أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - بوشعيب حمراوي - فرنسا بلا إفريقيا.. تغرق















المزيد.....

فرنسا بلا إفريقيا.. تغرق


بوشعيب حمراوي
استاذ كاتب وصحفي

(Bouchaib Hamraouy)


الحوار المتمدن-العدد: 8675 - 2026 / 4 / 12 - 16:31
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


بقلم: بوشعيب حمراوي
ليست المشكلة اليوم في ما كان، بل في ما لا يزال كائنًا. فالعالم تغيّر، وموازين القوى تبدّلت، وشعوب إفريقيا لم تعد تلك التي تُدار من خلف الستار، ومع ذلك، تصرّ فرنسا على التعامل مع القارة وكأنها امتداد جغرافي لنفوذها، وخزان مفتوح لثرواتها، ومجال حيوي لمصالحها الاستراتيجية، ولو على حساب كرامة الشعوب واستقلال القرار.
فرنسا التي تتغنّى بالديمقراطية وحقوق الإنسان، تجد نفسها اليوم في قلب تناقض صارخ: خطاب حداثي في الداخل، وممارسات وصائية في إفريقيا. لا تزال العديد من الدول الإفريقية ترزح تحت تأثير مباشر أو غير مباشر لقرارات باريس، سواء عبر العملة، أو الاتفاقيات الاقتصادية غير المتكافئة، أو حتى من خلال التدخلات السياسية والأمنية التي تُبرَّر تارة بمحاربة الإرهاب، وتارة بحماية الاستقرار… بينما الحقيقة أن المصالح الاقتصادية تظل هي البوصلة.

الفرنك الإفريقي : عملة ببصمة وآثاراً استعمارية
إن ما يُسمى بـ (الفرنك الإفريقي) ليس مجرد عملة، بل رمز لعلاقة مختلة، تُبقي اقتصادات دول بأكملها رهينة لسياسات نقدية لا تملك قرارها. وما يُقدَّم كدعم تنموي، غالبًا ما يتحول إلى أداة ضغط، تُفرض من خلالها شروط قاسية، تُفرغ السيادة من مضمونها، وتجعل من القرار الوطني مجرد توقيع على ما يُملى من الخارج.
يعيش الفرنك الإفريقي اليوم على وقع تناقض واضح بين استمرارية شكلية ورفض متصاعد في العمق الإفريقي، حيث لا يزال قائماً ومدعوماً بربطه بعملة (اليورو)، وضمان فرنسا، مما يمنحه استقراراً نقدياً ظاهرياً، لكنه في المقابل يقيّد السيادة المالية للدول التي تستعمله. ولم يعد هذا النظام يُنظر إليه من طرف فئات واسعة من الأفارقة كخيار اقتصادي بريء، بل كعملة تحمل بصمة وآثاراً استعمارية واضحة، تذكّر بعلاقة غير متكافئة تُبقي القرار النقدي خارج الحدود الوطنية. ومع صعود أنظمة شابة وواعية، رافضة للوصاية والابتزاز، بدأت تتشكل إرادة جماعية لإعادة النظر في هذا الإرث، سواء عبر إصلاحات عميقة تقلّص النفوذ الخارجي، أو عبر التوجه نحو بدائل نقدية مستقلة كلياً. وفي ظل هذا التحول، يبدو أن مستقبل الفرنك الإفريقي لن تحدده فرنسا بقدر ما سترسمه الشعوب الإفريقية نفسها، التي باتت أكثر إصراراً على امتلاك مفاتيح اقتصادها، وقطع ما تبقى من خيوط التبعية التاريخية

إفريقيا المورد المالي الرئيسي لفرنسا
الأخطر من ذلك، أن فرنسا لا تزال تنظر إلى إفريقيا كـ(مورد مالي) لا ينضب، تُستخرج منه الثروات الطبيعية (من ذهب ويورانيوم ونفط وغيرها ...) بأثمان بخسة، بينما تعيش شعوب تلك الدول في فقر مدقع، وتُحرم من أبسط حقوقها في التنمية والعيش الكريم. إنها معادلة غير أخلاقية: ثراء هناك، وبؤس هنا… ووسيطها نظام دولي يُغضّ الطرف، أو يتواطأ بصمت.
ولأن الزمن لم يعد يقبل هذه الازدواجية، بدأت شعوب إفريقيا تستفيق. من مالي إلى بوركينا فاسو، ومن النيجر إلى تشاد، تتعالى الأصوات المطالبة بإنهاء الهيمنة الفرنسية، واسترجاع القرار السيادي، وفتح أبواب الشراكات المتكافئة مع قوى دولية أخرى. لم تعد إفريقيا حديقة خلفية لأحد، بل فضاءً مفتوحًا للتنافس، ومن لا يحترم قواعد اللعبة الجديدة، سيجد نفسه خارجها.
إن استمرار فرنسا في هذا النهج، لا يهدد فقط علاقتها بإفريقيا، بل يهدد صورتها الدولية. فالدول لا تُقاس فقط بقوتها الاقتصادية أو العسكرية، بل بمدى احترامها لكرامة الشعوب الأخرى. والاستعلاء لم يعد مقبولًا في عالم يتجه نحو التعددية والندية.
هنا، يصبح القولان الصادمان (فرنسا بلا إفريقيا… تأكلها الأزمات) و(فرنسا بلا عرب ... يأكلها الجرب) ليس مجرد شعارين، بل توصيفًا لواقع محتمل. ففرنسا التي بنت جزءًا من قوتها على امتداداتها الإفريقية من بينها دول عرب شمال إفريقيا..، قد تجد نفسها أمام فراغ استراتيجي واقتصادي إن استمرت في فقدان شركائها واحدًا تلو الآخر. وليس المقصود هنا الشماتة، بل التنبيه إلى أن العلاقات غير المتوازنة لا تدوم، وأن من يزرع التبعية، يحصد الرفض.
إن إفريقيا اليوم لا تطلب المستحيل، بل تطالب بما هو بديهي: شراكة قائمة على الاحترام، وتبادل المصالح، واعتراف كامل بالسيادة. وهي رسالة يجب أن تصل بوضوح إلى باريس: زمن الوصاية انتهى، وزمن الابتزاز ولى، ومن لم يراجع حساباته، سيجد نفسه معزولًا في عالم لا يرحم المتأخرين عن فهم تحولات التاريخ.
وفي الأخير، قد يكون من الحكمة لفرنسا أن تنظر إلى إفريقيا لا كغنيمة، بل كشريك… لأن من لا يتقن فن الشراكة، لن يُجيد إلا العزلة.
المغرب: من موقع التابع إلى شريك يُفرض احترامه
في خضم هذا التحول الإفريقي العام، يبرز المغرب كنموذج استثنائي في إعادة ضبط علاقته مع فرنسا، ليس بالصدام، بل بالوضوح الاستراتيجي والندية المتزنة. فقد تمكنت الرباط، بقيادة محمد السادس، من نقل العلاقة من منطق الإرث الاستعماري إلى منطق المصالح المتبادلة، حيث لم يعد القرار السيادي المغربي قابلاً للمساومة، سواء في القضايا الداخلية أو في الملفات المصيرية، وعلى رأسها قضية الوحدة الترابية. اعتمد المغرب على تنويع شراكاته الدولية، والانفتاح على قوى اقتصادية وسياسية جديدة، دون قطع الجسور مع باريس، لكنه في المقابل فرض قواعد جديدة: الاحترام مقابل التعاون. كما أن حضوره القوي في العمق الإفريقي، عبر استثمارات نوعية ومبادرات تنموية وروحية، جعله فاعلاً إقليمياً لا يمكن تجاوزه، وهو ما دفع فرنسا إلى مراجعة مقاربتها، والانتقال من موقع الوصاية إلى موقع الشريك الذي يُدرك أن المغرب لم يعد ذلك البلد الذي يُملى عليه، بل دولة تصنع خياراتها وتفرض موقعها بثقة وذكاء.
حين يتحول الاتكاء إلى عبء
تسير فرنسا اليوم، بكل المؤشرات المقلقة، في اتجاه انكشاف اقتصادي حقيقي، ليس فقط بسبب التحولات العالمية، بل نتيجة تراكمات سياسة خارجية بنيت لسنوات على استنزاف إفريقيا بدل بناء شراكات متوازنة معها. فبعد أن بدأت دول إفريقية عديدة، بأنظمة شابة وواعية، ترفض منطق الابتزاز والوصاية، وجدت باريس نفسها أمام واقع جديد لم تُحسن الاستعداد له. لقد نامت فرنسا طويلًا في “حضن إفريقيا”، واعتبرت مواردها امتدادًا طبيعيًا لاقتصادها، فترسخ نوع من الكسل الاستراتيجي، وغابت الرؤية التجديدية، وتراجعت القدرة على الابتكار الاقتصادي الحقيقي. اقتصاد لم يُبنَ على استثمارات شفافة ومستدامة بقدر ما اعتمد، في جوانب منه، على ما يمكن تسميته بـ“الدوباج الإفريقي”؛ أي دعم غير مباشر مصدره علاقات غير متكافئة. واليوم، مع تصدّع هذه المعادلة، يطفو الخلل إلى السطح، ويصبح احتمال الاهتزاز، بل وحتى الانهيار الجزئي، واردًا في أي لحظة إذا لم تُبادر فرنسا إلى مراجعة جذرية لسياساتها، وبناء اقتصاد قائم على الإنتاج الحقيقي لا على إرث نفوذ آخذ في التلاشي.



#بوشعيب_حمراوي (هاشتاغ)       Bouchaib_Hamraouy#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عالم ينفث الدخان ويتغذى بالكذب والبهتان ..الى متى ؟؟؟؟؟
- الرئيس يستحق السقوط لكن منطق القوة يذبح الشرعية الدولية
- أنا الجزائر حكاية وطن يتكلم من تحت الركام
- أنا… فلسطين (حكاية أرض قُسِّمت بين فِلس وطين)
- اللمة تغذي جذور الوطن
- واشنطن: من التهديد بمحو الحضارة إلى طاولة التفاوض
- حكاية صراع دامي بين الإنسان والبشر
- شتاء 2026 تذيب غرور الإنسان وتكشف وهم اليقين العلمي
- الإعلام الإفريقي في سبات والرقمي يرقص على جثته في انتظار صحو ...
- عندما يكون الولاء لغير الحقيقة .. نسقط
- في يومها العالمي : الرياضة .. تُنقذ الأجساد وتُهذّب
- من يحمي كرة القدم الإفريقية من القاذورات الرقمية والركوب الس ...
- العالم بين وهم الديمقراطية ومنطق القوة
- هل يتحول الذكاء الاصطناعي إلى أخطر ظاهرة إجرامية في التاريخ؟ ...
- عندما يصبح الفكر المدبر لأنظمة الدول حبيس الهاجس الأمني
- غياب ديمقراطية الأحزاب يُعطّل التنمية المنشودة
- الهجرة غير النظامية بين واجب الإنسانية وهيبة الدولة
- متى ندرج ( الڤار) خارج ملاعب كرة القدم ؟
- الصحافة التي نريد ...
- شريان الطاقة العالمي في طريقه إلى الاختناق


المزيد.....




- فيكتور أوربان يقر بهزيمته في الانتخابات بعد 16 عامًا بمنصب ر ...
- مهرجان مخصص للشمّام في أوزباكستان.. ألق نظرة على أصناف البطي ...
- تحليل.. كيف يبرز تهديد ترامب بحصار إيران ضعف تايوان أمام الص ...
- ترامب يكشف عن حالة الطيارين الأمريكيين بعد إنقاذهما من إيران ...
- استمرار المواجهات على جبهة لبنان.. أمريكا تعلن حصار موانئ إي ...
- المجر: احتفالات تعم بودابست بعد فوز ماجيار
- احتجاجات في بيرو بسبب تأجيل الانتخابات وتزايد الشكوك في نزاه ...
- نواف سلام يتحضّر للتفاوض المباشر مع تل أبيب غدًا والقوات الإ ...
- ترامب يدرس توجيه ضربات محدودة لإيران بعد انهيار محادثات السل ...
- جهاز جديد يكشف الالتهاب الرئوي في دقائق


المزيد.....

- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - بوشعيب حمراوي - فرنسا بلا إفريقيا.. تغرق