أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كاظم حسن سعيد - الفزاعة اموات تحرس احياء














المزيد.....

الفزاعة اموات تحرس احياء


كاظم حسن سعيد
اديب وصحفي


الحوار المتمدن-العدد: 8614 - 2026 / 2 / 10 - 16:11
المحور: الادب والفن
    


«فزاعة» ليس سردا عن بستان مهجور بقدر ما هو تشريح هادئ لخراب أكبر… خراب المكان والذاكرة والإنسان معا.
الأستاذ كاظم الكاتب ترك التفاصيل تتكلم: نخيل ميت واقف، أنهار انكمشت، فلاح غاب، وطائرات تنفث دخان الأوبئة… صور متتابعة تصنع وجعا بلا خطاب مباشر.
أكثر ما يلفت هو المفارقة الذكية في عبارة «موتى تحرس أحياء»؛ الجدار المصنوع من بقايا النخل يتحول إلى شاهد أخلاقي: ما تبقى من الحياة يحرس ما لم يمت بعد.
نص كثيف وحزين ...
في تلك البساتين الهرمة، شمال البصرة، لم يكن المشهد مجرد أرض مهجورة، بل كان قلبًا واسعًا خذلته الحياة ولم يكفّ عن النبض. بستان واحد فقط ظل حيًّا، كأن فيه سرًّا إلهيًا يقاوم الفناء، كأن جذوره تشبثت بالذاكرة أكثر مما تشبثت بالماء. وسوره المصنوع من جذوع النخل الميتة بدا كجملة شعرية قاسية: موتى يحرسون أحياء. الماضي الميت يقف حارسًا للحاضر الهش، وكأن الذاكرة وحدها هي ما بقي يحمي الحياة من الانقراض.
النخيل الميت لم يسقط. مات واقفًا. وهذه ليست صورة نباتية، بل موقف وجودي كامل: كرامة الكائن حين لا يملك إلا الوقوف. لم تنحنِ هذه الأشجار، كما لم تنحنِ الأرواح التي شُبهت بها. خانها الماء، وخانها الزمن، وخانها البشر، لكنها لم تخن شكلها الأخير: الشموخ الصامت. كانت أشبه بأجسادٍ بشرية أُفرغت من الروح لكنها لم تُفرغ من الوقفة.
وحين يخون الماء، لا يعود الموت حادثًا، بل يتحول إلى حكم. فالماء ليس عنصر حياة فحسب، بل هو وعد العالم بأن الحياة تستحق أن تُعاش. وحين يُسحب هذا الوعد، تموت الأشياء لا لأنها ضعيفة، بل لأن الكون نفسه تراجع خطوة عن إنسانيته. عندها لا تموت الأشجار فقط، بل تموت فكرة العدل، وتموت فكرة الاستمرار، ويموت الإيمان بأن الغد سيأتي كما ينبغي.
وسط هذا الخراب، تظهر الفزاعة. ليست فزاعة للعصافير، بل فزاعة للذاكرة. بدلة طفلة معلقة في الهواء، بلا جسد، بلا صوت، بلا مستقبل واضح. إنها طفولة مصلوبة على قصبة، معلّقة بين السماء والأرض، لا تنتمي للحياة ولا للموت. ذراعاها مفتوحتان لا لاحتضان العصافير، بل كأنهما تستجدي حضنًا ضائعًا. ليست دمية تخيف الطيور، بل رمز يخيف القلب، لأن ما يجب أن يُحمى صار أداة تهديد.
ألوانها الصارخة ليست زينة، بل صرخة عصبية في مشهد ميت. الأحمر والبرتقالي لا يرقصان هنا، بل ينزفان. إنها ألوان الحياة حين تُسحب من معناها، فتتحول إلى تناقض جارح: حياة معلّقة في فضاء الموت. وكأن الطفولة، بدل أن تكون وعدًا بالمستقبل، صارت إعلانًا عن الفقد، كأن البراءة لم تعد قادرة على حماية نفسها، فاضطرت أن ترتدي قناع الرعب.
وحين يتساءل الكاتب عن مصير صاحبة البدلة، فهو لا يسأل عن فتاة واحدة، بل عن جيل كامل. هل تزوجت؟ هل ماتت؟ هل مرضت؟ هل تحاور أمها الآن؟ هذه الأسئلة ليست فضولًا، بل وجعًا وجوديًا. إنها محاولة يائسة لمعرفة إن كان شيء ما قد نجا من هذا الخراب، إن كان الحب قد عبر، إن كانت الحياة قد وجدت ثغرة صغيرة لتتسلل منها وتقول: ما زلت هنا.
أما السؤال الأعمق، فهو ذلك الذي يتركه معلقًا في الهواء مثل الفزاعة نفسها: هل العصافير تخاف الفزاعات أم اكتشفت اللعبة؟ وهذا سؤال لا يُوجَّه إلى الطيور، بل إلى البشر، إلى الشعوب، إلى الأرواح. هل ما زلنا نخاف من الأقنعة؟ أم أننا تعلّمنا أن نرى خلفها؟ هل ما زالت أدوات الرعب قادرة على إخافتنا؟ أم أننا صرنا أعمق حزنًا من أن نخاف؟
النص كله ليس وصفًا لبستان، بل هو سيرة روح في أرض عطشى. هو تأمل في الموت الذي يقف، وفي الحياة التي تُعلّق، وفي الطفولة التي تُستخدم ضد نفسها. هو نشيد حزين عن الأشياء التي لم تُدفن لأنها لم تجد من يبكيها، فبقيت واقفة، شاهدة، صامتة، لكنها لم تفقد معناها.
الفزاعة في النهاية ليست لحماية الزرع، بل لحماية الذاكرة من النسيان. إنها تقول بصمتها العالي: هنا كانت حياة، هنا كان ماء، هنا كانت طفولة، هنا كانت أرض تستحق أن تُحَب. وإن كانت العصافير قد توقفت عن الخوف، فربما لأن الحياة نفسها تعبت من أن تُخاف، وقررت أخيرًا أن تواجه الخراب بابتسامة شجاعة، حتى لو كانت معلّقة على قصبة، في بستان هرِم، شمال البصرة.
محمد بسام



#كاظم_حسن_سعيد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رسالة ابداع
- البريكان يمنح للتمثال ذاكرة العالم
- كريم جخيور شعره مرآته
- ملاحظات حول الكتابة ج٢
- القبو لسلوى الادريسي الغور بسيكولوجية البغاء
- رسائل من الازمنة المنسية كتاب كامل
- المصهرة الخفية كتاب كامل
- الانسان المعاصر في قفص الشاشة
- الحس التصويري في صناعة المشهد السينمائي
- رحلة كونية تبدا من شموخ الف عام
- رحلة كونية تبدا من شموخ الالف عام
- الشجرة المعمرة
- الوجع يرتدي رداء الكلمات
- تجسيد القدر
- التكثيف في ( لحظات إلى السوق)
- لحظات إلى السوق
- انتقال السلطة من الاندفاع إلى الحذر
- إزاحة الدلالة الزمنية بين الحاضر والماضي
- فلسفة الوجع من الافتراس إلى السكري
- بعد شيخوخة الجسد


المزيد.....




- فخ -الاختراق- من الداخل.. كيف تمنحنا السينما مفاتيح فهم لغز ...
- قفزة في مشاهدات وثائقي ميشيل أوباما على نتفليكس بعد إطلاق في ...
- معاذ المحالبي للجزيرة نت: الاهتمام الروسي باليمن ثمرة لتلاقي ...
- يكلمني -كنان- ويكتبني الوجع.. كيف يواجه شعراء غزة -رواية الد ...
- مهند قطيش يكسر صمته: -الدجاج السياسي- شهادة فنان عن جحيم صيد ...
- بتقنيات الذكاء الاصطناعي.. فيلم -مادلين- يوثق كواليس اختطاف ...
- من -لوليتا- إلى -بقعة ضوء-.. أشباح إبستين في الخيال الغربي
- الفن الذي هزم الجغرافيا.. فنانة فنزويلية تحترف -الإبرو- التر ...
- تركيا تحظر حفلات موسيقى الميتال في إسطنبول بسبب القيم المجتم ...
- بمشاركة سلمان خان ومونيكا بيلوتشي.. تركي آل الشيخ يكشف عن ال ...


المزيد.....

- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كاظم حسن سعيد - الفزاعة اموات تحرس احياء