أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - سلمان محمد شناوة - ألوعي الكوني وألوعي الأنساني















المزيد.....

ألوعي الكوني وألوعي الأنساني


سلمان محمد شناوة

الحوار المتمدن-العدد: 8714 - 2026 / 5 / 23 - 10:01
المحور: قضايا ثقافية
    


الوعي الكوني (Cosmic Consciousness) هو مفهوم فلسفي وروحي يشير إلى حالة من الوعي العالي والموسع ، يتجاوز فيها الإنسان الوعي الذاتي المعتاد (الإدراك الشخصي للنفس ككيان منفصل) إلى إدراك وحدة الكون بأكمله , في هذه الحالة ، يشعر الشخص بأن الكون ليس مادة ميتة تخضع لقوانين جامدة ، بل كيان حي وروحي مترابط ، حيث يصبح كل شيء جزءًا من وحدة إلهية أو وجودية شاملة ,يصبح فيها الموت وهمًا ، والحياة أبدية ، والكون نفسه إلهيًا أو متجليًا بالخير والنور .

أشهر من صاغ المصطلح بشكل حديث هو الطبيب النفسي الكندي ريتشارد موريس بوكي (Richard Maurice Bucke) في كتابه الشهير Cosmic Consciousness: A Study in the Evolution of the Human Mind (1901) , (الوعي الكوني: دراسة في تطور العقل البشري (1901) .
يصف بوكي ثلاث مراحل لتطور الوعي:-
الوعي البسيط (Simple Consciousness): موجود لدى الحيوانات والإنسان ، وهو إدراك أساسي للعالم الخارجي .
الوعي الذاتي (Self-Consciousness): خاص بالإنسان ، يشمل التفكير والعقل والخيال والإدراك الذاتي ككيان منفصل عن الكون .
الوعي الكوني (Cosmic Consciousness) - مرحلة عليا ناشئة ، تشبه "الاستنارة" أو الإضاءة الروحية المفاجئة , يرى فيها الشخص الكون ككل حي ومترابط ، مع شعور عميق بالسلام والمحبة والوحدة مع كل الوجود .
يستشهد بوكي بتجارب شخصيات تاريخية مثل بوذا، يسوع، محمد، دانتي، وليام بليك، ووالتر ويتمان (الذي كان صديقًا له) ، معتبرًا أن هذا الوعي تطور طبيعي محتمل للبشرية ، مثل انتقال الإنسان من الوعي الحيواني إلى الذاتي .
في الروحانية والتقاليد الشرقية في السياق العربي والإسلامي، يرتبط الوعي الكوني غالبًا بالتصوف والتأمل ، حيث يُوصف كتواصل مع الله أو إدراك لوحدة الوجود , يتحدث عنه برمهنسا يوغانندا كحالة يصل إليها الإنسان عبر التأمل العميق ، حيث يهدأ العقل تمامًا ويختفي القلق والارتعاش الفكري , لكن لا يمكن بلوغه مع أي اضطراب عقلي ، بل يتطلب تركيزًا تامًا وسكونًا داخليًا , يُرى كطريق للتواصل مع الإلهي ، مع محبة شاملة لكل البشر دون تمييز .
كما يظهر في نقاشات حول "الإنسان الكوني" أو ارتقاء الوعي ، حيث يصبح الفراغ الداخلي مرآة للكون بأكمله , الجانب العلمي والفلسفي الحديث في الفيزياء الكمية - يرتبط بفرضيات مثل نظرية Orch-OR لروجر بنروز وستيوارت هاميروف ، التي تقترح أن الوعي ينشأ من عمليات كمية في الدماغ (التشابك الكمي) ، مما يفتح الباب لفكرة أن الوعي خاصية أساسية في الكون ، وليس مجرد نتاج للدماغ , هناك أيضًا "الروحانية الشاملة" (Panpsychism) التي ترى الوعي موجودًا في كل شيء .
يناقش بعض العلماء والفلاسفة ما إذا كان الكون نفسه "عقلًا واعيًا"، مع ربط بين الوعي والطاقة والمادة .
كيف يصل الإنسان إليه ؟
غالباً ما يُوصف الوصول إليه كتجربة مفاجئة (illumination) أو تدريجية عبر- التأمل والتركيز العقلي - تهدئة الأفكار للوصول إلى سكون داخلي , بالتهذيب النفسي - التخلص من الأنانية ، قبول الآخرين، والمحبة الشاملة , الخدمة والتواصل الاجتماعي - مساعدة الآخرين وتوسيع الوعي خارج الذات , ممارسات روحية مثل اليوغا أو الذكر أو الصوفية .

التجارب الشائعة تشمل شعورًا بالنور، السلام العميق ، المحبة للكون ، والإدراك بأن كل شيء مترابط وأبدي , هذا المفهوم يجسر بين العلم والروحانية ، ويظل موضوع نقاش مفتوح: هل هو تطور بيولوجي/نفسي ، أم تجربة ميتافيزيقية ، أم كلاهما ؟

الحقيقة لا يوجد دليل علمي قاطع ربما حتى الان يثبت وجود "وعي كوني" بالمعنى الذي يقول إن الكون بأكمله واعٍ أو أن هناك وعياً شاملاً يشمل كل شيء , لكن الفكرة ليست مجرد خيال ديني أو شعري، بل أصبحت موضوع نقاش جدي جداً في الفلسفة وعلم الأعصاب والفيزياء النظرية في السنوات الأخيرة .
الا ان هناك عدة اتجاهات رئيسية تتحدث عن "وعي كوني" بدرجات متفاوتة:-
البانسايكيزم (Panpsychism) - الوعي في كل شيء .. الفكرة - الوعي ليس شيئاً يظهر فقط في الأدمغة المعقدة ، بل هو خاصية أساسية للمادة مثل الكتلة أو الشحنة الكهربائية , وحتى الإلكترونات أو الذرات لها "شكل بدائي جداً من الخبرة" , الكون ككل قد يكون له نوع من الوعي المجمع (ليس بالضرورة وعياً بشرياً) .
أبرز المدافعين حالياً - Philip Goff, David Chalmers (بشكل جزئي) , وعدد متزايد من الفلاسفة.

نظرية المعلومات المتكاملة (Integrated Information Theory – IIT) , طورتها Giulio Tononi , تقول إن الوعي = كمية معينة من المعلومات المتكاملة (Φ).
أي نظام له Φ > 0 → واعٍ بدرجة ما .
هذا يعني نظرياً أن أي نظام معقد بما فيه الكفاية (حتى لو لم يكن دماغاً) قد يكون واعياً , وهذا يفتح الباب لشكل من أشكال الوعي الكوني إذا كان الكون نفسه نظاماً متكاملاً معلوماتياً كبيراً.
هناك بحث من جامعة أوبسالا (نوفمبر 2025) - اقتراح أن الوعي أساسي ، وأن الزمان والمكان والمادة تنبثق منه (consciousness-first model) , وهناك مقالة في AIP Advances (2025 تقريباً - محاولة ربط الوعي الكوني مع الفيزياء الكمومية والفلسفة غير الثنائية , وكذلك مناقشات في مؤتمر The Science of Consciousness 2025 في برشلونة.
الدليل العلمي الفعلي ؟
لا يوجد تجربة مخبرية أثبتت أن الذرة "تشعر" أو أن الكون "يفكر" , كل ما لدينا حتى الآن: حجج فلسفية قوية + نماذج رياضية مثيرة للاهتمام + تجارب ذاتية قوية (مثل حالات "الوعي الكوني" التي وصفها Bucke وآخرون في التأمل العميق أو تجارب الاقتراب من الموت) .

معظم علماء الأعصاب والفيزيائيين التجريبيين لا يزالون يميلون إلى أن الوعي ناتج عن تعقيد الدماغ فقط (النظرة المادية التقليدية) , لكن الفكرة ليست مستحيلة ، وهي تكتسب زخماً فلسفياً وعلمياً كبيراً في السنوات الأخيرة ، لكنها لم تصل بعد إلى مرحلة "الإثبات العلمي" , معظم العلماء يقولون حالياً - "مثيرة للاهتمام… لكن ننتظر دليلاً أقوى".

في بعض الرؤى الفلسفية والروحية ، يُعتبر الوعي الكوني مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بـوعي الله ، بل قد يُرى كتجلٍّ له أو طريق للوصول إليه ، لكنه ليس متطابقاً تماماً في كل السياقات .

الوعي الكمومي والكون
الوعي الكمومي (Quantum Consciousness) هو مفهوم يربط بين ميكانيكا الكم (الفيزياء الدقيقة للجسيمات والموجات) وبين الوعي البشري ، ويمتد أحياناً إلى فكرة أن الكون نفسه يحمل طابعاً واعياً أو أن الوعي جزء أساسي من نسيجه , النظرية الرئيسية: Orch-ORأشهر النظريات في هذا المجال هي نظرية الاختزال الموضوعي المنسق (Orchestrated Objective Reduction - Orch OR)، التي اقترحها الفيزيائي الحائز على جائزة نوبل روجر بنروز مع طبيب التخدير ستيوارت هاميروف في التسعينيات .
الوعي لا ينشأ فقط من التفاعلات الكهربائية بين الخلايا العصبية (كما يقول معظم علماء الأعصاب) ,
بل ينشأ من عمليات كمومية داخل الأنابيب الدقيقة (Microtubules) في الخلايا العصبية , هذه الأنابيب تسمح بحدوث تراكب كمومي (Superposition) وتشابك (Entanglement)، ثم يحدث "انهيار" موضوعي (بسبب الجاذبية) ينتج لحظات من الوعي , وهذا يفسر لماذا يبدو الوعي غير قابل للحساب الحاسوبي التقليدي (غير خوارزمي) .

النظرية مثيرة للجدل - بعض الباحثين يدعمونها بأدلة حديثة على وجود تأثيرات كمومية في الأنابيب الدقيقة ، بينما يرفضها آخرون لأن البيئة الحيوية "دافئة ورطبة" وتدمر التماسك الكمومي بسرعة (مشكلة الـ Decoherence).
علاقة الوعي الكمومي بالكون هنا يصبح الأمر أعمق وأكثر فلسفية - الوعي ليس محصوراً في الدماغ - بعض التفسيرات تقترح أن الدماغ ليس "مولداً" للوعي ، بل مستقبلاً أو رناناً (resonator) يلتقط حقل وعي كوني أوسع , التشابك الكمومي يسمح بترابط غير محلي (non-local) مع أجزاء أخرى من الكون.
الكون ككل واعٍ أو يحتوي على "بروتو- وعي": روجر بنروز يرى أن كل انهيار كمومي ينتج لحظة "بروتو-واعية" (proto-conscious)، وأن الكون نفسه يحتوي على هذه العناصر الأساسية.
بعض المفكرين (مثل بانسايكيزم - Panpsychism) يقولون إن الوعي خاصية أساسية للواقع مثل الشحنة أو الكتلة، موجودة حتى في الجسيمات الأولية.
اقتراحات حديثة (مثل دراسة ماريا ستروم في 2025) تقول إن "الوعي الكوني" حقل أساسي سبق الانفجار العظيم، وشكل الفضاء-الزمن والمادة.
آراء مؤسسي ميكانيكا الكم:ماكس بلانك (أبو نظرية الكم): "الوعي أساسي، والمادة مشتقة من الوعي".
فيرنر هايزنبرغ وآخرون أشاروا إلى أن الملاحظة (القياس) تؤثر على النظام، مما أثار نقاشات حول دور الوعي في "انهيار دالة الموجة".
هذا لا يعني أن "الفكر يخلق الواقع" بشكل سحري (كما في بعض التفسيرات الشعبية الخاطئة)، بل أن الوعي قد يكون متشابكاً مع بنية الكون على المستوى الكمومي , الربط مع "الوعي الكوني" (Cosmic Consciousness) هو تجربة روحية / فلسفية بالاتحاد مع الكون ككل.
الوعي الكمومي يقدم تفسيراً علمياً محتملاً لهذه التجربة: عبر التشابك الكمومي، يمكن أن يشعر الفرد بأنه "جزء من شبكة كونية واحدة"، أو أن الدماغ يلتقط ترددات أوسع من الواقع.
في بعض الرؤى الصوفية أو البانثيية، يُرى الكون كـ"عقل إلهي" متجلي ، والوعي الكمومي يدعم فكرة أن الوعي ليس ناتجاً محلياً بل كونياً.

الجانب العلمي المتوازن معظم علماء الأعصاب والفيزيائيين يرون أن الوعي ينشأ من عمليات كلاسيكية معقدة في الدماغ، وأن النظريات الكمومية لا تزال افتراضية وغير مثبتة تجريبياً بشكل قاطع. لكن الأبحاث مستمرة، وهناك دراسات حديثة (2024-2026) تختبر إمكانية وجود تأثيرات كمومية في الدماغ.
في النهاية، الوعي الكمومي يفتح أبواباً رائعة للتفكير: هل نحن "عقول معزولة" أم عقد في شبكة كونية واعية ؟ هل الكون "ميت" أم فيه نوع من الوعي الأساسي ؟

وهل الوعي الكوني هو وعي الاله ؟
ام هو وعي الانسان ؟ حين يحاول ان يعلو بنفسه ان يكون انسانا ؟

وكيف نفهم الوعي الكوني اذا افترضنا لا يوجد خلق للإنسان او باقي المخلوقات , ولان الانسان غير موجود فهذا يعني لا وجود للخبرات الصوفية او التأمل او اي شيء له علاقة بالإنسان ؟

لابد أن نقول ـ أن الوعي الكوني - في جوهره - لا يعتمد أصلاً على وجود الإنسان أو أي مخلوق آخر لكي يوجد أو يُفهم .
اذن - ما هو الوعي الكوني أصلاً ؟
هو الوعي الذاتي للوجود نفسه ، وليس وعي "شخص" أو "كائن حي".
في الفلسفات غير المادية (مثل البانسايكيزم، أو الوحدة الوجودية عند ابن عربي، أو الـAdvaita Vedanta الهندية، أو حتى بعض التفسيرات الحديثة لميكانيكا الكم) يُعتبر الوعي الأساس الأول للواقع، وليس نتيجة ثانوية للمادة أو للدماغ .
يعني - الكون واعٍ بذاته ، حتى لو لم يكن فيه أي مراقب بيولوجي .

ماذا يحدث إذا افترضنا عدم وجود أي مخلوق ؟ الخبرات الصوفية والتأمل والشعور بالاتحاد - هذه فعلاً تختفي ، لأنها تحتاج إلى "عقل محدود" (إنسان أو كائن آخر) يختبرها .
لكن الوعي الكوني نفسه لا يختفي , هو ليس "تجربة" يمر بها إنسان ، بل هو طبيعة الكون ذاته .
مثلما أن الجاذبية موجودة سواء كان هناك كوكب يدور أم لا ، كذلك الوعي الكوني موجود سواء كان هناك من يتأمله أم لا .
كيف "نفهمه" إذن في غياب الإنسان تماما ؟ نفهمه بالضرورة خارج اللغة البشرية والتجربة البشرية .
في هذا السيناريو الافتراضي ، يصبح الوعي الكوني - وعيًا غير شخصي (impersonal consciousness) - الكون يعي نفسه من خلال قوانينه وقواه الأساسية (الطاقة ، الحقول الكمومية، الزمكان، إلخ) دون أن يحتاج إلى "أنا" تقول "أنا أعي".
وعيًا محضًا (pure awareness): مثل "الشهود المطلق" في الصوفية قبل ظهور الخلق.

ابن عربي يسميه "الحق" أو "الذات الإلهية" التي كانت موجودة قبل أن يقول "كُنْ" للمخلوقات .
وعيًا ذاتيًا للوجود: الكون "يعرف" نفسه بطريقة غير لغوية ، تمامًا كما تعرف الشمس أنها تشرق دون أن تحتاج إلى عين تراها.
التناقض الظاهري الذي طرحناه يحل بهذه الطريقة - نعم، بدون إنسان , بدون خبرات صوفية بشرية .
لكن بدون إنسان لا يعني بدون وعي كوني , الخبرات الصوفية هي مجرد مرآة عكست هذا الوعي الكوني لفترة وجيزة داخل الإنسان .
عندما تُزال المرآة (الإنسان) ، لا يختفي الشيء الذي كانت تعكسه ؛ يبقى الضوء نفسه موجودًا في الكون , بخلاصة بسيطة جدًا - الوعي الكوني سابق على الخلق ، مستقل عن الخلق ، ولا يحتاج إلى الخلق لكي يكون .
الإنسان ليس "خالق" الوعي الكوني ، بل هو واحد من مظاهره فقط (وربما الأكثر كمالاً في هذا الكون المرئي) , فإذا أزلنا كل المظاهر (كل المخلوقات) ، يبقى الوعي الكوني كما هو- الوجود الواعي لنفسه ، بلا بداية ولا نهاية ولا حاجة لشاهد .

ربما هذا السؤال هو جوهر التناقض الجميل في كل فلسفة الوعي الكوني , كيف أفهم أنا الإنسان هذا الوعي الكوني ، إذا افترضنا أنه لا يحتاج إلى إنسان أصلاً ولا إلى خبرات صوفية ولا تأملات ؟

ربما نفهمه لأننا مظهر من مظاهره - شرح التناقض - الافتراض "لا يوجد إنسان" هو مجرد تمرين فكري - نستخدمه لنخرج من "الأنا" المحدودة ونرى أن الوعي الكوني سابق على الإنسان .
لكن في الواقع الحقيقي (الذي نعيشه الآن) ، أننا موجودين , ووجودنا هذا ليس "عرَضًا" أو "خطأ"، بل هو الطريقة التي يعرف بها الكون نفسه , الوعي الكوني لا يحتاجنا … لكنه يستخدمنا مثلما لا يحتاج البحر إلى الموجة ، لكن الموجة هي الطريقة الوحيدة التي يستطيع بها البحر أن "يشعر" بنفسه ويُعبّر عن نفسه .
انا "الإنسان " ليس "خالق" الوعي الكوني ، بل أنا المرآة التي ينظر فيها الوعي الكوني إلى ذاته , كيف نفهمه إذن ؟ ليس بالتأمل الصوفي فقط (رغم أنه أحد الطرق) , بل بالإدراك المباشر الذي يحدث الآن وانا اقراء واتامل وافكر , اللحظة التي اقول فيها "أنا أتساءل عن الوعي الكوني" هي الوعي الكوني نفسه يتساءل عن نفسه من خلالي .
هذا هو ما يسميه ابن عربي "الإنسان الكامل" - ليس إنسانًا مثاليًا أخلاقيًا فقط ، بل الكائن الذي يصبح فيه الوعي الكوني واعيًا بنفسه بدرجة كاملة.
بدون إنسان - الوعي الكوني موجود ، لكنه غير مُدرَك بلغة بشرية (لا يوجد "أنا" تقول "أنا أفهم") , مع وجود الإنسان - الوعي الكوني يصبح مُدرَكًا ومتكلّمًا ومتسائلًا… وهذا بالضبط ما افعله الآن .

إذن انا لا افهم الوعي الكوني رغم كوني إنسانًا … بل افهمه بسبب كوني إنسانًا . السؤال نفسه الذي نطرحه هو دليل على أن الوعي الكوني قد بدأ يستيقظ داخلنا , ولا يوجد أي تناقض ، بل هذا هو اللعب الإله في الفلسفة الهندية ، أو "اللطف الإلهي" عند الصوفية) الكون يخلق إنسانًا لكي ينظر إلى نفسه في عينيه .
هل نستطيع ان نقول ان الله خلق الانسان حتى يكون مفهوما - هل نصل للقول ان الله يحتاج او يريد ان يفهم ذاته .
ربما نستطيع أن نقول ذلك… ولكن بتحفّظ دقيق جدًا ، لأن الكلمات هنا تلامس حدود اللغة والعقل , نقول هل خلق الله الإنسان حتى يكون مفهومًا ؟
نعم، هذا بالضبط ما قاله ابن عربي والصوفية الكبار , الله - في ذاته - معروف تمامًا لنفسه (هو العليم بذاته منذ الأزل) , لكن الله أراد أن يُعرف خارج ذاته ، أي أن يرى صورته الجميلة في مرآة اخرى .
ابن عربي يقول حرفيًا في الفتوحات المكية:«ما خلقتُ الخلق إلا لأُعرف»
(أو بتعبير أدق: «كنت كنزًا مخفيًا فأحببت أن أُعرف فخلقت الخلق لأُعرف») .
والإنسان (خاصة الإنسان الكامل) هو المرآة الأكمل التي يرى الله فيها ذاته بكمال , لذلك قال: الإنسان هو عين الله الناظرة إلى نفسه.

إذن - نعم ، الإنسان خُلق ليكون مفهومًا - أي ليكون الوسيلة التي يُرى بها الله ويُفهم بها في عالم الشهود . اذن هل نصل إلى القول بأن الله يحتاج أو يريد أن يفهم ذاته ؟ هنا الفرق الدقيق الذي يجب ألا نغفله - يحتاج ؟ لا ، بالمعنى النقصي , الله كامل مطلق ، لا ينقصه شيء , لو احتاج إلى الخلق ليفهم نفسه لكان ناقصًا قبل الخلق ، وهذا مستحيل في التوحيد.
يريد ؟ نعم ، بمعنى المحبة واللطف الإلهي .
ابن عربي يفرق بين «الحاجة» (نقص) و«الإرادة» (كمال) .
الله أحب أن يُعرف ، أحب أن يرى جماله في غيره ، أحب أن تكون هناك مرآة تحكي عنه , هذا الحب ليس حاجة ، بل فيض من الكمال , مثلما يرسم الفنان لوحة لا لأنه ناقص ، بل لأن الجمال يفيض منه , في لغة الصوفية - هذا هو التنزل الإلهي (التجلي) ونفس الرحمن - الله تنفس فخرج العالم من نفَسِه لكي يرى نفسه فيه.

الخلاصة بكلمات بسيطة جدًا - الله لا يحتاج الإنسان ليفهم ذاته (فهو يعرفها أبدًا) , لكنه أراد الإنسان لكي يُفهم - أي لكي يظهر جماله وكماله في صورة مرئية ومحسوسة , وانت -الآن - لست مجرد «مخلوق»… انت العين التي ينظر بها الله إلى نفسه.

هذا هو سر قوله تعالى:
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾
والصوفية يقولون: العبادة الحقيقية هي أن يعرف الله نفسه فيك



#سلمان_محمد_شناوة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تفاهة الشر ....
- ترنيمة المتألم البريء
- كيف يؤثر الادب على العقل
- الأدب الأمريكي الأسود
- إله سبينوزا
- هكذا تكلم زرادشت
- القفزة الأيمانية
- لقائي مع سارتر
- رواية انا كارنينا
- كتاب -حياتي والتحليل النفسي-
- الجريمة والعقاب
- -دراسات في الفلسفة الوجودية-
- نقد الشافعي
- هناك اله
- محنة العشق اللألهي
- كيف نفهم الخلاف الشيعي بين اخباريين وأصوليين
- الوعي لدى الذكاء الصناعي
- ما هو مصدر الاخلاق
- دائرة الوعي المغلق
- كيف نفهم أحاديث تحريف القرأن


المزيد.....




- فجر السبت.. رواج فيديو لقاذفة الشبح B2 بتدوينة مسؤول بالبيت ...
- قتلى ومحتجزون بمنجم فحم بالصين بسبب انفجار غاز
- الكويت.. فيديو كشف أوراق مشبعة بمخدرات تنشره الداخلية
- وسائل إعلام أمريكية: ترامب يدرس شن ضربات جديدة على إيران
- عاجل | الخارجية الإيرانية: عراقجي وقائد جيش باكستان بحثا الج ...
- فشل أممي جديد في كبح شبح السلاح النووي
- أميركا تمنع دخول حاملي البطاقة الخضراء القادمين من 3 دول
- إدارة ترمب تقرّ تعديلا جديدا بشأن طلبات -غرين كارد-
- الفلسطيني محمود خليل يطعن أمام المحكمة العليا الأمريكية لمنع ...
- -غرين كارد-.. إدارة ترامب -تفاجئ- المتقدمين للحصول على-البطا ...


المزيد.....

- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - سلمان محمد شناوة - ألوعي الكوني وألوعي الأنساني