|
|
بين السرّ والعلن: كيف كشفت زيارة نتنياهو للإمارات عن تحولات عميقة في خرائط الشرق الأوسط؟
زياد الزبيدي
الحوار المتمدن-العدد: 8724 - 2026 / 6 / 2 - 23:45
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي
دبلوماسية الظلّ التي خرجت إلى الضوء
في مقال نشره الكاتب والمؤرخ الروسي فاليري بورت بتاريخ 2 حزيران/يونيو 2026 بعنوان «اللسان الطويل لبنيامين نتنياهو»، يطرح تساؤلاً محورياً حول الأسباب التي دفعت رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى الكشف عن زيارة سرية أجراها إلى دولة الإمارات العربية المتحدة خلال فترة الحرب الأخيرة مع إيران، رغم أن أبوظبي نفسها سارعت إلى نفي تلك المعلومات ومحاولة إبقاء الحدث بعيداً عن الأضواء. القضية، وفقاً للكاتب، لا تتعلق بمجرد زيارة دبلوماسية أو لقاء بروتوكولي بين مسؤولين، بل تكشف عن شبكة معقدة من المصالح الأمنية والسياسية والإستراتيجية التي باتت تربط إسرائيل بعدد من دول الخليج، وفي مقدمتها الإمارات، في مرحلة تشهد إعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط.
زيارة أثارت حرجاً إماراتياً
بدأت القصة عندما أعلن نتنياهو أنه إلتقى رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد خلال الحرب مع إيران. وسرعان ما أصدرت وزارة الخارجية الإماراتية بياناً نفت فيه إستقبال رئيس الوزراء الإسرائيلي أو أي وفد عسكري إسرائيلي على أراضيها. غير أن الرواية الإسرائيلية لم تتراجع. بل إن المتحدث السابق باسم نتنياهو زيف أغمون، الذي كان ضمن الوفد، أكد أن الزيارة تمت بالفعل، وذهب أبعد من ذلك عندما قال إن نتنياهو «أستُقبل إستقبالاً ملكياً»، وإن اللقاء حمل دلالات إستراتيجية ستظل موضع نقاش لسنوات طويلة. كما نقلت وسائل إعلام إسرائيلية أن الإجتماع جرى في مدينة العين قرب الحدود العُمانية وإستمر لساعات عدة، وأن الشيخ محمد بن زايد تولى بنفسه إستقبال ضيفه الإسرائيلي ونقله من المطار إلى مقر اللقاء. ويشير الكاتب إلى أن تضارب الروايات لا يعكس خلافاً حول وقوع الزيارة بقدر ما يعكس خلافاً حول الإعلان عنها، إذ بدا أن تل أبيب أرادت إظهارها بينما فضلت أبوظبي إبقاءها في دائرة السرية.
ما الذي يجمع أبوظبي وتل أبيب؟
يرى فاليري بورت أن الزيارة لم تكن حدثاً معزولاً، بل جاءت ضمن مسار متصاعد من التعاون بين الجانبين. فبحسب ما أورده المقال، سبق الزيارة وصول شخصيات أمنية وعسكرية إسرائيلية بارزة إلى الإمارات، من بينها رئيس جهاز الموساد دافيد بارنياع، ومدير جهاز الأمن دافيد زيني، ورئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير. كما يشير الكاتب إلى معلومات تفيد بأن إسرائيل أرسلت عناصر عسكرية للمشاركة في تشغيل بطاريات منظومة «القبة الحديدية» الموجودة على الأراضي الإماراتية خلال المواجهة مع إيران. هذه المعطيات، في نظره، توحي بأن العلاقات بين الطرفين تجاوزت حدود التعاون الدبلوماسي والإقتصادي الذي أتاحته «إتفاقيات أبراهام»، لتدخل بشكل متزايد في مجالات الأمن والدفاع والتنسيق الإستراتيجي.
لماذا أرادت الإمارات إخفاء الأمر؟
يقدم المقال عدة تفسيرات لحساسية الموقف الإماراتي. أول هذه الأسباب يرتبط بالصورة السلبية التي تواجهها إسرائيل في الشارع العربي والإسلامي نتيجة الحرب على غزة، والسياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين، والعمليات العسكرية في لبنان. ومن هذا المنطلق، فإن إظهار علاقات وثيقة مع الحكومة الإسرائيلية في ذروة هذه الأزمات قد يعرّض الإمارات لإنتقادات سياسية وشعبية واسعة داخل المنطقة. ويستشهد الكاتب بما ورد في موقع «ميدل إيست آي»، الذي رأى أن كشف تفاصيل التعاون الإماراتي الإسرائيلي يضع أبوظبي في موقف أكثر حرجاً، خصوصاً في ظل إتهامات سابقة لها بالتورط في ملفات إقليمية معقدة في اليمن والسودان وليبيا والصومال. وتبعاً لهذا المنطق، فإن الإعلان عن لقاءات وثيقة مع القيادة الإسرائيلية قد يعزز الإنطباع لدى بعض الأطراف الإقليمية بأن الإمارات تتحرك ضمن محور سياسي وأمني قريب من إسرائيل، وهو ما قد يضر بعلاقاتها الإقليمية.
البعد الإقتصادي: هاجس المستثمرين
لا يقتصر القلق الإماراتي، وفق تحليل الكاتب، على الإعتبارات السياسية فقط. فالإمارات بنت خلال العقود الماضية نموذجاً يقوم على الإستقرار والإنفتاح وجذب رؤوس الأموال والكفاءات والسياحة العالمية. وأي إنطباع بأن الدولة أصبحت جزءاً مباشراً من صراعات الشرق الأوسط العسكرية قد يثير مخاوف المستثمرين الدوليين. ويشير المقال إلى أن صورة الإمارات كـ«واحة للإستقرار» تشكل أحد أهم أصولها الإستراتيجية، وبالتالي فإن أي إرتباط علني بحروب المنطقة قد ينعكس سلباً على البيئة الإستثمارية التي تسعى أبوظبي للحفاظ عليها.
لماذا كشف نتنياهو عن الزيارة؟
إذا كانت الإمارات فضلت السرية، فإن السؤال المقابل هو: لماذا إختار نتنياهو الإعلان؟ يرى فاليري بورت أن لدى رئيس الوزراء الإسرائيلي عدة دوافع متداخلة. أولها توجيه رسالة إلى الداخل الإسرائيلي وإلى المجتمع الدولي بأن إسرائيل لم تصبح معزولة رغم الإنتقادات المتزايدة لسياستها العسكرية، وأنها ما تزال قادرة على بناء شراكات إقليمية مهمة. أما الدافع الثاني فهو إظهار أن دولاً عربية مؤثرة لا تزال ترى في التعاون مع إسرائيل مصلحة إستراتيجية تتجاوز الخلافات القائمة حول القضية الفلسطينية. ويذهب الكاتب إلى أبعد من ذلك حين يعتبر أن تل أبيب قد تكون تسعى إلى تعميق الإنقسامات داخل المنظومة العربية، ولا سيما داخل مجلس التعاون الخليجي، عبر تعزيز علاقاتها الثنائية مع بعض الدول بشكل يضعف المواقف الجماعية التقليدية.
نتنياهو والبحث عن إنجاز سياسي
يربط المقال أيضاً بين توقيت الكشف عن الزيارة وبين الظروف السياسية الصعبة التي يواجهها نتنياهو شخصياً. فالكاتب يرى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي لا يزال يعاني من تداعيات هجوم السابع من أكتوبر 2023، الذي شكّل ضربة قاسية لصورته السياسية والأمنية. كما أن الحرب في غزة لم تحقق الأهداف التي أعلنها بالكامل، بينما لم تؤد المواجهة مع إيران إلى إنتصار حاسم يمكن تقديمه للرأي العام الإسرائيلي بوصفه إنجازاً إستراتيجياً واضحاً. يضاف إلى ذلك إستمرار ملفات الفساد والقضايا القضائية التي تلاحقه، فضلاً عن الضغوط الدولية المتزايدة عليه. وفي هذا السياق، تبدو أي خطوة دبلوماسية أو إقليمية ناجحة فرصة لإعادة تقديم نفسه بإعتباره قائداً قادراً على توسيع نفوذ إسرائيل وكسر عزلتها.
ترامب وإتفاقيات أبراهام: رؤية طموحة أم مبالغة سياسية؟
يتوقف الكاتب مطولاً عند تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي دعا فيها عدداً من الدول ذات الأغلبية المسلمة إلى الإنضمام لإتفاقيات أبراهام، ومن بينها السعودية وقطر وتركيا وباكستان ومصر والأردن. ويتعامل المقال مع هذه الطروحات بقدر كبير من الشك. فالكاتب يذكّر بأن السعودية ربطت مراراً أي تطبيع شامل مع إسرائيل بقيام دولة فلسطينية، وهو شرط لا تزال الحكومة الإسرائيلية ترفضه. أما تركيا وباكستان، فيُنظر إليهما بإعتبارهما من أكثر الدول إنتقاداً للسياسات الإسرائيلية، ما يجعل الإنضمام السريع إلى مثل هذه الإتفاقيات أمراً بعيد الإحتمال. كما يرى أن الحديث عن إنضمام مصر والأردن يبدو غير منطقي إلى حد ما، لأن البلدين يقيمان بالفعل علاقات رسمية مع إسرائيل منذ عقود.
إيران: العقدة الأصعب
النقطة الأكثر إثارة للجدل في تصريحات ترامب، بحسب الكاتب، كانت تلميحه إلى إحتمال إنضمام إيران نفسها إلى إتفاقيات أبراهام بعد التوصل إلى إتفاق مع الولايات المتحدة. ويعتبر المقال أن هذا السيناريو يبدو شديد البعد عن الواقع في ظل التوترات العسكرية المستمرة، وتبادل الضربات، وإنعدام الثقة العميق بين طهران وتل أبيب. فالمفاوضات الأمريكية الإيرانية، كما يصفها الكاتب، تتحرك بين التقدم والتعثر، وبين الحوار والتهديد، ما يجعل مستقبلها غامضاً ومفتوحاً على إحتمالات متناقضة.
شرق أوسط جديد أم توازنات هشة؟
تكمن أهمية حادثة الزيارة الإماراتية الإسرائيلية، كما يستنتج المقال، في أنها تكشف جانباً من التحولات الجارية في المنطقة بعيداً عن الشعارات والخطابات الرسمية. ففي الوقت الذي تستمر فيه القضية الفلسطينية كعامل مؤثر في الرأي العام العربي، تتجه بعض الحكومات إلى بناء شبكات تعاون أمني وإقتصادي جديدة تفرضها حسابات الأمن القومي وموازين القوى الإقليمية. لكن هذه التحولات ما تزال محكومة بمعادلة دقيقة: فكلما إزداد مستوى التعاون بين إسرائيل وبعض الدول العربية، إزدادت الحاجة إلى إدارة هذا التعاون بحذر شديد تجنباً لردود الفعل الشعبية والإقليمية. ومن هنا تبدو زيارة نتنياهو للإمارات أكثر من مجرد لقاء سياسي عابر؛ إنها نافذة تكشف الصراع بين منطق التحالفات الجديدة ومنطق الحساسيات القديمة، وبين المصالح الإستراتيجية المتغيرة والوقائع السياسية التي ما تزال تفرض نفسها بقوة على مشهد الشرق الأوسط.
#زياد_الزبيدي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
من صفحات التاريخ - أيار 1941: الحرب على الأبواب
-
من «حرب الجبهات» إلى «حرب المدن»: كيف يعيد التصعيد الجوي رسم
...
-
نتائج الحرب على إيران - من إستنزاف الصواريخ إلى خرائط التجار
...
-
ألكسندر دوغين - الوقاحة أم حرب الرموز (برنامج إيسكالاتسيا عل
...
-
كييف تدفع الثمن: روسيا تحول الضربات إلى سياسة عقابية.. هل هي
...
-
ألكسندر دوغين - إستقالة تولسي غابارد ونهاية «ماغا»
-
الإعلام الروسي يصعّد المواجهة مع الغرب بعد مأسآة أطفال الدون
...
-
روسيا - أثرياء الحرب أم إقتصاد الصمود؟
-
غزة… جغرافيا الألم المفتوح
-
أوكرانيا - منطق الحرب بين التدمير والسيطرة
-
لماذا ينظر الروس إلى أوكرانيا كحرب أهلية؟
-
حين عاد ماو: كيف تقرأ الصين صراعها التاريخي مع الولايات المت
...
-
بين “الصفقة” و”الإستراتيجية”: كيف قرأت موسكو قمة ترامب شي ف
...
-
النكبة: ست حقائق أساسية
-
حرب أوكرانيا: هل تغيرت العقيدة العسكرية الروسية؟
-
ألكسندر دوغين - أزمة الواقع والتعددية القطبية والذكاء الإصطن
...
-
الحرب بدأت بالفعل
-
بين ذاكرة الحرب وعودة التسلّح: كيف ترى موسكو التحولات الأورو
...
-
من صفحات التاريخ - الغرب وهتلر: كيف إستمرت التجارة مع الرايخ
...
-
آليات الصراع في الشرق الأوسط.. تقاطع المصالح الدولية في حوض
...
المزيد.....
-
بعد أن كانت بمنأى عنها.. الحرب تقترب من أكبر مدن روسيا
-
ماذا يخطط زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون بتفقد منشأة نووية
...
-
فيديو يوثق لحظة اصطدام طائرة مسيرة بمبنى في مطار الكويت
-
-علينا كسر حزب الله لإنقاذ لبنان- – مقال في التايمز
-
هل يطوي نصب باريس صفحة الخلافات بين فرنسا ورواندا؟
-
بدبلوماسية الجوار النشطة.. كيف يعيد رئيس بنين الجديد رسم خري
...
-
الاحتلال يسرق أراضي الفلسطينيين بنابلس لصالح المستوطنين
-
بين غزة ولبنان.. عائلات تُمحى من السجل المدني تحت القصف الإس
...
-
بعد سنوات من الآلام تمضي الصومال بثبات إلى انتخابات جديدة
-
انتكاسة لطموحها الدولي.. ألمانيا تفشل لأول مرة في دخول مجلس
...
المزيد.....
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
-
كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال
...
/ احمد صالح سلوم
-
الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير!
/ شاكر الناصري
-
كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية
...
/ احمد صالح سلوم
-
k/vdm hgjydv hg-;-gdm
/ أمين أحمد ثابت
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
/ احمد صالح سلوم
-
كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
-
جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا
...
/ احمد صالح سلوم
المزيد.....
|