|
|
جورجي بليخانوف: الاشتراكية الطوباوية في القرن 19 (البريطانية 1) - ج2 (مقال مُترجَم)
حسين محمود التلاوي
(Hussein Mahmoud Talawy)
الحوار المتمدن-العدد: 8711 - 2026 / 5 / 20 - 12:06
المحور:
الارشيف الماركسي
هذه النص الجزء الثاني من الترجمة الكاملة للنسخة الإنجليزية من مقال "الاشتراكية الطوباوية في القرن التاسع عشر" للمفكر الشيوعي جورجي بليخانوف، ومصدره موقع الأرشيف الماركسي على الإنترنت. ...... أ: الاشتراكية الطوباوية البريطانية 1 أمنح بريطانيا المقام الأول؛ لأن ذلك البلد سبق غيره إلى اجتياز الثورة الصناعية التي ظلت، طوال زمن طويل، تحدد التاريخ الداخلي للمجتمعات المتحضرة اللاحقة. وتميزت هذه الثورة بالتطور السريع للإنتاج الآلي؛ وهو تطور أثَّر في علاقات الإنتاج من خلال إحلال العمال المأجورين محل المنتجين المستقلين؛ حيث اشتغل هؤلاء العمال في مؤسسات متفاوتة الحجم تحت إدارة الرأسماليين ولمصلحتهم. وقد جلب هذا التحولُ في علاقات الإنتاج معاناةً شديدةً وطويلة الأمد للسكان العاملين في بريطانيا. وزادت النتائج الضارة سوءًا بسبب ما عُرف باسم "التسييج"، الذي رافق الانتقال من الزراعة الصغيرة إلى الزراعة واسعة النطاق. وسيفهم القارئ أن "التسييج" — أي استيلاء كبار ملاك الأراضي على الأراضي التي كانت تخص المجتمعات القروية سابقًا، و"دمج" المزارع الصغيرة في مزارع كبيرة — كان لا بد أن يؤدي إلى انتقال جزء كبير من السكان الريفيين إلى المراكز الصناعية. ومن السهل إدراك أن طرد القرويين من مساكنهم القديمة زاد عرض "الأيدي العاملة" في سوق العمل؛ ومن ثم خفض الأجور. ولم يبلغ الفقر المدقع في بريطانيا يومًا مثل النسب الهائلة التي بلغها في المرحلة التالية مباشرةً لـ"الثورة الصناعية". وفي عام 1784 بلغت ضريبة الفقراء نحو خمسة شلنات للفرد، ثم ارتفعت عام 1818 إلى ثلاثة عشر شلنًا وثلاثة بنسات. وأدى إنهاك الطبقة العاملة، بسبب العوز، إلى إبقائها في حالة غليان دائم: فأحرق العمال الزراعيون المزارع، وحطم العمال الصناعيون آلات المصانع. وكانت هذه أولى الخطوات — وإن اتسمت بالطابع الغريزي — على طريق احتجاج المضطهَدين ضد مضطهديهم. وفي بداية هذه المرحلة لم يكن سوى قسم صغير جدًّا من الطبقة العاملة قد بلغ مستوىً من التطور الفكري يسمح له بخوض نضال واعٍ من أجل مستقبل أفضل. وانجذب هذا القسم إلى النظريات السياسية الراديكالية وتعاطف مع الثوريين الفرنسيين. وفي عام 1792 ظهرت "جمعية لندن للمراسلات" [3] التي ضمت عددًا كبيرًا من العمال والحرفيين وصغار التجار. واقتداءً بموضة الثوريين الفرنسيين، كان أعضاء هذه الجمعية يخاطب بعضهم بعضًا بلفظ "المواطن"، ويُظهرون مشاعر ثورية قوية؛ ولا سيما بعد إعدام لويس السادس عشر. ومهما كان ضيق حجم الطبقة الديمقراطية القادرة على التحمس للأفكار المتقدمة في ذلك العصر، فإن مزاجها المهدِّد أثار قلقًا بالغًا في الأوساط الحاكمة، التي تابعت مرتجفةً ما كان يجري في فرنسا آنذاك. ولهذا اتخذت الحكومة البريطانية سلسلةً من التدابير القمعية ضد "اليعاقبة" المحليين، تمثلت في فرض قيود على حرية التعبير، وعلى تنظيم النقابات، وعلى حق التجمع. وفي الوقت نفسه شعر منظرو الطبقات العليا بأن من واجبهم تعزيز جهود الشرطة في حفظ النظام، وتوجيه "السلاح الروحي" ضد الثوريين. ومن المعالم الأدبية لهذا الرد الفكري الدراسة الشهيرة التي وضعها مالتوس حول قانون السكان، [4] والتي جاءت استجابةً لكتاب جودوين المذكور سابقًا عن "العدالة السياسية". في حين نسب جودوين جميع بؤس البشر إلى عمل الحكومات والمؤسسات الاجتماعية، حاول مالتوس البرهنة على أن السبب لا يعود إلى الحكومات أو المؤسسات، بل إلى قانون طبيعي لا يرحم، يقضي بأن عدد السكان يزداد دائمًا بوتيرة أسرع من وسائل العيش. ومع أن الثورة الصناعية البريطانية خلَّفت آثارًا قاسيةً على أوضاع الطبقة العاملة، فإنها أدت أيضًا إلى زيادة هائلة في القوى الإنتاجية للبلاد، وقد بدا ذلك واضحًا لكل الباحثين. ودفع هذا الأمر كثيرين منهم إلى القول إن معاناة الطبقة العاملة مؤقتة فقط، وإن كل شيء يسير على أفضل حال عمومًا. غير أن هذا التفاؤل لم يحظَ بقبول الجميع؛ فقد كان هناك أشخاص لم يستطيعوا مراقبة معاناة الآخرين بذلك الهدوء الجدير بالأولمب. وأبرز هؤلاء وأكثرهم جرأةً وعمقًا هم الذين أسسوا الأدب الاشتراكي البريطاني في النصف الأول من القرن الماضي. [5]
وفي عام 1805 نشر الدكتور تشارلز هول (1745-1825) نتائج أبحاثه [6] حول الكيفية التي أثرت بها "الحضارة" — وكان يقصد بها، على وجه الدقة، نمو القوى الإنتاجية في البلدان المتحضرة — في أوضاع الطبقات العاملة. وقد أثبت هول أن الجماهير ازدادت فقرًا بسبب "الحضارة": "ومن هنا فإن زيادة ثروة بعض الناس أو قوتهم تُعَد سببًا في زيادة فقر الآخرين وخضوعهم. [7] وتكتسب هذه الفكرة أهميةً كبيرةً في تاريخ النظرية؛ لأنها توضح مدى الوضوح الذي أدركت به الاشتراكية البريطانية، ممثلةً في تشارلز هول، تعارض المصالح بين طبقتي "الأغنياء" و"الفقراء". ومن المهم الإشارة إلى أن هول قصد بـ"الفقراء" الطبقة التي تعيش من بيع "عملها"؛ أي البروليتاريين، في حين قصد بـ"الأثرياء" الرأسماليين وملاك الأراضي الذين تقوم رفاهيتهم على الاستغلال الاقتصادي لـ«الفقراء». وبما أن "الأثرياء" يعيشون من استغلال "الفقراء" اقتصاديًّا، فإن مصالح الطبقتين تتعارض تمامًا. ويتضمن كتاب هول فصلًا (الخامس عشر) يحمل عنوان "في اختلاف مصالح الأثرياء والفقراء". ويمكن تلخيص حجته على النحو الآتي: ينبغي اعتبار كل ثري مشتريًا للعمل، وكل فقير بائعًا له. ومن مصلحة الثري أن ينتزع أكبر قدر ممكن من العمل الذي اشتراه من الفقير، وأن يدفع أقل أجر ممكن مقابله. وبعبارة أخرى، يريد أن يحصل على أكبر نصيب ممكن من الناتج الذي أوجده عمل العامل؛ لكن العامل فيسعى، على العكس، إلى الحصول على أكبر نصيب ممكن من هذا الناتج. ومن هنا ينشأ الصراع بينهما. لكنه صراع غير متكافئ؛ فالعمال، المحرومون من وسائل العيش، يضطرون غالبًا إلى الاستسلام، مثلما تستسلم الحامية التي نفدت مؤونتها أمام العدو. وفوق ذلك، كثيرًا ما كانت القوة العسكرية تسحق الإضرابات، في حين أن القوانين لم تكن تمنع أصحاب الأعمال إلا في عدد قليل من الدول من الاتحاد بغرض خفض الأجور. ويقارن هول وضع العامل الزراعي بوضع ثور المزارع أو حصانه. وإذا وُجد فرق بينهما، فإنه لا يصب في مصلحة العامل؛ لأن السيد لا يخسر شيئًا بموت العامل، لكنه يخسر بموت الثور أو الحصان. [8] ويبدي أصحاب الأعمال قدرًا كبيرًا من الحزم في الدفاع عن مصالحهم الاقتصادية في صراعهم مع العمال. في المقابل، لا يتمتع العمال بالقدر نفسه من الحزم في صراعهم ضد أصحاب الأعمال؛ لأن الفقر يحرمهم من وسائل المقاومة الاقتصادية والأخلاقية. [9] وإلى جانب ذلك، يقف القانون إلى جانب أصحاب الأعمال، ويعاقب بقسوة كل انتهاك لحقوق الملكية. [10] وفي ضوء ذلك يبرز السؤال الآتي: ما مقدار الحصة التي تحصل عليها الطبقة العاملة، بوصفها كُلًّا، من الدخل القومي السنوي؟ ويحسب هول أن هذه الطبقة لا تحصل إلا على ثمن قيمة الناتج الذي أوجده عملها، في حين تذهب الأثمان السبعة الباقية إلى "السادة". [11] ولا يمكن بالطبع قبول هذا الاستنتاج على أنه صحيح؛ فقد قلل هول من حجم الحصة التي يحصل عليها العمال من الدخل القومي. غير أن القارئ سيدرك أننا لسنا بحاجة الآن إلى تفنيد هذا الخطأ الحسابي. والأجدر بالملاحظة أن هول، على الرغم من هذا الخطأ العددي، فهم جيدًا الجوهر الاقتصادي لاستغلال رأس المال للعمل المأجور. وتسير الجريمة في أعقاب الفقر. وقد رأى هول أن "كل ما يسمى، أو يكاد يسمى، بالفساد الأصلي والانحراف الأخلاقي إنما يشكل نتائج لنظام الحضارة؛ ولا سيما لخاصيته البارزة المتمثلة في التفاوت الكبير في الملكية". [12] فالحضارة تفسد الفقراء عبر الحرمان المادي، في حين يكتسب "سادتهم" الرذائل الشائعة بين الأثرياء، وعلى رأسها أسوأ الرذائل كلها: الميل إلى اضطهاد البشر الآخرين. ولهذا فإن الأخلاق الاجتماعية ستستفيد كثيرًا من إلغاء التفاوت في الملكية. لكن هل يمكن إلغاؤه؟ يعتقد هول أن ذلك ممكن، ويستشهد بثلاث حالات تاريخية أُقيمت فيها مساواة في الملكية: واحدة عند اليهود، وأخرى في إسبرطة، وثالثة في ظل حكم اليسوعيين في باراجواي. "وفي جميع هذه الحالات، بحسب ما نعرف، تَحققَ نجاحٌ كبيرٌ". [13] وحين يتناول مسألة التدابير الممكنة لإزالة التفاوت في الملكية، يشدد هول بإلحاح على ضرورة توخي الحذر الشديد، بل وأكثر من الحذر. فهو يرى أن الإصلاح يجب أن يتولاه أشخاص متجردون من المصلحة والانفعال. ومثل هؤلاء الأشخاص لا يمكن العثور عليهم بين المضطهَدين؛ لأنهم قد يندفعون بعنف مفرط. ولهذا ينبغي توجيه النداء إلى المضطهِدين أنفسهم؛ لأن الإنسان، عندما يتعلق الأمر بغيره لا بنفسه، نادرًا ما يتصرف بعجلة أو عنف في تنفيذ مقتضيات العدالة، مهما عظَّم شأنها. ولهذا يقول هول: "ومن الأفضل أن يأتي رفع مظالم الفقراء من الأغنياء أنفسهم". [14] وبعبارة أخرى، فإن مصلحة السلم الاجتماعي تقتضي أن يزيل التفاوتَ في الملكية أولئك الذين يستفيدون منه كله. وهذه السمة لا تخص هول وحده؛ فالغالبية الساحقة من اشتراكيي تلك المرحلة — في بريطانيا وفي أوروبا القارية أيضًا — تبنت الموقف نفسه. ومن هذه الزاوية اقترب أعظم الاشتراكيين الطوباويين البريطانيين، روبرت أوين، من هول. [15] ...... رابط الجزء 1: https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=917949
#حسين_محمود_التلاوي (هاشتاغ)
Hussein_Mahmoud_Talawy#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
جورجي بليخانوف: الاشتراكية الطوباوية في القرن التاسع عشر - ج
...
-
جورجي بليخانوف: المادية مرةً أخرى (مقال كامل مُترجَم)
-
ياسمينة خضرا في القريبة كاف: الكل مُدان
-
الأدب الشعبي الجزائري: تاريخ ومكونات ومستقبل
-
الأدب الشعبي المصري: التاريخ والسمات والآفاق
-
بطارخ أبو عبير
-
إضاءات على تاريخ مصر: مصر تنقذ العالم القديم من تحالف شعوب ا
...
-
إضاءات على تاريخ مصر: مصر تنقذ العالم القديم من تحالف شعوب ا
...
-
غزلان الليل.. حكايات من أرض الأمازيغ
-
مفهوم العوين وجذوره التاريخية في التربة السياسية المغربية
-
تجربة موسى بن أبي العافية في المغرب الأقصى: مقاربة مكثفة في
...
-
جربة.. حيث تعانق الشمسُ التاريخَ في هدوء!
-
عباقرة الكلمة: ثلاثية الروح في الأدب الروسي
-
أسماء عبد الخالق في (كتاتونيا).. عندما -تتخشب- المشاعر
-
أدب إفريقيا المكتوب بالإنجليزية وترجمته إلى العربية: تحديات
...
-
عن الرواية والأدب.. وظاهرة -كُتَّاب المهرجانات-
-
حكايات إفريقية: بوركينا فاسو وساحل العاج.. شكوك تاريخية وإصب
...
-
عن تيك توك وغسيل الأموال والفقر الحضاري: هل نحن مجتمع -تافه-
...
-
حكايات إفريقية: الرجل الذي جعل بلاده أرض النُّزَهاء..
-
حكايات إفريقية: الرجل الذي جعل بلاده أرض النُّزَهاء..
المزيد.....
-
في نقد مدرسة التبعية
-
القبض على أهالي معتقلين طالبوا بالإفراج عن ذويهم
-
تظاهرة اليمين المتطرف في لندن..-ملايين -شاركوا فيها ضد المها
...
-
سوق السيارات في عصر الاحتكارات العالمية: حرب العمالقة وتوحّش
...
-
الجبهة الديمقراطية: حماية المحكمة وإجراءات قضاتها ضرورة قان
...
-
Power, Men’s Silence, and the Urgent Need to Overhaul Mascul
...
-
Let’s Not Make a Deal
-
The Left, Trade Unions, and Mass Organizations
-
تصدع داخل حزب العمال ومنافسو ستارمر يعيدون فتح ملف -بريكست-
...
-
تعازينا الحارة في وفاة والد شهاب احد معتقلي بانر فلسطين
المزيد.....
-
كراسات شيوعية:مشاكل الحزب العالمي للثورة وإعادة بناء الأممية
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
نص محاضرة(نحوإعادة النظرفي مكانةتروتسكي في تاريخ القرن العشر
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
المهم هو تغييره .. مقدمة إلي الفلسفة الماركسية - جون مولينو
/ جون مولينو
-
مقالات موضوعية في الفلسفة الماركسية
/ عائد ماجد
-
كراسات شيوعية(الأممية الرابعة والموقف من الحرب ) ليون تروتسك
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
الحزب الماركسي والنضال التحرري والديمقراطي الطبقي واهمية عنص
...
/ غازي الصوراني
-
حول أهمية المادية المكافحة
/ فلاديمير لينين
-
مراجعة كتاب (الحزب دائما على حق-تأليف إيدان بيتي) القصة غير
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
مايكل هارينجتون حول الماركسية والديمقراطية (مترجم الي العربي
...
/ أحمد الجوهري
-
وثائق من الارشيف الشيوعى الأممى - الحركة الشيوعية في بلجيكا-
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
المزيد.....
|