-.. رسالة نصية تطرق هواتف آلاف الإيرانيين
- منطقة كييف تحيي الذكرى الرابعة للغزو والمعارك مستمرة في الشر ...
- زيلينسكي وقادة الاتحاد الاوروبي يكرمون قتلى الحرب مع مرور 4 ...
- أخبار اليوم: وساطة أمريكية لتبادل محتجزين بين دروز السويداء ...
- ترقب وتفاؤل حذر.. أكراد القامشلي بعد اتفاق دمشق وقسد


المزيد.....

- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ماهين شيخاني - سوريا وميزوبوتاميا: اسم ينتمي إلى جغرافية حضارية واحدة