أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أحمد كامل ناصر - الرواية التشاركيّة وإعادة اختراع الحكاية بين الإنسان والذكاء الاصطناعيّ رواية -نقّار الصمت- للكاتبة الفلسطينيّة ريتا عودة















المزيد.....

الرواية التشاركيّة وإعادة اختراع الحكاية بين الإنسان والذكاء الاصطناعيّ رواية -نقّار الصمت- للكاتبة الفلسطينيّة ريتا عودة


أحمد كامل ناصر

الحوار المتمدن-العدد: 8716 - 2026 / 5 / 25 - 18:16
المحور: الادب والفن
    


تبدو رواية "نقّار الصمت" للكاتبة ريتا عودة محاولة جادة لإعادة التفكير في شكل الرواية العربيّة ووظيفتها، وليس فقط في موضوعها. فمنذ الصفحات الأولى يجد القارئ نفسه داخل نصّ مفتوح، متشظّ، متداخل الأصوات، يتحرّك بين الرسائل والتعليقات ومنشورات الفيسبوك والحوار مع القراء والذكاء الاصطناعيّ والشهادات الشخصيّة والاقتباسات الفكريّة، ولا يشعر أنّه أمام رواية تقليديّة ذات راو واضح وحبكة مستقرّة وشخصيات تتحرّك داخل مسار محدّد. ولعلّ هذا التداخل ليس عشوائيا كما قد يبدو لأول وهلة، إنّما جزء من رؤية الرواية نفسها؛ إذ إنّ النصّ يريد أن يعكس تشظي الواقع الفلسطينيّ والإنسانيّ، وأن يجعل من السرد مساحة جماعيّة لا ملكيّة فرديّة مغلقة.
الرواية في جوهرها تقوم على فكرة “النقر” بوصفه فعلّا ضد الصمت. والصمت هنا حالة قهر تاريخيّ ونفسيّ وجماعيّ. لذلك يتحوّل “النقر” إلى رمز للحفر في الجدار المغلق، ومحاولة مستمرة لإيقاظ الوعي واستعادة الحكاية. من هنا تأتي أهميّة هذا الاقتباس المركزيّ في الرواية: “ليس كلّ من كسر الصمت قال الحقيقة… لكن كلّ حقيقة تبدأ بنقرة.”
هذه العبارة تختصر فكرة الرواية وتكشف بنيتها أيضّا. فالرواية نفسها عبارة عن “نقر” متواصل: نقر على الذاكرة، على اللغة، على السرد التقليديّ، وعلى العلاقة بين الكاتب والقارئ. ولهذا تعلن الكاتبة منذ البداية أنّ الرواية ليست ملكًا فرديًا لها، حين تقول: “ليست روايتي أنا إنّما روايتنا نحن، وجعنا نحن، مرآة آلامنا نحن.”
هذا الإعلان المبكر مهم جدًا، لأنّه يفسّر الشكل التشاركيّ الذي اختارته الرواية. فالقارئ هنا، جزء من صناعة النصّ. الشخصيات نفسها لا تبدو مكتملة ونهائيّة، وتتشكّل أثناء الحوار والتفاعل. حتى الكاتبة لا تتصرّف بوصفها سلطة مطلقة فوق النصّ، لكن بوصفها منسقة للأصوات ومحرضة على الكلام.
وهنا تتضح أهميّة الدور الذي لعبه القراء المشاركون داخل الرواية، ومنهم دوري أنا، "الدكتور أحمد كامل ناصر"، بوصفـي قارئًا وشريكًا نقديًا داخل النصّ نفسه، لا خارجه فقط. وجودي داخل الرواية لم يكن مجرّد ذكر عابر، فقد دخلت النصّ بوصفـي قارئًا يحاور الرواية ويعيد توجيه أسئلتها، وهذا ما منح التجربة عمقًا إضافيًا، لأنّ الرواية لم تعد نصًا مغلقًا يكتبه مؤلف واحد، إنّما أصبحت فضاءً للحوار النقديّ الحيّ.
حين قلت داخل الرواية: “ربما نحن الآن بالفعل داخل الصفحة الأولى، وقد بدأ النقّار طرقه منذ قرأنا العنوان.” فإنّ هذه العبارة كانت قراءة مبكرة لطبيعة الرواية نفسها قبل أن تكون تعليقًا انطباعيًا. فالعنوان يعمل بوصفه اسما للرواية، وبوصفه “عتبة” تستدرج القارئ إلى داخل اللعبة السرديًة. “نقّار الصمت” ليس طائرًا، لكنّه استعارة مفتوحة لكلّ من يحاول أن يخرق السكون ويوقظ ما تمّ دفنه داخل الذاكرة والجسد واللغة.
وقد بدا هذا واضحا في تحليل العنوان داخل الرواية نفسها، حين جاء: “النقر فعل إزعاج وكسر للإيقاع… بينما الصمت حالة سكون. جمعهما معًا يوحي بأنّ هناك من يخرق السكون، يفضح ما هو مخبوء.”
هذا التحليل يكشف وعيًا لغويًا ورمزيًا واضحًا لدى الكاتبة. فالعنوان هنا مفتاح دلاليّ للرواية كلّها وليس زينة لغويّة.
كما أنني أشرت داخل الرواية إلى طبيعتها الميتاسردية حين قلت: “أتوقع رواية نفسيّة/فلسفيّة/ميتا سرديّة، عن السلطة، والقراءة، والتلاعب، وكيف يمكن لكلمة واحدة أن تجعل القارئ أسير النصّ.”
وهذا ما تحقّق فعلًا داخل الرواية. فهي تروي الأحداث وتجعل القارئ واعيًا لعمليًة السرد ذاتها. النصّ يتحدّث عن نفسه باستمرار، يناقش بنيته، ويكشف طريقة تشكله أمامنا. وهذه من أبرز سمات الرواية الميتاسرديّة الحديثة.
ولعلّ من أهمّ عناصر الجرأة في الرواية إدخال الذكاء الاصطناعيّ كشخصيّة داخل النصّ تحت اسم “رفيق حرفيّ”. هنا يظهر الذكاء الاصطناعيّ كشريك في تشكيل الحكاية، وليس كأداة تقنيًة باردة. وهذا ما يجعل الرواية من أوائل المحاولات العربيّة التي أدخلت الذكاء الاصطناعيّ إلى قلب البناء السرديّ، لا كفكرة خارجيّة فقط. تقول الكاتبة ريتا مخاطبة “رفيق حرفها”: “سأنقل لك الرواية لتقودني للفصول التي تليها.” لكن الرواية تناقش حدود هذا الشريك الجديد. فالذكاء الاصطناعيّ داخل النصّ يبدو قادرًا على التحليل والتوجيه، لكنّه يبقى عاجزًا عن امتلاك الجرح الإنسانيّ الحقيقيّ. وهذا ما يجعل حضوره مثيرًا ومقلقا في الوقت نفسه.
لعلّ من أكثر المقاطع دلالة قول “رفيق حرفها”: “نحن الآن لسنا أمام رواية بالمعنى التقليديّ، بل أمام تظاهرة سرديّة.”
وهذا الوصف يبدو دقيقًا جدًا، لأنّ الرواية بالفعل تشبه التظاهرة: أصوات كثيرة، غضب جماعيّ، فوضى تحمل معنى، ورغبة عارمة في الكلام بعد زمن طويل من الصمت. غير أنّ الرواية، رغم جرأتها، كانت واعية بالمخاطر التي تواجه الشكل التشاركيّ. لذلك جاء التحذير داخل النصّ نفسه: “هذا النوع من الطرح التشاركيّ ينجح، فقط، إذا كان لديك هيكل خفيّ صارم يقود الفوضى.” وهنا تكمن إحدى أهمّ نقاط قوّة الرواية؛ فهي ليست منبهرة بتجربتها بصورة عمياء، وذلك لأنّها واعية لاحتمال تحوّل الحريّة إلى تشظّ وفوضى. ولذلك يبدو النصّ أحيانًا وكأنّه يناقش نفسه ويحاكم أدواته أثناء الكتابة.
أمّا على مستوى الشخصيات، فإنّ الرواية لا تقدّم شخصيات- رموز ولا تقدّم شخصيات مكتملة نفسيّا بالمعنى التقليديّ. غسان مثلا: تمثيل للذاكرة الفلسطينيّة المقموعة، وللإنسان الذي يحاول استعادة صوته بعد القهر وأسير سابق. حين تخاطبه ريتا قائلة: “أنت يا صديقي، بطل روايتي… شئت أم أبيت.” فهي تستدرج تاريخًا كاملًا من الألم الفلسطينيّ إلى فضاء السرد ، ولا تستدرج شخصًا واحدًا فقط
وخولة تمثّل “الرئة” التي تتنفس بها الرواية وليست مجرّد شخصيّة نسائيّة عابرة. كما جاء داخل النصّ نفسه: “لنتخيّل أنّ خولة هي الرئة التي تتنفس بها الرواية حين يختنق غسان في ذكريات السجن.” هذا البعد الرمزيّ يمنح الرواية طابعًا تأمليًا يتجاوز الحكاية المباشرة.
أمّا اللغة، فهي واحدة من أبرز عناصر الرواية. لغة ريتا عودة لغة سرديّة غير محايدة، لغة مشبعة بالشعر والرمز والانفعال. الجمل القصيرة المتكررة تشبه عمليّة “النقر” نفسها، وكأنّ الإيقاع اللغويّ يتحوّل إلى جزء من المعنى. ويتجلّى ذلك بوضوح في قولها: “الحقيقة لا تفتح بالمفاتيح… بل بالنقر المتواصل حتى يتشقق الخشب.” حتى شكل الجملة هنا قائم على التقطيع والإيقاع، بما يشبه فعل الطرق نفسه.
والرواية في عمقها عن فلسطين بوصفها قضيّة سياسيّة، وعن الحكاية بوصفها شكلًا من أشكال البقاء. لذلك تتكرّر فكرة السرد كفعل مقاومة للنسيان: “الفلسطينيّ لا يستطيع أن يكون حياديًّا تجاه حكايته. إمّا أن يكتبها أو تقتله.” وكذلك: “إنّ استعادة الحكاية هي أول خطوة نحو استعادة الأرض.” هنا تتحوّل الكتابة إلى فعل وجوديّ، لا مجرّد نشاط أدبيّ.
ولعلّ من أهمّ ما نجحت فيه الرواية أنّها لم تتعامل مع القارئ كمتلق بعيد، لكنّها جعلته يشعر أنّه داخل النصّ فعلًا. وهذا ما شعرت به شخصيًا أثناء مشاركتي في الرواية وقراءتي لها. لقد بدا النصّ وكأنّه يكتب نفسه أمامنا، ويعيد تشكيلنا نحن أيضًا أثناء القراءة.
في تقديري، رواية "نقّار الصمت" ليست رواية سهلة، ولن تكون مقبولة لدى القراء كلّهم ، لأنّها تتعمّد كسر القوالب المألوفة. لكنّها بلا شكّ تجربة جريئة ومختلفة في الرواية العربيّة المعاصرة، وتجربة تستحقّ التوقّف عندها بوصفها محاولة لإعادة تعريف مفهوم الرواية والقارئ والكاتب معا.
أمّا الكاتبة المبدعة ريتا عودة، فأعتقد أنّها تمتلك شجاعة واضحة في المغامرة الفنيّة، وقدرة على تحويل الوجع الفلسطينيّ إلى مختبر سرديّ مفتوح. ورّبما لا تنجح الرواية دائمًا في ضبط هذا الاتساع، وربّما تقترب أحيانًا من الفوضى بسبب كثرة الأصوات، لكن هذه الفوضى نفسها تبدو جزءًا من طبيعة النصّ وروحه.
ولهذا قلت لها داخل الرواية: “العنوان نجح في أن يكون وعدًا أدبيًا… فاحذري أن يكون النصّ أقلّ جرأة منه.” وأعتقد الآن أنّ الرواية، رغم كلّ شيء، استطاعت أن تظلّ وفية لهذا الوعد؛ لأنّها لم تخف من التجريب، ولم تتراجع إلى الأشكال الآمنة والمألوفة، لكنّها أصرّت على مواصلة “النقر” حتى النهاية.
الطيرة – 25.5.2026



#أحمد_كامل_ناصر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الغرام الأول بين الذاكرة والحنين: قراءة في قصيدة “الغرام الأ ...
- الذكاء الاصطناعيّ وأزمة التقييم في التعليم: هل انتهى عصر الا ...
- الرواية الهجينة وإعادة تعريف الإبداع في العصر الرقمي
- فلسفة الوجود وجماليات المقاومة قراءة نقدية في رواية -إلى أن ...
- تفكيك الوهم وبناء الذات: قراءة نقديّة في رواية -العاشرة عشقً ...
- حين تتحول القصيدة إلى مشنقة للضمير: قراءة نقدية في قصيدة -من ...
- الأدب اللا إنساني: هل انتهت صلاحية الروح البشرية؟
- لماذا نطبع بضعة آلاف النسخ فقط في عالم عربيّ يعدّ بالملايين: ...
- الكلمة بين المعنى و”اللايكات”
- ديمقراطية النشر وفوضى النص
- قراءة في رقميّة النصّ عند الدكتورة إيمان يونس
- القصيدة التي تقلق قارئها
- القصيدة المحلية وإشكالية شعر المناسبات
- عدالة تقييم الطلاب في المدرسة الابتدائيّة: نحو رؤية تشاركيّة ...
- قراءة نقدية في مقال -مفاتيح الفن في صناعة الأدب- للكاتبة وال ...
- قراءة نقديّة في قصّة «هاتف بعد منتصف الليل» للكاتب نعمان عبد ...
- تعدّد الأصوات النسويّة في رواية -علَقَة- للدكتورة نيفين سمار ...
- جدليّة الغياب والحضور: قراءة نقديّة في رواية -الخليفة- سرديّ ...
- كلارا بوصفها محفّزًا سرديًّا: قراءة في التحوّل والانعكاس الذ ...
- الذاكرة والصراع النسويّ في الأدب الفلسطينيّ: قراءة نقديّة في ...


المزيد.....




- بين الواقع واليوتوبيا.. كيف يصيغ الأدب النسوي سيناريوهات الم ...
- ما وراء شباك التذاكر.. كيف كسرت الصين هيمنة هوليود وأعادت تع ...
- من بينهم درّة زروق وتامر عاشور.. فنانون يؤدون مناسك الحج هذا ...
- فيلم -أسد- لمحمد رمضان يثير الجدل في مصر.. لماذا؟
- الممثل البريطاني ريز أحمد: أجهزة الأمن حاولت تجنيدي 3 مرات
- الأدب المقارن بين التأصيل النظري وتعدد القراءات الثقافية في ...
- أكاديميون ينتقدون -إلسيفير-ستانفورد-.. مؤشرات علمية أم أدوات ...
- المغنية والممثلة مايلي سايروس تحصل على نجمة المشاهير في ممشى ...
- هل تخشى أن تصبح مثلهم؟.. 5 أفلام تكشف الوجه الآخر للأبوة في ...
- مهرجان كان : السعفة الذهبية لفيلم -فيورد- للمخرج الروماني كر ...


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أحمد كامل ناصر - الرواية التشاركيّة وإعادة اختراع الحكاية بين الإنسان والذكاء الاصطناعيّ رواية -نقّار الصمت- للكاتبة الفلسطينيّة ريتا عودة