أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - بوشعيب حمراوي - الإرهاب… من يصنعه؟ ومن يستثمره؟ ومتى يولد الإرهابي؟















المزيد.....

الإرهاب… من يصنعه؟ ومن يستثمره؟ ومتى يولد الإرهابي؟


بوشعيب حمراوي
استاذ كاتب وصحفي

(Bouchaib Hamraouy)


الحوار المتمدن-العدد: 8685 - 2026 / 4 / 22 - 00:38
المحور: حقوق الانسان
    


بقلم: بوشعيب حمراوي

بات من الضروري، قبل الخوض في أي نقاش جاد حول الأمن والاستقرار والعدالة، أن نعيد النظر بعمق ومسؤولية في كلمتي الإرهاب والإرهابي؛ فهما لم تعودا مجرد مصطلحين قانونيين أو توصيفين دقيقين لجريمة واضحة المعالم، بل تحوّلتا في كثير من الأحيان إلى كلمات فضفاضة، متنازع حول معناها، وسهلة التوظيف والاستغلال. وتشير مصادر قانونية وحقوقية دولية إلى استمرار غياب تعريف عالمي موحد ومتفق عليه للإرهاب، ما فتح الباب واسعاً أمام التأويلات السياسية المتناقضة

لقد أصبحت هاتان الكلمتان أحياناً رهينتين لشبكات عنف وتخريب تستثمر الخوف، وتستغل هشاشة المجتمعات لزعزعة أمن الدول وإرباك استقرارها، كما أصبحتا في حالات أخرى أداة بيد بعض الأنظمة لتصفية المعارضة، وتجريم الأصوات المزعجة، وتبرير الاعتقال أو الإعدام أو قمع المطالب المشروعة باسم حماية الوطن. ولهذا فإن تحرير المفهومين من العبث السياسي والإجرامي، ووضع تعريف عادل ودقيق لهما، أصبح ضرورة أخلاقية وقانونية وإنسانية، حتى لا يبقى العالم أسير كلمات تُستعمل أكثر مما تُفهم، وتُوظَّف أكثر مما تُنصِف.

حين يصبح السؤال أعمق من الجريمة

لم يعد ممكناً تناول موضوع الإرهاب بلغة تختزل المأساة في شخص ضغط على زناد، أو فجّر نفسه، أو نفذ اعتداءً دامياً. فالإرهاب ليس مجرد لحظة قتل عابرة، بل نتيجة مسار طويل من الاختلالات السياسية والاجتماعية والنفسية والفكرية. إنه النهاية المأساوية لسلسلة تبدأ أحياناً بالتهميش، وتمر عبر الغضب، ثم تنتهي في أحضان من يتاجرون بالكراهية والموت.

لذلك، فالسؤال الحقيقي لا يجب أن يكون فقط: من نفّذ؟ بل كذلك: من حرّض؟ من موّل؟ من وفّر البيئة؟ من استثمر الجريمة؟ ومن استعملها لاحقاً لتحقيق مصالحه؟

الإرهابي لا يولد… بل يُصنع

لا تلد الأمهات أبناءهن وهم يحملون مشروع قتل، ولا يولد الطفل وفي قلبه رغبة في ترويع الناس. الإنسان يولد بريئاً، قابلاً للتربية والبناء، لكن ما يزرع فيه لاحقاً هو الذي يحدد مساره.
حين يكبر الفرد في بيئة يسودها الفقر، والإقصاء، والعنف الأسري، وغياب القدوة، وانهيار المدرسة، وانسداد الأفق، يصبح أكثر هشاشة أمام دعوات التطرف. وحين يشعر أنه بلا قيمة، ولا مكانة، ولا مستقبل، يصبح صيداً سهلاً لمن يمنحه وهماً جديداً اسمه “الرسالة” أو “الخلاص” أو “الانتقام”.
الإرهابي إذن ليس دائماً ابن العقيدة، بل كثيراً ما يكون ابن الفشل الجماعي.

التهميش… المصنع الأول للتطرف

أخطر ما قد يقع داخل أي مجتمع هو قتل الأمل في نفوس شبابه. فالشاب الذي يدرس ولا يجد عملاً، والذي يرى الفساد ينتصر والكفاءة تنهزم، والذي يسمع عن الحقوق ولا يراها، قد يتحول مع الوقت إلى كتلة غضب صامتة.
وهنا تتسلل شبكات التجنيد. لا تبدأ معه بالسلاح، بل بالكلام. لا تمنحه المتفجرات أولاً، بل تمنحه الانتماء. تجعله يشعر أنه مهم، وأنه مختار، وأن العالم ظلمه، وأن الانتقام بطولة.
وهكذا، يتحول الحرمان الاجتماعي إلى بوابة عبور نحو العنف المنظم.

حين تتحول تهمة الإرهاب إلى سلاح سياسي

الوجه الأخطر في هذا الملف هو استعمال كلمة “الإرهاب” خارج معناها الحقيقي. ففي دول كثيرة، أصبحت هذه التهمة جاهزة لتصفية الخصوم، وإسكات المعارضين، وإخافة الأصوات الحرة.
كم من ناشط اعتُقل لأنه انتقد؟ وكم من صحفي اتُّهم لأنه كشف فساداً؟ وكم من معارض صُوّر إرهابياً لأنه طالب بإصلاح سياسي؟ وكم من شعب طُلب منه الصمت باسم الأمن؟
حين تُستعمل تهمة الإرهاب دون أدلة عادلة، تتحول من أداة حماية إلى أداة قمع، ويصبح القانون نفسه ضحية.

حروب كبرى تحت شعار محاربة الإرهاب

شهد العالم في العقود الأخيرة تدخلات عسكرية مدمرة رفعت شعار “الحرب على الإرهاب”. لكن كثيراً من تلك الحروب خلّفت دولاً منهارة، ومدناً مدمرة، وملايين اللاجئين، ومجتمعات ممزقة.
فهل كان الهدف دائماً هو الأمن؟ أم أن بعض المعارك استُعملت لإعادة رسم مناطق النفوذ، والسيطرة على الثروات، وإسقاط أنظمة غير مرغوب فيها؟
لقد أثبت الواقع أن القصف وحده لا يهزم التطرف، بل قد يولد تطرفاً جديداً أكثر شراسة، لأن النار لا تطفئ النار.

الإرهاب تجارة سوداء عابرة للحدود

في بعض الحالات، لم يعد الإرهاب مجرد فكر منحرف، بل صار سوقاً عالمية معقدة. تتقاطع فيها تجارة السلاح، وغسل الأموال، والتهريب، والابتزاز، وصراعات الأجهزة، والمصالح الجيوسياسية.
هناك من يعلن محاربة تنظيم ما، ثم يستفيد من وجوده. وهناك من يغذي الفوضى في منطقة، ليبيع الأمن في منطقة أخرى. وهناك من يصنع عدواً وهمياً ليبرر قوانين استثنائية أو تدخلات خارجية.
لذلك، فإن محاربة الإرهاب تقتضي كشف المستفيدين منه، لا فقط مطاردة منفذيه.

الإرهاب لا دين له ولا عرق

من الخطأ الكبير إلصاق الإرهاب بدين معين أو شعب معين. فالعالم عرف إرهاباً مارسته جماعات يمينية متطرفة، ومنظمات عنصرية، وميليشيات طائفية، وعصابات مخدرات، وحركات انفصالية، وجيوش احتلال.
من يقتل الأبرياء عمداً، ويروع المدنيين، ويستخدم الخوف كسلاح، هو إرهابي مهما كان اسمه أو لونه أو لغته أو رايته.
ولا يجوز مع كل جريمة أن تُتهم أمة بأكملها أو عقيدة بأكملها بسبب أفعال أفراد أو جماعات منحرفة.

أخطر أنواع الإرهاب… إرهاب الدولة

ليس كل إرهابي يحمل حزاماً ناسفاً. بعضهم يرتدي بذلة رسمية، ويجلس خلف مكتب مكيف، ويوقع قرارات حصار، أو يأمر بقصف أحياء سكنية، أو يدعم ميليشيات تقتل بالوكالة.
حين تُجَوَّع الشعوب، وتُهدم البيوت فوق ساكنيها، وتُفرض العقوبات الجماعية، ويُقتل المدنيون باسم الأمن القومي، فنحن أمام شكل آخر من الإرهاب أكثر خطورة، لأنه يملك الشرعية والسلاح والإعلام في آن واحد.
هذا النوع من الإرهاب كثيراً ما ينجو من المحاسبة، لأن ميزان العالم ليس عادلاً دائماً.

الوقاية الحقيقية تبدأ من الداخل

مواجهة الإرهاب لا تبدأ فقط بالشرطة والسجون، بل تبدأ من الأسرة والمدرسة والجامعة والشارع ومكان العمل. تبدأ حين يشعر المواطن أنه محترم، وأن له فرصة، وأن القانون يحميه، وأن مستقبله ممكن داخل وطنه.
تبدأ بتعليم يحرر العقل، وإعلام مسؤول، وعدالة نزيهة، وثقافة تزرع التسامح، وسياسات تنموية تنصف الجهات المهمشة، ومساحات حوار للشباب قبل أن يخطفهم دعاة العدمية.
فالإنسان الذي يجد مكانته في وطنه، يصعب استدراجه إلى خراب وطنه.

الحاجة إلى تعريف عالمي عادل

العالم اليوم يحتاج إلى تعريف موحد ونزيه للإرهاب، لا يستثني الأقوياء، ولا يبرر قتل المدنيين إذا صدر من دول نافذة، ولا يخلط بين مقاومة الاحتلال المشروع وبين الاعتداء على الأبرياء.
ازدواجية المعايير هي الوقود الخفي للتطرف. فعندما يرى الناس أن الدماء ليست متساوية، وأن العدالة انتقائية، ينمو الشعور بالظلم، ومن رحم الظلم يولد العنف.

حين يُقتل الأمل يولد التطرف

الإرهابي في كثير من الأحيان ليس البداية، بل النهاية. هو آخر حلقة في سلسلة طويلة من الفشل والظلم والتلاعب والاستغلال. وإذا أراد العالم فعلاً أن يهزم الإرهاب، فعليه ألا يكتفي بملاحقة من ضغط الزر، بل أن يفتش عمن صنع الزر، ومول العملية، وربّى اليأس، وسقى جذور الكراهية.
فحين يُقتل الأمل في الإنسان، يولد التطرف. وحين تُباع العدالة، يزدهر العنف. وحين تتحول تهمة الإرهاب إلى تجارة سياسية، يصبح العالم كله رهينة للخوف.



#بوشعيب_حمراوي (هاشتاغ)       Bouchaib_Hamraouy#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الجزائر... حين تستثمر الدولة في صناعة العداء ويتسول الشعب ال ...
- صداقة الدول : عملة تقاس قيمتها بأهداف ومصالح الصديقين
- صناعة القائد تبدأ بإنصاف القدوة وتثمين الذاكرة الإنسانية
- (آية الكرسي ) لطرد شيطان الجن: كيف السبيل لطرد شيطان الإنس ع ...
- فلسطين... قرن من الوعود المؤجلة وشرعية دولية لم تجد طريقها إ ...
- اليوم العالمي للثرات.. تذكير بتاريخ وجذور المملكة وهويتها ال ...
- بالأمن الوقائي : نصد الانحراف ونسبق الجريمة بدل مطاردتها
- الملكية المغربية .. عقدة النظام الجزائري
- متى يستفيق الضمير الإفريقي من لعنة حب الكراسي؟
- ارحل… صرخة المحتجّين الأخيرة
- ترامب والبابا يعيدان الصراع بين الدين والسياسة
- وباء الكذب والإشاعة يطيح بعرش أبريل
- الإعلام في الأقاليم الجنوبية… معركة وعي تسبق معركة السياسة
- سلطنة عمان تساءل العالم والإعلام عن مضيقها هرمز
- حين تكون الجغرافيا قدراً والتاريخ مسؤولية وجب صمت السياسي
- ابتسم . فإن ألذ خصومك وجهك العبوس
- مفاوضات إسلام اباد : سلام مُعلّق بين حربٍ عالقة ونياتٍ مريبة
- شتان بين الحكيم المغربي واللئيم الصهيوني
- فرنسا بلا إفريقيا.. تغرق
- عالم ينفث الدخان ويتغذى بالكذب والبهتان ..الى متى ؟؟؟؟؟


المزيد.....




- خروقات إسرائيلية مستمرة تهدد حياة النازحين شمال مدينة غزة
- إيران تنفي مزاعم ترامب بشأن إعدام 8 سيدات وتؤكد: معلومات مضل ...
- الأمم المتحدة تدخل سباق اختيار أمينها العام.. من هم المرشحون ...
- كيف غيرت “الأزمة” نظرة المصريين إلى اللاجئين؟
- إقبال غير مسبوق.. إسبانيا تستقبل 43 ألف طلب لتسوية أوضاع الم ...
- غزو القوارض والحشرات يضاعف مأساة النازحين في غزة مع اشتداد ا ...
- حماس تدعو الأمم المتحدة والوسطاء إلى الضغط لوضع آلية مُلزِمة ...
- منظمة العفو الدولية: تراجع في حقوق الإنسان في السويد
- بقائي: أدعوا حكومة الامارات إلى احترام حقوق الإنسان وكرامته ...
- القوارض والحشرات تفاقم معاناة النازحين في غزة


المزيد.....

- اتفاقية جوانب حقوق الملكية الفكرية المتصلة بالتجارة وانعكاسا ... / محسن العربي
- مبدأ حق تقرير المصير والقانون الدولي / عبد الحسين شعبان
- حضور الإعلان العالمي لحقوق الانسان في الدساتير.. انحياز للقي ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- فلسفة حقوق الانسان بين الأصول التاريخية والأهمية المعاصرة / زهير الخويلدي
- المراة في الدساتير .. ثقافات مختلفة وضعيات متنوعة لحالة انسا ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- نجل الراحل يسار يروي قصة والده الدكتور محمد سلمان حسن في صرا ... / يسار محمد سلمان حسن
- الإستعراض الدوري الشامل بين مطرقة السياسة وسندان الحقوق .. ع ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- نطاق الشامل لحقوق الانسان / أشرف المجدول
- تضمين مفاهيم حقوق الإنسان في المناهج الدراسية / نزيهة التركى
- الكمائن الرمادية / مركز اريج لحقوق الانسان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - بوشعيب حمراوي - الإرهاب… من يصنعه؟ ومن يستثمره؟ ومتى يولد الإرهابي؟