كاظم حسن سعيد
اديب وصحفي
الحوار المتمدن-العدد: 8703 - 2026 / 5 / 10 - 14:01
المحور:
الادب والفن
كتاب ( المساحة السيكولوجية في شعر البريكان)
مقدمة
من يتابع البريكان منذ قصائده المبكرة يدرك ان همه هو تجسيد التوتر بين الحياة والموت والغور عميقا في المتافيزيقيا وابعاد الوجود وتلك الاسئلة الوجودية المحيرة وطرح الافكار التي قد تاخذ صياغات حكم ،والاهتمام بمصائر الاشياء وهو محق حين يصف نفسه بشاعر الموت الذي احتل مساحة واسعة من شعره.
في هذه المختارات سنركز على جانب مهم من شعره غفل عنه الدارسون..وهوتسجيل عميق لسيكولوجية الاشياء. وسيتم التركيز على قصائده التي نشر اغلبها بعد رحيله والتي تضمنها كتاب ( محمود البريكان ... الاعمال الشعرية د1 )
طويلا انتظر الوسط الادبي هذه القصائد , التي حجبها الشاعر لسنوات ,واودعها مرة , في احد البنوك في بغداد ابان الحرب العراقية الايرانية التي استمرت لثماني سنوات, واتضح انه قد سحبها فيما بعد, وبعد مقتله في منزله ٢٠٠٢ اختفت هذه القصائد , حتى تم التأكد من وجودها لدى شقيقه عبد الله في السعودية , وهنا واجهت القصائد ازمة اخرى ,فقد امتنع اخوه عن تحريرها وطباعتها, وحين استفسرت برسالة اليه عنها اجابني ( انا خدمت الادب العربي بالحفاظ عليها ,وباعتباري رجل قانون لي اسبابي بحجبها الان) .
المجلدان اللذان طبعا سنة ٢٠٢٥ يعانيان من هفوات واخطاء على المستويين الفني والنصوص , واتوقع ان تتكفل لجنة مختصة ومتعمقة باعادة النظر في هذه الاعمال.
طبع الفا نسخة من المجلدين , اتوقع تنفذ في العراق وستظل القصائد بعيدة عن متناول النقاد والقراء,وهذا اهم سبب لنشرها في مختارات,الكترونيا,لسهولة توفرها.
الفت الى ان بعض النصوص اهملتها اللجنة لعدم الوثوق من نسبها,لكني اؤكد ان بعضها من اعمال البريكان مثل ( ديوان صغير عن الحرب ) الذي حدثني عنه وذكر لي بعض ثيماته.
تركت القصائد تسفر عن نفسها ,الا من اضاءات مختزلة على بعضها.
كاظم حسن سعيد
٢٠٢٦
----------------
١
( الموت عبر قاعة التشريح..البريكان).
هذه القصيدة الصاعقة التأثير, كتبها البريكان بعد مروره من قضاء الزبير الى مركز البصرة ,حيث تقبع مشرحة جوار مشفى يقابل السجن... وهي تكملة لقصيدته التي سبقتها بثلاثة ايام ( قاعة التشريح).
وقد نشرت بعد رحيله ضمن كتاب محمود البريكان- الاعمال الشعرية الاخيرة,الذي يبلغ١٢٢٩ صفحة,اثر اكتشاف اكثر نسخها في السعودية,بعدما تغيبت طويلا..وان اغلب تلك القصائد لم ينشرها الشاعر .
انشرها لان الكتاب ظهر بنسخ قليلة,ولاني اعمل على كتاب ( المساحة السيكولوجية في شعر البريكان.
------------
(حالة في المشرحة)
على الغطاء الابيض المنسدل
آثار
من سائل ما
جثة إمرأة
تواجه المبضع
الرجل الوحيد
في القاعة الباردة
يبدأ.
يلقي نظرة
على الجبين الاصفر الشمعي
والاعين الغامضة
والثغر بانفراجة خفيفة
كأنما ينتظر التقبيل
فكر
اي امرأة جميلة
كانت.
وشق مسرعا
خطا خفيفا داخل الجسد
منحنيا بسحنة جامدة
كعامل منهك
في فحص اجزاء جهاز قديم
لاحظ نهديها
الخاويين , لحظة
حدق في السرة
تخيل العري الجميل الحي.
تحسس الجلد الذي هدله الجفاف
وانتشرت خلاله البقع.
ادارها برقة
لشعرها المنطفيء اليابس
ملامس الخيوط
تصور الهالة
تلك التي كانت لخا.
ارتطمت راحته
بوركها الثقيل
ببياض الفخذ
تجاهل اشمئزازه
تجاهل الخاطرة الغامضة
تلك التي اوحت له بالغثيان
وانحنى
دون قناع الموت
عبر الاديم المرمد الكالح
يتم ما بدأ.
محمود البريكان
٣١٣١٩٩٤
-----------------
2
الضاريات..رجولة الانثى وشبقية الجسد)
قصيدة الضاريات للبريكان لم تنشر في حياته, هذا السحر الشعري الذي تعمد اخفاءه ,ربما احتجاجا على تدني الذائقة.
لم تؤرخ القصيدة لكني ارجح تاريخ كتابتها سنة ١٩٩٥وما بعدها, حيث بلغ ذروة شاعريته,وربما يعضد القاريء هذا الترجيح حين يدرس قصائد تلك المرحلة مثل قصيدة الملوك /١٩٩٧/ ,فقد تميزت بقوة الوضوح ,والاختزال والعمق وتخلي بعضها عن الايقاع الفراهيدي,والابتعاد الكلي عن بهرجة اللغة.
تعود جذور هذه القصيدة الى سنة ١٩٤٩ حين كتب ( اي حب هذا؟) ووصف الحب بانه < اوهم من الوهم>.
لم تعد المرأة طفلة كما وصفها مبكرا ولا نظرات تشجي او اسطورة تتجلى كما في قصيدته عن سلوى,
انها الان فخ مدمر باسلحة ناعمة,لهذا استعار صفة السباع لها.
هذه القصيدة هي جزء من المساحة السيكولوجية في شعر البريكان.
------------
< الضاريات>
يتخطرن بثياب وعطور
ويرققن اصواتهن الى درجة الانوثة
وعندما يتعرين عند الاسرة
يكشفن عن نهود كبيرة و عضلات جافة
اذرعهن المطوقة تطبق كنير عبودية
وشفاههن تنفرج للتقبيل كشفاه مصاصي الدماء
وتحت اهدابهن الصناعية
تومض شعلة الشهوة
وتلمع نقطة الافتراس.
محمود البريكان
--------------------
٣
الاخوات الهادئات وجه اخر للموت
الاخوات الهادئات
في هذه القصيدة تكتمل دورة الزمان وتتواصل,تبدا بالفجر وتتواصل ضحى وظهيرة وليلا وتنتهي بالفجر, عبر هذا التنقل الزمني يسلط البريكان مبضعه المجهري لاستكشاف سيكولوجية اخوات هادئات.
يعشن حياة العزلة والتواري التي فرضها عليهن المجتمع ودفعهن الى هاوية اليأس.
يلجأ الانسان للاحلام ان تعذرت الرغبات والطموح ,هن ينسين احلامهن عند الفجر.
ان لا تنتظر شيئا ولا تعترف بشيء ,ان لا تشتكي ولا تتذمر ,ان تراقب ذبول الجسد,
تلك حياة متكلسة تماما,او وجه اخر للموت.
الاخوات الهادئات
في البيوت القديمة
خلف ستائرها المسدلة
خلف ابوابها المقفلة
تفتح الاخوات الوحيدات اجفانهن
يهيئن شاي الصباح
ويقضين وقت الضحى في المطابخ
بعد طعام الغداء
ينفردن قليلا
وحين يجيء المساء
تبدأ السهرات الطويلة ,الضجر العائلي, الوجوم المغلف بالثرثرة
ثم يذهبن للنوم
يخفين بين الوسائد سر الدموع التي لا تحرر.
ينسين احلامهن
اذا انفتح الفجر.
الاخوات الوحيدات
لا يعترفن بشيء ولا يتذمرن ولا يشتكين .
يتفرسن في قسمات الوجوه بصمت
ولا ينتظرن سوى خير لا يجيء
وعاطفة للامومة
يطمرن تحت الثياب نهودا تجف
وينشرن دون المرايا جدائل
يسرقها الشيب سرا
ويلمسن مرتعشات الانامل تلك الخطوط
الدقيقة حول العيون.
محمود البريكان
٧٤١٩٨٨
--------------------
٤
سحق الآخرين في < فصام عائلي>.
هذه القصيدة التي نشرت بعد رحيله تمثل تناول الجو الاسري , وتقع على طرفي نقيض من جلسة الاشباح التي كتبت ١٩٦٩ وتناولت حياة زوجين بينهما الفة ومحبة وتباعد فكري وفيها تهتم الزوجة بالحياكة وتحاول ان تخفف الضغط من زوجها بمقترحات لا تلائمه..لكن الزوج يتامل لون عينيها ويرد على ابتسامتها بلطف...هنا في فصام عائلي تنهمك المراة بالخياطة حتى ساعة متاخرة ,وعندما يعود زوجها المدمن العريق لا يطلق كلمة فيطلب عشاءه ويتمدد لينام..
في الصباح ينطلق متأنقا في جولاته النهارية ...والمرأة تذبل بالتدريج وتضمر ,
المأساة ان الرجل لا يعرف القلق ولا يدرك انه يسحق الاخرين.. رغم انه يغتالها ببطيء.
------------------------
< فصام عائلي>
المرأة الصفراء منكبة على آلة الخياطة
طول النهار وهزيعا من الليل
الرجل متأنق بمعطف احمر
ومظهره مظهر مدمن عريق
المرأة قد يغلبها النعاس ليلا
فتنحني على آلة الخياطة
واطفالها متمددون حولها
الرجل ياتي غالبا في وقت متاخر
فيطلب عشاءه
وقلما يتفوه بكلمة
ثم يضطجع لينام
دون ان يغسل قدميه.
قطع الثياب لا تنتهي
والمرأة منكبة على عملها
الا اذا اضطرها الم الفقرات
لاستراحة قصيرة
عندما يكون اولاده مستيقظين
يكتفي بنظرات خاملة
الى وجوههم او ثيابهم الحائلة
او يزجرهم بين حين واخر عن الحركة
المرأة تذبل بالتدريج
وتزداد نحولا
وتكاد تبكي عندما تنظر في المرآة
او تقلب صورها القديمة.
الرجل يلمع حذاءه في الصباح
استعدادا لجولاته النهارية
ويبدو هادئا لا يعرف القلق
وليس لديه اية فكرة عن الطرق الخفية
لسحق الآخرين
لسحق انسان اخر
محمود البريكان
١٩٩٧
-------------
5
ج٢
قصائد الدراسات في اعمال البريكان
هذه القصيدة نشرت بعد وفاة الرائد البريكان ضمن كتاب - الاعمال الشعرية ج١ -. وهي تمثل احد مساراته الفنية .. متمثلا بقصائد تصدرتها مفردة دراسة او دراسات مثل ( دراسات في عالم الصخور ودراسة في الشر ودراسة في عمى الالوان) والعنوان الاخير هو اقدمها فقد ارخت في سنة ١٩٦٩.
وهناك قصائد تنتمي لذات النهج لم تتصدر عناوينها مفردة دراسات مثل قصيدة < الايدي>.
وقد همش الشاعر على القصيدة بعد سنة و ٥ أشهر مؤكدا بانها لم تسجل في حينها ولم يستطع استعادتها بدقة وبان بعض العبارات تقريبية.
لقد حدثني عن عدد من قصائد برقت له وتم تاجيلها للابد مثل قصيدة عن ذكرى امه او انه افتقر للقلم ليلا او تثاقل فهربت منه.>.
---------------
دراسة لحركة الشفاه
شفاه
تتكور يانعة
مكتنزة بدم الغواية
تفتر عن ابتسامة من ضياء
ابتسامة طفل يحلم بفراديس
تتقوس مثقلة بالاسى
كبراعم ذابلة
تختلج, وتنكمش الى الداخل
مرتعشة بصلاة الندم
تتفتح عن رعشة الدهشة
وموجة الهواء .
تتقلص مزمومة الى اعلى
تتصلب وتنطبق بوحشية
كأنما تستجمع القوة للقتل
اهذه هي الشفاه التي تدنو للتقبيل؟
محمود البريكان
١٠٨١٩٩٧
------------
٦(دراسة في الشر>
الروائيون يحتفون بالمشاعر
يبرعون في رصد حالات القلق والصراع
وتبكيت الضمير
ولا يهبطون الى اسفل
حيث يكمن الشر المطلق
الشر الذي لا مرآة له
الرجل الذي يؤرقه التصور وتلسعه الذكرى
ليس اسوأ البشر
الاسوأ هو الرجل الذي يرتكب جريمة
بوجه خشبي
ثم يلتهم طعامه او يغط في النوم
او يتباهى بكلمات كبيرة على مائدة الشرب
المرأة التي تقترف ما تقترف
مستمتعة بقدرتها على التدمير
ثم تحكم تظليل عينيها
وتتضاحك في التلفون
او تحدث صاحبتها عن اخر مسلسلات التلفزيون
المسيلة للدموع.
محمود البريكان
اوائل آب - ١٩٩٧
...........................
دراسة في الشر..تجسيد لاخطر انواعه
يتناول البريكان في هذه القصيدة نموذجين يجسدان الشر المطلق الذي من سماته- لا مرآة ولا راد له- وهو هنا يخالف حتى كبار الروائيين كدستوفسكي في الجريمة والعقاب.لقد همش البربكان على القصيدة تحت كلمة المطلق( حيث يكمن الشر الذي يبدو طبيعيا تماما كشيء طبيعي,عبارة دخلت لاحقا في ٢٥ ١٢١٩٩٧ م.ب).وقد حدثني عن هذه الثيمة يوما فقال( الشر ليس ان يرتكب احد جرما بلحظة انفعال بل ان يتحول الشر الى سلوك طبيعي), لهذا اخطأ محققو ديوانه بتثبيت العبارة الاقدم لا مرآة له وتجاوزوا الاحدث,وربما قصر البريكان ايضا فلو قال - الشر الذي لا مرآة ولا راد له- لكان البيت اكثر شمولا وعمقا.واسجل هنا ان الابطال في هذه القصيدة من الرجال وفي قصيدته( فصام عائلي) و المؤرخة ١٩٦٩ كلهم مدمنون على شرب الخمرة ,وهو غطاء سيكولوجي بوسائل كيميائية.الرجل ينفذ جريمته بملامح متخشبة,متباهيا على موائد الشرب,ملتهما بشهية , غاطا بنومه,اما المراة فتستمتع بمقدرتها على التدمير وتفاعلها مع مسلسلات مسيلة للدموع والاعتناء بمظهرها
---------
٧
نص <شيخوخة> لوحة لشيخوخة اخرى.
المفردات: قد يتفاجأ القاريء من مفردة اهاب التي قل استخدامها في اللغة المعاصرة,لكن هناك فرقا بينها والجلد,
الفرق الدقيق: يُسمى جلداً سواء كان على الكائن الحي أو بعد الدباغة، لكنه لا يُسمى "إهاباً" إذا كان مدبوغاً ومصنعاً,وعند مراجعة معجم الدوحة تلاحظ ان مادة اهاب, مرت بتطورات وجنحت للمجاز, وشكلت ظلالا ,وما فعله البريكان هو احياؤها.
الاكليل الرمادي: هو للتويج لكنه جاء ضاغطا( معصوبا) ,ربما تخلى عن البياض لاضفاء القتامة على المشهد .
الريح: يهتم الشاعر بهذه المفردة منذ بداياته ,وابرز استخدامها ورد في نصه( قصائد تجريدية) التي كتبت ١٩٦٩ < أوثر ان ابقى على جوادي واهيم من مهب ريح
الى مهب ريح) وهي تكاد ان تضاهي مفردة الصخر لديه بكثرة الاستخدام.
بعد ٨ أيام من شيخوخة يكتب قصيدته< وحدة مطلقة> فيقول: هاجسي تتبع الرياح.
القصيدة لو درست بدقة هي لوحة لشيخوخة اخرى ,تتمرد على الزمن وتتخطى محدودية التقييم,وتسخر من الشفقة.
---------------
(شيخوخة)
كامنا في جسدي الناحل
معصوبا بأكليلي الرمادي
اعاني رغبتي
مشتعلا بالعنفوان
اتلقى النظرات المشفقة
( انه يدخل شيخوخته
بهدوء الحكماء)
من يراني كامنا خلف الأهاب المتغضن
بافاعي الأليفة
ونسوري الجائعة
واضطرابي على متن الريح؟
محمود البريكان
٨٩١٩٩٣
-------------
٨
منتهى الوحدة ..تشريح مجهري
هناك تشابه بين هذا النص وقصيدته < شيخوخة > التي كتبت بعد خمس سنوات , في كلا النصين شخصيتان: من يراه الآخرون ومن هو على حقيقته.
في منتهى الوحدة تشريح لرجل يظهر انه مسن ,تبدأ بجملة - رجل هاديء- ثم تأتي الافعال المضارعه التي تم انتقاؤها بدقة وحرفية لتصفه وتحلل اعماقه وجوهره.
استخدم الشاعر الفعلين يدرك ويعرف لاضاءة احوال مختلفة فالادارك جاء فجائيا - في لحظة واحدة- كما الخلق الفني - , فادرك فقدان كل ثمار الفصول - كل.. يا لها من مفردة فاجعة- وضياع الاواصر والذكريات والثقة وبراءتها واليد التي تغمض الجفن لحظة الوفاة.
فيما استخدم الفعل يعرف للشراك الخفية للعاطفة وسم الافاعي..
انه غاية الضجر فيبعثر نظرته على اثاث رث ويجرح ذقنه بحلاقة متعجلة ويعد وحيدا كوب الشاي - وهنا , وحيدا , تعميق لوحدة كلية-...
اخيرا يغادر منزله للزحام ليراقب جثته كشبح.
------------------
< منتهى الوحدة>.
رجل هاديء
يخلع الان عنه قناع الهدوء
ويواجه مرآته
رجل باسم الثغر
ينفك من عالم الاخرين
ويطالع اسراره
انه وحده
يتفرس في وجهه
ويبعثر نظرته
في مقاعد فارغة واثاث علاه الغبار
هو في منتهى الوحدة الان, يدرك في لحظة واحدة
كيف تفقد كل ثمار الفصول
وتضيع الاواصر والذكريات
وبهاء الثقة
وبراءتها
واليد الحانية
التي تغمض الجفن عند الوفاة
يعرف الان كل الشراك الخفية للعاطفة
يعرف الان سم الافاعي التي تتنفس
بين البراعم.
وحده يقف الان ليس له
غير هذا الرداء وهذا الحذاء
وكل فراغ الوجود.
وحده الان, يحلق مستعجلا
ويخلف جرحا صغيرا على وجهه
ويهيء كوبا من الشاي منفردا
ثم يخرج مضطربا في الهواء الخفيف
ويدخل وسط الزحام
يراقب جثته وهي تمشي
ويسمع وقع خطاها
ويتبعها كشبح
٣١١١٩٨٨
--------------------
٩
التفاتة إلى الخلف
كُلُّ العظماءِ المتوحدينَ لابدَّ أنهم شعروا بذلكَ في وقتٍ ما:
إذا لم تجدِ الحبَّ المنشودَ..
ولم يكن لكَ أليفٌ للربيعِ والخريفِ..
إذا لم تنعم ببهجةِ المشاركةِ..
ولم تملأ بيتكَ الضحكاتُ..
وكلُّ أمجادِكَ ليست لكَ..
ومهما بلغتَ من الحكمةِ، فقد أضعتَ حياتكَ..
ولن تغمضَ جفنيكَ في النهايةِ..
على وجهٍ رحيم.
محمود البريكان
٩٨١٩٩٧
----------------
١٠
تحول العاطفة
سَيأتي من دُونِ أنْ تَعرفي كَيفَ
يومُ الوجومِ والصَّمتِ والغَضَبِ.
وبعدَ كلِّ هذا الولعِ..
سَيأتي وقتٌ للجفاءِ وعدمِ الملالِ
والنظرةِ العمليّةِ والكلمةِ القاطعةِ
والصمتِ الطويلِ.
سَتَقولينَ: كانَ يُهملُ حرارةَ المشهدِ
وستقتسمانِ رغيفَ البغضِ اليوميِّ..
وسيكونُ هذا غِربالَكما الأخير.
محمود البريكان
ملمح طفل
وجه طفل ( دراسة لحظية)
نظرة مائلة تحيد عن كل منظور
مركزة الميل
ابتسامة خاوية
وتجاعيد فجائية
الوجه الصغير يتصخّر
ثقوب وخطوط تنحفر بصلابة.
ماذا يحدث في هذه الجمجمة؟
أهو كابوس دوري لذكرى مرعبة؟
مكيدة ماكر ةلأب أو أم؟
خطة لانتزاع ريش الطيور؟
فكرة لصنع سلاح قاطع؟
إخفاء مسروقات؟
اجتياز سياج منيع؟
أم تعذيب دوري لكلب تائه؟و
إحكام أكذوبة
لتحطيم باب محرم؟
في عُشر الثانية
تتحرك الجفون مرة أخرى
وتتحرر البشرة
ويتدفق الدم
ويبتسم الطفل عن سنٍّ مثلومة
كما لو كان يقفز فجأة من حكاية خرافية.
محمود البريكان
18/4/1996
-------------
١٢
طوفان النمل
هو طفلٌ يراقب حشداً من النمل ينقل، منهمكا، مؤناً للشتاء
. يتفرّس , في يده كأسُ ماءٍ
و يميل به فيسيلُ.
بعضُ النمل يغوص إلى القاع
بعض النمل يطوّحه الموجُ الضخم إلى جبل
وهناك نمالٌ تتشبث بالخشب الطافي. مستعمرةُ النمل يفتتها السيل الهائل، والجثثُ السوداء على الماء
تطفو.
سكنت آخِرُ حركة
ماذا تنظر؟
ما عدا المنظر يغري فابحث عن ألعابٍ أخرى.
محمود البريكان
11/2/1990
----------------
١٣
مشاهد خاطفة
تعارف
في الحافلة يطلُّ وجه الطفل عليَّ
من فوق كتف أمه
أبتسم له،
يتفرس في وجهي
وأداعبه سراً
فيحاول أن يصل إليّ،
وفجأةً
تنهض تلك المرأة
وتغادر
( لم أرَ عينيها.)
محمود البريكان
--------------
١٤
خلف الزجاج
الصوتُ لا يُسمعُ في الداخلِ ولكنَّ المشهدَ واضحٌ خلالَ النافذة..
رجلٌ وطفل.
الرجلُ أشيبُ تقريباً، مهمومٌ ومتعب.
والطفلُ دونَ العاشرة، يقفُ بوجهٍ جامدٍ محدقاً في نقطةٍ ثابتة.
الرجلُ يتكلمُ برفق،
يشيرُ إشاراتٍ محتدمة،
يرسمُ بذراعِهِ أقواساً في الفضاء،
وبكاملِ جسدِهِ ينحني على وجهِ الطفلِ ويكررُ الانحناء..
والطفلُ يختلجُ ولا يكادُ ينطق.
وحينَ يضعُ الرجلُ يدَهُ على كتفِهِ يجفلُ، ويطلقُ نظرةً كنظرةِ فزع.
الرجلُ يتكلمُ ويتكلمُ بطريقةٍ يائسة..
أهو اعترافٌ بخطأٍ والتماسُ مغفرة؟
توضيحٌ لموقفٍ لا يفهمُهُ الصغار؟
محاولةُ إقناعٍ تصطدمُ بحاجزِ الغضب؟
استنطاقٌ لانتزاعِ سرٍ حرج؟
الضوءُ خافتٌ داخلَ الغرفةِ ولكن يكفي لإبرازِ الملامح.
وعبرَ الزجاجِ الباردِ
كما في فيلمٍ صامت
يتراءى المشهد:
رجلٌ يحاولُ الوصولَ إلى قلبِ ولدِهِ..
ولا يستطيع.
محمود البريكان
٦ / ٣ / ١٩٩٧
---------------
١٥
قصيدة بلونين
لا جمال في الطقوس
في زفافها, أجملُ شيءٍ كان للذكرى: ابتسامة. لا شيءَ كابتسامةِ العروس.
نثرتْ على ضيوفها عطراً من المرح
ضحكتْ بلا تحفّظٍ.. شفت من الفرح.
الصغيرةُ العروس..
هل سيسقط القمرُ
ذات ليلةٍ على حواشي شعرها الأبيض؟
هل سينقر المطرُ
ذات ليلةٍ شباكها المغلق؟
هل سيسقط الضوءُ من الموقد يوماً ما
على جبينها المغضّنِ الشاحب؟
هل ستُرسب الخضرةُ في أغوار عينيها؟
وهل تبسط يوماً ما إلى الظلمةِ كفيها..
وتستذكر أولاداً بعيدين..
وأمواتاً وراء الزمن الذاهب؟
وإكليلَ زفافٍ ناصعَ الأبيض؟
محمود البريكان
1/6/1970
كنز العجوز
كل ما خلّفت
هو صندوقها الخشبي القديم
لم يكن أحدٌ قط يفتحه
لم يكن أحدٌ قط يعرف ما فيه
ها هو كنز العجوز
مهملاً عند رأس السرير العتيق
الذي يتمدد في الزاوية..
ربما جاء بعض الصغار
يعبثون بصندوقها
يفتحون الغطاء وهم يضحكون
ينثرون على الأرض أشياءها:
قطعة من قماش قديم
لم تُخط.
صورة لأبيها المتوفى قديماً.
رسائل مطوية.
خاتم من نحاس
وفصوص مبعثرة وخرز.
مشطها الخشبي.
حذاء من الجلد داخل كيس من الورق المهترئ.
لفة من بخور رخيص.
مكحلة.
بكرة للخيوط..
ومقص صدئ.
بدلة العرس مطوية باعتناء.
محمود البريكان
–الزبير ، 29/1/1988.
------------
١٧
الوجه
نفسه.. مرةً بعد أخرى يحومُ على النافذة
نفسه ذلك الوجه مرتسماً من وراء الزجاج
في الليالي المملّة.. وقت هبوط القمر
نفسه ذلك الشبح المتخايل في هالة الضوء، مرتعش الشفتين يغمغم
أيَّ ابتهالٍ خفيّ؟
وأيّةَ حشرجةٍ صامتة؟
نفسه ذلك الوجه حين تهبُّ العواصف
يظهر متشحاً بظلامٍ الرصاصي
مضطرباً في إطارٍ من الشعر المتطاير
يقذف عبر الزجاج
نظرةً من عذابٍ ورعب
وتغيّبه الريح ثانية..
نفسه ذلك الوجه حين يسح المطر
عند منتصف الليل
يظهر ملتصقاً بالزجاج كوجه غريق
يتموج مشتعلاً بالبروق
وعلى وجنتيه تسيل
قطرات المطر
والدموع.
محمود البريكان
15/4/1989.
---------------
١٨
لقطة مقربة
فِي سَوَادِ عَيْنَيْهَا..
تَتَخَايَلُ شُعْلَةٌ دَمَوِيَّةٌ..
وَأَشْبَاحُ رِجَالْ.
وَيَتَقَدَّمُ شَيْطَانُ التَّرْوِيضِ..
مُمْسِكاً بِسَوْطِهِ.
محمود البريكان
التاريخ: 25/6/1994
----------------
١٩
تلاشيات ناعمة
كُلُّ مَا هُوَ عميق يَتِمُّ فِي الخَفَاء..
وَفِي المَحَطَّاتِ الهَادِئَةِ نَسْتَطِيعُ أَنْ نَتَأَمَّلَ عَناء الطَّرِيق..
فِي أَيِّ يَوْمٍ تَجَاوَزْنَا الطُّفُولَة؟
فِي أَيَّةِ سَاعَةٍ تَحَوَّلَ الحُبُّ إِلَى كُرْه؟
فِي أَيَّةِ لَحْظَةٍ شَيَّدْنَا مَتْحَفَ الذِّكْرَى؟
مَتَى انْقَلَبَتِ النَّظْرَةُ الحَانِيَةُ لِتَعْكِسَ ضَرَاوَةَ الذِّئْب؟
فِي أَيِّ مُنْعَطَفٍ زَمَنِيٍّ تَعَرَّفْنَا عَلَى المَوْت؟
فِي أَيِّ غُرُوبٍ فَارِغٍ الْتَقَطْنَا بَهَاءَ الشَّمْس؟
كُلُّ مَا هُوَ مُهِمٌّ يَتِمُّ فِي الخَفَاء..
فِي سُكُونِ الظِّل..
حَتَّى مَقْدَمُ الحُزْنِ وَمُفَاجَآتُ العَاطِفَةِ
وَدُوَارُ الِانْهِيَار.
محمود البريكان
26/6/1994
----------
٢٠
الوجوم
الوجوم المجزء الذي لا يدوم سوى ثانية،
الوجوم الذي لا يمكن تأمله، إذ ما إن تشعر به حتى يختفي،
الوجوم الذي لا يعلل، ولا يمكن التنبؤ بمواعيده،
الوجوم الخفيف كالريشة، وبعده ابتسامة اعتذار.
الوجوم الذي يهبط فجأة:
وسط صخب العائلة
بين كائنين يتناجيان
على مصطبة في المتنزه.
فجأة قبل الرعشة أو بعدها بين جسدين ملتحمين.
فجأة في عيني طفل يؤنّب على ما لا يعرف.
فجأة على المضيف قبل رحيل ضيوفه.
فجأة على الأم إذ يبدو ولدها غريباً عليها.
وعلى المسافر العائد يتلبس سكينة البيت.
وعلى الشاعر المحترق أمام العالم المحايد.
وعلى الشيخ الهرم حين يلاعب أحفاده.
وجوم لا يدوم إلا لحظة،
وجوم خفيف كالريشة،
مألوف تماماً
كالرؤية أو التنفس،
وكالحياة نفسها.
محمود البريكان
التاريخ: 16/7/1994
--------------
21
كل تلك الدموع
الدموع منذ آلاف السنين، وعبر أجيال هائلة من البشر،
تتساقط باستمرار..
هل تسمع صوت الدموع
ترشُّ الكرة الأرضية؟
سقوط الدمع في كل مكان:
سقوط المدن
المجاعات.
مراكز التعذيب
مواكب الدفن.
وداع الجنود الذاهبين إلى الموت.
اضطراب الأطفال الوحيدين.
خوف الشيوخ المكتوم.
الأنباء السيئة خارج غرف العمليات.
الاكتشافات المخيبة للأمل.
الذكرى
بعد فقد كل شيء.
الجرائم السرية
والآلام غير المصنفة.
والمواجهات المجهولة مع العدم.
كل تلك الدموع تذهب بلا أثر!
ولو أن كل تلك الدموع تجمعت في قطرة واحدة..
لأغرقت مدناً بأكملها.
محمود البريكان
التاريخ: 20/7/1994
22
مناجم
الشعر الخام
(دليل للمناجم)
الروح وحدها تضيء العالم،
وهذه الشرارة الخافتة ترسم ملامح الوجوه،
وتلون مدار الكواكب..
وفي لحظة تكشف عن فصول التاريخ الخفية،
وكل ما هو منسي.
إنه الإنسان يفتح عينيه؛
فتتموج الصخور،
وتدخل الأشياء المحايدة دائرة الطيف الشمسي.
اكتب هذا الدليل لمكان الكنوز،
ارسم خارطة لمناجم الشعر الطبيعية،
واعلم أن الشعر لا يوجد إلا حيث تجد الفكرة الغامضة وقوة اشتعالها،
وأن أجمل المشاهد يكمن سره في النظرة السحرية.
اقرأ العالم.. اقرأ سفر الكائنات،
ستظل أبداً دائراً داخل السطر الأول.
الاكتشافات الصغيرة ليست أقل من اكتشافاتك،
ومعجزة الوردة ليست أصغر من معجزة الحديقة،
وذرة التراب تحمل أسرار الجبال.
وكل الأشياء الحية تحتفل احتفالات لا تراها،
هذه النظرة التي تجعل الأشياء الساكنة تتحرك،
هذا الدخول في ملكوت المادة..
حيث يبزغ جمال مجهول،
وحيث ينبثق السحر حتى من كتل الصخور وخامات المعادن.
[ الذهب في سطوع الحجر ]
( الانكرايت: كاربونات الحديد والكلسيوم المزدوج)
اللون البني المنبثق من صدى الحجر..
(آدامايت: آرسينات الزنك)
الجليد الحجري المتبلور..
(سيلستاين: سلفات ؟)
زهرة الصحراء الحجرية..
(جبسوم: سلفات الكالسيوم)
خارطة الدم المخفف على السطح الرمادي..
(رودوكروزايت: كربونات المنغنيز)
تفحمات الحجر الزرقاء..
(غالينا: سلفايد الرصاص)
الذهب الذي يكاد يشفّ..
(توباز: سيليكات الألمنيوم)
خطوط الأشعة البازغة من قلب الحجر..
(لايفلايت: فوسفات الألمنيوم)
حزم البياض المتناثرة داخل الصخرة المجمدة..
(سكوليسايت: سيليكات الكالسيوم والألمنيوم)
الرذاذ الحجري كنوافير مجمدة..
(راديتيد ناترولايت: سيليكات الألمنيوم والصوديوم)
خطوط الذهب المتحركة على السطح البني.
الكوارتز (عين النمر): سيليكام)
الجلال المطلق للتماثيل غير المكتملة.
(كالكوبايرايت: النحاس المزدوج)
اللوحة التجريدية المرسومة منذ عصور..
(أكتينولايت: إينوسيليكات الكالسيوم والمغنيسيوم)
الحجر الأسود.. حالة الأشياء المقدسة حول السطوح الصلدة..
(تورمالين أسود: مركبات ألمنيوم وحديد)
لا جماد تحت قوس قزح،
لا سكون إلا حيث ينقطع الاتصال..
يا لبهاء العالم!
حلّق فوق التضاريس الهائلة وتموجات الرمال،
والقمم الناصعة والحقول المخططة،
وفوانيس القرى الجبلية.. تتخلل النجوم.
اهبط إلى أعماق البراكين الخامدة،
وجدّف في أنهار الكهوف،
وادخل عميقاً في زرقة المحيط.. عميقاً حيث تمتد قارات الظلام.
طف بجزر المرجان الواسعة،
واتبع السواحل التي لا نهاية لها،
واخطُ في غموض الغابات الخطرة.
ارحل في الزمن.. ارحل عبر دهاليز التاريخ،
ارحل إلى ما قبل أصول الجليد، إلى عصور الماء،
قبل انفصال القارات.. إلى بداية بدايات الخليقة،
وابدأ من هناك الرحلة الأخرى إلى آخر الزمان.
ارحل في الفضاء الكوني وتأمل تشظي النجوم،
وانفجارات السدم وغفوة المجرات اللانهائية،
وتغلغل في الفجوات السود..
تأمل قوة الفراغ الهائل وألوان الغسق الكلي،
والْمَس الأبدية براحة طفل.
ارحل إلى نهاية العالم..
شاهد الانهيارات الكونية وسحب العدم تبتلع الشموس،
وعد طفلا لا يشيب
الى الارض الوادعة
حيث تواصل الكائنات أعيادها،
وتبني ممالكها العصيّة على التفسير.
البذرة هي شجرة الدهشة،
والعشبة سجل كامل لتاريخ الأرض.
حاول أن تفسر برعماً،
جرّب أن تضع قانوناً لقوة البراعم..
تقمَّص الشجرة المنتصبة في الريح،
الشجرة التي تنتظر الربيع تحت الرعود.
انبثق من الأرض الباردة كهذه العشبة،
ذات الساق الواهنة التي تتخطى الصخور وتتفادى الكتل لتعانق الشمس.
امدد جذورك عميقاً كهذه الدوحة العتيقة التي ترضع من روح التراب،
انشر أغصانك كهذه الشجيرات المرحة المزهوة بثمارها،
انصب شباكك كهذه النباتات الصيادة في الغابات.
اشتبك اشتباك النباتات التي تبدو هادئة متصالحة،
وهي تخوض معارك البقاء مع جاراتها..
أزهر وأورق, برعمو وتفتق،
وأرسل مع الرياح رسائل خالدة.
تلوّن كما تغير المروج أشكالها في تغيرات الضوء والظل،
وشارك في الغناء الجماعي للسنابل الراقصة.
وتغلغل في الخضرة..
في الخضرة ذات الدرجات المئة،
في الخضرة الشاسعة لجسد الأرض،
في الخضرة الخالدة المنعكسة في المياه..
تغلغل في الخضرة وكُن أخضر.
الوقت دائماً لا يكفي..
كم يلزم من الوقت لتأمل مدينة النمل؟
لفهم الشرائع المعقدة لخلية نحل؟
لدراسة قرد أحدب؟
من السهل إعداد التقارير والأطروحات،
بمساعدة سجلات المراقبة وآلات التصوير الدقيقة،
وأجهزة التسجيل في الهواء وتحت الماء..
أما ما هو بعيد المنال، فإدراك الحركة الكلية والطبيعية،
والإحساس بالحياة في إيقاعاتها المتباينة؛
من مد المعابر إلى تأثيث الأعشاش،
ومن الكمون الساكن الى استعراض القدرة،
ومن ضروب التعاون إلى مكايد الحروب،
ومن فنون الاختفاء إلى إعلانات مهرجان الربيع،
ومن أشكال الجنان إلى نواميس القشرة البدائية.
لا يمكن دخول مملكة الحيوان إلا بحرية الروح وبراءة النظرة؛
جرّب أن تنظر إلى حَمَلٍ بعيداً عن فكرة اللحم والنار،
والعب مع ثعلب غير منتبه إلى قيمة الفرو التجارية،
وداعب فيلاً دون أن تعرف ثمن العاج،
وتأمل الطيور ناسياً الأقفاص.
تتبع الخلد الأعمى في مخابئه،
والقندس الدؤوب في مشروعاته،
وشارك الغوريلا الشرس مداعبة صغاره،
لاحظ كبرياء الأسود الهادئة، وإباء الجياد..
وألْفِ الكلاب.
أصغِ إلى الجوقة الليلية لمخلوقات الأنهار،
وإلى النداءات الخافتة التي لا تدركها الأذن البشرية.
يمكن أن تضيع على خطوط الرحلات الموسمية عبر القارات للأسماك والطيور،
لن تسعفك الأطالس في اكتشاف المستعمرات الهائلة للكائنات الرقيقة في الأتربة والمستنقعات.
وتحت قدميك عالم تحت عالم،
وكون ضمن كون،
ووجود فوق وجود.
قصائد مرئية في معركة عابرة..
جمال آخر للتأمل يبزغ من بلل الريش في المطر،
ومن تنكر حيوان ضعيف،
ومن مناورة يمامة تدرب أطفالها على الطيران،
ومن فرخ يغادر بيضة مكسورة.
ومن تحول اليرقة القبيحة الخارجة من شرنقتها إلى فراشة رائعة تحت عينيك،
ومن الضراعة في عيون القطط الجائعة؛ العيون الخضر المشعشعة،
ومن وقاحة الببغاوات وتواضع الحمير.
ومن أسى الطائر الذي يفتقد أليفه فيصوم حتى الموت،
ومن حزن الدلافين العابثة؛ دلافين الأحواض ذات الأعمار القصيرة.
العالم مقلع هائل للصخور التي تنحتها الرؤى،
للرعود أيضاً إيقاعاتها،
الرياح تعزف على قوس الأفق،
الأعاصير تحمل أصداء الأغاني الهادئة.
الظلام يحتضن أشباح النهار،
والنهار يكشف خبايا الليل،
والفصول تتداول طيوف الشباب والهرم والحياة والموت؛
في التقويم الذي تعرفه الأشجار.
ومنذ أن نهض الإنسان على قدميه،
وألقى نظرة على ما حوله؛
ما عادت الطبيعة محايدة..
تعلمت الأشياء النطق، وتفتحت حدود المنظورات،
وبدأ الحوار الأبدي،
ووجد كل شيء مكانه في مملكة الإنسان.
الشعر ينتشر في الهواء، يسيل في الماء،
يتموج في الضوء، يتبلور في الحجر.
الأشياء تتنافس على جذب انتباهك لتقص لك قصصها،
الكائنات حروف مبعثرة..
هل تمتلك مفاتيح اللغات؟
هل تجرؤ أن تحدق في هذا المضطرب حيث يعتنق السحر والموت؟
هل تسقط في دوامات الزمن دون أن تفقد حواسك؟
هل أنت حي؟
شاهد الأساطير في الشارع العام،
اسمع الملامح في المعامل والمطارات،
اقرأ الوجوه: العيون، الشفاه، الأيدي..
التقط الصوت الكامن في الصوت، واللون المنعكس من اللون،
والنزوع المنبعث من الحركة.
اعقد اللحظتين..
الأشياء الماثلة هناك معلنة كما هي، غير محتاجة إلى تعريف،
والأشياء منتمية إليك بعد أن أسرتها بنظرة خاطفة.
بادل اللحظة بالتاريخ، والتاريخ باللحظة،
استقطب الوجود كله.. وتبدد في الهواء.
وفي ذروة الليل ستنبعث الأصوات جميعاً..
ما من قصيدة تتسع لكل ذلك،
ما من لغة يمكن شرحها إلى هذا الحد،
ما من مادة تجسم هذا الحلم.
ما من كلمة لا تبدو مبتذلة أمام فرادة الحب والموت،
إزاء الفرح والخوف والدهشة.
ما من نغمة تمتص هذا الحزن في جذر الكائن الفاني،
ما من إشارة لا تنكفئ عن حاجز الصمت.
كل شيء يستحيل في درجة الصفر المطلق..
ولكنك تتأرجح بين أقطاب؛
( هذا هو قدرك وهذه حريتك.).
وهكذا تردك الاستحالة إلى اللامكان،
وتنفيك الحدود إلى اللانهاية.
وتتعلم أن تقف بإتقان في رثاء أمواتك،
وتجرّب أن تحتمي من سطوة الحوادث بهيكل تبنيه من شظايا،في طبقات اللغة..
وتتلمس التناغم في فوضى الأصوات،
ونقطة الارتكاز في رعب الفراغ.
هكذا تطردك الوحشة المتناهية إلى قلب الزحام؛
حيث تتعرف وجهك في الوجوه،
وترى طيفك في حدقة العين المقابلة..
وتلهث مع اللاهثين، وترقصون معاً،
وتتقاسمون الخبز والمسرة
والشجن..الذي لا يُشار إليه في الأسماء.
كلا.. يحتاج الإنسان إلى المعنى حاجته إلى الهواء،
وحتى المحكومون بالأشغال الشاقة
لا يطيقون أن يقوموا بمجرد نقل أحجار وإعادتها إلى مكانها؛
هكذا مراراً وتكراراً بلا فائدة..
واي سوط لن يروض سورة الغضب
من القيام بعمل فارغ لا هدف له.
حذارِ من اشمئزاز الشعراء!
هذا هو عالمك، وقصيدتك لن تتشكل إلا من صلصاله المهين،
منصهراً في نارك المقدسة.
وهذه الخليقة الفاقدة الصوت تستعيد صورتها في أحلامك.
ابتعد إن شئت
لتتأمل المشهد على سعته،
العزلة القاتلة هي الانفصال عن العالم..
تقدّم إذن لاكتشاف المجهول الذي هو أنت،
ولارتياد المجاهل المنسية.
وهذا البريق الخافت سيضيء لك طريق المجد والزوال.
ابحث عن قصيدتك المنشودة في الحيّز غير المتوقع،
انخرط في شلال الحياة والتحم بكتلة البشر الهائلة؛
تأمل المدن والمقابر،
ودع جميع القطارات..
واستقبل الأصوات الأولى للاطفال في غرف الولادة.
تأمل برفق كلام عيون العشاق، والمسحة القدسية لوجوه الأمهات،
وغضون الرجال المتعبين، وكركرة الصغار خلف الأسيجة.
تأمل تغير ملامح الجنود
وسط صخب الاناشيد الوحشية
وصمت السجناء الشبيه بالانطفاء،
وأغاني الحصاد العالية..
والأيدي التي تتشابك كتعاهد ضد العاديات،
والأسر المتدفقة من دور السينما.
تأمل الأبنية المهيبة، وطف بمتاحف الفن،
وقاعات الفرق السيمفونية، والمسارح الوضيئة
ومشاغل الفنانين، والمخابز والأفران،
ومخازن الغلال، والمختبرات الزجاجية،
وحظائر الماشية، والبيوت المنطوية على أسرارها،
والمدن البيضاء اللامعة تحت الشمس.
إذا تملكك السحر فلن تشفى أبداً،
وفي لحظة واحدة ستشعر -مرة واحدة وإلى الأبد-
بنبض الحياة وإيقاعاتها الخالد.
ستشعر بأنفاسها على وجهك،
وتلمسها لمس اليد.
الحياة!
محمود البريكان
1 / 5 / 1996
...............
23
عن امرأةِِ
لها دمعة فرح
ودمعة مكر،
ودمعة حزن.
وهذه الأخيرة تحتاج إلى تحليل،
فربما لم تكن إلا دمعة الجشع
الذي لم ينل كل ما يريد."
محمود البريكان
20 / 7 / 199٤
----------
24
(........)
الدمى اليتيمةٌ
تلتمُّ في الزاوية،
ولعبتُها الورديّةُ ذاتُ الحريرِ
تنكفئُ على البساط.
على المنضدةِ قنينةٌ وأقراصُ دواء،
ومن بابِ الخزانةِ المفتوحِ
يطلُّ قميصٌ زاهٍ،
وحذاءانِ صغيرانِ يقبعانِ عند السرير. والمرآةُ الصفراءُ بنظرةٍ شاردةٍ تواجهُ الفراشَ الفارغ."
— محمود البريكان
26 / 12 / 1994
-------
25
راقداً في مهدهِ
تحتَ الغطاءِ البنفسجي
، شعرُهُ الخفيفُ مشتتٌ كالعادة
، وعيناهُ مسبلتانِ كأنما على حلم،
وشفتاهُ منفرجتانِ قليلاً
كما لو أطلقتا للتو صرخةً صغيرة
، وإحدى يديهِ تستريحُ على صدره
. يبدو نائماً نومةَ الوداع
، لولا أنهُ باردٌ كالثلج،
ساكنٌ لا يسمعُ نداء."
— محمود البريكان
26 / 12 / 1994
-------------
26
كل شيء
"فقدتُ كلَّ شيء..
ولا شيءَ يستحقُّ الاهتمام"
دعني إذن أخبركَ عن المُتَعِ والمباهج التي تمرُّ في الخفاء..
عن ألوانٍ من الدعة
خفيفةٍ بحيث لا تُحس.
عابرةٍ بحيث لا تُلحظ.
دعني إذن أخبركَ
عن كنوزكَ التي لا تذكرها..
عن أحلامٍ لكَ لم تولد
وعن فسحةٍ الوقت .
الوقتُ هو ما تملكه
أي فضاءٍ لجميع الاحتمالات
مرافقاً المغامرة!
دعني أخبركَ
أنا الذي فقدَ السلامَ إلى الأبد.
انا الضائعُ في الحب.
انا الخاسرُ الأكبر.
دعني أخبركَ
أنا المتسكعُ الدائمُ على أرصفة المحطات،
المودّعُ الصامتُ المجهول..
لكل المسافرين الذين لا يودّعهم أحد.
28/1/1996
-----------
27
الشجرةُ تتحاماها الطيورُ..
ولا جناحَ يرفُّ على العشب.
الطفلُ العابث., من خشبٍ وسيورٍ
يصنعُ قاذفاتٍ للأحجار،
وعلى الأرضِ ينصبُ فخاً محكماً.
يبدو أنَّ الطيورَ أفشتْ بينها النبأ:
لا رفرفةَ في الجو.
وتحت الشجرةِ.. ووسط الحديقة،
يجلسُ وحدهُ
الطفلُ الوسيم:
"رعبُ الطيورِ.. وملكُ الموت!"
محمود البريكان (7/3/1997)
---------------
28
لحوم فاسدة
لحومٌ فاسدة..
في الشوارع والأسواق،
في المصارفِ والقاعاتِ والمعامل،
في المتنزهاتِ والبيوت.
لحومٌ فاسدة..
بعروقٍ نافرة
وإشعاعٍ خفيف.
وانعكاساتٍ خُضر.
تتبخترُ في الحرير،
وتضطجعُ في المخادع..
لحومٌ فاسدةٌ تحتشدُ في معرضٍ هائلٍ للتحلل.
بينما تصعدُ الأجهزةُ الإلكترونية
أغاني العاطفةِ الرقيقة..
والموسيقى الحالمة.
1997
29
أعداؤك
الذكرياتُ المحنطة والأحلامُ المنسية.
الآمال المدحورة و الخططُ المؤجلة.
الأخطاءُ غيرُ المعترفِ بها.
ظلالُ الأيام الضائعة.. وأشباحُ الغائبين
كلُّها تختبئ في الغرفة المظلمة،
تتربصُ حتى تحين الفرصة..
لتجهزَ عليك.. وتمتصَّ دمك!
كانون الثاني 1997
----------
30
أفكار سرية
الزوج
مشيحا بجهه لينام
"فيما عدا فخذيها.. هذه المرأة لا تُطاق!"
"فيما عدا فخذيها.. هذه المرأة لا تُطاق!"
الزوجة (وهي تبتسم):
"هكذا الحيوان الأكول.. لا يفكر إلا في نفسه."
الولد (صامتاً أمام أبيه):
"لا يتوقف عن إصدار الأوامر، ويظن أنه يعرف كل شيء!"
الفتاة
(تلمح الفتى في الطريق):
"كلمني فأعرضتُ عنه.. ولولاهم لدعوته إلى فراشي."
الشاعر:
"يقرؤون أجمل قصائدي.. ولا يعرفون عن وجهي الآخر
وجه الحيوان."
-------------
31
رجل جالس
في فرع مهجور من السوق
ينفتح في الحائط المتفحم
دكانُ العطار القديم..
مضاءً بمصباحٍ أصفر.
ابواب متفطرة
أبوابٌ متفطرة،
نُضجد خشبيٌّ مسود.
رفوفٌ خشنةٌ خالية
تصطف على ركن منها علبٌ حديديةٌ صدئة.
عارضةٌ خشبيةٌ مائلة، مقسمةٌ إلى مربعات..
في كل مربع مادةٌ مختلفة اللون، ذاتُ مظهرٍ ترابي:
توابل.. ومساحيق.. وعروقُ نبات
وفي الوسط.. رجلٌ جالس.
رجلٌ هرمٌ بتجاعيدَ غائرة، لا يتحرك يميناً أو يساراً..
كأنه كائنٌ محنطٌ منذ قرون،
يحدق
"هل يرى أمامه رجلاً.. أم ظلاً؟"
حيث تخطرُ ظلالٌ
فجأة
دخل طفل
ينحني على قدح المثلجات
الطفل الوردي
جلس في حضن الرجل الجالس
الذي لم يتحرك غير بؤبؤ عينيه
واصابع يده
٢٣٥١٩٩٦
------
الفهرست
لفهرست
المقدمة
١ الموت عبر قاعة التشريح
٢ الضاريات رجولةالانثى وشبقية الجسد
٣ الاخوات الهادئات وجه اخر للموت
٤ سحق الاخرين في < فصام عائلي>.
٥ فصائد الدراسات في اعمال البريكان
٦ دراسات في الشر..تجسيد لاخطر انواعه
٧ نص < الشيخوخة> لوحة لشبخوخة اخرى.
٨ منتهى الوحدة.. تشريح مجهري
٩ التفاتة الى الخلف
١٠ تحول العاطفة
١١ملمح طفل
١٢طوغان النمل
١٣مشاهد خاطفة
١٤خلف الزجاج
١٥قصيدة بلونين
١٦كنز العجوز
١٧ الوجه
١٨لقطة مقربة
١٩ تلاشيات ناعمة
٢٠ الوجوم
٢١ كل الدموع
٢٢ المناجم
٢٣عن امرأة
٢٤(..... _ الدمى اليتيمة)
٢٥ راقدا في مهده
٢٦ كل شيء
٢٧ الشجرة
٢٨ لحوم فاسدة
٢٩ اعداؤك
٣٠ افكار سرية
٣١ افكار سرية
#كاظم_حسن_سعيد (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟