أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أحمد كامل ناصر - الغرام الأول بين الذاكرة والحنين: قراءة في قصيدة “الغرام الأول- للشاعر أسامة مصاروة














المزيد.....

الغرام الأول بين الذاكرة والحنين: قراءة في قصيدة “الغرام الأول- للشاعر أسامة مصاروة


أحمد كامل ناصر

الحوار المتمدن-العدد: 8708 - 2026 / 5 / 17 - 14:47
المحور: الادب والفن
    


تحمل قصيدة “الغرام الأوّل” للشاعر أسامة مصاروة مشاعر إنسانية صادقة تعبّر عن الحبّ الأوّل الذي يبقى حيًا في القلب مهما مرّ الزمن. ومنذ العنوان يلفت الشاعر انتباه القارئ إلى أنّ هذا الحبّ ليس تجربة عابرة، لكنّه ذكرى عميقة لا يستطيع النسيان أن يمحوها. فالحبّ الأوّل غالبًا ما يظلّ حاضرًا في الذاكرة لأنّه يرتبط بأجمل مراحل العمر وأكثرها براءة.
تبدأ القصيدة بمشهد مفاجئ يقوم على الدهشة والاستفهام، حين يلتقي الشاعر محبوبته بعد غياب طويل، فتقول:
“أيُعقَلُ أنّهُ لمْ ينسَ حُبًا
برغمِ مرورِ موجاتِ الفصولِ”
فالاستفهام هنا ليس طلبًا للإجابة، إنّما تعبير عن ذهول داخليّ من بقاء العاطفة حيّة رغم الزمن. وقد نجح الشاعر في توظيف صورة “موجات الفصول” للدلالة على تعاقب السنوات وتقلبات الحياة، وكأنّ الحبّ قد صمد أمام الزمن كما تصمد الصخور أمام الأمواج.
وتتعمق الحالة النفسيّة حين يقول:
“أيُعقلُ أنّهُ ما زالَ حيّا
وقد بلغتْ مشاعِرُهُ عِتيّا”
فهنا تتحوّل المشاعر إلى كائن حيّ يشيخ ويهرم، في استعارة توحي بثقل الزمن، لكنّ هذا “الهرم العاطفيّ” لم يمت، بل بقي قادرًا على الاشتعال من جديد. ومن أجمل المقاطع التصويريّة قوله:
“كأنّا قبلَ ثانيَةٍ جلسْنا
وموجُ البحرِ يسمَعُ ما همَسْنا”
إذ يستعيد الشاعر تفاصيل اللقاء القديم بطريقة تجعل الماضي حاضرًا بقوة. البحر هنا ليس عنصرًا طبيعيًا فحسب، لكنّه شاهد على الحبّ وذاكرة تحفظ الهمسات والأسرار. كما أنّ استعمال “كأنّا قبل ثانية” يختصر سنوات الفراق الطويلة ويجعل الحبّ متجاوزًا للزمن.
وتبرز النزعة الرومانسيّة بوضوح في قوله:
“ونَنْقُشُ فوقَ صخْراتٍ هَوَسْنا”
فالنقش على الصخور رمز للرغبة في تخليد الحبّ وحمايته من النسيان، غير أنّ القصيدة لا تبقى في إطار الذكريات العاطفيّة فقط، إذ تنتقل إلى نقد اجتماعيّ واضح حين يقول:
“تقاليدُ الورى قدْ أرهَقتْنا
وحتى دونَ ذنْبٍ فرَّقتْنا”
فهنا يحمّل الشاعر المجتمع مسؤولية الفراق، ويصوّر التقاليد بوصفها قوّة قمعيّة تسلب الإنسان حقّه الطبيعيّ في الحبّ. ويتصاعد هذا الاحتجاج في قوله:
“تكالَبَ كلُّ نمّامٍ عليْنا
بكلِّ وشايَةٍ حتى احْترَقْنا”
إذ تتحوّل الوشاية إلى نار تحرق العاشقين، في صورة تعبّر عن قسوة البيئة الاجتماعيّة التي تتدخل في مصائر الأفراد. ومن خلال هذه الأبيات يكشف الشاعر صراعًا بين الحبّ بوصفه قيمة إنسانيّة نبيلة، وبين مجتمع تحكمه الأحكام المسبقة والخوف من العاطفة.
ويبلغ الخطاب ذروته الفكريّة حين يقول:
“وهلْ في الكوْنِ أسمى مِنْ غرامٍ
يُصارِعُ جَهْلنا والْجهْلُ شرُّ”
فالحبّ هنا يرتقي إلى مستوى القضيّة الإنسانيّة، ويصبح قوّة مضادة للجهل والتعصب. كما أنّ الشاعر يوظف مفردة “الجهل” ذات الحمولة الثقافيّة والتاريخيّة ليشير إلى عقليّة اجتماعيّة ما تزال تعيش خارج روح العصر.
وفي القسم الأخير من القصيدة تتجلّى حرارة الحنين بصورة مؤثّرة، خاصّة في قوله:
“غرامٍ عاشَ مدفونًا سنينا
على مضَضٍ وفي أعماقِ صدْري”
فالحبّ يبدو كأنّه دفين تحت ركام الزمن، لكنّه لم يمت. وقد استطاع الشاعر أن يمنح العاطفة بعدًا إنسانيًا صادقًا بعيدًا عن التكلّف، لذلك تبدو القصيدة قريبة من المتلقي. كما تتجسّد لحظة الانبعاث العاطفيّ بقوّة في قوله:
“فقدْ شعَّ الهوى في القلبِ فورًا
كَشمسٍ نوَّرَتْ وجْهَ النهارِ”
إذ يشبّه عودة الحبّ بالشمس التي تضيء النهار، وهي صورة تمنح الإحساس بالدفء والانكشاف والحياة.
أمّا من الناحية الفنيّة، فقد جاءت القصيدة ملتزمة بالبناء العموديّ التقليديّ، مع وحدة موسيقيّة واضحة وقافية متماسكة منحت النصّ إيقاعًا غنائيًا عذبًا ينسجم مع طبيعة التجربة الوجدانيّة. كما اعتمد الشاعر على اللغة السهلة الممتنعة، فبدت الألفاظ قريبة دون أن تفقد شعريتها، إضافة إلى كثافة الصور البلاغيّة القائمة على الاستعارة والتشبيه والتكرار، خاصّة تكرار “أيُعقلُ” الذي عبّر عن حالة الذهول وعدم التصديق.
وتتميّز القصيدة كذلك بصدقها العاطفيّ؛ فالشاعر لا يكتب عن حب متخيَّل، إنّما عن تجربة تبدو نابضة بالحياة، لذلك يصل إحساسه إلى القارئ بسهولة. ويتجلّى هذا الصدق في خاتمة القصيدة حين يقول:
“فإنْ تجِدوا الكلامَ بِغيْرِ صِدْقٍ
أقولُ وَهلْ لكمْ مثلي عُيُونُ”
فالعين هنا ليست أداة رؤية فقط، بل ذاكرة شعوريّة تختزن الجمال والحنين. ومن خلال هذا الختام يؤكّد الشاعر أنّ التجربة التي عاشها ليست وهمًا شعريًا، لكنّها حقيقة وجدانيّة ما تزال تسكن القلب رغم مرور العمر.
وبذلك استطاع الشاعر أن يقدّم قصيدة تجمع بين الحنين الرومانسي والنقد الاجتماعي، وأن يحوّل تجربة شخصية إلى نص إنساني مؤثر، يلامس فكرة الحب الأول بوصفه جرحًا جميلًا لا يندمل.



#أحمد_كامل_ناصر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الذكاء الاصطناعيّ وأزمة التقييم في التعليم: هل انتهى عصر الا ...
- الرواية الهجينة وإعادة تعريف الإبداع في العصر الرقمي
- فلسفة الوجود وجماليات المقاومة قراءة نقدية في رواية -إلى أن ...
- تفكيك الوهم وبناء الذات: قراءة نقديّة في رواية -العاشرة عشقً ...
- حين تتحول القصيدة إلى مشنقة للضمير: قراءة نقدية في قصيدة -من ...
- الأدب اللا إنساني: هل انتهت صلاحية الروح البشرية؟
- لماذا نطبع بضعة آلاف النسخ فقط في عالم عربيّ يعدّ بالملايين: ...
- الكلمة بين المعنى و”اللايكات”
- ديمقراطية النشر وفوضى النص
- قراءة في رقميّة النصّ عند الدكتورة إيمان يونس
- القصيدة التي تقلق قارئها
- القصيدة المحلية وإشكالية شعر المناسبات
- عدالة تقييم الطلاب في المدرسة الابتدائيّة: نحو رؤية تشاركيّة ...
- قراءة نقدية في مقال -مفاتيح الفن في صناعة الأدب- للكاتبة وال ...
- قراءة نقديّة في قصّة «هاتف بعد منتصف الليل» للكاتب نعمان عبد ...
- تعدّد الأصوات النسويّة في رواية -علَقَة- للدكتورة نيفين سمار ...
- جدليّة الغياب والحضور: قراءة نقديّة في رواية -الخليفة- سرديّ ...
- كلارا بوصفها محفّزًا سرديًّا: قراءة في التحوّل والانعكاس الذ ...
- الذاكرة والصراع النسويّ في الأدب الفلسطينيّ: قراءة نقديّة في ...
- قصيدة -سطعتْ- للشاعر أسامة مصاروة: جدليّة الضوء والهويّة في ...


المزيد.....




- اعتقال كوميدي تركي بتهمة إهانة الإسلام وأردوغان
- وشم باللغة الروسية.. مشجعة مكسيكية تخطف الأنظار في كأس العال ...
- ورشة في دمشق ترسم ملامح مرحلة جديدة للدراما السورية
- افتتاح متحف تفاعلي للرسوم المتحركة في استوديو -سويوزمولتفيلم ...
- اكتشاف أكثر من 140 ألف قطعة أثرية في موسكو خلال 15 عاما
- نيكيتا ميخالكوف ينتقد عرض فيلم -المترجم- لغاي ريتشي في روسيا ...
- وفد من المثقفين والمؤسسات الدينية والشخصيات السياسية والثقاف ...
- الحكم على الممثلة الفرنسية إيزابيل أدجاني بالسجن وغرامة مالي ...
- علاقة مثلية بين طالبة وعميدة جامعة متزوجة تتحول إلى مسرحية أ ...
- الاستقالة.. ثقافة لا هزيمة


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أحمد كامل ناصر - الغرام الأول بين الذاكرة والحنين: قراءة في قصيدة “الغرام الأول- للشاعر أسامة مصاروة