أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الصحة والسلامة الجسدية والنفسية - بوشعيب حمراوي - حدائق مدرسية أم متاحف للنفايات؟















المزيد.....

حدائق مدرسية أم متاحف للنفايات؟


بوشعيب حمراوي

الحوار المتمدن-العدد: 8661 - 2026 / 3 / 29 - 16:13
المحور: الصحة والسلامة الجسدية والنفسية
    


حين تتحول التربية البيئية إلى تزيين بالمتلاشيات
بقلم: بوشعيب حمراوي

قد يخيل للبعض أن إثارة موضوع استعمال الإطارات المطاطية المتلاشية والقنينات والأجهزة البلاستيكية المستعملة في تزيين حدائق الأحياء السكنية والمؤسسات التعليمية يدخل في باب المبالغة أو حتى الهذيان البيئي. فالمشهد أصبح مألوفاً إلى درجة أن كثيرين لم يعودوا يرون فيه أي تناقض، بل إن الإجماع شبه الكامل لدى بعض رواد البيئة صار يميل إلى تشجيع هذه المبادرات باعتبارها شكلاً من أشكال محاربة التلوث وإعادة استعمال النفايات.
ألم يحن الوقت للتوقف قليلاً ومراجعة هذه الممارسات؟
فالمفارقة الصارخة أن ما يُقدَّم أحياناً على أنه مبادرات بيئية قد يتحول في الواقع إلى مصدر جديد للتلوث، حين يجري إدخال الإطارات المطاطية المتلاشية والقنينات البلاستيكية وأجهزة البلاستيك المختلفة المستعملة والملقاة في القمامة، إلى قلب الفضاءات الخضراء، بل إلى حدائق المدارس التي يقضي فيها الأطفال ساعات طويلة يومياً. وتحت يافطة (حماية البيئة) يتم تحويل هذه النفايات إلى مزهريات أو مقاعد أو طاولات بعد تلوينها بألوان جذابة تتناسق مع الديكور العام، دون أن يُطرح السؤال الأساسي حول طبيعة المواد الكيميائية التي تحتويها هذه المنتجات وما قد تفرزه مع مرور الزمن. فالعلم يؤكد أن البلاستيك والمطاط من أكثر المواد الصناعية مقاومة للتحلل في الطبيعة؛ إذ قد تحتاج القنينة البلاستيكية المصنوعة من مادة البولي إيثيلين تيرفثالات إلى ما بين 400 و500 سنة حتى تتحلل، بينما قد تبقى أدوات البلاستيك ذات الاستعمال الواحد ما بين 200 و400 سنة، في حين قد يستغرق تفكك العجلات المطاطية أكثر من مئة سنة، وغالباً لا تتحلل بالكامل بل تتحول تدريجياً إلى جزيئات دقيقة تعرف بالميكروبلاستيك تنتشر في التربة والهواء والمياه وتدخل السلسلة الغذائية للإنسان والحيوان.
ولا يتعلق الأمر بطول مدة التحلل فقط، بل أيضاً بطبيعة المواد التي يتكون منها المطاط والبلاستيك. فالإطار المطاطي الواحد يتكون من أكثر من عشرين مادة كيميائية، من بينها المطاط الطبيعي والصناعي والبوليستر والنايلون والكبريت وسواد الكربون والزيوت والأصماغ، إضافة إلى الألياف والأسلاك المعدنية. وقد أضيف الكبريت إلى صناعة الإطارات منذ اختراع الإطار المطاطي الهوائي سنة 1888 على يد الطبيب البيطري الاسكتلندي جون بويد دانلوب، حيث يؤدي التفاعل الكيميائي الناتج عن إضافته إلى جعل الإطار أكثر صلابة ومقاومة للعوامل الطبيعية، لكنه في المقابل يجعل تفكيكه أو تحلله أمراً شديد التعقيد. ومع مرور الزمن، وخصوصاً تحت تأثير الحرارة المرتفعة وأشعة الشمس المباشرة، تبدأ هذه المواد في إطلاق مركبات كيميائية وغازات قد تكون ضارة بالبيئة والصحة العامة. كما أن مياه الأمطار أو مياه السقي قد تتسبب في تسرب بعض هذه المركبات إلى التربة واختلاطها بالأتربة والغبار المحيط بها. وفي فضاءات يقضي فيها الأطفال وقتاً طويلاً، قد يؤدي الاحتكاك المباشر بهذه المواد أو استنشاق الغازات والروائح المنبعثة منها إلى مخاطر صحية محتملة، خاصة وأن الأطفال أكثر حساسية للتلوث البيئي بسبب ضعف جهازهم المناعي مقارنة بالكبار، كما أن معدل تنفسهم بالنسبة لوزن أجسامهم أعلى، ما يجعلهم يستنشقون كمية أكبر من الملوثات المحمولة في الهواء أو الغبار. ومن هنا فإن إدخال هذه المتلاشيات إلى الفضاءات المدرسية قد يعرض الأطفال، بشكل غير مباشر، لملامسة أو استنشاق مركبات كيميائية وجزيئات بلاستيكية دقيقة، وهو ما يتعارض مع الهدف الأساسي للتربية البيئية التي يفترض أن توفر بيئة صحية وآمنة للنشء. ومع ذلك، لا تزال بعض المؤسسات التعليمية التي تحمل صفة “مدارس إيكولوجية” أو التي حصلت على شارات بيئية مثل اللواء الأخضر أو الشهادات الفضية والبرونزية تعتمد على هذه الإطارات والقنينات البلاستيكية في تزيين حدائقها ومسالكها الداخلية.
فهل تحولت التربية البيئية إلى مجرد ديكور؟
إن المشكلة لا تكمن فقط في استعمال هذه المتلاشيات، بل أيضاً في الرسالة التربوية التي تُرسل إلى التلاميذ. فحين يرى الطفل أن النفايات البلاستيكية والمطاطية أصبحت جزءاً من المشهد الطبيعي داخل المدرسة، قد يترسخ لديه تصور خاطئ مفاده أن البيئة يمكن أن تتعايش مع النفايات دون مشكلة، بينما الحقيقة العلمية تؤكد أن الحل الحقيقي يكمن في تقليل إنتاج النفايات وإعادة تدويرها بطريقة صناعية آمنة وليس إدخالها مباشرة إلى الفضاءات الطبيعية. ومن المفارقات أن العالم اليوم يعاني من أزمة متزايدة بسبب تراكم الإطارات المطاطية؛ إذ يتم التخلص من مليارات الإطارات سنوياً عبر العالم، وفي المغرب يمكن رؤية آلاف منها ملقاة في الغابات والوديان والسهول أو مكدسة قرب ورشات إصلاح السيارات.
ويواجه العالم صعوبات كبيرة في التخلص من هذه المتلاشيات؛ فحرقها يطلق مواد سامة قد تكون مسرطنة أو قادرة على إحداث تغييرات جينية، بينما قد يؤدي طمرها في باطن الأرض إلى تلويث التربة والمياه الجوفية. ومع ذلك ظهرت مبادرات علمية واعدة لإيجاد حلول بديلة، من بينها تجربة المغربي مصطفى زهوان الذي تمكن سنة 2007 من ابتكار طريقة لتحويل المتلاشيات البلاستيكية إلى خليط سائل يستعمل في صناعة مواد صباغة ذات جودة عالية لعلامات التشوير الأرضية والطرقات، كما يمكن إضافته إلى مادة الزفت بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة لزيادة صلابة الطرق ومنع تشققها وتسرب مياه الأمطار إليها، خصوصاً في المناطق ذات الحرارة المرتفعة.
ومثل هذه الابتكارات تؤكد أن الحلول البيئية الحقيقية لا تكمن في نقل النفايات من مكان إلى آخر، بل في تطوير طرق علمية لمعالجتها وتحويلها إلى مواد نافعة دون الإضرار بالبيئة أو صحة الإنسان. فالتربية البيئية داخل المؤسسات التعليمية ينبغي أن تقوم على أسس علمية واضحة، عبر غرس الأشجاروالأزهار المحلية وتعليم التلاميذ الزراعة البيئية وفرز النفايات وصناعة السماد الطبيعي واستعمال مواد طبيعية مثل الخشب والحجر والفخار في تهيئة الحدائق المدرسية. أما تحويل هذه الحدائق إلى فضاءات مليئة بالإطارات المطاطية والقنينات البلاستيكية المتلاشية فقد يبدو جميلاً في ظاهره، لكنه في العمق يكرس ثقافة التعايش مع النفايات بدل العمل على تقليصها. ولذلك ربما حان الوقت لمراجعة بعض المفاهيم المرتبطة بالتربية البيئية ومعايير منح الشارات البيئية للمؤسسات التعليمية، لأن البيئة ليست مسألة ألوان زاهية أو أشكال مبتكرة من النفايات، بل هي قبل كل شيء وعي علمي وسلوك مسؤول يحمي الطبيعة وصحة الإنسان. فالأطفال الذين نريد أن نربيهم على حب البيئة يستحقون حدائق مدرسية حقيقية… لا حدائق مصنوعة من البلاستيك والمطاط.
أطفال في طور صقل المناعة يواجهون التلوث والتسمم

لا يقتصر الأمر على الأثر البيئي العام لهذه المتلاشيات، بل يمتد أيضاً إلى ما قد يتعرض له الأطفال من مخاطر صحية مباشرة وهم في طور صقل المناعة ضد الأمراض و الأوبئة والسموم الناجمة عن التلوث. نتيجة الاحتكاك بتلك المتلاشيات البلاستيكية،أو اللعب بالقرب منها. فالإطارات المطاطية والقنينات البلاستيكية ليست مواد خاملة غير نشطة كيميائياً أو بيولوجياً، كما قد يبدو في ظاهرها.
بل تحتوي على مركبات كيميائية مختلفة مثل الزنك والهيدروكربونات العطرية وبعض المضافات الصناعية التي قد تتحرر تدريجياً مع مرور الوقت، وتتفاعل مع المواد الأخرى ولا تتحلل بسهولة.
وعند ارتفاع درجات الحرارة في فصل الصيف، أو بفعل أشعة الشمس المباشرة، يمكن أن تنبعث من بعض هذه المواد روائح ومركبات عضوية متطايرة قد يستنشقها الأطفال أثناء اللعب أو الجلوس بالقرب منها. كما أن مياه الأمطار أو مياه السقي قد تتسبب في تسرب بعض هذه المركبات إلى التربة، لتختلط بالأتربة والغبار المحيط بها. ومع احتكاك الأطفال المتكرر بالأرض أو بتلك المواد المستعملة في التزيين، قد تنتقل الجزيئات البلاستيكية أو المطاطية الدقيقة إلى أيديهم وملابسهم، أو تتحول إلى غبار دقيق يمكن استنشاقه بسهولة. وتؤكد العديد من الدراسات البيئية أن الأطفال أكثر حساسية لهذه الملوثات من الكبار، لأن جهازهم المناعي لا يزال في طور النمو، كما أن معدل تنفسهم أعلى مقارنة بوزن أجسامهم، ما يجعلهم يستنشقون كمية أكبر من الملوثات الموجودة في الهواء أو الغبار. ومن هنا فإن إدخال هذه المتلاشيات إلى فضاءات يقضي فيها الأطفال وقتاً طويلاً يومياً قد يعرضهم بشكل غير مباشر لملامسة أو استنشاق مركبات كيميائية وجزيئات بلاستيكية دقيقة، وهو ما يتعارض مع الهدف الأساسي للتربية البيئية التي يفترض أن توفر بيئة صحية وآمنة للنشء.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بمناسبة اليوم العالمي للمسرح – 27 مارس أبو الفنون في المغرب… ...


المزيد.....




- هجوم من اليمن يستهدف إيلات وتنديد أممي بانخراط الحوثيين في ا ...
- هل تكرر أمريكا كارثة أوروبا في 1914؟
- عاجل | نيويورك تايمز: وصول المئات من أفراد قوات العمليات الخ ...
- الأكبر في تاريخ إسرائيل.. الكنيست يقرّ ميزانية الدفاع 2026
- ترامب: المفاوضات مع إيران تسير على نحو جيد
- الأردن يواجه مخاوف ارتفاع أسعار السلع بتدخل حكومي يشمل عقوبا ...
- الجيش الإسرائيلي يعلق عمل كتيبة ضالعة في الاعتداء على طاقم C ...
- بعد اعتراض مسيّرات إيرانية.. لندن تمنح لقبًا عسكريًا استثنائ ...
- الجميع خاسر.. مفكر أمريكي يرسم السيناريو الأخطر للحرب للمنطق ...
- خبير عسكري: إسرائيل تريد منطقة عازلة خالية من السكان جنوبي ل ...


المزيد.....

- عملية تنفيذ اللامركزية في الخدمات الصحية: منظور نوعي من السو ... / بندر نوري
- الجِنْس خَارج الزَّواج (2/2) / عبد الرحمان النوضة
- الجِنْس خَارج الزَّواج (1/2) / عبد الرحمان النوضة
- دفتر النشاط الخاص بمتلازمة داون / محمد عبد الكريم يوسف
- الحكمة اليهودية لنجاح الأعمال (مقدمة) مقدمة الكتاب / محمد عبد الكريم يوسف
- الحكمة اليهودية لنجاح الأعمال (3) ، الطريق المتواضع و إخراج ... / محمد عبد الكريم يوسف
- ثمانون عاما بلا دواءٍ أو علاج / توفيق أبو شومر
- كأس من عصير الأيام ، الجزء الثالث / محمد عبد الكريم يوسف
- كأس من عصير الأيام الجزء الثاني / محمد عبد الكريم يوسف
- ثلاث مقاربات حول الرأسمالية والصحة النفسية / سعيد العليمى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الصحة والسلامة الجسدية والنفسية - بوشعيب حمراوي - حدائق مدرسية أم متاحف للنفايات؟