أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سلمان محمد شناوة - رواية انا كارنينا















المزيد.....


رواية انا كارنينا


سلمان محمد شناوة

الحوار المتمدن-العدد: 8645 - 2026 / 3 / 13 - 04:47
المحور: الادب والفن
    


رواية آنا كارينينا
محنة الصراع النفسي
رواية "آنا كارنينا" هي واحدة من أعظم الروايات في تاريخ الأدب العالمي الواقعي ،

كتبها الروائي الروسي ليو تولستوي ونُشرت بشكل مسلسل بين 1875-1877، ثم في كتاب كامل عام 1878. وقد صور تولستوي من خلال العائلات الثلاث التي تدور حولها أحداث الرواية ، صوّر تحولات القيم داخل مؤسسة الأسرة الروسية، مستحضراً من خلالها شبكة العلاقات الاجتماعية ، كما صوّر في رائعته (هذه) الصراع الذي يجري في أعماق الإنسان بين العقل والعاطفة والروح والغريزة.
الرواية ليست مجرد قصة حب محرم أو خيانة زوجية ، بل لوحة واسعة وعميقة تصور المجتمع الروسي الأرستقراطي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، مع صراعات نفسية واجتماعية ودينية وفلسفية عميقة .
لماذا تُعتبر من أعظم الروايات؟
تولستوي يرسم شخصيات متعددة الأبعاد (لا أحد "شرير" مطلقًا أو "طيب" مطلقًا) , يجمع بين الواقعية النفسية العميقة والنقد الاجتماعي , يطرح أسئلة فلسفية كبيرة دون أن يفرض إجابات جاهزة , لغته وأسلوبه السردي يجمعان بين الدقة والشاعرية.

روسيا في مهب التحولات: الصراع بين عالمين
"القديم ينهار، والجديد لم يولد بعد، وفي هذه الأثناء تكثر الوحوش الضارية"
(المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي) .

أسئلة تولستوي الكبرى ...
"من أنا ؟ وما هو هدف حياتي ؟ والأهم: أين الله ؟ من هو الله ؟ وكيف أحيا بوجود الله؟ ما هو الوجود ؟ ولماذا أنا موجود ؟" كانت هذه الأسئلة التي عصفت بشخصية قسطنيطين ليفين وألقت به في نار الشك والقلق قبل أن يهتدي إلى الإيمان بعد رحلة بحث طويلة ، هذه الشخصية التي قال عنها ليو تولستوي في كتابه "الاعترافات" الذي صدر عام 1879؛ أي بعد سنتين فقط من صدرو رواية "آنا كارنينا"، قال إنها لم تكن سوى مرآة لشخصيته هو !

لقد جسد تولستوي إذن رحلته من الشك إلى الإيمان عبر شخصية ليفين -وليفين تصغير للاسم الأول لتولستوي "ليو"- وقد جاء اعترافه هذا بأنه أراد لليفين أن يكون المجسد لآرائه الشخصية وقناعاته الفكرية؛ ليزيل الكثير من اللغط الذي أثاره النقاد حول علاقة ليفين بشخص كاتب الرواية.

البداية الشهيرة التي تلخص فلسفة الرواية كلها:
"كل العائلات السعيدة تتشابه، أما العائلات التعيسة فلكل منها طريقتها الخاصة في التعاسة."

شخصية آنا كارنينا واحدة من أعمق وأكثر الشخصيات تعقيداً في الأدب العالمي، الرواية ليست مجرد قصة حب محكوم عليها بالفشل ، بل هي دراسة نفسية واجتماعية لما يحدث عندما تصطدم العاطفة الجامحة (الحب الشهواني / العاطفي الشديد) بقوانين المجتمع والدين والأسرة .

شخصية آنا كارنينا: من هي فعلا ً؟
امرأة في منتصف الثلاثينيات ، جميلة جداً ، ذكية، مثقفة ، حساسة للغاية ، تقرأ بنهم ، تكتب قصصاً للأطفال ، لها ذوق فني رفيع , متزوجة من أليكسي كارنين (رجل دولة كبير ، أكبر منها بكثير، بارد عاطفيا ، يعيش حسب القواعد والمظاهر) , أم لابن صغير (سيريوجا) تحبه حباً عميقاً .

انا ليست امرأة "فاسقة" أو "مغامرة" بالمعنى السطحي ، بل امرأة كانت تعيش حياة فارغة عاطفياً ، وفجأة اكتشفت شعوراً بالحياة الكاملة عندما وقعت في حب فرونسكي .

بالنسبة لآنا كارنينا، فإنها ستختار أن تعيش وفقا ًلما يمليه عليها قلبها وعواطفها، إن الشغف وحده هو المحرك لشخصية آنا والمحدد لسلوكها وتصرفاتها، فالقوانين التي تحكمها هي قوانين من صنعها الخاص، نابعة بالدرجة الأولى من عواطفها الصادقة وإرادتها المحبة للحياة ، وهو ما سيضعها بطبيعة الحال في مواجهة المجتمع الأرستقراطي المكبل بعدد لا متناهٍ من العادات والتقاليد الشكلية المتهافتة .

تنقاد آنا خلف سيل العواطف التي تجتاحها حين تلتقي بعشيقها فرونسكي أول مرة ؛ حتى إنها ترفض رفضاً قاطعاً عرض زوجها كارنين - بعد معرفته بعلاقتها بفرونسكي - أن تبقى معه لمجرد الحفاظ على مظهر أسرته أمام المجتمع الأرستقراطي ، وحين ينتابها الشك لاحقاً بأن عشيقها فرونسكي لم يعد يبقى معها سوى لدافع الواجب ، وأن حبه لها قد خف ، تدخل آنا في دوامة من الاضطراب واللايقين الذي سينتهي بها إلى الانتحار تحت عجلات القطار الذي التقت به فرونسكي لأول مرة !

ملخص الأحداث الرئيسية
تبدأ رواية “آنا كارينينا” بقصة خيانة ، واشتعال الحياة في منزل زوجين ، حين تكتشف الزوجة “داريا” أن زوجها “ستيفان” يخونها , في هذه الأثناء تصل بطلتنا آنا كارينينا ، وهي سيدة جميلة وساحرة ولطيفة ، معروفة في المجتمع بسبب منصب زوجها الرفيع ، ووجودها في كل المنتديات الاجتماعية والأندية ، وتسعى آنا للصلح بين الزوجين والتهوين عليهما ، وتنجح بالفعل في إنقاذ الزواج .

لكن هذه الرحلة تكون سببًا في مقابلة الضابط الشاب فرونسكي ، الذي يُسحر بآنا من النظرة الأولى ، فيترك الفتاة التي يواعدها “كيتي”، ويسعى وراء آنا كارينينا ، ملاحقًا إياها من مدينة إلى أخرى.

سريعًا ما يحب كل منهما الآخر ويتقابلان في كل مكان ، حتى يعلم المجتمع بكامله ، وكذلك عائلاتهما، بالشائعات الدائرة. في البداية ينكر زوج آنا الشائعات ؛ في محاولة للحفاظ على منصبة الرفيع ، لكن الزوجة تعترف بنفسها بعد حملها ، وهنا تصبح الحياة بين الزوجين مستحيلة. رغم عدم طلاقها تسافر مع عشيقها في رحلة طويلة إلى أوروبا، متنقلين من بلد إلى أخر، متجنبين العودة إلى أراضي الوطن حيث يعاملهما الجميع معاملة سيئة.

يبدأ كلا العاشقين بإدراك ما خسره بسبب هذا الحب ، ففرونسكي تخلى عن منصبه ، وقاطع عائلته ، وهو الآن محروم من كثير من المناصب العليا . أما آنا فقد خسرت ابنها، ورماها المجتمع بعداء كبير، ولم تعد قادرة على الظهور في أي مكان عام دون التعرض للإذلال والإهانة ، وهما مع ذلك مصران على التمسك بحبهما ، وحججهما في تقرير مصيرهما إلى النهاية .

تحليل شخصية آنا كارنينا

الصراع النفسي (أو الداخلي) في شخصية آنا كارنينا هو أحد أعمق وأكثر الصراعات تعقيداً في الأدب، وتولستوي يرسمه ببراعة تجعلها تبدو كإنسانة حقيقية وليست مجرد رمز أدبي . آنا ليست مجرد "ضحية حب" أو "متمردة رومانسية"، بل هي شخصية تمزقها تناقضات داخلية متعددة الطبقات ، تجعلها تتأرجح بين الحياة والموت ، بين الحب والذنب، بين الرغبة والواجب.

أبرز محاور الصراع النفسي في آنا:-
الحب مقابل الواجب الأسري والأمومي
آنا تحب ابنها سيريوجا حباً عميقاً صادقاً ، وفي الوقت نفسه تحب فرونسكي حباً شهوانياً وعاطفياً يجعلها تشعر أنها "حية" لأول مرة , هذا الصراع يصبح مؤلماً جداً عندما تدرك أن اختيار الحب يعني فقدان الابن نهائياً (القانون والمجتمع يمنعان الأم "الزانية" من رؤية ابنها) , تشعر بالذنب الأمومي الذي يعذبها ، لكنها لا تستطيع العودة لأن العودة تعني قمع حبها لفرونسكي وقمع "ذاتها" كامرأة .

الضمير والشعور بالذنب مقابل الإنكار الذاتي
آنا لديها ضمير حي جداً ؛ تشعر بالخطيئة تجاه زوجها كارنين ، وتدرك أنها تؤذي الآخرين , لكن بدلاً من مواجهة الذنب، تلجأ إلى آلية دفاع نفسية (تولستوي يصفها بدقة مذهلة) " تكره كارنين وتصفه بـ"غير إنساني" لتبرير خيانتها , تُقنع نفسها أن حبها "حق طبيعي" وأن المجتمع هو الظالم , هذا الإنكار يزداد مع الوقت، لكنه لا يمحو الذنب تماماً ، فيبقى ينخر فيها كجرح داخلي .
الحب الرومانسي مقابل الواقع القاسي (الغيرة والاعتماد المرضي)
في البداية الحب يبدو مثالياً ومُحرراً , لكن بعد أن بصبح فرونسكي "كل حياتها" (فقدت الابن ، المجتمع ، المكانة)، يتحول الحب إلى هوس وخوف من الفقدان , غيرة مرضية شديدة ، شكوك لا تنتهي، إهانات متبادلة ، شعور بأنها "لا شيء" بدون حبه , هذا التحول من "حب" إلى "إدمان عاطفي" يدمر توازنها النفسي تدريجياً.

الرغبة في الحرية والكرامة مقابل الشعور بالعار والإذلال , آنا ترفض الكذب والحياة المزدوجة (مثل كثير من النساء في مجتمعها) , تريد أن تعيش حبها بصدق وعلانية , لكن المجتمع يرد عليها بالنبذ الكامل , حيث لا تقبلها الطبقة الراقية ، تُعامل كمنبوذة ، تُهان في الأوبرا والمناسبات .

الصراع بين "أريد أن أكون حرة" و"أشعر أنني مذنبة ومنحطة"، مما يولد يأساً وجودياً , الصراع بين الحياة والموت (إيروس مقابل ثاناتوس) , آنا تتأرجح بين رغبة قوية في الحياة (الحب، الجمال، المتعة) وبين رغبة في الموت كـ"هروب" أو "انتقام" أو "عقاب ذاتي".

في النهاية ، يغلب دافع الموت , ليس فقط بسبب اليأس ، بل أيضاً لتعاقب فرونسكي ، ولإنهاء الصراع الذي لم تعد تقدر عليه .

آنا ليست "مجنونة" أو "ضعيفة" فقط ، بل هي إنسانة تمتلك حساسية مفرطة وضميراً حياً ، لكنها غير قادرة على التوازن أو التسوية.
تولستوي يُظهر أن الصراع النفسي هنا ليس مجرد "حب محرم"، بل صراع أعمق: بين الرغبة الطبيعية في السعادة العاطفية الكاملة وبين قوانين المجتمع و الضمير و الواقع الذي لا يرحم .

في النهاية ، الصراع الداخلي هو الذي يقتلها أكثر من المجتمع نفسه ؛ لأنها لم تستطع العيش مع التناقض الذي أحدثته داخل نفسها .

مختارات من الرواية تصف حال انا ...

في بداية العشق والانجذاب
"كانت تشعر أنها حية لأول مرة ، وأن كل شيء سابق كان مجرد نوم عميق ." ,"نظرة واحدة منه جعلت قلبها يرتجف ، وكأن الشمس دخلت إلى حياتها فجأة بعد سنوات من الظلام ."لا أستطيع التفكير فيه وفي نفسي منفصلين ؛ أنت وأنا واحد بالنسبة لي."

أثناء الصراع الداخلي والشعور بالذنب .
"أنا لا أؤذي أحداً غير نفسي ، فلستُ أملك حق إيذاء الغير , "أنا امرأة شريرة ، امرأة ضائعة... لا أستطيع تحمل الكذب، بينما هو يعيش به ."
"كانت تخاف أن تُسلّم نفسها لهذا الجنون ، لكن شيئاً ما كان يجذبها نحوه ، وكانت تستطيع الاستسلام أو المقاومة حسب إرادتها."
"أحياناً لا تعرف ما تخاف منه وما تتمناه : هل تخاف أو تشتهي ما حدث أو ما سيحدث ، وبالضبط ما تريده لا تعرفه."

بعد الانهيار الاجتماعي والعزلة:-
"كل ما كان جيداً في داخلي اختفى، ولم يبقَ سوى الأكثر قبحاً."
"كانت تشعر بالاشمئزاز من نفسها، وبالرعب من وضعها الجديد."
"الغيرة أكلت قلبها ؛ تخاف أن يتركها ، وتشك في كل نظرة ، وتُرهقه وتُرهق نفسها."
"لا سلام أمامي، ولا سعادة ممكنة... أرى فقط اليأس أو الشقاء."

في لحظات اليأس النهائي والانهيار النفسي:-
"أين أنا؟ ماذا أفعل؟ لماذا؟"
"كانت تعتقد أن الموت هو النجاة الوحيدة من هذا السجن الذي صنعتْه لنفسها."
"أحببته حد الانهيار، وكرهت نفسي لأنني لم أستطع التراجع ."
"كل شيء يبدو وكأنه حلم محموم، واستيقظت وحدها معه في عالم لا يقبلها ."

وصف عام لحالتها الداخلية (من تولستوي نفسه أو تحليل دقيق):-
"كانت آنا في حالة من التمزق الدائم - بين رغبتها في الحياة الكاملة وبين شعورها بالذنب الذي ينخر روحها."
"تحول حبها من نور إلى ظلام ؛ من تحرر إلى إدمان يخنقها."
"كانت تعيش في دوامة من الخوف والشوق والعار، لا تستطيع الخروج منها إلا بالهروب النهائي."

هذه العبارات تلخص تحول آنا من امرأة تبحث عن الحياة والحب ، إلى شخصية تُدمرها تناقضاتها الداخلية وقسوة الواقع .
تولستوي يجعلنا نشعر بألمها كأنه ألمنا ، لأنه يصفها بصدق لا يرحم .


ازمة الايمان لدى انا كارنينا
أزمة الإيمان لدى آنا كارنينا في الرواية ليست أزمة فلسفية مجردة أو بحثاً عقلياً عن الله (كما هو الحال مع ليفين)، بل هي أزمة وجودية وعاطفية عميقة تنبع من صراعها الداخلي بين الضمير والرغبة، بين الخطيئة والرحمة الإلهية ، وبين الحياة واليأس , تولستوي يصورها كشخصية تفقد تدريجياً الإيمان بالخير والحب والرحمة ، مما يؤدي إلى انهيارها الكامل , مراحل أزمة الإيمان عند آنا:البداية: إيمان سطحي أو تقليدي
آنا في البداية امرأة متدينة ظاهرياً (تذهب إلى الكنيسة ، تعرف الطقوس الأرثوذكسية ، تربي ابنها على الدين) , لكن إيمانها ليس عميقاً أو فطريا ؛ هو جزء من الحياة الاجتماعية الراقية ، لا يمس قلبها حقاً , عندما تقع في الحب مع فرونسكي ، تبدأ في تبرير فعلتها بأن "الحب حق طبيعي"، وتكره زوجها كارنين الذي يمثل الدين الشكلي البارد .

الصراع الداخلي " الشعور بالذنب والرحمة المفقودة "
بعد الاعتراف والانفصال ، يبدأ الذنب ينخر فيها: تشعر بالخطيئة تجاه ابنها سيريوجا وزوجها , تفقد الثقة في أن الله يرحمها أو يغفر لها , تولستوي يظهر أن آنا تفقد الإيمان بالرحمة الإلهية ، وترى العالم كمكان مليء بالكراهية والنفاق , تحول الحب من "نور" إلى "ظلام"، وتصبح مقتنعة أن "الكراهية" هي القاعدة في العلاقات البشرية .
الانهيار: فقدان الإيمان بالحب والخير
في مراحلها الأخيرة، تصل آنا إلى يأس وجودي " لا ترى أي رحمة في العالم (لا في المجتمع، لا في فرونسكي ، لا في نفسها) , تفقد الإيمان بأن الحياة لها معنى خارج الشهوة والألم , تولستوي يصفها كمن فقدت "الإيمان بالحب" نفسه (كما في بعض التحليلات: "tragedy is that she loses faith in love").
اللحظة النهائية: عودة خاطفة للإيمان ثم الغلبة للظلام , قبل الانتحار مباشرة ، تعبر آنا عن نفسها (ترسم إشارة الصليب) ، وتتذكر الله ، وتشعر بلحظة من النور والقوة للمقاومة , لكن الظلام (اليأس ، الغيرة، الشعور بالعار) يغلبها ، فتختار الموت كـ"نجاة" من السجن الذي أصبحت فيه .
هذا يظهر أن إيمانها كان موجوداً لكنه ضعيف جداً ، غير قادر على مواجهة الصراع.
أزمة آنا ليست مجرد "خطيئة جنسية"، بل فقدان الإيمان بالخير والرحمة في العالم , تولستوي يرى أن الإيمان الحقيقي ليس في الطقوس أو اللاهوت المعقد ، بل في الرحمة ، الحب غير الأناني ، والعيش وفق "القوانين الطبيعية" للحياة (الأسرة، العمل، التواضع) , آنا تفقد هذا الإيمان لأنها جعلت حبها لفرونسكي "إلهاً" بديلاً ، وعندما فشل، انهار كل شيء , في المقابل ، ليفين يجد الإيمان البسيط (مثل إيمان الفلاحين) الذي يقبل الحياة كما هي ، مع الثقة بأن الله موجود في الخير اليومي .

هذه الأزمة تجعل موت آنا ليس مجرد نهاية مأساوية ، بل تحذيراً من تولستوي , بدون إيمان بالرحمة والخير، يصبح الحب الجامح قوة مدمرة ، والحياة سجناً لا مفر منه إلا بالموت .

يمكن اعتبار أزمة آنا كارنينا النفسية نوعاً من أزمة منتصف العمر (midlife crisis)، لكنها ليست نموذجاً كلاسيكياً بسيطاً ، بل مزيج معقد يجمع بين عناصر أزمة منتصف العمر التقليدية و ضغوط اجتماعية قاسية و صراع أخلاقي / ديني و تحولات نفسية عميقة, تولستوي لم يستخدم مصطلح "أزمة منتصف العمر" (الذي انتشر لاحقاً في القرن العشرين)، لكنه رسم صورة نفسية تتطابق مع الكثير من خصائصها.
آنا في الرواية في منتصف الثلاثينيات (حوالي 32–36 سنة تقريباً حسب السياقات) , متزوجة منذ سنوات (زواج مبكر، ابنها سيريوجا في الثامنة تقريباً) , هي في مرحلة منتصف العمر المبكر، حيث تبدأ المرأة في إعادة تقييم حياتها ,,,,,

"هل هذا كل ما في الحياة؟"،
"ما الذي حققته فعلياً؟"،
"هل فات الأوان على السعادة الحقيقية؟".

هي تشعر أن حياتها الزوجية كانت فارغة عاطفياً ، رغم "النجاح الاجتماعي" والجمال والذكاء , ثم يأتي الحب الجامح مع فرونسكي كـ"إيقاظ" مفاجئ، كأنه الشيء الوحيد الذي يجعلها تشعر بالحياة , لانجذاب الفجائي القوي، كأنه "صحوة" بعد سنوات من الروتين , والتمرد على الأدوار التقليدي , ترفض دور "الزوجة المثالية" الباردة ، وتختار الصدق العاطفي رغم الثمن الباهظ , رفضها الكذب والعيش المزدوج، رغم أن المجتمع يتسامح مع الخيانة المخفية , الغيرة الشديدة و الخوف من الفقدان والغيرة المرضية من فرونسكي ، الشكوك، الشعور بأنها "لا شيء" بدونه , وتحول الحب إلى إدمان وخوف دائم من الخسارة , ثم الاكتئاب و اليأس الوجودي , والشعور بأن "لا مفر"، "لا سعادة ممكنة"، ثم ياتي الانهيار التدريجي , والوصول إلى مرحلة "الموت هو النجاة الوحيدة".
آنا لا تزال في قمة جمالها، لكنها تخاف من "فقدان الجاذبية" أو أن فرونسكي يمل منها , الغيرة مرتبطة جزئياً بمخاوف التقدم في العمر.
لكن ما يجعلها مختلفة عن أزمة منتصف العمر "الكلاسيكية" الضغط الاجتماعي القاسي جداً: في روسيا القرن 19، المرأة التي تترك زوجها وتعيش مع عشيقها تُنبذ تماماً (لا مجتمع ، لا ابن ، لا طلاق حقيقي يسمح بالزواج الجديد) , هذا يجعل الأزمة أكثر تطرفاً ولا يترك مجالاً لـ"التجديد" أو "التغيير الإيجابي" الذي يحدث في كثير من حالات أزمة منتصف العمر الحديثة .
الصراع الأخلاقي / الديني . الشعور بالذنب تجاه الابن والزوج ، فقدان الإيمان بالرحمة الإلهية يجعلها أقرب إلى أزمة وجودية/روحية .
نعم، أزمة آنا النفسية هي أزمة منتصف العمر بمعنى واسع وعميق ، لأنها تحدث في سن منتصف الثلاثينيات , تنطوي على إعادة تقييم جذري للحياة.تؤدي إلى تغييرات درامية (علاقة خارجية، تمرد، انهيار) , تنتهي بيأس وجودي (شائع في بعض حالات أزمة منتصف العمر غير المعالجة).
لكن تولستوي يجعلها أكثر مأساوية بسبب عدم وجود مخرج اجتماعي مع الضمير الحي و الاعتماد الكلي على الحب الرومانسي كمصدر وحيد للمعنى . في العصر الحديث، كثير من النساء (والرجال) يمرون بمراحل مشابهة لكن يجدون طرقاً للتكيف أو الطلاق أو العلاج النفسي ، بينما آنا محاصرة تماماً .
ربط البداية بالنهاية في رواية آنا كارنينا هو أحد أبرز إبداعات تولستوي الفنية والفلسفية , الرواية تبدأ وتنتهي بطريقة تبدو دائرية (circular structure)، لكنها ليست مجرد تكرار، بل تحول درامي عميق يحمل رسالة تولستوي عن الحياة، الحب، الأسرة، والإيمان.
البداية الشهيرة (الجملة الأولى)"كل العائلات السعيدة تتشابه ، أما كل عائلة تعيسة فتعيسة بطريقتها الخاصة."
الرواية تفتتح بأزمة أسرية: ستيفا أوبلونسكي (أخو آنا) يخون زوجته دولي، والبيت في حالة انهيارآنا تأتي إلى موسكو لإصلاح زواج أخيها (تحاول إقناع دولي بالصفح) , في محطة القطار الأولى: يحدث حادث موت رجل تحت عجلات القطار (عامل يُدهس) ، وهذا يُعتبر فأل شؤم مباشر لموت آنا , آنا تنتحر تحت عجلات القطار في محطة مشابهة (نفس المكان الذي بدأت فيه علاقتها بفرونسكي ) , البداية تُنبئ بالنهاية , القطار رمز للقدر / القوى الخارجية التي لا تُقاوم (الحب الشهواني يجر إلى الدمار) .



#سلمان_محمد_شناوة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كتاب -حياتي والتحليل النفسي-
- الجريمة والعقاب
- -دراسات في الفلسفة الوجودية-
- نقد الشافعي
- هناك اله
- محنة العشق اللألهي
- كيف نفهم الخلاف الشيعي بين اخباريين وأصوليين
- الوعي لدى الذكاء الصناعي
- ما هو مصدر الاخلاق
- دائرة الوعي المغلق
- كيف نفهم أحاديث تحريف القرأن
- الليبرالية الجديدة - (النيوليبرالية)
- اللامساوة في الرأسمالية
- لماذا يخافون الفلسفة ؟
- العراق الى اين
- هل الشعب العراقي اهل غدر !!!
- هل التغيير ممكن
- هل يجوز العمل ضمن الاحزاب الغير اسلامية ؟
- تفجير المنارة الحدباء...
- ماذا تريد السعودية من امريكا ...


المزيد.....




- -شهود عيان من غزة- على مسرح لندني: حكايات الألم التي عبرت ال ...
- سرير من رماد
- اسمي حسن... أعاد الدراما العراقية إلى نصابه
- تلاوة القرآن في ماليزيا.. نهضة تعليمية تواجه إشكالية التقليد ...
- لندن تحتفي بيوم المرأة العالمي: أصوات من إيران وموزمبيق والد ...
- ثلاثة أفلام فلسطينية في القائمة المختصرة للأوسكار: هل انكسر ...
- الكويت تمنع إقامة المسرحيات والحفلات والأعراس خلال فترة عيد ...
- 3 أفلام في سباق الأوسكار.. هل تكسر فلسطين حصار هوليوود؟
- لماذا رفضت الفنانة اللبنانية صباح ارتداء فستان -بنت الضيعة- ...
- 23 رمضان.. مقتل آخر أكاسرة فارس وطرد البرتغاليين من إندونيسي ...


المزيد.....

- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سلمان محمد شناوة - رواية انا كارنينا