بوشعيب حمراوي
الحوار المتمدن-العدد: 8662 - 2026 / 3 / 30 - 10:16
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
عالم تحكمه الغنيمة بدل العدالة
بقلم : بوشعيب حمراوي
منذ أول دمٍ سال في قصة قابيل وهابيل، والإنسان يجرّ خلفه لعنة الصراع: حسدٌ يتخفّى في صورة حق، وشهوةُ تفوّق ترتدي قناع المبرر، ثم جريمةٌ تُرتكب باسم الضرورة. لم تكن تلك القصة الدينية سوى النواة الأولى لمشهد تكرر في التاريخ الكبير: قاتلٌ يبحث عن ذريعة، وضحيةٌ تدفع الثمن، وأرضٌ ترث الخسارة. وما تغيّر منذ ذلك الزمن ليس جوهر العنف، بل لغته فقط؛ فقد صار القتل يُسوَّق اليوم ببيانات رسمية، وخرائط مصالح، وتقارير أمنية، وشعارات عن “الاستقرار” و”الديمقراطية” و”حماية العالم الحر”.
الحرب العالمية الأولى لم تندلع لأن العالم كان يبحث عن العدالة، بل لأن أوروبا كانت تغلي بالقوميات المتطرفة، وسباق التسلح، والتحالفات المغلقة، والتنافس الإمبراطوري. اغتيال ولي عهد النمسا كان الشرارة، لكنه لم يكن السبب العميق. النتيجة كانت كارثة إنسانية هائلة: نحو 8.5 ملايين عسكري وقرابة 13 مليون مدني، وانهيار أربع سلالات إمبراطورية كبرى. يومها قيل إن الحرب ستنهي الحروب، لكنها في الحقيقة مهّدت لحرب أفظع منها.
ثم جاءت الحرب العالمية الثانية، ففضحت كذب الحضارة حين تستسلم للعنصرية والتوسع والانتقام. رُفعت شعارات الأمن القومي والمجد القومي واستعادة الكرامة، لكن الحصيلة كانت الأكثر دموية في التاريخ الحديث: بين 40 و50 مليون قتيل على الأقل، مع تدمير واسع، وجرائم إبادة، وتشريد عشرات الملايين. هنا انكشف أن الحرب لا تصنع العظمة، بل تصنع مقابر أكبر، وأن الدول حين تُؤلّه القوة تُحوّل الإنسان إلى رقم في ميزانها الاستراتيجي.
حرب باردة… ونيران لا تنطفئ
وبعد 1945، لم يتعلم العالم الدرس كاملاً. صحيح أن ميثاق الأمم المتحدة نص بوضوح على الامتناع عن التهديد أو استخدام القوة ضد سلامة أراضي الدول أو استقلالها السياسي، لكن الواقع مضى في اتجاه آخر: حرب باردة قسمت العالم بين معسكرين، أمريكي وسوفياتي، يرفع كل واحد منهما راية المبادئ فيما يتصارعان على النفوذ. ولأن المواجهة المباشرة كانت تعني احتمال الفناء النووي، تحولت الأرض إلى مسرح حروب بالوكالة؛ تُقاتَل الشعوب فيها نيابة عن الكبار، وتُستنزف أوطانٌ كاملة كي لا يخسر الكبار توازن الرعب..
فلسطين… وعدٌ استعماري ومأساة مستمرة
في قلب هذا التاريخ المثقل بالمآسي، يبرز وعد بلفور كواحد من أكثر القرارات السياسية إثارة للجدل، حين منحت بريطانيا، وهي قوة استعمارية، وعدًا لا تملك لمن لا يستحق، على أرض يسكنها شعب حيّ بتاريخ وهوية. لم يكن اختيار فلسطين اعتباطيًا؛ فموقعها الاستراتيجي الرابط بين آسيا وإفريقيا، وقربها من طرق التجارة العالمية وقناة السويس، جعلها هدفًا مثالياً لمشروع استيطاني يخدم مصالح الإمبراطوريات الكبرى آنذاك. ومع نهاية الانتداب البريطاني، تم إعلان إعلان قيام دولة إسرائيل فوق أرض فلسطين، لتبدأ واحدة من أطول مآسي القرن الحديث: شعب يُقتل ويُهجَّر ويُجرَّد من أرضه وحقوقه، في مشاهد من التنكيل والتشريد لا تزال مستمرة منذ أكثر من سبعة عقود. ملايين الفلسطينيين تحولوا إلى لاجئين داخل وطنهم وخارجه، وقرى بكاملها مُسحت من الوجود، فيما تتوالى فصول القمع والحصار والاقتحامات. ومع ذلك، لم تنكسر الإرادة؛ فكل يوم تولد موجة جديدة من الأحلام الفلسطينية، تصطدم بجدار صلب من القوة العسكرية والسياسية المدعومة من كبريات القوى العالمية، لكنها لا تموت. إنها مقاومة الوجود في وجه محاولات المحو، وصمود شعب يكتب بدمه حكاية حقٍّ لم يسقط بالتقادم، مهما طال زمن الظلم.
1907… بين الغياب الوثائقي والحضور الواقعي
وفي سياق تشكّل الخرائط الخفية للصراع، كثيرًا ما يُستحضر ما يُعرف بـ“مؤتمر 1907” المنسوب إلى رئيس الوزراء البريطاني هنري كامبل بنرمان، باعتباره لحظة مفصلية في التفكير الاستعماري الأوروبي تجاه المنطقة العربية. غير أن الإنصاف العلمي يقتضي التوضيح: لا يوجد توثيق تاريخي رسمي مؤكد لقرارات مؤتمر بهذا الاسم أو بتلك المضامين، كما تُروَّج في بعض الأدبيات، وهو ما يجعلها أقرب إلى قراءة تحليلية أو سردية تفسيرية أكثر من كونها وثيقة أرشيفية مثبتة. لكن، ورغم هذا الغياب في التوثيق المباشر، فإن ما يُنسب لذلك التصور من أفكار—تفكيك المنطقة، منع وحدتها، وإبقاء شعوبها في حالة ضعف وتبعية—يكاد يتجسد بوضوح في مسار السياسات الاستعمارية الأوروبية لاحقًا، من اتفاقيات التقسيم مثل اتفاقية سايكس بيكو، إلى أنماط الانتداب وإعادة رسم الحدود، وصولاً إلى دعم كيانات وظيفية تُبقي التوازنات مختلة. وهنا تكمن المفارقة: قد يغيب “النص” المؤرخ، لكن “الممارسة” على الأرض تبدو وكأنها تُجسّد روحه؛ واقعٌ عربي ممزق، وحدود صنعتها مصالح الخارج، ومشاريع نهضة تُجهض قبل اكتمالها، بما يعزز شعورًا متجددًا بأن التفتيت لم يكن صدفة تاريخية، بل نتيجة سياسات طويلة الأمد، سواء وُثِّقت في مؤتمر واحد أو توزعت على قرارات ووقائع متعددة عبر الزمن.
في كوريا، جرى الحديث عن “صدّ الشيوعية” و”حماية الشرعية الدولية”، لكن الحرب خلّفت نحو مليوني كوري وستمائة ألف صيني وقرابة 37 ألف أمريكي قتلى، وكانت نسبة المدنيين فيها مروعة إلى حد أن أكثر من نصف الضحايا كانوا من المدنيين. وفي فيتنام، بيعت الحرب للرأي العام تحت عنوان “منع سقوط الدومينو الشيوعي”، بينما انتهت بعد سنوات طويلة بخسائر أمريكية تجاوزت 58 ألفاً، ومستنقع أخلاقي وسياسي وعسكري لا يزال يلاحق صانعيه. هنا لم تنتصر الإنسانية، بل انتصرت ماكينة تبرير الحرب إلى أن انهزمت على الأرض.
وفي الشرق الأوسط، لم تكن الحروب أقل عرياً. الحرب العراقية الإيرانية استمرت من 1980 إلى 1988، وخلفت ما بين مليون ومليوني ضحية بين قتيل وجريح بحسب التقديرات، واستنزفت البلدين وفتحت الباب لمزيد من التسلح والخراب. ثم جاءت حرب الخليج بعد غزو الكويت، وسط حديث عن الشرعية الدولية، لكن النفط، والممرات الاستراتيجية، وإعادة رسم موازين القوة في المنطقة كانت حاضرة بقوة في خلفية المشهد. وبعدها بسنوات، بُررت حرب العراق 2003 بأسلحة دمار شامل لم يُعثر عليها، وبصلة مزعومة بالإرهاب بقيت موضع طعن واسع، بينما انتهت الحرب إلى احتلال وتمرد طويل وفوضى ساهمت في زعزعة المنطقة كلها.
أما حروب ما بعد 11 سبتمبر/أيلول، فقد قُدمت للعالم بوصفها حرباً على الإرهاب، لكنها في حصيلتها الإنسانية كشفت مرة أخرى أن القوة العسكرية لا تبني سلاماً عادلاً. مشروع “Costs of War” في جامعة براون قدّر أن أكثر من 940 ألف شخص قُتلوا مباشرةً في حروب ما بعد 2001 في العراق وأفغانستان وسوريا واليمن وباكستان، بينهم أكثر من 432 ألف مدني، فيما تبقى الوفيات غير المباشرة بسبب تدمير الصحة والاقتصاد والبنية التحتية أكبر بكثير. هذه ليست “أضراراً جانبية”، بل هي جوهر الفشل الأخلاقي للحرب الحديثة.
ثم جاءت العقود الأخيرة لتؤكد أن العالم لم يغادر منطق الغنيمة. القانون موجود، لكن القوة أقوى منه. المؤسسات الدولية حاضرة، لكن نفوذ الدول الكبرى يطغى عليها. الديمقراطية تُرفع شعاراً حين تخدم المصالح، وتُنسى حين تتعارض مع النفط أو السلاح أو الأسواق أو الجغرافيا السياسية. ولهذا لا تبدو الحروب مجرد انفجارات غضب بين خصوم؛ إنها كثيراً ما تكون صناعة منظمة: تُختلق لها سردية أخلاقية، ويُجهَّز لها عدو مناسب، ثم تُباع للشعوب باعتبارها ضرورة، قبل أن ينكشف أنها كانت وسيلة للهيمنة، واستنزاف الثروات، وإخضاع الأنظمة، وتطويع الشعوب. وحتى اليوم، تشير اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى أن عدد النزاعات المسلحة حول العالم تجاوز 120-130 نزاعاً، بما يعكس اتساع دائرة العنف وعجز النظام الدولي عن كبحها.
الحقيقة المُرّة أن العالم لا يُحكم بعدالة متساوية، بل بقانون قوةٍ غير ديمقراطي: من يملك السلاح الأقوى يملك حق تعريف العدو، وحق كتابة الرواية، وحق توزيع الإدانات، وحق النجاة من العقاب. الغنيمة للقوى العظمى، أما الفاتورة فتدفعها الدول الضعيفة: دماءً، ومجاعات، وديوناً، ونزوحاً، وأجيالاً مكسورة. هكذا تبدو الحروب في كثير من صورها الحديثة: ليست معارك من أجل القيم، بل مشاريع نفوذ تُدار فوق جماجم البشر.
لهذا، فإن إدانة مفتعلي الحروب ليست ترفاً خطابياً، بل موقف أخلاقي وتاريخي. يجب أن يُقال بوضوح: كثير من الحروب الكبرى لم تكن صادقة في مبرراتها، حتى حين احتوت على جزء من الحقيقة. كانت تُقدَّم كمعارك دفاع، بينما تحمل في أحشائها أطماعاً في السيطرة، أو الثأر، أو الموارد، أو تثبيت الزعامة. والحصيلة الثابتة تقريباً واحدة: تُقتل الحقيقة أولاً، ثم يُقتل الناس بعدها.
عالم بلا عدالة… بل بمنطق القوة
اليوم، لا يزال العالم يعيش على إيقاع هذا المنطق: قانون القوة لا قوة القانون. تُرفع شعارات الديمقراطية حين تخدم المصالح، وتُنسى حين تتعارض معها. تُشعل الحروب باسم الأمن، بينما تخفي وراءها أطماع السيطرة واستنزاف الثروات.
الغنيمة للقوى الكبرى، والخسارة للشعوب الضعيفة: دماء، نزوح، فقر، وضياع أجيال. هكذا تُدار كثير من الحروب: مشاريع نفوذ تُنفذ فوق جماجم الأبرياء.
من قابيل وهابيل إلى الحروب العالمية، والحروب الباردة والساخنة ...إلى حروب النفط والإرهاب والوكالة.. من فلسطين إلى حروب القرن، لم يتغير جوهر الصراع. ظل الإنسان يبدّل أسماء الحروب ويُبقي جوهرها نفسه: الطمع حين يتسلح، والهيمنة حين تتوحش، والنفاق حين يكتب بلاغات القصف. ولن يصبح العالم أكثر إنسانية إلا يوم يُنتزع حق إشعال الحروب من أيدي الكبار، ويُعاد الاعتبار للديمقراطية الحقة، التي لا مكانة. لحق (الڤيتو) داخل مجالسها ط.
لن يتغير العالم إلا حين يُستبدل ميزان القوة بميزان العدالة… وحين يُحاسب صُنّاع الحروب، لا ضحاياها..
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟