أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - بوشعيب حمراوي - ارحل… صرخة المحتجّين الأخيرة















المزيد.....

ارحل… صرخة المحتجّين الأخيرة


بوشعيب حمراوي
استاذ كاتب وصحفي

(Bouchaib Hamraouy)


الحوار المتمدن-العدد: 8679 - 2026 / 4 / 16 - 20:04
المحور: المجتمع المدني
    


بقلم: بوشعيب حمراوي

تنطلقُ بعضُ الكلمات من حناجر الغاضبين، لكنها لا تكون مجرد صوت عابر، بل تتحول إلى عنوان مرحلة، ورسالة شعب، ومرآة ثقةٍ انكسرت. وكلمة (ارحل) ليست شتيمةً ولا نزوة غضب، بل هي اختزالٌ مكثف لحصيلة من الإخفاقات، وتعبير صريح عن فقدان الأمل في مسؤول لم يعد قادراً على الإقناع أو الاستمرار. هي كلمة ثقيلة في معناها، خفيفة في لفظها، لكنها حين تُرفع في الشارع، تكون قد سبقتها سنوات من الصبر والانتظار والوعود المؤجلة.
وفي فاتح ماي، عيد الشغل، لا تخرج هذه الكلمة من فراغ، بل تنبع من عمق معاناة الشغيلة، ومن واقع اجتماعي يزداد تعقيداً، حيث يتحول هذا اليوم من مجرد مناسبة احتفالية إلى منصة احتجاجية كبرى، تُرفع فيها الشعارات وتُعلن فيها المواقف، ويعلو فيها صوت (ارحل) كأقوى تعبير عن رفض الفشل وسوء التدبير. هنا، يصبح الشارع صندوق اقتراع مفتوح، وتغدو الكلمة حكماً شعبياً لا يحتاج إلى صناديق ولا إلى لجان، بقدر ما يحتاج إلى مسؤولين يُحسنون الإنصات قبل أن يُطلب منهم الرحيل.

ارحل.. شعار جاهز في وجه المسؤول الفاسد
لم تعد كلمة (ارحل) مجرد لفظ عابر في قاموس الاحتجاجات، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى شعار جاهز يرفعه الشارع في وجه مسؤول أو وزير أو مدرب أو منتخب، كلما اشتد الغضب أو ارتفعت وتيرة الانتقاد. كلمة قصيرة في حروفها، لكنها ثقيلة في معناها، لأنها تحمل في طياتها حكماً قاسياً ومباشراً: أن زمن هذا المسؤول قد انتهى، وأن بقاءه لم يعد مرغوباً فيه.
غير أن هذه الكلمة، على بساطتها الظاهرة، تطرح أسئلة عميقة تتجاوز مجرد لحظة الغضب أو الاحتجاج: ما جدوى كلمة (ارحل)؟ ومتى تكون مشروعة؟ وهل كل من تُرفع في وجهه يستحق فعلاً الرحيل؟
في كثير من الأحيان، تكون كلمة (ارحل) تعبيراً مكثفاً عن غضب شعبي تراكم عبر الزمن. فهي لا تظهر عادة في أول لحظة من لحظات التوتر، بل تأتي بعد سلسلة من الإخفاقات أو القرارات غير المفهومة أو الأزمات المتراكمة. وحين يفقد المواطن أو المشجع أو الموظف الثقة في المسؤول، تتحول هذه الكلمة إلى وسيلة رمزية للتعبير عن أن الشرعية الأخلاقية أو المهنية قد تآكلت.
لقد رأينا هذه الكلمة تتردد في الملاعب، وفي الشوارع، وتكتب على اللافتات، وحتى في الفضاء الرقمي. وهي في جوهرها محاولة لاستعادة التوازن بين السلطة والمسؤولية حين يشعر الناس أن المسؤول لم يعد قادراً على أداء مهامه.
ومع ذلك، ليست كل دعوة إلى الرحيل دعوة عبثية أو مزاجية. ففي الحياة العامة يصبح الرحيل مطلباً مشروعاً عندما تتوفر مؤشرات واضحة، مثل تراكم الفشل في التدبير دون تصحيح المسار، أو وقوع أخطاء جسيمة وتجاوزات أخلاقية أو قانونية، أو فقدان الثقة العامة في قدرة المسؤول على الإصلاح رغم امتلاكه الصلاحيات والوسائل. في مثل هذه الحالات لا تكون كلمة (ارحل) مجرد شعار، بل تتحول إلى آلية ضغط أخلاقي وسياسي تدفع نحو المساءلة والمحاسبة.

عندما تتحول (ارحل) إلى سلاح في معارك سياسية
غير أن الإشكال يظهر حين تتحول هذه الكلمة إلى سلاح في معارك المصالح والنفوذ. فليس كل من يرفع شعار الرحيل يمتلك بالضرورة الأدلة والقرائن الموضوعية التي تبرر هذا المطلب. أحياناً تُستعمل هذه الكلمة من قبل خصوم سياسيين أو منافسين داخل مؤسسة أو أطراف متضررة من قرارات إصلاحية. وفي مثل هذه الحالات يصبح الشعارأداة للضغط أو للتشويه أو لإسقاط الخصوم، وليس بالضرورة دفاعاً عن المصلحة العامة.
المفارقة أن بعض من يرفعون شعار (ارحل) لا يفضلون مواجهة خصومهم داخل المؤسسات أو في الميدان المهني حيث تحسم الكفاءة والنتائج، بل يختارون نقل المعركة إلى الشارع أو إلى وسائل التواصل الاجتماعي. وهنا تتحول المنافسة من تنافس مشروع إلى حرب رمزية تستعمل فيها الشعارات والاتهامات في محاولة لإضعاف الخصم بدل التفوق عليه.
ثم إن الرحيل ليس دائماً الحل الأمثل. فبعض المؤسسات تحتاج إلى قدر من الاستقرار والاستمرارية حتى تنجح المشاريع والإصلاحات، والانسحاب المتكرر للمسؤولين قد يؤدي إلى تعطيل الخدمات العمومية أو إرباك البرامج التنموية. لذلك تقتضي الحكمة التمييز بين فشل يستوجب الرحيل والمحاسبة، وأخطاء قابلة للتصحيح داخل نفس المسؤولية، بنفس المسؤول. لأن السياسات العمومية مثل المشاريع الكبرى تحتاج إلى زمن حتى تظهر نتائجها، وقد يكون تغيير المسؤول في لحظة حساسة أكثر ضرراً من بقائه.
ومع ذلك، لا يقتصر استحقاق الرحيل أحياناً على مسؤول فشل في تدبير منصبه، بل يتجاوز ذلك إلى نماذج بشرية أصبح وجودها ذاته مصدر أذى دائم للمحيط. فهناك من لا يمارس الضرر من موقع سلطة أو مسؤولية رسمية، لكنه يؤذي الناس في تفاصيل حياته اليومية: في سلوكه، في خطابه، في تعامله، وفي الطريقة التي يفسد بها القيم والعلاقات. ومع مرور الزمن تتحول هذه النماذج إلى عبء ثقيل على المجتمع، لأنها تنشر الإحباط وتعرقل المعيشة السليمة وتضرب في العمق أسس التربية والأخلاق والتعليم والصحة العامة. ولهذا يشبهها البعض مجازاً بما يشبه الورم الخبيث داخل الجسد الاجتماعي؛ وجوده لا يهدد موقعاً أو مؤسسة فحسب، بل يفتك بروح العيش المشترك ويضعف مناعة المجتمع الأخلاقية والإنسانية.
ارحل .. هي أعلى سقف مطالب النضال
إذا استُقرئت الشعارات التي صدحت بها حناجر الشارع المغربي في محطات احتجاجية مختلفة، يتضح أن كلمة (ارحل) لا تأتي عادة في البداية، بل تكون خاتمة مسار طويل من التنبيه والاحتجاج. ففي المراحل الأولى يرفع المحتجون شعارات تنبيهية تحمل طابع العتاب أو الاستنكار مثل: (هذا عيب… هذا عار… الصحة في خطر)، أو شعارات تعبّر عن فقدان الثقة في المؤسسات مثل: (عليك أمان عليك أمان… لا حكومة لا برلمان). ثم تتطور الشعارات لتصبح أكثر مباشرة في انتقاد الفساد أو سوء التدبير، قبل أن تتحول في لحظة الاحتقان القصوى إلى مطلب واضح بالتغيير عبر كلمة واحدة تختزل كل ذلك الغضب: (ارحل)
في النهاية، تبقى كلمة (ارحل) حقاً من حقوق التعبير والاحتجاج حين تكون مبنية على وقائع ومعطيات موضوعية، لكنها تتحول إلى أداة خطيرة حين تستعمل بلا دليل أو بدافع تصفية الحسابات. فالرحيل ليس مجرد كلمة تُكتب على لافتة أو تُردد في هتاف، بل قرار سياسي ومؤسساتي يفترض أن يبنى على تقييم موضوعي للأداء وعلى احترام قواعد المحاسبة والعدالة .
ويبقى السؤال مفتوحاً أمام كل مجتمع.
هل نبحث فعلاً عن الإصلاح… أم نكتفي بتغيير الوجوه؟



#بوشعيب_حمراوي (هاشتاغ)       Bouchaib_Hamraouy#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ترامب والبابا يعيدان الصراع بين الدين والسياسة
- وباء الكذب والإشاعة يطيح بعرش أبريل
- الإعلام في الأقاليم الجنوبية… معركة وعي تسبق معركة السياسة
- سلطنة عمان تساءل العالم والإعلام عن مضيقها هرمز
- حين تكون الجغرافيا قدراً والتاريخ مسؤولية وجب صمت السياسي
- ابتسم . فإن ألذ خصومك وجهك العبوس
- مفاوضات إسلام اباد : سلام مُعلّق بين حربٍ عالقة ونياتٍ مريبة
- شتان بين الحكيم المغربي واللئيم الصهيوني
- فرنسا بلا إفريقيا.. تغرق
- عالم ينفث الدخان ويتغذى بالكذب والبهتان ..الى متى ؟؟؟؟؟
- الرئيس يستحق السقوط لكن منطق القوة يذبح الشرعية الدولية
- أنا الجزائر حكاية وطن يتكلم من تحت الركام
- أنا… فلسطين (حكاية أرض قُسِّمت بين فِلس وطين)
- اللمة تغذي جذور الوطن
- واشنطن: من التهديد بمحو الحضارة إلى طاولة التفاوض
- حكاية صراع دامي بين الإنسان والبشر
- شتاء 2026 تذيب غرور الإنسان وتكشف وهم اليقين العلمي
- الإعلام الإفريقي في سبات والرقمي يرقص على جثته في انتظار صحو ...
- عندما يكون الولاء لغير الحقيقة .. نسقط
- في يومها العالمي : الرياضة .. تُنقذ الأجساد وتُهذّب


المزيد.....




- لجنة التحقيق الدولية التابعة للأمم المتحدة: ندعو إلى إنهاء ا ...
- الاحتلال يستهدف الأطفال عمداً بغزة ويرتكب جرائم حرب بالضفة
- رغم عدم الاعتراف بها.. طالبان تجري محادثات في بروكسل لإعادة ...
- تونس: تأييد حكم بسجن الناشطة المناهضة للعنصرية سعدية مصباح ث ...
- الأمم المتحدة تتحرك لإنقاذ 11 ألف بحار من مضيق هرمز
- هيومن رايتس ووتش تدعو الأردن إلى تجميد عقوبة الإعدام بعد تنف ...
- الأمم المتحدة: نحو 100 مليون طفل محرومون من التعليم بسبب الن ...
- بعد سنوات المجاعة.. إثيوبيا السابع عالميا في إنتاج القمح
- الأمم المتحدة تكشف حجم الضرر بالمباني في جنوب لبنان
- لهيب الصيف يضاعف معاناة النازحين في غزة: الخيام تتحول إلى أف ...


المزيد.....

- مدرسة غامضة / فؤاد أحمد عايش
- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - بوشعيب حمراوي - ارحل… صرخة المحتجّين الأخيرة