بوشعيب حمراوي
استاذ كاتب وصحفي
(Bouchaib Hamraouy)
الحوار المتمدن-العدد: 8671 - 2026 / 4 / 8 - 15:57
المحور:
الطب , والعلوم
بقلم : بوشعيب حمراوي
طيلةَ سنواتٍ ونحن نسمع و نقرأ عن خبراء وباحثين، يرافقهم منجّمون متخفّون في عباءة العلم، يتحدثون بثقة مفرطة عن الاحتباس الحراري، عن أسبابه ومآلاته، وعن عالمٍ مقبلٍ على ندرة الماء والهواء، عالمٍ سيعيش جحيم الحرارة والتلوّث، وعن سيولٍ متوقعة بسبب ذوبان ثلوج القطبين الشمالي والجنوبي.
غير أنّ ما نعيشه اليوم، في شتاء 2026، جاء ليقلب كثيرًا من تلك (اليقينيات) رأسًا على عقب، وليضع جزءًا كبيرًا من تلك الأبحاث والتوقعات والتنبؤات في موضع مساءلة حقيقية.
فمن أين جاءت كل هذه المياه؟، ومن الذي شحن هذه السحب بهذا السخاء؟ الجواب، في جوهره، بسيط وعميق في آنٍ واحد: هناك واحدٌ أحد، خالق هذا الكون.
الطبيعة التي لا تُفصح عن كل أسرارها
خالقٌ لا (يصنع) ولا (يحوّل)، ولا يجري اختبارات وتجارب، كما يفعل الإنسان، بل يَخلق… يخلق من العدم، أو من أشياء لا يزال العقل البشري عاجزًا عن إدراك ماهيتها، مهما ظنّ أنه بلغ من العلم والذكاء مبلغًا عظيمًا.
فالإنسان، حين يستبدّ به الغرور، يتوهّم أنه أحاط بخبايا الوجود، وأنه فهم قوانين الحياة ومساراتها، وكيف تبدأ وكيف تنتهي. لكنه سرعان ما يكتشف، عند أول امتحان كوني حقيقي، أن معرفته ليست سوى قشرة رقيقة فوق بحرٍ لا قرار له.
لقد كشف شتاء 2026 محدودية العقل البشري، وعرّى وهم الذكاء المطلق، وذكّرنا بأن العلم، مهما تقدم، يظل علمًا نسبيًا، قابلًا للخطأ والمراجعة والتصويب، لا حقيقة نهائية ولا حكمًا قطعيًا على الكون.
فالطبيعة ليست فوضى، لكنها أيضًا ليست كتابًا مفتوحًا بالكامل. لها برامجها، ولها دوراتها؛ منها ما نعرفه، كالدورة السنوية العادية، بالفصول الأربعة (الشتاء، الربيع، الصيف، الخريف)، ودوران الأرض حول نفسها أو في تقارب وتباعد مع بعض من كواكب ونجوم هذا العالم الفسيح واللامتناهي. ومنها ما يظل خارج مدار فهمنا: دورات أطول، قد تكون عقدية، أو قرنية، أو أبعد من ذلك… دورات لا نملك عنها إلا الشذرات. وما نجهله، في النهاية، أكبر بكثير مما نعرفه. تلك الحقيقة، وحدها، كفيلة بأن تنظف الإنسان من أنانيته وغروره. وتعيد بعض من تواضعه… وبعض من حكمته .. وتعيده إلى صوابه.. ليدرك حجمه بين ومكانته بين كل ما هو كائن ومكنون في هذه الحياة الفانية.
صراع الحياة من أجل التدبير الحياة وليس من أجل السيطرة
الإنسان، عبر التاريخ، يتعلّم مع تقلبات الطبيعة، ومع بروز الظواهر الكونية المفاجئة. يتعلّم من الفيضانات كما يتعلّم من الجفاف، ومن البرد القارس كما يتعلّم من الحرّ اللاهب. يستخلص الدروس والعِبر مما يعيشه، ويُراكم الخبرة، ويطوّر أدوات الفهم والمواجهة.
غير أنّ هذا التعلّم، مهما بلغ، لم ولن يمكّنه من توفير حماية مطلقة أو دائمة لنفسه، ولا من الاحتماء الكامل بظهرٍ مسنود إلى علمٍ أو تقنية. فبرامج الطبيعة، أو بالأحرى مخططاتها الإلهية، تأتي في كل مرة بما هو جديد، بما لم يكن في الحسبان، وبما لم تُسجّله النماذج ولا توقّعته الحسابات.
ولذلك، فإن صراع الإنسان مع الطبيعة ليس صراع تفوّق ولا معادلة انتصار، وليس معركة لضمان السيطرة أو استدامة الاستفادة القصوى من هباتها. إنه، في جوهره، صراع من أجل تدبير الحياة فقط، من أجل البقاء ضمن حدود الممكن، لا أكثر.
وما يظنه الإنسان (انتزاعًا) من الطبيعة بجهده وعقله وكدّه، ليس في حقيقته إلا سخاءً وفضلًا من عند الله، يمنحه حين يشاء، ويمنعه حين يشاء، ليبقى الإنسان دائمًا في موقع المتعلّم، لا المتحكّم، وفي موقع السائل، لا المالك.
مخاطر التدبير البشري قائمة مهما تقدم العلم
تعلّمنا كيف نجمع الماء ببناء السدود، وكيف نُراكمه ونحتفي به كإنجاز هندسي واستراتيجي، لكننا لم نضع بالقدر نفسه برامج ومخططات لصيانة هذه السدود، ولا آليات دقيقة لقياس مدى صمودها، ولا تصوّرًا واضحًا لعمرها الافتراضي، ولا لكيفية إعادة تأهيلها أو إعادة بنائها دون أضرار جانبية قد تكون كارثية.
وتعلّمنا كيف نُدبّر مياه السدود، وكيف نُفرغها عند بلوغ منسوب الخطر، لكننا لم نتعلّم كيف نُصاحب عمليات تصريف المياه عبر الأودية والمجاري والقنوات التي زحفت إليها أيادي العفن البشري؛ تارةً بالزحف الإسمنتي، وتارةً بالهدم والردم، وتارةً بالاحتلال الصريح للملك العمومي المائي، حتى اختنقت المجاري وضاعت مسارات الماء الطبيعية.
وتعلّمنا كيف نستفيد من مياه السدود في الشرب، والسقي، وتوليد الكهرباء، وغيرها من أوجه الاستغلال المشروع، لكننا لم نتعلّم كيف نحمي محيطها الفلاحي والسكني، ولا كيف نؤمّن مصبّاتها، تلك التي قد تنقلب علينا، وتفرض ما يشبه “الصبّ العكسي”، حين تعجز الطبيعة عن ابتلاع ما فُرض عليها قسرًا.
ولم نكن ندرك، أو لعلّنا تجاهلنا، أن البحار التي اعتادت استقبال مياه الأودية والأنهار قد تصيبها حالة شَبَع وتخمة، أو قد يُراد لها أن تلعب دورًا معاكسًا، فتثور بأمواجها، وتردّ دفعةً واحدة كل مياه الأمطار التي اندفعت نحوها، وكأنها تقول للإنسان: ما عدتُ قادرة على الاحتمال.
حين تعود سنوات العِجاف لتعلّم الإنسان التواضع
ولعلّ في قصة سيدنا يوسف عليه السلام ما يختصر كل هذا الدرس الكوني العميق. حين رأى ملك مصر في منامه سبع بقرات سمان يأكلهن سبعٌ عجاف، وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات، لم يكن الحلم نبوءة رعب، بل رسالة تنبيه وتدبير. لم ينفِ يوسف وجود الخير، ولم يُغرق الناس في وهم الوفرة الدائمة، بل كشف أن سنوات الرخاء لا تلغي مجيء سنوات العَجْف، وأن الاستعداد للعسر واجب في زمن اليسر.سورة سيدنا يوسف عليه أفضل السلام تؤكد بوضوح أن : الزمان دورات، والنعمة لا تدوم، والابتلاء قادم لا محالة.
غير أن العبرة لم تكن في التنبؤ فقط، بل في الحكمة في التدبير، والتواضع أمام سنن الله في الكون. فحتى أعظم خطط الادخار لم تكن ادعاءً للسيطرة على الطبيعة، بل اعترافًا ضمنيًا بحدود الإنسان أمام مشيئة الله.
واليوم، ونحن نعيش تقلبات مناخية حادّة، وفيضانات غير مسبوقة، وكأن سنوات العجاف تعود بثوب جديد، لا في شكل قحط فقط، بل في صورة اختلالات مائية، وارتدادات طبيعية، وصدمات كونية، ندرك أن الرسالة لم تتغير.لا أمنَ دائمًا، ولا وفرةَ مطلقة، ولا علمَ يحيط بكل شيء .يبقى علينا الاقتناع بأن ما نؤثثه بذكائنا وعلومنا ليس سوى قناع قد يزين الحياة لفترة. وقد يتحول بعدها إلى مجرد عبء يثقل وجه الحياة، ويضعف حواسها الطبيعية.
فالخلاص لا يكون بادعاء التحكم في الطبيعة، بل بالتواضع أمام قوانينها، وبالتدبير الرشيد، وبالاعتراف أن ما نملكه من ماء وأمن ورخاء إنما هو فضلٌ من الله، يُعطى لحكمة، ويُرفع لحكمة. وتلك هي العبرة التي لا تشيخ، من زمن يوسف إلى شتاء 2026 .
الإنسان… وهمُ العقل المطلق هو طريقُ التدمير الذاتي
منذ أن وطئت قدمُه الأرض، أقنع الإنسانُ نفسَه بأنّه الكائنُ الأذكى بين كلّ مخلوقات الله عزّ وجل، وأنّ العقل وُهب له وحده، فاستنتج من (تلقاء هذا الوهم ) أنّ له الحقّ المطلق في الانتفاع بكلّ ما في الكون، بلا قيدٍ ولا ميزان. لم يكتفِ بدور العابر في هذا الوجود، بل نصبَ نفسَه سيّدًا عليه، يسنّ القوانين وفق هواه، ويعيد ترتيب الطبيعة بما يخدم شهوته ونزعته إلى الامتلاك.
صنع الإنسان نظامًا خاصًا به، واعتبره أرقى من نظام الكون الدقيق الذي أودعه الله في كلّ ذرة، فراح يعرقل توازن الطبيعة باسم التقدّم، ويخنق الإيقاع الفطري للحياة باسم التنمية، ويبرّر الخراب باسم العقلانية. ادّعى امتلاك الأرض، لا باعتبارها أمانة، بل غنيمة؛ فاقتسمها، وسوّرها، وباعها، واستنزفها، وكأنّه خُلق خالدًا لا يُحاسَب، وكأنّ غيره من الكائنات وُجدت فقط لتكون وقودًا لمصانعه ومائدته ونزواته.
لم يُقِم وزنًا لباقي المخلوقات، لا باعتبارها شركاء في الوجود، ولا كعلامات على عظمة الخالق. طردها من مواطنها، وضيّق عليها مجالات عيشها، وأبادها ببطءٍ أو بسرعة، أحيانًا بدافع التغذية، وأحيانًا بدافع المتعة، وفي الحالتين غابت الرحمة، وحضر التبرير. تحوّل القتل إلى هواية، والصيد إلى استعراض، والتدمير إلى إنجاز يُحتفى به.
حُمّل الإنسان الأمانة، فبدل أن يكون حارسًا عليها، تحوّل إلى مستبدٍّ بها. لم يعد يخدم إلا نفسه، ولم تعد قراراته ومبادراته وأفعاله موجّهة لحماية الحياة، بل لتأمين رفاهيته الآنية ولو على حساب الغد. ظنّ أنّ ما يفعله يقوّي وجوده، ويضمن أمنه، ويُطيل عمر حضارته، بينما هو ( في الحقيقة ) يحفر بيديه طريق فنائه.
جرائم بيئية متتالية، استنزاف للموارد، تلويث للهواء والماء والتربة، مجازر صامتة في حقّ الكائنات، واختلالات مناخية تتراكم… كلّها ليست أحداثًا معزولة، بل نتائج منطقية لعقلٍ متكبّرٍ ظنّ نفسه مركز الكون. وفي نهاية هذا المسار، لا يكون الإنسان منتصرًا، بل أول الضحايا؛ ضحية سلوكاته، وضحية غروره، وضحية إنكاره لحقيقة بسيطة: أنّه جزء من هذا الكون، لا مالكه.
العقل الحقيقي ليس في السيطرة، بل في الاتزان. ليس في الإخضاع، بل في الرعاية. وليس في ادّعاء السيادة، بل في فهم معنى الاستخلاف. وحين يدرك الإنسان أنّ قوّته في انسجامه مع نظام الله في الكون، لا في تمرّده عليه، فقط حينها يمكن أن يتوقّف عن السير الأعمى نحو التدمير الذاتي، ويبدأ طريق النجاة… له ولغيره من الكائنات. ويدرك حقا أنه أغبى كائن في هذه الحياة القصيرة. التي زهدت فيها كل الكائنات، واختار هو أن يكون القائد والمسيطر ... عوض اختيار نظام المصاحبة والموازنة. لأنه هناك حياة أخرى قد يضيع فيها بسبب سلوكاته الدنيوية السلبية
#بوشعيب_حمراوي (هاشتاغ)
Bouchaib_Hamraouy#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟