بوشعيب حمراوي
استاذ كاتب وصحفي
(Bouchaib Hamraouy)
الحوار المتمدن-العدد: 8677 - 2026 / 4 / 14 - 19:28
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
أبدأ من الحقيقة التي لا يمكن لأي خطاب سياسي أن يُلغيها، ولا لأي قرار ظرفي أن يمحوها: الجوار قدر، والتاريخ ذاكرة مشتركة، والدين رابط روحي لا يخضع للمساومة. وحين تجتمع هذه العناصر بين دولتين جارتين، فإن العلاقة بينهما لا تكون خياراً سياسياً قابلاً للتغيير، بل مسؤولية حضارية وأخلاقية، تفرض نفسها على الحاضر، وتُلزم المستقبل. بل إن هذه الروابط المتينة يمكنها حتى محو لفظ الدولتين. والتفكير في الاندماج والانصهار داخل بلد واحد.
الشعب هو من يحدد الروابط ويفرض القطيعة .. وليس النظام
ليست العلاقات بين الدول الجارة مجرد اتفاقيات موقعة أو مصالح ظرفية عابرة، بل هي بناءٌ حضاري عميق، يتأسس على الجغرافيا المشتركة، ويتقوّى بالتاريخ، ويتغذى من روابط الدين والثقافة والدم. فحين يكون شعبان شقيقان، يتقاسمان نفس الإرث الروحي، ونفس الذاكرة الجماعية، ونفس الأحلام المؤجلة، فإن أي توتر في العلاقات الرسمية بين الدولتين لا يكون سوى نشازٍ عابر في سيمفونية الأخوّة.
العلاقات الطبيعية بين دولتين جارتين، خصوصاً حين تجمعهما روابط دينية وتاريخية، يجب أن تُبنى على أسس الاحترام المتبادل، والتكامل الاقتصادي، والتعاون الأمني، والانفتاح الثقافي. فهذه الدول لا تملك رفاهية القطيعة، لأن ما يجمعها أكبر بكثير مما قد يفرقها.
إن الشعوب، في عمقها، لا تعترف بالحدود السياسية بقدر ما تعترف بروابط الانتماء. فالدين الواحد، واللغة المشتركة، والعادات المتقاربة، والتاريخ المتداخل، كلها تجعل من هذه الشعوب جسداً واحداً، مهما حاولت السياسة أن ترسم بينها خطوطاً فاصلة.
ليس منطقيا أن نغلب حدودا رسمها الاستعمار على روابط تاريخية
ليس منطقياً، ولا مقبولاً، أن تتحول حدود رسمها الاستعمار أو فرضتها توازنات سياسية إلى جدران نفسية تعزل شعبين شقيقين، يتقاسمان نفس الدعاء، ونفس الحزن، ونفس الفرح. وليس من الطبيعي أن تُختزل علاقة عمرها قرون في بلاغ دبلوماسي أو موقف سياسي عابر، مهما كانت مبرراته أو خلفياته. لأن ما بين الشعوب أعمق بكثير مما بين الأنظمة، وما بين القلوب لا يمكن أن تفصله قرارات تُكتب في لحظة توتر أو حسابات ضيقة.
إن العلاقة التي يجب أن تكون بين دولتين جارتين، خصوصاً حين يجمعهما الدين والتاريخ والدم، هي علاقة تكامل لا تنافس، علاقة ثقة لا شك، علاقة بناء لا هدم. علاقة تُدرك أن أمن كل دولة هو امتداد لأمن الأخرى، وأن استقرار إحداهما شرط لاستقرار الثانية، وأن أي خلل في هذه المعادلة لا يصيب طرفاً دون آخر، بل يرتد على الجميع دون استثناء.
غير أن ما نعيشه في كثير من السياقات، يطرح سؤالاً مؤلماً: كيف يمكن لعلاقة بهذه العمق أن تنحرف عن مسارها الطبيعي؟ وكيف يمكن لمنطق الأخوة أن يُستبدل بمنطق التوجس؟ وكيف تتحول الجغرافيا من نعمة إلى عبء، ومن فرصة إلى تهديد؟
الجواب، وإن كان معقداً في تفاصيله، إلا أنه واضح في جوهره. حين تختار بعض الأنظمة أن تجعل من التوتر أداة حكم، ومن الخصومة وسيلة تعبئة، فإنها لا تُدير علاقاتها الخارجية بقدر ما تُدير أزماتها الداخلية. فتبحث عن (عدو) خارج الحدود لتُخفي به أعطاب الداخل، وتُصدّر أزماتها بدل أن تواجهها، وتُحمّل الآخر مسؤولية ما لا تستطيع إصلاحه داخلياً.
وفي هذا السياق، تُصبح القطيعة قراراً سياسياً يُسوَّق باعتباره دفاعاً عن السيادة، بينما هو في كثير من الأحيان هروب من مساءلة داخلية. وتُصبح الحملات الإعلامية وسيلة لصناعة رأي عام مُعبّأ، بدل أن تكون فضاءً للحقيقة والنقاش المسؤول. ويُصبح التاريخ، الذي كان يفترض أن يكون جسراً، أداةً للانتقاء والتوظيف، تُستحضر منه فقط اللحظات التي تُغذي الخلاف، ويُغيب ما عداها من محطات الأخوة والتضامن.
لماذا تنحرف العلاقات عن مسارها الطبيعي؟
غير أن الواقع، في كثير من الأحيان، يكشف عن اختلالات عميقة في هذه العلاقات، حيث تتحول الجغرافيا من عامل تقارب إلى مجال توتر، ويُستبدل منطق الأخوة بمنطق الشك والريبة.
وتقف وراء هذا الانحراف عدة أسباب، من أبرزها :
تغليب الحسابات السياسية الضيقة: حين تُختزل العلاقات في رهانات ظرفية أو صراعات داخلية، تُصبح الدولة أسيرة لقرارات لا تعكس إرادة شعوبها.
توظيف القضايا الخلافية لأغراض إيديولوجية: حيث يتم تضخيم الخلافات وتحويلها إلى أدوات تعبئة، بدل البحث عن حلول عقلانية لها.
الخوف من الاستقرار الداخلي: بعض الأنظمة تلجأ إلى خلق عدو خارجي لتبرير اختلالاتها الداخلية، وصرف انتباه شعوبها عن قضايا التنمية والعدالة.
تدخلات خارجية: لا يمكن إغفال دور بعض القوى التي تستفيد من استمرار التوتر، وتعمل على تغذيته بطرق مباشرة أو غير مباشرة.
كيف نُعيد العلاقات إلى مسارها الطبيعي؟
إن إعادة بناء العلاقات بين دولتين جارتين لا يتطلب معجزات، بل إرادة صادقة، ورؤية بعيدة المدى، وإشراكاً حقيقياً للشعوب في صياغة المستقبل المشترك.ومن بين السبل الكفيلة بذلك:
تعزيز الدبلوماسية الشعبية: من خلال تشجيع التبادل الثقافي، والرياضي، والأكاديمي، وفتح قنوات التواصل بين المجتمع المدني في البلدين.
فصل الخلافات السياسية عن العلاقات الإنسانية: فلا ينبغي أن تُدفع الشعوب ثمن خلافات لا يد لها فيها.
إطلاق مشاريع اقتصادية مشتركة: لأن المصالح المتبادلة تُحصّن العلاقات وتُقلل من فرص التوتر.
تحصين الوعي المجتمعي: عبر الإعلام والتربية، لمواجهة خطاب الكراهية، وترسيخ ثقافة الأخوة والتعايش.
الضغط الإيجابي على صناع القرار: من خلال النخب الفكرية والإعلامية، للدفع نحو سياسات أكثر انفتاحاً وتعاوناً.
لكن، ورغم كل ذلك، تبقى الشعوب أكبر من كل هذه الحسابات، وأعمق من كل هذه الاصطفافات. لأن الشعوب لا تنظر إلى الجار كخصم، بل كامتداد. لا تراه تهديداً، بل سنداً. لا تتعامل معه بمنطق الربح والخسارة، بل بمنطق المصير المشترك.
الشعوب تدرك، بفطرتها وتجربتها، أن القطيعة لا تبني اقتصاداً، ولا تُحقق تنمية، ولا تُوفر فرصاً، بل تُغلق الأبواب وتُضيق الآفاق. تدرك أن إغلاق الحدود ليس مجرد قرار إداري، بل جرح إنساني يُصيب العائلات قبل الدول، ويُفرق بين الإخوة قبل أن يُفرق بين المصالح. وتدرك أن التوتر الدائم لا يُنتج إلا مزيداً من الهدر: هدر في الفرص، في الطاقات، في الزمن، وفي الأمل.
ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي لا يجب أن يكون على منطق القطيعة، بل على قوة الوعي الشعبي. على قدرة الشعوب على التمييز بين ما يُراد لها أن تصدقه، وما يجب أن تؤمن به. على رفضها أن تكون أداة في صراعات لا تخدمها، وعلى تمسكها بروابطها التي لم تصنعها السياسة حتى تُفسدها.
إن التصدي لهذا الواقع لا يكون بالشعارات، بل بالفعل الواعي والمسؤول. يبدأ من الإعلام، حين يتحرر من منطق الاصطفاف، ويختار أن يكون جسراً لا جداراً. يمر عبر النخب الفكرية، حين ترفع صوت العقل، وتُعيد النقاش إلى مستواه الحقيقي، بعيداً عن التبسيط والتحريض. ويتجسد في المجتمع المدني، حين يُبادر إلى خلق فضاءات للتواصل والتعاون، تتجاوز الحدود الرسمية، وتُعيد الاعتبار للعلاقات الإنسانية.
كما أن الدفع نحو ما يجب أن يكون، يقتضي أيضاً إعادة تعريف مفهوم السيادة، ليس باعتبارها انغلاقاً، بل قدرة على بناء شراكات متوازنة. ويقتضي إعادة ترتيب الأولويات، بحيث تُصبح التنمية المشتركة، وخلق فرص العمل، وتحسين ظروف العيش، هي البوصلة التي تُوجه السياسات، بدل الحسابات الضيقة التي لا تُنتج إلا التوتر.
إن التاريخ لن يرحم من يُهدر فرص التقارب، كما لن يُنصف من يختار طريق القطيعة وهو يعلم كلفتها. لأن الشعوب، في النهاية، ستسأل: ماذا ربحنا من هذا التباعد؟ وماذا خسرنا من هذا الانغلاق؟ وستكتشف، عاجلاً أو آجلاً، أن ما ضاع كان أكبر بكثير مما كان يُتصور.
ولذلك، فإن الدعوة اليوم ليست مجرد موقف، بل ضرورة. ضرورة العودة إلى منطق الأخوة، لا كشعار، بل كمشروع. ضرورة إعادة بناء الثقة، لا كتكتيك، بل كخيار استراتيجي. ضرورة فتح الأبواب، لا كتنازل، بل كاستثمار في المستقبل.
لأن الحقيقة التي يجب أن تُقال، مهما كانت قاسية، هي أن الشعبين الشقيقين لا يمكن أن يكونا عدوين، حتى وإن اختلفت الأنظمة. وأن ما يجمعهما سيبقى أقوى من كل ما يُحاول أن يُفرقهما. وأن المستقبل، إن لم يُبنَ معاً، فلن يُبنى على الإطلاق. هي نداء للعقل قبل العاطفة، وللحكمة قبل الانفعال، وللمستقبل قبل الحاضر.
بين ما هو كائن… وما يجب أن يكون
إن الواقع قد يفرض أحياناً حالات من التوتر أو القطيعة، لكن ما يجب أن يكون يظل هو البوصلة. فالعلاقات بين الشعوب لا تُقاس بلحظة سياسية عابرة، بل تُقاس بعمق التاريخ، وبحجم المصير المشترك.
وإذا كانت بعض الأنظمة قد تختار طريق الانغلاق، فإن الشعوب، بوعيها وإرادتها، قادرة على تصحيح المسار، وإعادة بناء الجسور، لأن المستقبل لا يُبنى بالكراهية، بل بالتعاون.
في النهاية، تظل الحقيقة الثابتة أن الجوار قدر، والأخوة مسؤولية، والتاريخ شاهد لا يرحم. ومن يراهن على القطيعة، إنما يراهن على خسارة مزدوجة، بينما من يختار طريق التقارب، فإنه يفتح أبواب الأمل أمام أجيال قادمة، تستحق أن تعيش في فضاء من الوحدة والتكامل، لا في ظل الانقسام والتناحر.
إنها دعوة صادقة… للعودة إلى الأصل، حيث نكون شعوبٌ واحدة، بقلوب متعددة… لكنها تنبض بنفس الحلم.
#بوشعيب_حمراوي (هاشتاغ)
Bouchaib_Hamraouy#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟