أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سلمان محمد شناوة - ترنيمة المتألم البريء















المزيد.....



ترنيمة المتألم البريء


سلمان محمد شناوة

الحوار المتمدن-العدد: 8673 - 2026 / 4 / 10 - 20:19
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


قصيدة المتألم الصالح ( Ludlul bēl nēmeqi ) .
أيوب البابلي ....

اولاً - لودلول لاهوت مدينة بابل ، لكنها معروفة في كل من بابل وآشور , وفي بابل تعود معظم المخطوطات إلى بابل وسيبار ، ولكن القصيدة مذكورة أيضًا في ألواح من كيش وأوروك , أما المخطوطات الآشورية فتعود إلى نينوى وكلخو وآشور وخوزيرينا , في بابل وسيبار وآشور ، كان النص يُنسخ عادةً على ألواح المدارس الابتدائية , وفي نينوى ، ذُكرت القصيدة وشرحها في قوائم جرد مكتبات آشوربانيبال .
ظهرت الطبعات الأولى من قصيدة لودلول في ثمانينيات القرن التاسع عشر، لكن أول طبعة حديثة هي طبعة دبليو جي لامبرت (1960). وقد وضع تي أوشيما (2014) هيكل القصيدة بخمسة فصول.

ما هي - لودلول بال – نميقي ؟
قصيدة "لودلول بيل نيميقي" ، المعروفة أيضًا باسم " قصيدة المُتألم الصالح "، والتي تُقارن غالبًا بـ"سفر أيوب" في الكتاب المقدس العبري ، هي قصيدة بابلية تُشيد بالإله مردوخ وتتأمل في حال الإنسان , الراوي الرئيسي هو شخصية تاريخية تدعى شوبشي - مشري-شكان (Šubši-mašrâ-Šakkan)، وهو نبيل أو مسؤول رفيع المستوى كان ثرياً ومحترماً , عاش في عهد نازي- ماروتاش (1307-1282 قبل الميلاد) .
تتناول قصيدة "لودلول-بيل-نميقي"" Ludlul-Bel-Nemeqi " مشكلة المعاناة الإنسانية الغير عادلة في عالم يفترض انه محكوم بالعدالة الالهية والرحمة ، وتحديدًا معاناة المتدين الذي يشعر بأنه قد بذل كل ما في وسعه لإرضاء إلهه ، ومع ذلك لا يزال يعاني من الشقاء , وتشير النسختان السومرية والبابلية إلى ضرورة الاستمرار في تمجيد الإله وتقدير النعم التي أنعم الله بها .

ماذا يعني لقب لودلول-بيل-نميقي ؟
يترجم عنوان Ludlul-Bel-Nemeqi بمعنى "سأسبح رب الحكمة"، وهو ما يعني في هذه الحالة الإله البابلي مردوخ .
هل قصيدة لودلول-بيل-نميقي هو نسخة مبكرة من سفر أيوب من الكتاب المقدس ؟
نعم ولا . كُتبت النسخة الأولى من كتاب لودلول بل نميكي على يد السومريين حوالي عام ١٧٠٠ قبل الميلاد , أما النسخة البابلية فكُتبت بين عامي ١٣٠٧ و١٢٨٢ قبل الميلاد تقريبًا , وقد كُتب سفر أيوب، في أقدم صوره ، في القرن السابع قبل الميلاد , ولا شك أن الأعمال اللاحقة استندت إلى الأعمال السابقة .
ما هو موضوع قصيدة لودلول-بيل-نميقي ؟
تتألف القصيدة من خمسة فصول ، كل فصل منها 120 بيتًا شعريًا , يبدأ الفصل الأول بترنيمة تُشيد بالإله مردوخ ، سرعان ما تتحول إلى مونولوج يروي فيه البطل المصاعب التي واجهها في حياته الاجتماعية والتي أدت إلى نبذه وإصابته باليأس .
في الفصل الثاني ، يتأمل في مصدر وسبب الظلم الذي يُعانيه ، وينتهي الفصل بوصف أمراضه الجسدية والنفسية , أصيب بأمراض جسدية مرعبة (شلل ، ألم شديد ، عدم القدرة على الأكل أو الشرب، تفسخ الجسد) , خسر أصدقاءه ومكانته الاجتماعية ، وأصبح منبوذا ً.
يتساءل: لماذا يحدث هذا للصالح ؟ هل ما هو خير عند البشر شر عند الآلهة والعكس ؟ هل الآلهة بعيدة عن فهم البشر؟
في الجزء الأخير (اللوح الثالث والرابع) ، يرى البطل أحلاماً نبوئية تبشر بشفائه , يتعافى بفضل مردوخ ، وينتهي النص بترنيمة شكر ومديح للإله الذي يغفر ويخلص , القصيدة تعكس نظرة واقعية للحياة في بلاد ما بين النهرين " الإنسان ضعيف أمام إرادة الآلهة التي قد تبدو غامضة أو غير عادلة ، لكن الإيمان والصبر يؤديان في النهاية إلى الخلاص , أهميتها الفلسفية تطرح أسئلة وجودية عميقة " لماذا يعاني البريء ؟ ما حدود فهم الإنسان لإرادة الآلهة ؟

هي تشبه كثيراً سفر أيوب (الذي جاء لاحقاً) ، لكنها أقدم ، وتؤكد أن المعاناة قد تكون اختباراً أو جزءاً من خطة إلهية غير مفهومة , وتعبر عن التشاؤم النسبي في الأدب الحكيم الرافديني ، مع أمل في رحمة الإله في النهاية .
مقتطفات مختارة (ترجمة تقريبية من الإنجليزية المبنية على النصوص الأكادية)
بداية الترنيمة:- "سأمدح رب الحكمة ، الإله الرؤوف ، الذي يغضب ليلاً ويرحم مع الفجر..."
وصف المعاناة (اللوح الثاني):- "أصابني الخدر في كل جسدي ، والشلل في لحمي... ذراعاي مشدودتان ، وساقاي ضعيفتان... لم أعد أستطيع الأكل أو الشرب..."
التأمل الفلسفي:- "ما هو خير عند الإنسان قد يكون شراً عند الآلهة ، وما هو سيء عند الإنسان قد يكون مرضياً للآلهة."
السؤال هنا - هل قصة أيوب التوراتية مُقتبسة من القصة البابلية "شوبشي - ميشري - شاقان" Shubshi - Meshre - Shakkan الواردة في قصيدة: "لأسبح أو لأمتدحن أو لأمجدن رب الحكمة "أبغي مديح سيد الحكمة"I will praise the Lord of wisdom"؟

ويذكر " ول ديورانت " في كتابه " قصة الحضارة " قصتين متشابهتين مع سفر أيوب ، أحدهما قصة " بلطا - أرتو" الذي كان ملتزمًا تجاه آلهته أكثر من جميع الناس ، ومع ذلك فقد حلَّت به البلاوي، ففقد أبويه وخسر ماله ، والقليل الذي بقى معه سُرق منه ، ويرى أصدقاؤه - مثل أصدقاء أيوب - أن ما حلَّ به من بلاء ليس إلاَّ عقابًا على خطاياه الخفية ، ويؤكدون له أن هذا الشر هو خير مُقدَم من الآلهة له ، وإذا تمسك الإنسان بإيمانه وشجاعته فأنه سينال خير الجزاء ، فيصرخ " بلطا - أرتو " للآلهة طلبًا للعون .
أمَّا القصة الأخرى التي ذكرها " ول ديورانت " فهي تخص " تابي - أتول - أنليل" وهو على ما يبدو أحد حكام نبور أصابته المحن فأغلقت مقلتيه وصار كأصم وبعد أن كان ملكًا صار عبدًا وأساء رفاقه معاملته , فأخذ يمضي نهاره في حسرات عميقة وبالليل البكاء ، وطول الشهر صراخ وطول العام شقاء، ويتعجب لأنه كان إنسانًا تقيًا يخصص للآلهة أنصبتها من الطعام ودائم التضرّع لها، وعلَّم شعبه تعظيم اسم الآلهة ، وعندما أصابته الأمراض لم يفهم لماذا..؟ فصارت تصرفات الآلهة غامضة بالنسبة له، وبدأ يتحسَّر على حاله وما آل إليه من حزن وعمى وصمم ، فيقول: "يطاردني المطارد طوال النهار... ولا يترك لي بالليل لحظة أتنفس فيها " وصار يقضي الليل وأقذاره عالقة به ، وبعد كل هذا أخذ يجهر بإيمانه ، فتغيّرت أحواله للسعادة والهناء وشُفيَ من جميع أمراضه ، حيث هبت عاصفة هوجاء طردت شياطين المرض كلها من جسمه فأخذ يسبح بحمد مردوخ ويقدم القرابين ، ويعلِّق " ول ديورانت " على هذا قائلًا: "وليس بين هذا وبين ما ورد في سفر أيوب إلاَّ خطوة واحدة"( قصة الحضارة ) .
لطالما انشغل الفكر البشري في الحضارات القديمة بقضية الإنسان البريء الذي يقع تحت سطوة الألم ، وفي قصيدة "أبغى مديح سيّد الحكمة" كانت هناك تشابهات قوية مع سفر أيوب ، حتى أن المترجمين للقصيدة وضعوا لها عنوان آخر وهو " الصالح المتألم"، ووجدت القصيدة على أربعة ألواح طينية تشمل نحو 450 بيتًا شعريًا ، بعضها يصعب قراءته بسبب بعض الثقوب التي طرأت على هذه الألواح ، وهي تحكي قصة إنسان صالح يقدم القرابين السخية للآلهة وكان يعمل في بلاط أحد ملوك بابل وقد أحبه إلهه فأغدق عليه خيرات عديدة ورزقه أولادًا صالحين ، وحظى بمحبة الجميع ، ولكن على حين تخلَّت عنه الآلهة بدون مُبرِّر وفجأت حلَّت به الكوارث .

وفيما يلي عقيدة الصالح المتألّم " أبغى مديح سيّد الحكمة ":-
اللوحة الأولى:
إني أبغى مديح سيّد الحكمة ، الإله الفطن... الذي يثير الليل وينشر الضوء في النهار... إنه مردوخ سيد الحكمة الإله النبيه... الذي يثير الليل وينشر الضوء في النهار.
وكالزوبعة العاصفة يغلَّف بغضبه كل شيء... بيد أنه وهو المُنعِم، يكون كالنسيم عند الصباح... أمَّا الذي لا يقاوم غضبه فهو هائج كالطوفان... وأمَّا قلبه فيحنو دائمًا ويصفو فكره... هو الذي لا تقوى السموات على صدمة يده.
لكن راحة كفه مهدئة وتنعم على الأموات (فُقد من النص ثلاثين سطرًا).
لقد تخلّى عني إلهي واختفى إلى الأبد... وآلهتي تغيبتْ عني وابتعدتْ... وانفصل عني الملاك المُحسن الذي كان يرافقني... وهربَ مني الملاك المُخلص مفتشًا عن سواي... لقد أُنتهكت حيويتي وعتمت رجولتي البارزة... وفقدتُ صحتي الجميلة واختفتْ كل حماية لي دفعة واحدة... وكأنها علامات مخيفة بدت أمامي .
خرجتُ من بيتي ومشيتُ دون هدف... استنطقتُ طالعي فإذا به ملئ بالعكر وملتهب كل يوم... وبعد أن تركت العراف ومفسّر الأحلام ... لم أعُدْ أجد الطريق الذي سأسلكه... وكانت أحاديث الناس إليَّ في الطريق دلائل شؤم بالنسب لي ... وعندما أنام في الليل فحلمي يكون مخيفًا.

وأصبح قلب الملك الإلهي شمس العالم ... غاضبًا وفي سبيل شقائي لم يقف ... ورجال البلاط أخذوا يرهقونني بالعدوان... فكانوا يتجمعون ويتبادلون الحديث في أشياء لا تُقال... كان الأول يقول: سأنهي حياته .
ويُعلِّق الثاني: سأجبره على التخلّي عن مركزه... وبالنسبة للثالث فيقول: سأستولي على كل ما أُودع لديه... قال الرابع: سأدخل بيته... وقال الخامس: سأخرب مكتبه... ويقول السادس والسابع: سأضطهد ملاكه الحارس .
إن عصبة السبعة جمَّعوا دروسهم السريرية ... بلا شفقة كالشيطان "آنو" ومثل ... إن لهم جسدًا واحدًا وليس لهم سوى فم واحد ... وفي قلبهم سعير ضدي يشتعل كالنار المُحْرَقَة... والمعروف الوحيد الذي يسدونه إني ليس بأقل من الاغتياب والنميمة.

كان فمي بالأمس مملوءًا باليقين فكمَّموه... وقد أصبحتُ كالأصم الأبكم أنا الذي كانت شفاهي زلقة... كما أن نداءاتي الطنانة أصبحتُ صامتة... ورأسي المرفوع أبدًا انحني حتى الأرض... وقلبي العنيف ضعف من شدة الخوف.

وأصبح صدري الواسع يصده عامل بسيط ... وبينما كانت ذراعاي مملؤتين نشاطًا أصبحتا مشلولتين... أنا الذي كنتُ أختال مثل سيّد تعلمتُ مسح الجدران... وتحوّلتُ من سيد إلى عبد... وبينما كنتُ ضمن عائلة كبيرة أصبحتُ وحدي.

وعندما أمشي في الشارع يُشار إليَّ بالبنان... وإذا دخلت القصر فالأنظار تحدّق إليَّ خلسة... وأصبحتْ مدينتي تنظر إليَّ وكأني عدو... وكأنها عدوتي في بلادي المرعوبة ... وأخي تحوَّل عني كالغريب .
ورفيقي كالخبيث والشيطان... إن غضب رفيقي لا ينفك عن اتهامي... وزميلي يُشهر سلاحه دائمًا في وجهي ... إن أعز أصدقائي يريد أن يختصر حياتي ... وفي قاعة المحكمة شتمني عبدي .

وخادمتي، وصمتني بالقبح أمام الجمهور ... وإذ تراني إحدى معارفي تقف على الحياد... وتعاملني عائلتي كأني لستُ من لحمها ... ومن يذكرني بعطف فإن الحفرة أمامه... ويكون في الأوج من يتهمني بالعار .

والله يعلم من يتهمني باطلًا بأمور لا تقال... والموت يحدق بمن يتقدّم لمساعدتي... ومن يتهمني بالغباء فإن ملاكه الحارس يسدي إليه الصحة... لم أعثر على أحد يرافقني ولا على أحد يشفق عليَّ... لقد وزعوا ما أملك على الأوغاد والرعاع.

وطردوا من حقولي أصوات الحصادين المُفرح... وجعلوا مقامي ساكنًا كمقام الأعداء... كما حولوا مركز عملي المُقدَّس إلى شخص آخر... وعينوا ضابطًا غريبًا يقيم طقسي.

فأصبح النهار تأوهات والليل شكاوي... وامتدت طوال الشهر شكواي وأحزاني... وكل أيام حياتي نوح كالحمام... وعوضًا عن الغناء أصرخ بصوت نائح... وحتى أصبحت عيناي تبكيان دومًا دون انقطاع.

لقد احترقت وجنتاي من الدموع التي لا تنقطع... وبَدَا على وجهي قلق قلبي... وأصبحت قسمات وجهي كلها خوفًا ورعبًا.

اللوحة الثانية:
من هذه السنة وإلى ما بعدها قد نفذ الأجل المحدد... فكم تطلعتُ حواليَّ ولم أجد غير الشقاء... بالنسبة إليَّ يزداد الخبث ولا أرى عدلًا... فصرخت إلى الإله غير أنه حوَّل وجهه عني .

تضرعت إلى آلهتي ولم تدر إليَّ رأسها... ولم يحدد العراف مستقبلي... ورغم إراقة الخمور، لم يوضح حالتي مفسر الأحلام... توسلت إلى روح الأحداث ولم أفهم شيئًا... والرقَّاء وفق الطقوس، لم يحلَّ الغضب الإلهي عني.

فيا للعجب مما يجري حولي... فأتطلع إلى ما ورائي فلا أجد غير الاضطهاد والقلق... وكأني مثل رجل لم يسكب الخمور للآلهة... أو لم يدعُ آلهته إلى المائدة... أو لم يحسن وجهه ويسجد بوضوح.

أو توقفت صلاته وتضرعاته... أو نسى يوم الإله وأهمل الأعياد الشهرية... أو نسى بإهمال منه أداء طقس الآلهة... ولم يعلَّم أتباعه الخوف لا ولا الاحترام... أو من يكون قد أكل زاده دون أن يشكر الله.

أو أهمل آلهته دون أن يُقدّم لها قربان الطحين... أو كمن نسيّ سيّده وكأنه في حالة الجنون... أو تفرغ بلا تروٍّ إلى حياة إلهه في عهد علني. ها أنا هنا مستعد... إذْ كان التضرّع بالنسبة إليَّ حكمة والذبيحة شريعة.

واليوم الذي فيه نمجَّد الإله يكون يوم حبور... ويوم الطواف من أجل الآلهة يكون يوم ربح وفائدة... والصلاة من أجل الملك كانتْ كل فرحي... والموسيقى من أجله كانتْ سعادتي... لقد أخضعتُ بلادي إلى احترام طقوس الإله.

وعلَّمتُ أتباعي إجلال اسم الآلهة... وساويتُ بين تسابيح الإله وتسابيح الملك... وعلَّمتُ الشعب مخافة القصر... وقد اعتقدتُ أن كل ذلك يروق للإله... غير أن ما يبدو لي صالحًا قد يكون بنظر الإله إساءة.

وما هو مكروه بالنسبة لنا قد يكون حسنًا عند الإله... فمن هو الذي يستطيع إدراك مرامي الآلهة في السماء..؟ ومن هو الذي يُدرِك التصاميم الإلهية في اللجَّة... وأين يتعلَّم الفانون طرقات الإله..؟ فمن يكون البارحة بصحة جيدة يموت اليوم.

وذو الوجه المكفهر سرعان ما يستعيد نشاطه... وإذْ يهم بالعطس، فإنه يطلق لحنًا فرحًا... وبعد خطوة ينوح كالندَّاب... وما أن يفتحوا أفواهم ويغلقوها حتى تتغير روحهم... فهل هم جياع، إنهم كالجثث.

هل هم في امتلاء. إنهم يتخاصمون مع آلهتهم... وفي وقت السعادة يفكرون بالتدرّج نحو السماء... وهل هم يتألّمون؟ إنهم يسكتون من نزولهم إلى الجحيم... وإزاء هذه التناقضات أتساءل دون أمل إلى المعنى العميق... أنا المضني الذي تطارده العاصفة.

وزيادة على ذلك فقد أصابني مرض مُنْهِك... وعصفتْ بي ريح آتية من عمق الأفق... وانتشرت حمى " الربو " من على سطح العالم السّفلي... والسعلة الكريهة أتت من عالم " الأبسو"... واندفع من الأيكور الشيطان " أتوكو " الذي لا يقاوم.

و" اللامشتو " نزل من قلب الجبل... ومع فيض النهر أتتْ الرعشة المثلجة... ونبتَ الذبول من التربة مع الخضرة... فقد تضافرتْ كل هذه الأوبئة واقتربتْ مني... فصدَّعتْ رأسي وضغطتْ على جمجمتي.

إن وجهي قد عتَّم وعينيَّ قد ثقلتا... فحلَّتْ الأوجاع في رقبتي وشلَّتْ عنقي... وأصابتْ صدري وانقضتْ على أحشائي... ومرَّغتْ جسدي ورقبتي في الصرع... والتهبَ أعلى معدتي.

لقد تبلبلتْ أحشائي وتشوشتْ أعضائي... وجعلتني أقذف بلعابي كما ألهبتْ رئتي... ألهبتْ كل أعضائي وأصبح ذهني يهتز... وقامتي الشامخة انخفضتْ وهوتْ كما يهوى الجدار... والتوى منكباي العريضان كالقصبة.

فهبطتُ مَثْنِيًّا كالعشبة أعفر الأرض بوجهي ... لقد لبسني الشيطان " أنو " كما يلبس الرداء ... وأحاط بي الرعب كالشبكة... وجحظتْ عيناي ولم تعودا ترى شيئًا... ورغم أن أذنيّ مفتوحتان فإنهما لا يسمعان.

الشلل أحاط بكامل جسدي... والرعشة اعترت كامل لحمي... فأخذ التصلُّب بمجامع ذراعي... والعفن دبَّ في ركبتي... لقد نسيت رجلاي السير.

وحلَّتْ بي صدمة وها أنا أختنق فجأة... الموت دوني وقد خيم على وجهي... لم أعُدْ أصغى إلى مفسر الأحلام... عائلتي تبكيني وقد فقدت الوعي... وضَعتْ كمامة على فمي.

ومزلاج أغلق شفتي... بأبي موصد وينبوعي جفَّ... وجوعي يطول وحنجرتي مغلقة... وإذا ما ناولوني حبة فإني أشعر بها وكأنها نتن... لقد أصبحت الجعة وهي حياة البشر، كريهة المذاق.

وزيادة على ذلك لقد طال أمد هذا الألم... وفسدتْ قسماتي من قلة الغذاء... وتهدَّل لحمي وسال دمي... لقد برزتْ عظامي تحت جلدي الذي يغطيها وحده... كما أصبحتْ عضلاتي ملتهبة وكأني أصبت بعلة " أوريكتو".

فأصبح سريري كسجن إن حاولتُ فتحتُ وطأة الأنين... أصبح بيتي وكأنه بالنسبة لي سجنًا... كما أصبح لحمي غطاء لذراعيَّ المتصلبتين... وتوجعت رِجْلايَ وكأنهما في سلاسل... أليمة جدًا هي الصدمة التي أصابتني وجرحي خطير.

إن السوط الذي سقط عليَّ ملئ بالشوك... والمنخس الذي اخترقني كله شوك... وفي كل يوم يضطهدني معذّب... ولا يدعني في الليل أتنفس لحظة... وفي الاضطرابات التي وقعت فيها تهدَّمتْ عضلاتي.

وبفعل التفسخ تبعثرت هنا وهناك... وفي الأسطبل كنت أقضي لياليَّ كالثور... وأصبحتُ ملوثًا بروثي كالخروف... إن أعراض مرضي أفزعت الرقَّاء... ودليل شؤمي فات على الرقَّاء.

لم تتوضح للرقَّاء أسباب مرضي... ولا العراف حدَّد نهاية لمرضي... ولم يأتِ الإله لمساعدتي ولم يأخذ بيدي... وآلهتي لم تشفق عليَّ ولم تمشي إزائي... قبري مفتوح وحلتي الأخيرة مهيأة.

لقد وقع عليَّ النحيب قبل موتي... وقالتْ عني البلاد كلها: لقد عومل دون حق... وإذْ سمعتْ ذلك فمَنْ كان يريد بي شرًا انفرجتْ أسارير وجهه... وعندما أخبروا بذلك من يريد بي شرًا فرح قلبه... غير إني أعرف جيدًا يوم عائلتي , حيث تشرق الشمس على كل معارفي.

اللوحة الثالثة:
كانت يده ثقيلة ولم أستطع تحملها... كان خوفي منه هائلًا... كان وجهه غاضبًا وصوته كالطوفان ذاته... وكان تصرفه عنيفًا... وبفعل هذا المرض المُضني، لم أعُدْ أعي ذاتي... فقدتُ الوعي وجعلني ألمي أهذي... فكنتُ أنتحبُ ليلًا نهارًا... وفي الحلم كما في اليقظة كنتُ سقيمًا جدًا... وإذ بفتى ذي قامة غير مألوفة.

وبنسب عضلية رائعة... وثياب نظيفة... يشع منها بهاء غير طبيعي... وفي أردية مخيفة... يظهر لي واقفًا فوق رأسي... وعندما رأيته، أصابني الشلل.

فقال لي: أرسلتني السيدة لأقول لك: (هناك خمسة أسطر مفقودة) .

وللمرة الثانية رأيتُ حلمًا... وفي الحلم الذي رأيته في هذه الليلة... ظهر لي كاهن مطهّر... يمسك بيده المن المطهّر.

إنه " تاب - أوتول - أنليل " مطهّر نيبور قال لي:... لقد أرسلني إليك لأطهرك... وسكبَ عليَّ الماء الذي يحمله... وأطلق رقية الحياة وفرك جسدي... وفي المرة الثالثة رأيتُ حلمًا... وفي هذا الحلم الذي رأيته هذه الليلة... تظهر لي فتاة بهية الطلعة... سيّدة الشعوب ، أشبه ما تكون بآلهة... ظهرتْ لي وجلستْ عند رأس السرير... أسألكِ الشفاعة أنا الذي أتألم جدًا.

قالت: لا تخش شيئًا سأتدخل من أجلك... إني أسأل العفو عنه ، هو المتألم جدًا... وإيا كان من أتته هذه الرؤيا في الليل... قد ظهر في الحلم " أور - نين - دين - لوجا " البابلي .

إنه فتى، ملتح يعلو رأسه التاج... إنه مردوخ نفسه كما قال: هو الذي أرسلني لأقول لك:... إني أجلبُ لك الرخاء، يا " شوبشي - ميشري - شاقان".

وهكذا، يكون مردوخ نفسه قد وضعني بين يدي الشافي... وفي يقظتي أرسل يبلغني... مظهرًا لجميع رجالي علاقة عطفه بكل وضوح... لقد خلصني دفعة واحدة من الألم المزمن... وفجأة توقف مرضي وتحطمتْ قيودي.

وبعد أن هدأ قلبي بتدخل سيّدي... هدأتْ روح مردوخ الرّحيم... لقد تبلَّغ تضرعاتي وتقبَّل صلواتي... وبعد أن أظهر ودًا وعطفًا نحوي... عفا عني أنا الذي كنتُ أتألم جدًا... حلَّ عقدة آثامي التي اقترفتها... وأبعدَ عني العقوبات الإلهية التي تحملتها... وعفا عن جميع المخالفات التي اقترفتها... وذرَّ في وجه الريح كل الإهمالات التي وقعتُ فيها. (وهنا قطعة مفقودة).

اللوحة الرابعة:
لقد رأي البابليون كيف أن مردوخ يعيد إلينا الحياة.
فمجَّد عظمته كل الساكنين في المناطق... فمن تصوَّر أنه سيرى الشمس ثانية... ومن واتته فكرة الذهاب إلى آخر الشارع... ومن يكون سوى مردوخ الذي يُرْدّ الحياة إلى المُشرف على الموت... وما عدا "زربانيتو" فأي آلهة تعيد الحياة.
إن بإمكان مردوخ أن يحيي من هو في القبر... و"زربانيتو " تعرف كيف تجنب الإنسان الكارثة... فحيثما تكون الأرض وتمتد السموات... وحيثما تسطع الشمس أو تشتعل النار... وحيثما تجري المياه وينفخ الريح.
إن " أرورو " هو الذي عجن الطينة البدئية... وجعلها على هيئة خلائق حية تسعى... فيا أيها الفانون مجدوا عظمة مردوخ.(هناك ثلاثين بيتًا مفقودة).
في غمرة السجود والتضرّعات ذهبتُ إلى الأيزاجيل... أنا الذي نزلتُ إلى القبر قد عدتُ إلى باب الشمس المشرقة... إلى باب الخيرات، أُعيدت إليَّ الخيرات.

إلى باب الملاك الحارس فعاد إلى جانبي ملاكي الحارس... إلى باب الخلاص حيث وجدت الخلاص... إلى باب الحياة حيث وجدت نعمة الحياة... إلى باب الشمس المشرقة حيث عدتُ من جديد إلى عداد الأحياء... إلى باب النبوات فتحققتْ نبواتي.

إلى باب غفران الخطايا، فغُفرتْ خطيئتي... إلى باب المديح حيث تمكن فمي من السؤال... إلى باب نهاية التأوهات، فتوقفتْ تأوهاتي... إلى باب المياه العذبة مياه التطهير حيث اغتسلتُ... إلى باب السلام حيث واجهتُ مردوخ.

إلى باب الكمال النهائي فقابلتُ رجل " زربانيتو"... وفي حالة من الابتهال والتضرّع لم أنفك عن الصلاة... فوضعتُ أمامهم البخور العطر... وقدمتُ الهدايا والقرابين بأكداس... وذبحتُ ثيرانًا سمينة وخرافًا ضخمة.

وسكبتُ الخمور، والجعة المعسّلة، والخمر النقي... إلى الملاك المخلص، إلى الملاك الحارس إلى الآلهة حراس جدران الأيزاجيل... ومن كثرة ما سكبتُ من الخمور جعلتُ بشاشتهم تشع... وبطعام غزير أفرحتُ قلبهم .

أذن هناك الكثير من التشابهات العديدة بين القصيدة البابلية " الصالح المتألم " أو " أبغى مديح سيّد الحكمة " مع سفر أيوب ، ومن أمثلة هذه التشابهات:

1- تبدأ القصيدة بتمجيد رب الحكمة الإله " مردوخ " كُلّي القدرة، وهذه تتفق مع صفات الله كُلّي القدرة في سفر أيوب.

2- تخلّى الإله عن الإنسان الصالح بدون مبرر فيفقد وظيفته وأملاكه وتصيبه الأمراض، وهكذا تبدو الأحداث في سفر أيوب.

3- تلاشي الأحلام الوردية لدى هذا الإنسان الصالح المتألّم وحلول الكوابيس المُرعبة بدلًا منها نجده أيضًا في سفر أيوب.

4- يصرخ الإنسان الصالح المتألّم لآلهة ولا مُجيب ، ومع ذلك يظل متمسّكًا بصلاحه وولائه للآلهة ، وهكذا فعل أيوب تجاه إلهه.

5- ينتهي الإنسان الصالح المتألم في القصيدة البابلية إلى أن الآلهة لها حكمة لا يدركها الإنسان الفاني، ولذلك قد يسمح بسعادة الأشرار وشقاء الأبرار، وهكذا نرى في سفر أيوب... إلخ...

مع ذلك، ورغم معاناة المتحدث، فإنه لا يتطرق إلى معتقداته الثقافية ، بل يتحدث مباشرةً عن مشكلته الراهنة , فالحياة لا يمكن التنبؤ بها - "من يعيش في المساء يموت في الصباح" (السطر 39) - كما يقول، وتتغير أحوال المرء باستمرار، وبشكل عشوائي ظاهريًا، فلا سبيل لإدراك أي علاقة سببية .

ملخص سفر أيوب في التوراة
(العهد القديم في الكتاب المقدس) - سفر أيوب هو أحد أسفار الحكمة في التوراة ، ويُعتبر من أعمق الكتب في مناقشة مشكلة الشر والمعاناة للإنسان البار , القصة حقيقية ، وتدور حول رجل صالح يُدعى أيوب ، وتُقسم إلى أجزاء رئيسية:-
1. المقدمة (الإصحاحات 1-2):- كان أيوب رجلاً كاملاً ومستقيماً، يتقي الله ويحيد عن الشر، يعيش في أرض عوص (ربما في منطقة أدوم أو شرق الأردن) , كان غنياً جداً: 7 بنين و3 بنات، 7000 غنم، 3000 جمل، 500 فدان بقر، 500 أتان، وخدم كثيرون , كان أعظم أهل المشرق .

في اجتماع سماوي، يمدح الله أيوب أمام الشيطان (الخصم أو المتهم) , يتحدى الشيطان قائلاً إن أيوب يتقي الله فقط لأنه مبارك مادياً , فيسمح الله للشيطان باختباره (بحدود):-
وهكذا -
أولاً: يفقد أيوب كل ممتلكاته وأولاده العشرة في يوم واحد (غارات ، حريق، عاصفة).
ثانياً: يُصاب أيوب بقروح مؤلمة تغطي جسده كله ، فيجلس في الرماد.
زوجته تقول له: «العن الله ومت»، لكنه يرد: «الرب أعطى والرب أخذ ، فليكن اسم الرب مباركاً». ويظل صابراً دون أن يخطئ .

2. الحوارات مع الأصدقاء (الإصحاحات 3-31):يأتي ثلاثة أصدقاء: أليفاز التيماني ، بلدد الشوحي، صوفر النعماتي، ليعزوه , يجلسون معه 7 أيام صامتين، ثم يبدأون حواراً شعرياً طويلاً (ثلاث دورات).

فكرتهم الرئيسية:- المصائب عقاب إلهي على الخطيئة ، لذا يجب على أيوب أن يعترف بخطاياه ويتوب.
أيوب يدافع عن براءته ، يشكو من معاناته الشديدة ، ويطالب بتفسير من الله ، معترفاً بأنه لا يفهم سبب ما يحدث له , يظل مؤمناً لكنه يتألم نفسياً وجسدياً .

3. كلام أليهو (الإصحاحات 32-37):يظهر شاب يدعى أليهو ، ينتقد الأصدقاء الثلاثة وأيوب , يقول إن الآلام قد تكون للتطهير أو التعليم ، وليست دائماً عقاباً مباشراً على خطيئة معينة .

4. كلام الله لأيوب (الإصحاحات 38-41 - يتكلم الله من العاصفة بأسئلة قوية عن خلق الكون ، الطبيعة، الحيوانات (مثل الديناصورات أو وحوش عملاقة مثل بهيموت وليفياثان) , يظهر عظمة الله وحكمته التي تفوق فهم الإنسان , أيوب يعترف بعجزه وتوبته: «لذلك أرفض وأندم في التراب والرماد» .

5. الخاتمة (الإصحاح 42) - يوبخ الله الأصدقاء الثلاثة لكلامهم الخاطئ ، ويأمر أيوب أن يصلي من أجلهم , يرد الله لأيوب ضعف ما كان له:- صحة جيدة , 10 أولاد جدد ، وغنى أكثر من السابق , عاش أيوب بعد ذلك سنوات طويلة مباركاً.
الرسالة الرئيسية للسفر:-لا يجيب السفر مباشرة على «لماذا يعاني الأبرار؟»، بل يعلّم أن:الشيطان لا يستطيع أن يمس الإنسان إلا بإذن الله , المعاناة ليست دائماً نتيجة خطيئة شخصية , يجب على الإنسان أن يثق في حكمة الله وسيادته حتى لو لم يفهم الأسباب , الله يسمح بالتجارب ليختبر الإيمان الحقيقي ، وفي النهاية يبارك الصابرين .
السفر مكتوب بشكل شعري رائع في معظمه ، ويُنسب تأليفه تقليدياً إلى أيوب نفسه أو أليهو أو حتى موسى. هو درس عميق في الصبر، الثقة بالله، والتواضع أمام عظمته .

لكن ... كيف نفهم دور الشيطان في "الاختبار" بسفر أيوب (النسخة التوراتية) ؟ السؤال مهم جداً ، ويلمس جوهر مشكلة الشر وسيادة الله , هل الشيطان يفرض رأيه على الله ؟
نحن لا نفهم او نستوعب كيف يستطيع الشيطان أن "يحرض" الله أو يخالف طبيعته الإلهية (القداسة، الحكمة، السيادة الكاملة , الذي نفهمه ان الله هو الذي يسمح بكل شيء بإرادته السيادية . لكت الرواية تقول ان الشيطان يتدخل حتى يوجهه او يفرض او حتى يوحى بهدف بعيد ؟!
نحن نقول – ان المشاهد السماوي لا يمكن ان يكون "رهاناً" أو "تحدياً يفرضه الشيطان" في أيوب 1:6-12 و2:1-7، يُصوَّر الأمر كـ"مجلس سماوي" (مثل محكمة عليا) , "أبناء الله" (الملائكة) يحضرون ، والشيطان أو "الخصم" أو "المتهم") يأتي "في وسطهم".
حتى اذا قلنا ان الله هو الذي يبدأ الحوار: "هَلْ جَعَلْتَ قَلْبَكَ عَلَى عَبْدِي أَيُّوبَ ؟ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِثْلَهُ فِي الْأَرْضِ" (أيوب 1:8). الله يمدح أيوب أولاً، ويفتخر به أمام الشيطان .
الشيطان لا يهاجم الله مباشرة ، بل يشكك في دوافع أيوب - "هَلْ مَجَّانًا يَتَّقِي أَيُّوبُ اللهَ؟" (أيوب 1:9). يقول إن تقوى أيوب "مشروطة" بالبركات المادية (السياج الإلهي حوله) ." هذا ايحاء " او توجيه غير مباشر من الشيطان .
هذا ليس فرض رأي، بل اتهام من "مشتكي الإخوة" (رؤيا 12:10). الشيطان يلعب دوره كخصم ، لكن الله يقبل التحدي لأنه يعرف النتيجة مسبقاً .
.2. الله يسمح... وليس يُجبر أو يُخالف طبيعته في كل مرة ، الشيطان يطلب الإذن صراحة: "مُدْ يَدَكَ وَمَسَّ كُلَّ مَا لَهُ" (1:11)، ثم "مَسَّ عَظْمَهُ وَلَحْمَهُ" (2:5) .
الله يرد: "هُوَذَا كُلُّ مَا لَهُ فِي يَدِكَ ، وَإِلَيْهِ لاَ تَمُدَّ يَدَكَ" (1:12)، ثم "هَا هُوَ فِي يَدِكَ ، وَلَكِنِ احْفَظْ نَفْسَهُ" (2:6).
هذا يثبت: سلطان الشيطان محدود تماماً ، ولا يستطيع أن يلمس أيوب إلا بـ"سماح إلهي" وبحدود دقيقة. الله لا يُهاجَم ولا يُهيَّج؛ هو الذي يتحكم في كل شيء.
لماذا يسمح الله إذن؟ (هنا الجواب الجوهري):لإثبات براءة أيوب وصدق إيمانه: التقوى الحقيقية ليست "تجارة" (بركات مقابل عبادة). الله يريد أن يظهر للكون كله (للشيطان، للملائكة، ولنا) أن هناك من يحب الله "مجاناً".
الخير أعظم: التجربة طهرت أيوب من "البر الذاتي" (رأى في نفسه كمالاً أكثر مما ينبغي)، وأعطته مكافأة أعظم في النهاية ، وأصبح مثالاً للصبر لكل الأجيال , الشيطان أراد الإسقاط ، أما الله فكان يقصد التنقية والتمجيد . لا يخالف "الطبيعة" الإلهية: الله قدوس ولا يفعل الشر ، لكنه يسمح بالشر (إرادته السموحة = Permissive Will) ليحقق خيراً أكبر (إرادته السيادية) , هذا نفس المبدأ في قصة يوسف: "أَنْتُمْ قَصَدْتُمْ لِي شَرًّا ، وَلَكِنَّ اللهَ قَصَدَ بِهِ خَيْرًا" (تكوين 50:20). أو في الصليب: الشيطان ظن أنه انتصر، لكن الله حوّل الشر إلى فداء.
3. هذا في التوراة (العهد القديم)الشيطان هنا ليس "الشيطان" الذي نعرفه في العهد الجديد (عدو مطلق)، بل "الخصم" الذي يعمل تحت سيطرة الله , لاحقاً في الكتاب المقدس ، يُكشف عنه أكثر كعدو.
الشيطان لم يفرض شيئاً ، بل الله استخدم تحديه ليظهر عظمة الإيمان الحقيقي , المعاناة ليست "عقاباً" دائماً، ولا "لعبة"، بل جزء من خطة إلهية تفوق فهمنا (كما قال الله لأيوب في الإصحاحات 38-41). الله لم يُخالف طبيعته ، بل أظهر حكمته وسيادته:- "كُلُّ الأَشْيَاءِ تَعْمَلُ مَعاً لِلْخَيْرِ" (رومية 8:28) .
قصة النبي أيوب عليه السلام في القرآن الكريم .
ذُكر النبي أيوب عليه السلام في القرآن في سورتين رئيسيتين، وهي قصة صبر وابتلاء واستجابة الله للدعاء. القرآن لا يفصل القصة تفصيلاً طويلاً كما في التوراة ، بل يركز على جوهرها - الابتلاء بالضر والمرض، الصبر الجميل ، الدعاء المباشر لله ، والشفاء والتعويض المضاعف .
.1. في سورة الأنبياء (الآيتان 83-84):-
﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ۝ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَىٰ لِلْعَابِدِينَ﴾ , أيوب نادى ربه في شدة الضر (المرض والابتلاء في المال والأهل والجسد) .
قال: "أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين" - دعاء متواضع يعبر عن الألم لكنه يثق برحمة الله.
استجاب الله فوراً: كشف الضر عنه ، وأعطاه أهله (زوجته وأولاده) ومثلهم معهم (أي ضعف ما كان).
2. في سورة ص (الآيات 41-44):﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ۝ ارْكُضْ بِرِجْلِكَ ۖ هَٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ ۝ وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَىٰ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ۝ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ ۗ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا ۚ نِعْمَ الْعَبْدُ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ يصف الله أيوب بـ"عبدنا"، ويذكر ناداه: "أني مسني الشيطان بنصب وعذاب" (النصب: التعب والإرهاق، والعذاب: الألم) .
أمر الله أيوب: "اركض برجلك"- فضرب الأرض برجله ، فانفجرت عين ماء باردة .
أمره بالاغتسال منها (فشفي جسده ظاهراً) والشرب منها (فشفي باطنه) .
وهب الله له أهله ومثلهم معهم رحمة منه.
في الآية الأخيرة: أمره أن يأخذ "ضغثاً" (حزمة من أعواد أو قضبان) ويضرب بها (زوجته) ضربة واحدة ، ولا يحنث في يمينه , (كان قد حلف في مرضه أن يضربها مائة سوط، فأباح الله له هذه الكفارة اليسيرة).
الله يمدحه: "إنا وجدناه صابراً، نعم العبد ، إنه أواب" (كثير الرجوع إلى الله).
ملخص القصة حسب التفاسير الإسلامية المعتبرة:- كان أيوب عليه السلام نبياً غنياً جداً، صاحب مال وفير وذرية كثيرة وصحة جيدة ، وكان شاكراً عابداً , ابتلاه الله في ماله (فقده) ، وولده (ماتوا) ، وجسده (أصيب بمرض شديد، قيل إنه لم يبق سليماً إلا قلبه ولسانه ، وتساقط لحمه، وألقي على مزبلة خارج البلد، وجفاه الناس) .
بقيت معه زوجته الصالحة فقط ، التي كانت تخدم الناس بالأجرة لتنفق عليه ، وصبرت معه سنوات طويلة (قيل حوالي 18 سنة) , لم يشكُ أيوب من الله ، ولم ييأس ، بل ظل صابراً محتسباً، ذاكراً الله، راجعاً إليه (أواباً) , عندما طال البلاء، دعا الله بدعاء متواضع، فاستجاب الله ، شفاه بالماء البارد ، ورد عليه أهله مضاعفين ، وأعاده إلى حال أفضل.
الفرق الرئيسي مع قصة أيوب في التوراة - في القرآن: لا يوجد "مجلس سماوي" أو "رهان" بين الله والشيطان , الشيطان مذكور فقط كسبب للنصب والعذاب (في سياق الابتلاء) ، لكن التركيز كله على صبر أيوب ودعائه المباشر لله ورحمة الله.
لا حوارات طويلة مع أصدقاء ، ولا كلام الله الطويل عن خلق الكون , القرآن يركز على العبرة - الصبر على البلاء، والثقة برحمة الله، والشكر بعد النعمة.
النتيجة: أيوب مثال لـ"نعم العبد" الصابر الأواب , الدروس والعبر الرئيسية - الصبر على البلاء (خاصة المرض والفقر وفقدان الأحبة) يؤدي إلى فرج قريب , الدعاء بتواضع ورجاء رحمة الله ("أنت أرحم الراحمين") هو طريق النجاة , الله يعوض الصابرين بأضعاف ما فقدوه , وحتى في أشد الابتلاء ، يظل المؤمن "أواباً" (يرجع إلى الله).
لماذا يسمح الله بالشر عموماً ؟
هذا السؤال "لماذا يسمح الله بالشر؟" هو أحد أعمق الأسئلة الفلسفية والدينية التي طرحها البشر عبر التاريخ ، ويُعرف بـ"مشكلة الشر" (Problem of Evil). في الإسلام ، لا يُعتبر هذا السؤال تناقضاً مع صفات الله (الرحمة، العدل، القوة المطلقة) ، بل له إجابات متعددة متكاملة مبنية على القرآن والسنة والتفكير العقلي عند العلماء والفلاسفة المسلمين مثل ابن سينا والغزالي وابن القيم .
1. الشر ليس مطلقاً، بل نسبي وله حكمة الله تعالى لا يخلق شرًا محضًا (شرًا مطلقًا من كل وجه) , كل ما يخلقه الله فيه خير أعظم يفوق أي ضرر ظاهري , الشر غالبًا ما يكون - نقصًا أو عدمًا (مثل الظلام الذي هو غياب الضوء ، أو المرض الذي هو نقص في الصحة) , او شرًا نسبيً - يؤذي شخصًا لكنه يحقق خيرًا لآخرين أو للكون ككل (مثل المطر الذي يغرق بعض الأماكن لكنه يروي الأرض) , فالشر لا يُنسب إلى الله مباشرة، بل إلى المخلوقات أو الأفعال , أفعال الله كلها خير وحكمة، حتى لو بدت شرًا في نظرنا المحدود , مثال: المرض شر للمريض، لكنه قد يمحو ذنوبًا ، أو يجعله يتوب ، أو يطور مناعة ، أو يذكّر الناس بنعمة الصحة
2. الحياة اختبار وتمييز هذه الدنيا دار ابتلاء وليست دار جزاء كامل , الله خلق الإنسان ليعبده ويختبره ، والشر والمعاناة جزء أساسي من هذا الاختبار ليظهر الصادق من الكاذب ، والصابر من الجاحد , قال تعالى:-
"أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ۝ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ" (العنكبوت: 2-3).بدون شر (مثل الظلم أو الفقر أو المرض) ، لما كان معنى للصبر، أو الرحمة، أو الإحسان ، أو الجهاد ضد الشر , الإرادة الحرة للإنسان تسمح له باختيار الخير أو الشر، وهذا ضروري للتكليف (المسؤولية الأخلاقية) , لو أجبر الله الجميع على الخير، لما كان هناك اختبار حقيقي .
3. العدل الإلهي في الآخرة كثير من الشر يبدو "غير عادل" في الدنيا (مثل معاناة الأبرياء) ، لكن الله يعدل في الآخرة - المظلوم يأخذ حقه كاملاً , الظالم يُعاقب , الصابرون على البلاء يُكافأون بجنة لا ينقصها شيء .
قال تعالى: "وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ" (الشورى: 30). والمصائب قد تكون تكفيرًا للذنوب أو رفع درجات , الدنيا زائلة ، والآخرة هي الحياة الحقيقية , ما يبدو شرًا هنا قد يكون خيرًا أبديًا هناك.
.4. الشر من أفعال المخلوقات (الإرادة الحرة) الشر الأخلاقي (مثل القتل أو الظلم) - يأتي من اختيار البشر أو الشيطان ، لا من أمر الله المباشر , الله يسمح به لأنه أعطى الإرادة الحرة، لكنه لا يحبه ولا يأمر به , الشر الطبيعي (زلازل، أمراض) - جزء من نظام الكون الذي فيه توازن وحكمة (مثل دورة الحياة والموت) , الله يقضي ويقدر كل شيء بعلمه الأزلي ، لكن هذا لا ينفي مسؤولية الإنسان عن اختياراته .
.5. حكم أخرى من القرآن والسنة الابتلاء يطهر النفس ويقرب إلى الله (كثيرون يتوبون في الشدة) , يظهر عظمة الله وقدرته على التعويض والشفاء , ويذكرنا بضعفنا وأننا لسنا أسياد الكون.
قال النبي ﷺ في دعائه: "اللهم إني أعوذ بك من الشر كله"، و"الخير بيديك والشر ليس إليك" , منظور فلسفي إسلامي مختصر عن ابن سينا - الشر غالبًا "عدم" (نقص في الكمال) ، وليس وجودًا مستقلاً يخلقه الله , النظام الكوني أفضل ما يمكن ، والشر القليل لازم لتحقيق الخير الكثير.
الغزالي: هذا "أفضل العوالم الممكنة"، والشر جزء من التكافل بين أجزاء الوجود.
العلماء الأشاعرة والمعتزلة ناقشوا الموضوع بتفصيل، لكن الجوهر واحد - الحكمة الإلهية تفوق فهمنا المحدود , الإيمان يطلب التسليم مع محاولة الفهم , نحن لا ندرك كل الحكمة (كما سألت الملائكة عن خلق الإنسان الذي سيفسد في الأرض ، فقال الله: "إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ" — البقرة: 30). الشر يدفعنا للخير، والصبر، والتوكل ، والعدل .



#سلمان_محمد_شناوة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كيف يؤثر الادب على العقل
- الأدب الأمريكي الأسود
- إله سبينوزا
- هكذا تكلم زرادشت
- القفزة الأيمانية
- لقائي مع سارتر
- رواية انا كارنينا
- كتاب -حياتي والتحليل النفسي-
- الجريمة والعقاب
- -دراسات في الفلسفة الوجودية-
- نقد الشافعي
- هناك اله
- محنة العشق اللألهي
- كيف نفهم الخلاف الشيعي بين اخباريين وأصوليين
- الوعي لدى الذكاء الصناعي
- ما هو مصدر الاخلاق
- دائرة الوعي المغلق
- كيف نفهم أحاديث تحريف القرأن
- الليبرالية الجديدة - (النيوليبرالية)
- اللامساوة في الرأسمالية


المزيد.....




- امتثالا لنداء قائد الثورة الاسلامية...الشعب الإيراني يحضر في ...
- قائد الثورة الاسلامية يعزي باستشهاد كمال خرازي
- مؤسسة القدس تحذر من فرض الاحتلال إدارة فعلية على المسجد الأق ...
- الفاتيكان ينفي تعرض سفيره لـ -توبيخ- أمريكي والبابا ينتقد لغ ...
- تقرير: اجتماع تصادمي غير سار جرى بين ممثلين عن الفاتيكان وال ...
- أكثر من 100 ألف مصلٍّ.. رئيس المرابطين بالمسجد الأقصى: عدد ا ...
- إيمانويل ماكرون يلتقي البابا ليو الرابع عشر في الفاتيكان لبح ...
- الفاتيكان ينفي تقارير عن -توبيخ- البنتاغون لسفيره
- بعد حصار دام 40 يوماً.. الاحتلال يعيد فتح المسجد الأقصى وكني ...
- بابا الفاتيكان: من يتبع المسيح لا يُسقط القنابل


المزيد.....

- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم
- التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني / عمار التميمي
- إله الغد / نيل دونالد والش
- في البيت مع الله / نيل دونالد والش
- محادثات مع الله - ثلاثة أجزاء / نيل دونالد والش
- محادثات مع الله للمراهقين / يل دونالد والش
- شركة مع الله / نيل دونالد والش
- صداقة مع الله / نيل دونالد والش
- شركة مع الله / نيل دونالد والش
- في عرفات الله أعلنت إلحادي بالله / المستنير الحازمي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سلمان محمد شناوة - ترنيمة المتألم البريء