أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كاظم حسن سعيد - رحلة كونية تبدا من شموخ الالف عام














المزيد.....

رحلة كونية تبدا من شموخ الالف عام


كاظم حسن سعيد
اديب وصحفي


الحوار المتمدن-العدد: 8583 - 2026 / 1 / 10 - 12:20
المحور: الادب والفن
    


تُعد قصيدة (الشجرة المعمرة) للشاعر كاظم حسن سعيد نصاً وجودياً مكثفاً، يتجاوز كونه رثاءً لشجرة، ليصبح مرآةً تعكس دورة الحياة والموت، التحول والانبعاث.
بلغةٍ رصينة وصورٍ شعرية مشحونة بالعاطفة، يأخذنا الشاعر في رحلة كونية تبدأ من شموخ الألف عام، وتنتهي بخلود الفن.

إليك قراءة أدبية تحليلية معمقة في ثنايا هذا النص بقلم/ د. عادل جوده /العراق

شموخ الألف عام: الشجرة كذاكرة للكون

يفتتح الشاعر قصيدته باستحضار البعد الزمني العميق (ألف سنة)، ليخرج الشجرة من حيز الكائن النباتي العابر إلى حيز "المؤسسة الوجودية". هي ليست مجرد جذع وأغصان، بل هي "مخزن الأسرار". في هذا المقطع، يمنح الشاعر الشجرة صفة "الشاهد الملك" على صراعات الطبيعة وتناقضاتها؛ فهي التي آوت "الوحوش والعشاق" في تضادٍ يبرز قدرة الطبيعة على استيعاب النقيضين: الغريزة والكلمة، القسوة والرقة.
تتحول الشجرة في النص إلى حارس للتاريخ الطبيعي؛ فهي التي "اعترضت مسار الفيلة"، و"اكتنزت أشعة الشمس"، وكأنها بطارية كونية تشحن الزمان والمكان بالضوء. إن استحضار "أسرار البروق" و"فتك الأفاعي" يضفي عليها صبغة ميثولوجية، فهي الكائن الذي يعرف ما لا نعرفه، والتي عاصرت صمت النمل وصخب العواصف، متلفعةً بظلمة الليالي، لتزفّ كل يوم إلى إشراق جديد.

الفاجعة: حين تنكسر الهيبة

ينقلنا الشاعر فجأة من سيمفونية البقاء إلى إيقاع الانكسار: "الآن تمكنت منها الفؤوس". هذا التحول الدرامي يمثل ذروة الصراع في النص. الفأس هنا ليست مجرد أداة نجارة، بل هي رمز للتدخل البشري العنيف الذي ينهي ألف عام من السكينة في لحظات.
الصورة التي رسمها الشاعر لبقايا الشجرة ("تركتها بارتفاع متر") هي صورة بصرية جارحة للقلب. الشجرة التي كانت تطاول السماء وتظلل الفيلة، أصبحت الآن "وحيدة تتقن النعي والحداد". هنا يبرز "أنسنة" الشجرة؛ فهي لا تموت بصمت، بل تمارس طقوس الحزن على تاريخها المفقود، وعلى أغصانها التي "استعمرها" النجارون، في استخدام دقيق وموحٍ لمفردة "الاستعمار" التي توحي بالاستلاب والقهر.

التناسخ الجمالي: من التابوت إلى العناق

يصل النص إلى قمته الفلسفية في الخاتمة. فرغم أن الشجرة أصبحت "تابوتاً"، وهو رمز الموت والنهاية، إلا أن الشاعر يفتح نافذة للخلود عبر "الإزميل".
هنا ننتقل من "موت الطبيعة" إلى "حياة الفن".
الإزميل الذي "أمطر فيها الجمال" هو المخلص.
لقد تحولت المادة الخشبية الصماء بفعل يد الفنان من جسد ميت إلى رمز للحب الأبدي.
الشجرة التي كانت تضم آلاف الأعشاش والوحوش، تكثفت الآن لتصبح "عاشقين في لحظة عناق".
هذا الانبعاث (Reincarnation) يعطي للقصيدة بعداً تفاؤلياً مغلفاً بالشجن؛ فالجمال لا يموت، بل يغير شكله.
الشجرة لم تعد تراقب العشاق من بعيد كما في مطلع القصيدة، بل صارت هي العناق ذاته.

القيمة الفنية واللغوية في النص

اعتمد كاظم حسن سعيد على التكثيف الصوري، حيث تخلو القصيدة من الحشو اللغوي. كل كلمة تؤدي وظيفة درامية:
* المفارقة (Paradox):
بين الشجرة التي كانت "تظلل الوحوش" وبينها الآن وهي "تابوت".
* الانتقال من العام إلى الخاص:
من الشجرة كفضاء كوني (شمس، بروق، فيلة) إلى الشجرة كمنحوتة فنية صغيرة (عاشقان).
* الأنسنة العميقة:
لم يصف الشاعر الشجرة كخشب، بل ككائن يمتلك أسراراً، يحزن، ويُزفّ للشروق.

خاتمة

إن قصيدة "الشجرة المعمرة" هي صرخة ضد الفناء، واحتفاء بالقدرة الإبداعية التي تستخرج من الموت حياةً جديدة. لقد استطاع الشاعر أن يحوّل مأساة قطع شجرة إلى ملحمة وجودية، مذكراً إيانا بأن الفن هو المسار الوحيد الذي يمكننا من خلاله استعادة ما سلبه الزمن منا.
إنها قصيدة تُقرأ بالقلب قبل العين، وتستحق أن تتأملها طويلاً، تماماً كما نتأمل حلقات جذع شجرة قطعت لتوها، لنقرأ فيها تاريخ العالم.


الدكتور عادل جودة
العراق



#كاظم_حسن_سعيد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الشجرة المعمرة
- الوجع يرتدي رداء الكلمات
- تجسيد القدر
- التكثيف في ( لحظات إلى السوق)
- لحظات إلى السوق
- انتقال السلطة من الاندفاع إلى الحذر
- إزاحة الدلالة الزمنية بين الحاضر والماضي
- فلسفة الوجع من الافتراس إلى السكري
- بعد شيخوخة الجسد
- صراع القلاع والوحوش قراءة في نص إباحة المحارم
- إباحة المحارم
- مسخ روحي
- كتاب ( المساحة السيكولوجية في شعر البريكان) ج١
- محدوية نقد الذكاء الصناعي
- تحليل الذكاء الصناعي لنص ادبي
- فيروس العزلة
- السمات الرئيسة في الأعمال الشعرية الاخيرة
- نهاية باشتعال ٢. قصيدة
- الاعمال الشعرية الاخيرة كتاب كامل
- العودة من المدرسة


المزيد.....




- من هو الفنان السوري الذي ظهر للمرة الأولى في أسبوع الموضة بم ...
- -دبلة- شيرين عبد الوهاب تثير الجدل (فيديو)
- عبد الله إبراهيم.. السردية العربية جديرة بالاستنطاق.. و-المط ...
- جراحة فتق تحولت إلى كابوس.. القتل الرحيم ينهي معاناة الفنان ...
- سفارة دولة فلسطين تستضيف الثقافة البوسنية وتفتح أبوابها للمج ...
- معدات شحيحة وطموح بلا حدود.. طلاب غزة يتحدون الظروف لمواكبة ...
- مهرجان الموسيقى العربية يحمل اسم هاني شاكر.. ودرع تكريمه يثي ...
- مهرجان نيويورك يفتح أبوابه أمام -نازا- وأفلام -كان- وفينيسيا ...
- بعد غضب إسرائيل.. مخرجا -نازا- يتيحان الفيلم مجانا عبر الإنت ...
- إسرائيل: بعد شطب قائمتين عربيتين.. هل يغيب التمثيل العربي عن ...


المزيد.....

- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كاظم حسن سعيد - رحلة كونية تبدا من شموخ الالف عام