أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - بوشعيب حمراوي - وباء الكذب والإشاعة يطيح بعرش أبريل















المزيد.....

وباء الكذب والإشاعة يطيح بعرش أبريل


بوشعيب حمراوي
استاذ كاتب وصحفي

(Bouchaib Hamraouy)


الحوار المتمدن-العدد: 8678 - 2026 / 4 / 15 - 17:08
المحور: الادب والفن
    


بقلم: بوشعيب حمراوي
حل أبريل وحلت معه خيبة الأمل في الاستمرار بالتربع على عرش الكذب والإشاعة والدعابة، وبات عرشه مهددا بالانهيار بعد أن انتشرت واستفحلت الإشاعة والأكاذيب طيلة السنة، وبات لها خبراء ومحترفون منشغلون بتعذيب العقول البشرية، وتشتيت أفكار وهموم العقلاء.. أصبح الكل مصابا بفيروس الكذب، بعدما تخلت العوالم الرقمية عن مهامها في التواصل الإيجابي والمثمر، وفقد الناس مؤنسهم الوحيد ومناظيرهم التي يطلون بها على عالمهم الواقعي، الذي أصبح بعيد المنال مؤقتا، مستعمرا من طرف زعيم مجهول وغير مرئي.
كم كنا جد متلهفين ومشتاقين لمزحة كذبة طريفة تطل علينا، أو نطل بها من خلال شهر أبريل من كل سنة على الأهل والأحباب والأصدقاء.. كذبة قد نلعب فيها دور البطولة أو نحظى بمجرد المشاركة، أو نكون أحد ضحاياها، كنا نستمتع خلال هذا الشهر بأي خبر مكتوب أو تسجيل صوتي أو مرئي، أو أي مشهد مفبرك يدخل علينا السعادة وينسينا متاعب الجد والحزم المفروض أننا نواظب عليها طيلة السنة، لكن – مع الأسف لم يعد بإمكان شهر أبريل أن يستمر في التربع على عرش الكذب والإشاعة والدعابة، وبات عرشه مهددا بالانهيار، بعد أن زاد انتشار واستفحال الإشاعة والأكاذيب طيلة السنة.
بات للكذب خبراء ومحترفين يتفننون في إبداعه وتسويقه، منشغلون بتعذيب العقول البشرية وتشتيت أفكار وهموم العقلاء، فأصبح الكل مصابا بهذا الفيروس، الذي شغل.
لابد أن تكون غضبة شهر أبريل شديدة بالنظر إلى ما تعرض له أبريل من خيانة بشرية، وخيانة من باقي الأشقاء الـ 11، شهور السنة الميلادية، فلا هو قادر على محو غدر هؤلاء الذين استباحوا الأعراض والشرف والدين والأخلاق بسيوف الكذب والبهتان، ولا هو راغب في استعادة عرش لطخ بالدموع والدماء والعرق.

أخطر ما في كذبة أبريل لم تكن ضحكتها العابرة، بل قدرتها على تحويل الكذب إلى سلوك مألوف ومقبول، ولو ليوم واحد أو شهر واحد في السنة. ففي هذا الشهر، تُرفع الحواجز الأخلاقية مؤقتًا، ويُمنح الكذب ترخيصًا اجتماعياً تحت غطاء (المزاح)، وكأن الحقيقة يمكن تعليقها على شماعة الترفيه دون ثمن. فما بالك أن تتحول أو ثوان ودقائق حياتها إلى كذب وبهتان. وأن تحدث مختبرات ومصانع للإشاعة والأكاذيب...
لقد تغيرت طبيعة كذبة أبريل بشكل جذري. لم تعد مجرد دعابة بسيطة بين الأصدقاء، بل تحولت إلى ممارسة واسعة النطاق، تغذيها وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تنتشر الأكاذيب بسرعة تفوق الحقيقة، وتُصاغ بعناية لتبدو مقنعة، بل وأحيانًا (مهنية). وهنا يكمن الخطر: حين يصبح الكذب متقنًا، يصعب اكتشافه، وحين يتكرر، يُصبح جزءًا من الوعي الجماعي.
الكذب، كما رأينا، ليس نوعًا واحدًا. منه الأبيض الذي يُسوَّق على أنه بريء، والأسود الذي يتعمد الإضرار، والاجتماعي الذي يلبس ثوب اللباقة، والمرضي الذي يتحول إلى سلوك قهري، والإعلامي الذي يصنع الرأي العام. تختلف أنواعه وأشكاله وأهدافه ومبرراته، لكنه يبقى في جوهره كذبًا… لا يغيّر حقيقته اسم ولا يبرره ظرف.
والمفارقة المؤلمة أن بعض الأكاذيب التي تُطلق في هذا اليوم تتجاوز حدود المزاح، فتلامس مشاعر الناس، وتعبث بثقتهم، بل وقد تثير الهلع أو الألم. كم من (مزحة) تحولت إلى صدمة، وكم من (خبر كاذب) خلّف ارتباكًا أو خوفًا أو حتى خسائر مادية! هنا، لا يعود الحديث عن دعابة، بل عن استهتار بقيمة الحقيقة.
إن أخطر ما تفعله كذبة أبريل هو أنها تُطبع مع الكذب، وتُدرّب المجتمع (دون وعي) على تقبّله. فحين نضحك على الكذبة، نُسقط عنها جزءًا من قبحها، وحين نُبررها، نُمهّد الطريق لأشكال أكثر خطورة منها. وفي زمن تُدار فيه الحروب بالمعلومة، وتُصنع فيه الأزمات بالأخبار الزائفة، يصبح التهاون مع الكذب في أبسط صوره (مخاطرة جماعية). ثم إن للكذب كلفة لا تُرى دائمًا، لكنها عميقة الأثر.
على مستوى الشخص الكاذب، يتحول الكذب مع الوقت إلى عادة تُضعف شخصيته وتفقده مصداقيته، فيعيش في صراع دائم بين ما يقول وما هو واقع، وقد يجد نفسه مضطرًا لاختراع أكاذيب جديدة لتغطية سابقة، فيدخل في دوامة لا تنتهي.
أما المتلقي، فإنه يفقد ثقته في الآخرين، وقد يصاب بالشك والارتياب، بل وقد يتأثر نفسيًا إذا كانت الكذبة مرتبطة بمشاعر حساسة أو أحداث مهمة.
وأما المجتمع، فإن انتشار الكذب فيه يُضعف الروابط الإنسانية، ويُهزّ الثقة العامة، ويجعل الحقيقة نفسها محل شك، وهو ما يفتح الباب أمام الفوضى والتضليل والتلاعب.
ولعل الأخطر من كل ذلك، هو التغيرات الصامتة التي يُحدثها الكذب في السلوك الجماعي: تآكل قيمة الصدق، تبرير الخداع، الاعتياد على التزييف، وفقدان القدرة على التمييز بين الحقيقي والمصطنع. إنها تحولات بطيئة، لكنها عميقة، قد لا ننتبه إليها إلا بعد أن تصبح واقعًا يصعب تغييره.
في النهاية، قد تبدو كذبة أبريل مجرد لحظة ضحك عابرة، لكنها في العمق امتحان حقيقي لعلاقتنا بالحقيقة. فإما أن نُحصّن مجتمعاتنا بقيم الصدق، أو نُسهم (دون أن نشعر) في ترسيخ ثقافة الكذب، ولو بدأ الأمر بـ(مزحة)… انتهت بثمنٍ لا يُضحك أحدًا
الإطار التاريخي لكذبة أبريل
تعود جذور ما يُعرف بـ(كذبة أبريل) إلى روايات تاريخية متعددة، أبرزها ما ارتبط بتغيير التقويم في فرنسا خلال القرن السادس عشر، حين تم الانتقال إلى اعتماد التقويم الغريغوري وجعل فاتح يناير بداية للسنة بدل أواخر مارس وبداية أبريل. غير أن فئة من الناس استمرت في الاحتفال بالتاريخ القديم، فصاروا عرضة للسخرية وإرسال الدعوات الوهمية والأخبار الزائفة، في ما عُرف آنذاك بـ(سمكة أبريل). كما يُرجع بعض الباحثين هذه العادة إلى طقوس رومانية قديمة كانت تسمح بالتنكر والخداع في أجواء احتفالية، بينما يرى آخرون أنها مستوحاة من تقلبات فصل الربيع نفسه، حيث يتغير الطقس بشكل مفاجئ، وكأنه يمارس نوعًا من (الخداع الطبيعي). وبين هذه التفسيرات المتعددة، يبقى الثابت أن الكذب، وإن تغلّف بالتاريخ أو المزاح، لم يفقد يومًا حقيقته.
الكذب في زمن الإدمان الرقمي
في ظل الإدمان الرقمي وهيمنة مؤثري التفاهة والميوعة على العوالم الافتراضية، لم يعد الكذب حبيس يومٍ أو شهر واحد. بل تحوّل إلى ممارسة يومية ممتدة على مدار السنة. لقد أصبحت كل الشهور مغتصبة في شرفها الرمزي، تُنتهك فيها الحقيقة على مرأى ومسمع الجميع، عبر تسويق آلاف الأكاذيب والإشاعات بأساليب فنية مغرية، تُتقن اللعب على عواطف المتلقين وفضولهم. ولم يعد الأمر مقتصرًا على صفحات الترفيه أو الحسابات الهامشية، بل امتد إلى فضاءات رقمية يُفترض فيها المهنية والمصداقية، حيث تُصاغ الأخبار الزائفة بعناية، وتُقدّم في قالب جذاب يجعلها قابلة للتصديق والتداول على نطاق واسع. وهكذا، لم نعد أمام (مزحة موسمية)، بل أمام منظومة تضليل رقمية تُعيد تشكيل الوعي، وتُغرق المتلقي في سيل من المحتويات التي يصعب التمييز فيها بين الحقيقة والوهم.

ورغم ما يعرف بمآسي شهر أبريل التي عددها موقع (ويكيبيديا)، باعتباره الشهر الذي عرف ولادة الزعيم الألماني هتلر، واستسلام الدولة الألمانية في الحرب العالمية الثانية، وقبلها عرف بداية الثورة الأمريكية، كما عرف اغتيال الرئيس الأمريكي أبراهام لينكولن، وزلزال فرانسيسكو، وغرق السفينة تيتانيك… فإن من مميزات هذا الشهر، أنه اعتاد الإطلالة علينا كل فصل ربيع وكلنا شوق ولهفة لاستقبال دعابة أو (كذبة بيضاء) تزيدنا مرحا ونشاطا، اعتدنا القبول بأكاذيبه وشائعاته، لأنه لم تكن يوما أكاذيب وشائعات محبطة ومدمرة للنفوس كتلك التي باتت تطل علينا في كل وقت وحين.
لم يعد شهر أبريل مهتما بعرشه، ولم يعد يفكر حتى في الانتقام ممن دبروا مؤامرة الثورة والانقلاب والإطاحة به بقدر ما أصبح مهتما بخطورة هؤلاء الانقلابيين . وما قد يلحقونه من ضرر للبشرية جمعاء، وما قد ينسبونه إليه من أكاذيب وإشاعات هو بريء منها براءة الذئب من دم يوسف عليه السلام.



#بوشعيب_حمراوي (هاشتاغ)       Bouchaib_Hamraouy#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الإعلام في الأقاليم الجنوبية… معركة وعي تسبق معركة السياسة
- سلطنة عمان تساءل العالم والإعلام عن مضيقها هرمز
- حين تكون الجغرافيا قدراً والتاريخ مسؤولية وجب صمت السياسي
- ابتسم . فإن ألذ خصومك وجهك العبوس
- مفاوضات إسلام اباد : سلام مُعلّق بين حربٍ عالقة ونياتٍ مريبة
- شتان بين الحكيم المغربي واللئيم الصهيوني
- فرنسا بلا إفريقيا.. تغرق
- عالم ينفث الدخان ويتغذى بالكذب والبهتان ..الى متى ؟؟؟؟؟
- الرئيس يستحق السقوط لكن منطق القوة يذبح الشرعية الدولية
- أنا الجزائر حكاية وطن يتكلم من تحت الركام
- أنا… فلسطين (حكاية أرض قُسِّمت بين فِلس وطين)
- اللمة تغذي جذور الوطن
- واشنطن: من التهديد بمحو الحضارة إلى طاولة التفاوض
- حكاية صراع دامي بين الإنسان والبشر
- شتاء 2026 تذيب غرور الإنسان وتكشف وهم اليقين العلمي
- الإعلام الإفريقي في سبات والرقمي يرقص على جثته في انتظار صحو ...
- عندما يكون الولاء لغير الحقيقة .. نسقط
- في يومها العالمي : الرياضة .. تُنقذ الأجساد وتُهذّب
- من يحمي كرة القدم الإفريقية من القاذورات الرقمية والركوب الس ...
- العالم بين وهم الديمقراطية ومنطق القوة


المزيد.....




- الشاعر القطري شبيب بن عرار: في الأزمات الشاعر لا يملك ترف ال ...
- المعرض الدولي للكتاب بالرباط يحتفي بالرحالة بن بطوطة
- مهد فن الطهي الراقي في خطر.. كيف تهدد الوجبات السريعة ثقافة ...
- بألحان أم كلثوم.. أطفال غزة يغالبون قسوة النزوح بالغناء لـ - ...
- -متحف الانتحار- يفتح جرح لا مونيدا: المدى تحصل على حقوق ترجم ...
- خسائر فادحة في قطاع الزراعة بجنوب لبنان.. القصف الإسرائيلي ي ...
- الشاعر والكاتب الراحل ياسين السعدي... وحُلم العودة إلى المز ...
- أمين لجنة -اليونيسكو- بإيران: إيران قد تبدأ اتخاذ إجراءات ق ...
- سردية المابين في رواية -رحلتي بين النيل والسين- لفتيحة سيد ا ...
- البصرة تستعد لانطلاق مهرجان -السوبر ستار- للأفلام القصيرة


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - بوشعيب حمراوي - وباء الكذب والإشاعة يطيح بعرش أبريل