أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - بوشعيب حمراوي - صناعة القائد تبدأ بإنصاف القدوة وتثمين الذاكرة الإنسانية















المزيد.....

صناعة القائد تبدأ بإنصاف القدوة وتثمين الذاكرة الإنسانية


بوشعيب حمراوي
استاذ كاتب وصحفي

(Bouchaib Hamraouy)


الحوار المتمدن-العدد: 8683 - 2026 / 4 / 20 - 18:02
المحور: قضايا ثقافية
    


بقلم: بوشعيب حمراوي

ليست قوة الأمم فيما تبنيه من إسمنت وحديد فقط، ولا فيما تشيده من طرق وجسور وموانئ وملاعب ومراكز حديثة، بل في قدرتها على حفظ ذاكرة رجالها ونسائها، وصيانة رأسمالها البشري، وتحويل تجارب الناجحين فيها إلى مدارس مفتوحة للأجيال. فكل مدينة وقرية وحي في العالم يزخر برجال ونساء صنعوا مجد مجتمعاتهم في مجالات العلم والثقافة والفن والرياضة والسياسة والاقتصاد والعمل الاجتماعي وسائر المهن.

هؤلاء لم تصنعهم الصدفة، بل صنعتهم المعاناة، والمثابرة، والتضحية، والانضباط، والإيمان العميق بقيمة العمل وخدمة الناس. لكن المؤلم أن كثيرًا منهم يُطوى ذكرهم سريعًا، وكأنهم لم يكونوا جزءًا من مسيرة البناء الحضاري.

وهنا يبرز السؤال الجوهري: كيف نصنع قادة الغد، إذا كنا لا ننصف قدوات الأمس واليوم؟


الشعوب غنية بالكفاءات لكنها ضعيفة في استثمارها


نادراً ما نجد شعبًا فقيرًا في العقول أو المواهب. فكل أمة أنجبت علماء حملوا مشعل المعرفة، ومصلحين واجهوا الانحراف، ورياضيين رفعوا رايات أوطانهم، وفنانين أبدعوا، ومهنيين خدموا بإخلاص، ومفكرين أسهموا في توجيه مجتمعاتهم.
غير أن كثيرًا من الدول والمجتمعات لا تعرف كيف تستثمر هذا الرصيد البشري. فبعد نهاية المسار المهني أو الإبداعي، يُدفع عدد كبير من هؤلاء إلى الهامش، بدل تحويلهم إلى طاقات مستمرة العطاء.
أما الأمم المتقدمة، فلا تهدر خبراتها، بل تجعل منها رأسمالاً معنويًا ومؤسساتيًا، وتبني عليها أجيالًا جديدة أكثر قوة وثقة.


التكريم المناسباتي لا يصنع قدوة


ليس المقصود بإنصاف الرواد تنظيم حفلات موسمية، أو تعليق صورهم في مناسبات عابرة، أو إلقاء كلمات مجاملة تنتهي بانتهاء التصفيق. فذلك تكريم شكلي لا يغير الواقع.
الإنصاف الحقيقي هو أن يُمنح هؤلاء دورًا فعليًا داخل المجتمع، من خلال إشراكهم في التكوين، والاستشارة، والتوجيه، ونقل الخبرة، وتأطير الناشئة، والمساهمة في حل المشكلات.
فالرياضي السابق يمكن أن يصبح مدربًا أو خبيرًا أو مؤسسًا لأكاديمية.
والأستاذ المتميز يمكن أن يساهم في إصلاح التعليم.
والفنان المبدع يمكن أن يكوّن جيلاً جديدًا من المواهب.
والقائد الإداري أو النقابي أو السياسي المجرب يمكن أن يضع خبرته رهن إشارة المؤسسات والشباب.
أما ترك الجميع خارج دائرة الفعل بمجرد انتهاء المنصب أو انطفاء الأضواء، فهو تبذير خطير للثروة البشرية.
المدرسة في حاجة إلى قدوة من الواقع
لا يعقل أن يكبر أطفال كثيرون وهم يحفظون أسماء مشاهير بعيدين عن بيئتهم، ويعرفون تفاصيل حياة نجوم أجانب، بينما يجهلون أسماء شخصيات عظيمة خرجت من أحيائهم ومدنهم وبلدانهم.
ما الفائدة من مناهج تحكي عن نجاحات الآخرين فقط، دون أن تبرز قصص رجال ونساء انطلقوا من بيئات بسيطة، وعاشوا المعاناة، ثم بلغوا النجاح والتميز؟
إن سيرة الناجحين المحليين والوطنيين يجب أن تصبح مادة تربوية تُدرّس وتُناقش وتُحلّل في المدارس والجامعات، حتى يدرك الطفل أن النجاح ليس حكرًا على أحد، وأن ابن الحي أو القرية يمكن أن يصبح عالمًا أو قائدًا أو مبدعًا.
حين يرى التلميذ أن شخصًا من نفس بيئته بلغ القمة، فإنه يؤمن بقدرته هو أيضًا على الصعود.

المرافق العمومية ليست فضاءات للتصفيق فقط

ما جدوى بناء ملاعب ضخمة ومركبات ثقافية ومسارح ومراكز شباب، إذا كان أبناء المجتمع يتحولون فيها إلى مجرد جمهور يصفق ويتفرج؟
ما جدوى الأندية التي لا تُخرّج أبناء مناطقها؟
وما جدوى المراكز الثقافية التي تستورد الأسماء باستمرار، بينما يُقصى أصحاب المواهب المحلية؟
وما جدوى المؤسسات الحديثة إذا لم تُستخدم لصناعة الإنسان؟
المنشآت العمومية ليست ديكورًا عمرانيًا، بل أدوات لصناعة الطاقات. ومن حق المواطن أن يرى أبناء مجتمعه داخلها مبدعين، مؤطرين، ناجحين، لا متفرجين فقط.

لماذا لا نستفيد من الخبرات بعد التقاعد؟


سؤال بسيط لكنه عميق: لماذا يُنظر إلى التقاعد في كثير من المجتمعات كأنه نهاية العطاء؟
لماذا لا تُحدث مجالس محلية ووطنية للخبراء والمتقاعدين والكفاءات السابقة؟
لماذا لا يكون لكل وزارة أو مؤسسة مجلس خبرة دائم؟
لماذا لا يُدعم الرياضي السابق ليستثمر في مجاله؟
ولماذا لا يُشجَّع الفنان المعتزل على تأسيس مدرسة فنية؟
ولماذا لا يُستفاد من الإداري الناجح في التأطير والتخطيط؟
إن الإنسان حين يتقدم في العمر قد يفقد بعض القوة الجسدية، لكنه يربح كنزًا اسمه التجربة.
الأحزاب والنقابات والجمعيات تحتاج إلى ذاكرة
لا يقتصر التهميش على الرياضة والفن، بل يطال أيضًا العمل السياسي والنقابي والمدني.
كم من مناضل صنع مرحلة ثم أُبعد؟
كم من قائد راكم تجربة ثم لم يعد يُستشار؟
كم من مفكر خدم وطنه ثم تُرك للنسيان؟

في الدول الراسخة ديمقراطيًا، توجد مجالس للحكماء والخبراء تضم السابقين للاستفادة من تراكمهم. أما حين يُربط الوجود بالكرسي فقط، فإن المؤسسة تخسر ذاكرتها، ويُجبر كل جيل على البدء من الصفر.

حين تُهان القدوة يُصاب الشباب بالإحباط


الشباب يراقب كل شيء. حين يرى أن نهاية المجتهد هي العزلة، وأن نهاية المبدع هي التهميش، وأن نهاية المناضل هي النسيان، فإنه يتردد في سلوك طريق الجهد الطويل.
وهنا تتجه بعض الطاقات نحو الأوهام السريعة، أو الشهرة الفارغة، أو تقليد نماذج بلا مضمون، أو الانسحاب من الشأن العام.
إن تهميش القدوة لا يقتل شخصًا واحدًا فقط، بل يقتل الحلم في نفوس كثيرين.
الأعياد الوطنية والإنسانية تحتاج إلى معنى
كثير من المناسبات الوطنية والإنسانية تحولت إلى مجرد أيام عطلة، بدل أن تكون محطات لاستحضار التضحيات، وتقوية الانتماء، وربط الأجيال بتاريخها.
فالفراغ الرمزي ينتج أجيالاً لا تهتم بماضيها، ولا توثق حاضرها، ولا تخطط بوعي لمستقبلها.
ولذلك يجب إعادة الروح لهذه المناسبات، عبر إشراك القدوات الحية، وسرد قصص النجاح، وربط الاحتفال بالمعنى لا بالاستهلاك الزمني.


مشروع إنساني مستعجل: جرد الطاقات وإنصافها


العالم اليوم في حاجة إلى مبادرة حضارية كبرى عنوانها: رد الاعتبار للرأسمال البشري، وذلك عبر:
جرد الشخصيات التي بصمت مجتمعاتها محليًا ووطنياً وعالميًا.
توثيق مساراتها في كتب وأفلام ومنصات رقمية.
إدماج سيرها في المناهج التعليمية.
فتح المدارس والجامعات والمراكز الثقافية أمامها.
إشراكها في التكوين والاستشارة والتأطير.
دعم النجوم السابقين لإطلاق مشاريع في تخصصاتهم.
إنشاء مجالس حكماء داخل المؤسسات والأحزاب والجمعيات.
ربط المنشآت العمومية بصناعة المواهب المحلية.

يولد القائد كامتداد للقدوة

إن الأمة التي تنسى صانعي أمجادها، تُغامر بفقدان صانعي مستقبلها. والقائد لا يولد فجأة، ولا يُصنع بالشعارات، بل يتكوّن حين يرى أمامه قدوة حيّة، محترمة، مسموعة، ومؤثرة.
لننصف من سبقونا، حتى نفتح الطريق لمن سيلحقوننا.
ولنكرم التجربة، حتى نثمر القيادة.
ولنحوّل الذاكرة من صور معلقة على الجدران، إلى قوة تمشي في المدارس والملاعب والمؤسسات والشوارع.
فالإنسانية لا تنقصها الطاقات، بل تحتاج فقط إلى من يعرف كيف يحول القدوة إلى مشروع، والخبرة إلى مدرسة، والإنسان إلى مستقبل نابض بالحياة.



#بوشعيب_حمراوي (هاشتاغ)       Bouchaib_Hamraouy#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- (آية الكرسي ) لطرد شيطان الجن: كيف السبيل لطرد شيطان الإنس ع ...
- فلسطين... قرن من الوعود المؤجلة وشرعية دولية لم تجد طريقها إ ...
- اليوم العالمي للثرات.. تذكير بتاريخ وجذور المملكة وهويتها ال ...
- بالأمن الوقائي : نصد الانحراف ونسبق الجريمة بدل مطاردتها
- الملكية المغربية .. عقدة النظام الجزائري
- متى يستفيق الضمير الإفريقي من لعنة حب الكراسي؟
- ارحل… صرخة المحتجّين الأخيرة
- ترامب والبابا يعيدان الصراع بين الدين والسياسة
- وباء الكذب والإشاعة يطيح بعرش أبريل
- الإعلام في الأقاليم الجنوبية… معركة وعي تسبق معركة السياسة
- سلطنة عمان تساءل العالم والإعلام عن مضيقها هرمز
- حين تكون الجغرافيا قدراً والتاريخ مسؤولية وجب صمت السياسي
- ابتسم . فإن ألذ خصومك وجهك العبوس
- مفاوضات إسلام اباد : سلام مُعلّق بين حربٍ عالقة ونياتٍ مريبة
- شتان بين الحكيم المغربي واللئيم الصهيوني
- فرنسا بلا إفريقيا.. تغرق
- عالم ينفث الدخان ويتغذى بالكذب والبهتان ..الى متى ؟؟؟؟؟
- الرئيس يستحق السقوط لكن منطق القوة يذبح الشرعية الدولية
- أنا الجزائر حكاية وطن يتكلم من تحت الركام
- أنا… فلسطين (حكاية أرض قُسِّمت بين فِلس وطين)


المزيد.....




- منطاد هواء ساخن يهبط اضطرارياً في فناء خلفي لمنزل.. شاهد ما ...
- منذ مطلع أبريل: أمن الدولة العليا تُخلي سبيل أكثر من 90 محبو ...
- كيف وضعت الصين آلاف الرموز من لغتها على -الكيبورد-؟
- معرض هانوفر يُذكر ميرتس بضرورة إصلاحات -حقيقية-
- الحرب في الشرق الأوسط: المفاوضات الشاقة.. بين معضلتي مضيق هر ...
- ستارمر أمام البرلمان لتهدئة الغضب بشأن تعيين مندلسون من جديد ...
- الصين: -أباريق الشاي-.. مصافي نفط صغيرة تهددها الحرب في الشر ...
- إسرائيل تقسّم جغرافيا لبنان: نحو نموذجٍ شبيه بغزّة؟
- هل رسائلك آمنة حقا؟ ما تحتاج معرفته عن -الأبواب الخلفية- في ...
- وصفت -بالقرصنة البحرية-.. كيف سيطرت أمريكا على -توسكا- وكيف ...


المزيد.....

- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - بوشعيب حمراوي - صناعة القائد تبدأ بإنصاف القدوة وتثمين الذاكرة الإنسانية