أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - بوشعيب حمراوي - اللمة تغذي جذور الوطن














المزيد.....

اللمة تغذي جذور الوطن


بوشعيب حمراوي
استاذ كاتب وصحفي

(Bouchaib Hamraouy)


الحوار المتمدن-العدد: 8672 - 2026 / 4 / 9 - 20:55
المحور: الادب والفن
    


بقلم : بوشعيب حمراوي

ليست الأزمات التي تحاصرنا اليوم قدَرًا أعمى، بل صنيعة أيدينا حين أفرغنا طاقتنا في صناعة البؤس، ودرّبنا أنفسنا على تغذية اليأس، ونسينا عن وعي أو غفلة، أن جزءًا يسيرًا من هذا الجهد كان كفيلًا ببناء الكرامة وتشييد السعادة وزرع المحبة بيننا.
اعتدنا أن نرى بعيون الغضب قبل عقولنا وقلوبنا، وأن نسترق السمع لما لا يعنينا، وأن نغوص في مشاكل غيرنا لا لنحلّها بل لنزيدها تعقيدًا. هكذا تحوّل الفضول إلى أذى، والاختلاف إلى خصومة، والنقد إلى معول هدم.. إلى تصفية حسابات، والفضول إلى سلوك عدائي يفتك بالنسيج الاجتماعي.
للأسف، تعلّمنا أن نحتضن الغريب ونُهمل القريب، وأن نترك الأبواب بلا حسيب ولا رقيب. قيمٌ قد تُصيب وقد تُخيب، لكنها تصبح خطرًا داهمًا حين تتكاثر الخيانات ويتربّص بالوطن متربّصون؛ عندها لا بدّ من التدقيق والبحث والتنقيب، لا بدّ من ميزان يزن النوايا قبل الأفعال، ويضع المصلحة العامة فوق كل اعتبار.
وفي خضم هذا الغليان، نسينا أن نقتطع قسطًا صغيرًا من غلّنا لمواجهة أعدائنا الحقيقيين، وأن نمنح بعضنا بعضًا وقتًا للتسامح والتلاحم والتفاهم. نسينا أن سمومنا إن أحسنا توجيهها، قد تتحوّل إلى أسلحة تحمينا وتُرهب خصومنا، لا إلى سهامٍ نغرسها في ظهور بعضنا فنضعف ونتشتّت.
اللمة الشعبية ليست شعارًا عابرًا، بل صمّام الأمان لكل مشروع وطني. هي الضمانة الوحيدة لإيقاف زحف الفساد والاستبداد، وهي الشرط الأول لأي تغيير نحو الأفضل. التغيير لا يبدأ من الخارج، بل من داخلنا: من إعادة شحن الثقة، وترميم الجسور، وتمتين الصفوف. هكذا فقط يتحوّل الغضب إلى طاقة بناء، والاختلاف إلى ثراء، والنقد إلى إصلاح.
ولأن الإيمان ليس طقسًا معزولًا بين جدران المساجد، فقد نسينا أن رضا الله يسكن أيضًا الأزقة الهامشية والقرى النائية، حيث يئنّ الناس من قسوة العيش وظلم البشر. هناك أبواب مفتوحة ليل نهار، تنتظر من يقتحمها ليغيّر حياة من بداخلها. هناك تُختبر الأخلاق، وتُقاس صدقية الشعارات.
الحياة مهما طالت، ليست سوى ومضات بين حلم وكابوس، وبين حقيقة وستارة رقيقة داخل العين. ذرة في الدماغ قد تقلب المشهد كله. لذلك، أخطاؤنا على تفاهتها، ليست من الكبائر، ويمكن تداركها إن صدقت النية واستقام العقل. لم يكن العقل دائمًا مرشدنا، ولم نتعلّم بعد كيف ننهي الهموم ونذيب السموم، و نتقبّل أقدار السماء، ممطرة كانت أم سحابًا بلا غيوم.
هذه ليست نصيحة عابرة ولا موعظة ثقيلة؛ إنها نداء يقظة. نداء إلى تصحيح المسار، وتخفيف الأوزار، واستعادة الشرف، ذلك المفتاح الذي يفتح الأبواب ويُبعد القرف وجنب أجيالنا التلف والخرف. لنبني وطنًا في القمّة، وحياة راقية، تحت شعار جامع لا يُقصي أحدًا..كلّنا مغاربة، وكلّنا أمازيغيون، وكلّنا عرب، وكلّنا مسلمون. وقبل كل هذا وذاك .. كلنا آدميون. فاللمة اختيار… وحين نختاره، يعلو الوطن. حين يبحث الإنسان عن بديل لعالم فقد بوصلته، يدخل في حالة شرود. وفي لحظة تأمل قاسية، يراود الإنسان مشروع: هل يمكن لعالم آخر أن يوجد؟.
عالم لا يحتاج فيه البشر إلى كاميرات لمراقبة بعضهم، ولا إلى دوريات لحماية تنقلاتهم، ولا إلى محاكم لإنصاف المظلومين، لأن الظلم لم يعد سلوكًا عاديًا، ولا الفساد نظامًا غير معلن.
شرود نحو عالم لا سماسرة فيه يشعلون الأسعار، ولا وسطاء يزرعون الفتن، ولا أسواق تُدار بالجشع والخداع. عالم مضيء بأخلاق رواده، لا بإنارته العمومية. عالم تُلغى فيه كلمات من قبيل: قمع، وصاية، سلطة متوحشة، لأن الإنسان فيه صار رقيبًا على نفسه، ومسؤولًا عن أمن غيره.
في هذا الشرود، يطفو السؤال الأخطر: كيف رخصت البشرية لنزيف دمائها؟.
ذلك السائل الأحمر، النادر والنفيس، الذي يجري في كل العروق بنفس اللون والوظيفة، صار وقودًا للحروب، وزيتًا لآلات القتل، ومادة رخيصة تُهدر بلا حساب. كيف لدموع البشر(وهي صمام أمان الجسد والروح،أن تتحول من علاج للحزن وختم للمتعة والفرح، إلى مشاهد عابرة لا تحرّك ضميرًا؟.
وكيف لعرق العامل والكادح، وعرق المنتشي بالحياة، أن يُساوى بالإهمال والنسيان؟.
إن طريقة تدبير هذه السوائل الثلاث (الدم، الدموع، العرق)، هي التي تحدد قيمة الإنسان، وهوية المجتمع، ومسار المستقبل. فحيث تُهدر، تنهار الأخلاق، وحيث تُصان، ولد الأمل.
ذلك الشرود ليس هروبًا، بل إدانة صامتة لعالم قذر لوّثته سكاكين الفساد والاستبداد، وتبادل الطعن بين أبنائه في السكون والحراك. شرود يبحث عن بشر لا تؤمن بالحدود الضيقة، ولا ترى اختلاف اللون واللغة والدين سببًا للتفاضل، بشر استأصلوا قاموس التفرقة من لغتهم قبل عقولهم. ونسوا أو تناسوا أن اللمة هي طريق النجاة الوحيدة.
ولأن الإيمان لا يُختزل في جدران المساجد، فقد نسينا أن رضا الله يسكن أيضًا الأحياء الهامشية والقرى المنسية، حيث يئن الناس من قسوة العيش وظلم البشر. هناك تُختبر الأخلاق، لا في الخطب، بل في الفعل. هناك أبواب مفتوحة تنتظر من يقتحمها ليغيّر مصير من بداخلها. هناك يفترض أن يسود قانون (استووا واعتدلوا وتراصوا يرحمكم الله)، ذلك القانون الذي يدار داخل المساجد فقط.
الحياة(مهما امتدت)، ليست سوى ومضة بين حلم وكابوس. وأخطاؤنا، وإن بدت صغيرة، قادرة على تدمير أو إنقاذ وطن بأكمله. هذه ليست خطبة وعظية، بل نداء يقظة من أجل الدفع نحو تصحيح مسار، واستعادة الشرف باعتباره مفتاح كل الأبواب. وتحقيق اللمة باعتبارها الخيار الوحيد لوطن في القمة. وطن يجمع ولا يفرّق، ويؤمن بأن الهوية قوة لا تناقض فيها.
كلّنا مغاربة، وكلّنا أمازيغيون، وكلّنا عرب، وكلّنا مسلمون ، وكلنا آدميون. فاللمة ليست ترفًا، وحين نختارها، يعلو الوطن، ويسمو بكل من في أحضانه.



#بوشعيب_حمراوي (هاشتاغ)       Bouchaib_Hamraouy#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- واشنطن: من التهديد بمحو الحضارة إلى طاولة التفاوض
- حكاية صراع دامي بين الإنسان والبشر
- شتاء 2026 تذيب غرور الإنسان وتكشف وهم اليقين العلمي
- الإعلام الإفريقي في سبات والرقمي يرقص على جثته في انتظار صحو ...
- عندما يكون الولاء لغير الحقيقة .. نسقط
- في يومها العالمي : الرياضة .. تُنقذ الأجساد وتُهذّب
- من يحمي كرة القدم الإفريقية من القاذورات الرقمية والركوب الس ...
- العالم بين وهم الديمقراطية ومنطق القوة
- هل يتحول الذكاء الاصطناعي إلى أخطر ظاهرة إجرامية في التاريخ؟ ...
- عندما يصبح الفكر المدبر لأنظمة الدول حبيس الهاجس الأمني
- غياب ديمقراطية الأحزاب يُعطّل التنمية المنشودة
- الهجرة غير النظامية بين واجب الإنسانية وهيبة الدولة
- متى ندرج ( الڤار) خارج ملاعب كرة القدم ؟
- الصحافة التي نريد ...
- شريان الطاقة العالمي في طريقه إلى الاختناق
- كرة القدم الإفريقية: المغرب في مواجهة محور الشر
- على هامش اليوم العالمي الرياضيات : متى يتم تقنين رياضيات الم ...
- التاريخ لا يرحم : تركيا وإيران من أوائل المساهمين في تثبيت إ ...
- سجل الأمم المتحدة يفرض البحث عن بدائل : مجلس السلام نموذجًا
- وسط عالم بركاني : دول تنمو بلا ضجيج وعنف


المزيد.....




- رواية -أغالب مجرى النهر- تقتنص الجائزة العالمية للرواية العر ...
- الموسيقى كأداة للإصلاح.. كيف أعاد مارتن لوثر صياغة الإيمان ع ...
- من التسريبات إلى الشاشات.. 5 أفلام تكشف أسرار عالم الاستخبار ...
- بينها فيلم مغربي.. مهرجان كان السينمائي يكشف عن الأعمال التي ...
- السجن 15 عاماً لـ-ملكة الكيتامين- في قضية وفاة الممثل ماثيو ...
- -أغالب مجرى النهر- لسعيد خطيبي تتوج بالجائزة العالمية للرواي ...
- التحقق بعد الحرب.. كيف تتحول المعركة من تفنيد المحتوى إلى تف ...
- حسن المسعود .. المغايرة والتجديد في فن الخط العربي
- صراع الروايات بين واشنطن وطهران: حين يسبق التسويق السياسي نت ...
- برلين تفتتح -سود أوست غاليري- معلم الفنون الجدارية في الهواء ...


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - بوشعيب حمراوي - اللمة تغذي جذور الوطن