سلمان محمد شناوة
الحوار المتمدن-العدد: 8698 - 2026 / 5 / 5 - 03:20
المحور:
قضايا ثقافية
هل يمكن للمرء أن يفعل الشر دون أن يكون شريراً ؟
انا هنا لا اتكلم عن صدام - بل اتكلم عن الانسان العادي - المواطن في عراق صدام حسين -
هل يمكن لهذا المواطن ان يفعل الشر - دون ان يكون شريرا ؟
كان هذا هو السؤال المحير الذي واجهته الفيلسوفة حنة أرندت عندما كتبت تقريراً لمجلة نيويوركر عام 1961 عن محاكمة جرائم الحرب لأدولف أيخمان ، العميل النازي المسؤول عن تنظيم نقل ملايين اليهود وغيرهم إلى معسكرات الاعتقال المختلفة دعماً للحل النهائي النازي .
وجدت آرندت أن أيخمان كان بيروقراطياً عادياً ، بل وربما اكثر من عادي ، لم يكن ، على حد تعبيرها ، "منحرفاً ولا سادياً"، بل "طبيعياً بشكل مرعب" , تصرف دون أي دافع سوى السعي الدؤوب للترقي في مسيرته المهنية داخل البيروقراطية النازية , وخلصت في دراستها للقضية ، " أيخمان في القدس: تقرير عن تفاهة الشر " (1963) ، إلى أن أيخمان لم يكن وحشاً لا أخلاقياً , بل ارتكب أفعالاً شريرة دون نوايا شريرة ، وهو ما يرتبط بـ"عدم إدراكه"، أي انفصاله عن واقع أفعاله الشريرة , لم يدرك أيخمان "أبداً ما كان يفعله" بسبب "عدم قدرته... على التفكير من منظور الآخرين", وبسبب افتقاره لهذه القدرة الإدراكية، "ارتكب جرائم في ظروف جعلت من المستحيل تقريباً عليه أن يعرف أو يشعر بأنه يرتكب خطأً".
نسال كيف كان العراقي - يكتب التقارير على جاره او زميله في العمل وحتى على اخوه ثم ينام اخر الليل وهو مرتاح البال ؟ لماذا كان شعور العراقي يكاد يكون متبلداً , يرى الظلم والقسوة ويسكت ؟
الحواب على السؤال :-
نعم، يمكن للإنسان العادي أن يفعل الشر دون أن يكون "شريراً" بطبيعته الجوهرية , هذا جوهر فكرة "تفاهة الشر" (Banality of Evil) عند الفيلسوفة حنة آرندت (Hannah Arendt) في كتابها أيخمان في القدس: تقرير عن تفاهة الشر (1963) .
هي تقول ....
الشر ليس دائماً "عميقاً" أو شيطانياً ، بل يمكن أن يكون مبتذلاً وبيروقراطياً: ينشأ من غياب التفكير المستقل ، من تطبيع الشر عبر النظام ، ومن تحول الإنسان إلى "ترس" في آلة .
الشرير الحقيقي هنا ليس الوحش ، بل الشخص الذي يرفض أن يفكر من منظور الآخر، ويتبع الروتين والأيديولوجيا دون تساؤل أخلاقي .
هذا - يفسر كيف يرتكب أناس عاديون أفعالاً مرعبة .
في عهد صدام حسين وحزب البعث (خاصة السبعينيات - التسعينيات)، كان النظام يعتمد على آلية قمع شاملة: المخابرات ، حزب البعث، الجيش ، المخبرين ، والتجسس المتبادل , كثير من "العاديين" (موظفون، معلمون، جنود ، مواطنون) شاركوا في:الإبلاغ عن الجيران أو الأقارب , المشاركة في حملات الأنفال ضد الأكراد , قمع الانتفاضات (1991) , التعذيب والإعدامات أو الصمت عنها .
كيف نفهم ذلك عبر " نفاهة الشر " ؟
الطاعة والخوف: كان الرفض يعني الموت أو فقدان العائلة , والطاعة أصبحت "طبيعية" للبقاء (مثل "أنا فقط أنفذ الأوامر") , الأيديولوجيا: البعثية (قومية، علمانية، عبادة الزعيم) حوّلت القمع إلى "واجب وطني" أو "حماية الثورة" , والناس يرددون الكليشيهات دون تفكير عميق .
البيروقراطيا والروتين: الشر أصبح روتينياً – استجواب ، اعتقال ، تعذيب، تقارير - مثل عمل مكتبي . كثير من الموظفين في الأجهزة الأمنية كانوا "عاديين" يسعون للترقية أو يخافون .
التطبيع: الخوف أصبح "طريقة حياة"، والمشاركة الرمزية (مسيرات ، تقارير ولاء) شرط بقاء , هذا يشبه ما وصفته آرندت في الأنظمة الشمولية: الإنسان يفقد قدرته على التمييز الأخلاقي .
دراسات مثل كتاب كنعان مكية (جمهورية الخوف) أو أبحاث عن الأنفال تظهر كيف تحول العاديون إلى جزء من الآلة بسبب الضغط والانتهازية واللامبالاة ، لا بسبب شر أصيل في شخصيتهم .
كيف نفهم هذا اليوم؟
نعم، الإنسان العادي قادر على الشر تحت ظروف معينة (سلطة مطلقة ، أيديولوجيا ، خوف، تطبيع) , وهذا تحذير، لا تبرير , المقاومة تكمن في التفكير- آرندت تؤكد أن التفكير النقدي (وضع نفسك مكان الضحية) هو الدرع ضد "تفاهة الشر".
في سياق العراق - كثير ممن شاركوا لم يكونوا "وحوشاً"، لكنهم ساهموا في وحشية النظام , فهم هذا يساعد على المصالحة والعدالة دون تبسيط (لا كل المشاركين متساوون في المسؤولية) .
الاستبداد التقليدي- يسيطر على السياسة والمعارضين ، لكنه يترك مساحات خاصة للناس (عائلة ، اقتصاد ، ثقافة) .
لكن الشمولية - تسعى إلى السيطرة الكلية على كل جوانب الحياة - الفكر، العواطف، الجسد، والحياة الخاصة - بهدف تحويل الإنسان إلى عنصر في الآلة.
الأيديولوجيا (مثل العنصرية النازية أو الصراع الطبقي الستاليني) تفسر كل شيء في التاريخ والعالم , تصبح "حقيقة" مطلقة لا تقبل النقاش , والناس يفقدون القدرة على التمييز بين الحقيقة والكذب .
هنا الإرهاب ليس مجرد أداة لقمع المعارضين ، بل جوهر النظام , ويُستخدم ضد الجميع ، حتى أنصار النظام أنفسهم ، بشكل عشوائي وغير متوقع , الهدف: جعل الناس يشعرون بالعزلة والخوف الدائم .
العزلة والتفكك الاجتماعي (Atomization)
النظام يدمر الروابط الطبيعية بين الناس (عائلة ، أصدقاء ، مجتمع ) , ويحول الناس إلى "كتلة" (masses) معزولة ووحيدة , الوحدة (loneliness) هي التربة الخصبة للشمولية , الدعاية لا تكذب فقط ، بل تخلق واقعاً بديلاً يحل محل الحقائق , الفارق بين الحقيقة والخيال يختفي .
النظام يعمل كآلة بيروقراطية هائلة , لا يوجد استقرار، بل حركة مستمرة نحو "الكمال" الأيديولوجي (مثل التطهيرات المستمرة).
جعل الإنسان زائداً عن الحاجة , الهدف النهائي - تحويل البشر إلى كائنات غير ضرورية ، يمكن التخلص منها بسهولة (كما في معسكرات الاعتقال والإبادة ) .
في سياق الشمولية، يصبح الشر "مبتذلاً" لأن الناس العاديين يفقدون قدرتهم على التفكير المستقل بسبب الإرهاب والعزلة والدعاية ، فيرتكبون أفعالاً مرعبة دون أن يكونوا "وحوشاً" بالفطرة , هذا التحليل ينطبق جزئياً على أنظمة مثل البعث في العراق ، حيث كان الخوف والأيديولوجيا والمخابرات يخترقان كل تفاصيل الحياة اليومية.
لماذا لم يقاوم الانسان العراقي العادي ؟!
الإجابة ليست بسيطة، لأن "الإنسان العراقي العادي" قاوم في أكثر من مناسبة ، لكن القمع كان شديداً جداً لدرجة أن المقاومة الواسعة والمستمرة أصبحت شبه مستحيلة , كنعان مكية في "جمهورية الخوف" يشرح كيف بنى النظام البعثي (خاصة تحت صدام) دولة شمولية تعتمد على الرعب المنهجي كأداة حكم أساسية ، مما جعل معظم الناس يختارون الصمت والبقاء على قيد الحياة , الأسباب الرئيسية لضعف المقاومة اليومية أو عدم استمرارها - آلة القمع والمخابرات (المخابرات العامة ، الأمن الخاص ، الاستخبارات العسكرية ) اخترقت كل جوانب الحياة , حتى أفراد العائلة أو الجيران يمكن أن يكونوا مخبرين , كذلك التعذيب ، الإعدامات، الاختفاء القسري، والسجون (مثل أبو غريب والشعبة الخامسة - في عهد صدام) كانت معروفة للجميع , الخوف لم يكن فردياً ، بل ثقافة مجتمعية كاملة "الجدار له أذن".
الانتفاضات حدثت... لكن قُمعت بوحشية - انتفاضة 1991 (الشعبانية) - بعد هزيمة الكويت ، انتفض الجنوب (الشيعة بشكل أساسي) والشمال (الأكراد , وسيطرت الانتفاضة على مدن كثيرة لأسابيع , قُتل فيها عشرات الآلاف (تقديرات تصل إلى 30-100 ألف)، واستُخدمت المدفعية والطائرات والكيماوي في بعض الحالات , الولايات المتحدة شجعت على الانتفاضة ثم تركتها (خيانة دولية واضحة) , هذا الدرس القاسي علّم الناس أن المقاومة بدون دعم خارجي يعني بكل تأكيد مذبحة .
مقاومات سابقة أخرى (شيوعيون، إسلاميون، أكراد، ضباط) سُحقت في السبعينيات والثمانينيات.
استراتيجية "فرّق تسد":النظام استغل الانقسامات الطائفية والعرقية والعشائرية , منح امتيازات لمناطق معينة (مثل تكريت) وأمناء حزبيين ، بينما يضرب الآخرين , الحروب (إيران 8 سنوات، الكويت) أنهكت المجتمع وأفرغت البلد من الشباب.
السيطرة الاقتصادية والدعائية - الدولة تسيطر على الوظائف ، الراتب ، الغذاء (خاصة في زمن الحصار) , الانضمام للبعث يعني فرصة بقاء , استغلال الالة الاعلامية الضخمة لتمرير هالة العبادة الشخصية حيث يصور صدام كبطل لا يُقهر .
الخوف النفسي المتجذر- بعد عقود من الرعب ، أصبح "الصمت" سلوك بقاء , مكية يصف كيف تحول المجتمع إلى "جمهورية خوف" حيث يخشى الناس حتى التفكير بصوت عالٍ .
لماذا لم يكن هناك "ثورة شعبية واسعة" مثل تونس 2011؟
النظام أقوى بكثير من بن علي أو مبارك جيش، مخابرات ، أسلحة ثقيلة، واستعداد لإحراق البلد كله , وغياب تنظيم داخلي قوي (المعارضة كانت في الخارج غالباً) , الدروس من 1991 جعلت الناس يقولون "خلّيها على الله".
العراقي العادي قاوم (انتفاضات، تهريب، نكات ، هروب ، انشقاقات داخل الجيش) ، لكن الثمن كان مرعباً والنظام مصمم ليجعل أي مقاومة جماعية تبدو انتحارية , هذا ليس "جبناً"، بل حساب واقعي في دولة بوليسية كاملة , بعد 2003، ظهرت مقاومات أخرى (ضد الاحتلال ، ضد الميليشيات) ، لكن بنفس المنطق الخوف يستمر بأشكال جديدة .
#سلمان_محمد_شناوة (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟