أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - بوشعيب حمراوي - بالأمن الوقائي : نصد الانحراف ونسبق الجريمة بدل مطاردتها















المزيد.....

بالأمن الوقائي : نصد الانحراف ونسبق الجريمة بدل مطاردتها


بوشعيب حمراوي
استاذ كاتب وصحفي

(Bouchaib Hamraouy)


الحوار المتمدن-العدد: 8681 - 2026 / 4 / 18 - 16:54
المحور: المجتمع المدني
    


بقلم: بوشعيب حمراوي
لم يعد كافيًا أن ننتظر وقوع الجريمة ثم نتحرك للبحث عن الفاعل، ولا أن نترك الشغب ينفجر في الشارع ثم نسارع إلى احتوائه. المجتمعات الذكية والمتوازنة هي التي انتقلت من منطق رد الفعل إلى منطق الفعل الاستباقي، ومن معالجة النتائج إلى معالجة الأسباب. هنا يبرز مفهوم الأمن الوقائي باعتباره أحد أهم مفاتيح تخليق المجتمع، وحماية الحياة العامة، وتخفيف منسوب العنف والاضطراب.
الأمن الوقائي ليس مجرد دوريات في الشوارع، ولا فقط كاميرات أو إجراءات زجرية، بل هو فلسفة متكاملة تقوم على التربية، واليقظة، والمواكبة النفسية، ومحاربة الإدمان، وتقوية المدرسة، وتحصين الأسرة، وفتح آفاق الشغل والأمل أمام الشباب. إنه أمن يبدأ من البيت، ويمر عبر المدرسة، ويتعزز في الحي، ويكتمل داخل المؤسسات.
في المغرب، كثيرًا ما يتم تناول الجريمة وكأننا أمام ظاهرة منظمة تقودها عقول إجرامية محترفة، بينما الواقع في حالات كثيرة مختلف تمامًا. فجزء مهم من الجرائم المسجلة لا يصدر عن تخطيط مسبق ولا عن احتراف إجرامي بارد، بل يأتي كرد فعل لحظي، أو نتيجة فقدان السيطرة، أو تحت تأثير السكر والمخدرات، أو بسبب اضطرابات نفسية لم تجد من يشخصها ويعالجها، أو بسبب احتقان اجتماعي انفجر في لحظة غضب عابرة.
ومن المهم التأكيد إذن أن جانبًا كبيرًا من مظاهر الشغب والجرائم التي تقع في المغرب يندرج في كثير من الحالات ضمن خانة رد الفعل أكثر من كونه فعلًا مخططًا ومقصودًا. فهي غالبًا انفجارات لحظية تولد من استفزاز، أو نزاع بسيط تطور بسرعة، أو احتقان نفسي واجتماعي تراكم بصمت، أو تأثير مخدرات وسكر أفقد صاحبه التوازن والحكمة. كثير من هذه الأفعال لا يسبقها إعداد ولا نية إجرامية ثابتة، بل تنفجر في لحظة غضب أو تهور ثم يعقبها ندم شديد بعد زوال التوتر أو استعادة الوعي. وهذا ما يفرض قراءة عميقة للظاهرة، تنظر إلى الأسباب النفسية والاجتماعية والتربوية، بدل الاكتفاء بوصف النتائج أو التعامل معها بمنطق الزجر وحده.
كم من شجار بسيط تحول إلى مأساة لأن أحد الأطراف كان فاقدًا للوعي أو غارقًا في التوتر. وكم من شخص ارتكب فعلًا ندم عليه بعد دقائق من زوال حالة السكر أو الغضب. وكم من شاب ضاع مستقبله بسبب لحظة طيش لم يجد قبلها من ينصحه أو يرافقه أو ينتشله من الانهيار الداخلي.
هذا لا يعني تبرير الجريمة، ولا التخفيف من مسؤولية مرتكبيها، فحقوق الضحايا مقدسة، وسيادة القانون أساس الدولة. لكنه يعني أن القراءة العميقة تقتضي فهم المنابع الحقيقية للعنف. فحين نعتبر كل من أخطأ مشروع مجرم محترف، نكون قد أغلقنا باب العلاج والإصلاح، وفتحنا فقط باب العقاب.
المغرب في عمقه الشعبي ليس مجتمعًا مولعًا بالجريمة، ولا شعبًا ينتشي بالعنف. المغاربة في غالبيتهم شعب متدين، مسالم، مرتبط بقيم الأسرة والتضامن والحياء الاجتماعي. وما يقع من انحرافات يبقى غالبًا نتاج هشاشة اجتماعية، أو فراغ تربوي، أو إدمان، أو أمراض نفسية صامتة، أو توترات معيشية خانقة، أو تقصير في الاحتضان والتوجيه.
ولهذا فإن الأمن الوقائي الحقيقي يقتضي الاستثمار في الصحة النفسية قبل الزنازن، وفي مراكز علاج الإدمان قبل المحاكم، وفي الرياضة والثقافة قبل الانحراف، وفي الإنصات للشباب قبل الحكم عليهم. يقتضي أن تصبح المدرسة والثانوية والجامعات فضاءات لاكتشاف الاضطرابات مبكرًا عند وقوعها. وأن تصبح الأحياء السكنية وكل التجمعات... فضاءات آمنة بالحضور التربوي والجمعوي، وأن تتحول الأسرة إلى شريك فعلي في الوقاية.
كما أن محاربة الشغب، خاصة في الملاعب والفضاءات العامة وداخل المؤسسات التعليمية المدرسية والجامعية، لا تتم بالقوة، بل ببناء ثقافة التشجيع الراقي، وتأطير الجماهير، وفتح قنوات الحوار، وربط الحرية بالمسؤولية. فالطفل واليافع و الشاب .. الذي يجد الاعتراف والاندماج والكرامة، أقل قابلية للانفجار من آخر يشعر بالتهميش والفراغ.
في حاجة إلى أخلاقيات المهن الإعلامية
نحتاج أيضًا إلى خطاب إعلامي تربوي متوازن، لا يصنع من بعض الجرائم صورة سوداء عن المجتمع، ولا يهوّل الأحداث حتى يبدو الوطن وكأنه غارق في الفوضى. نعم، هناك جرائم، كما في كل بلدان العالم، لكن هناك أيضًا مؤسسات يقظة، وأجهزة أمنية محترفة، ومجتمع حي، وإرادة جماعية للحفاظ على الاستقرار.
الأمن الوقائي هو أن نمنع السقوط قبل وقوعه، وأن ننقذ الإنسان قبل أن يتحول إلى رقم في سجل الجريمة، وأن نعيد بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات. إنه أمن يداوي قبل أن يعاقب، ويهذب قبل أن يزجر، ويحمي المجتمع من الداخل قبل أن يطارده من الخارج.
والدول التي ستنجح غدًا ليست فقط من تملك السجون والمحاكم، بل من تملك القدرة على تقليل الحاجة إليهما.

التربية الوطنية لا تخص المدارس والثانويات والجامعات فقط ...
وفي الحديث عن الإصلاح الحقيقي داخل المغرب، ينبغي التمييز بين التعليم والتربية؛ فالتعليم يمكن أن ينحصر في تلقين المعارف والمهارات، أما التربية فهي بناء الإنسان في سلوكه ووعيه وقيمه ومسؤوليته. ومن الخطأ اختزال مفهوم (التربية الوطنية) في المدرسة أو ربطه فقط بالتلاميذ والطلبة، لأن الوطن لا يحتاج إلى متعلمين فقط، بل يحتاج إلى مواطنين متشبعين بالأخلاق والانضباط وروح الخدمة العامة. لذلك يجب أن تمتد التربية الوطنية إلى كل القطاعات العمومية والخاصة، وأن تشمل الموظف، والعامل، والمسؤول، والتاجر، والسائق، والإعلامي، والمنتخب، والرجل والمرأة، والشباب والكبار. نحتاج إلى تربية على احترام القانون، وصيانة المرفق العام، وحسن المعاملة، والصدق في العمل، ونظافة الفضاءات، واحترام الوقت، والتسامح، والتطوع، والغيرة على الوطن. فالأمم لا تنهض فقط بجودة المدارس، بل حين تتحول التربية إلى ثقافة يومية يعيشها المجتمع كله في الإدارة، والشارع، والمقاولة، والبيت، ومختلف فضاءات الحياة.
ضعف أدوار المؤسسات الإصلاحية والاجتماعية
كما أن الأمن الوقائي الحقيقي لا يكتمل إلا بجعل السجون والإصلاحيات ومراكز حماية الطفولة فضاءاتٍ للإصلاح لا مجرد أماكن للعقاب أو العزل. فهذه المؤسسات مطالبة باعتماد برامج تربوية وأخلاقية وتقويمية جادة، تعيد بناء الشخصية، وتصالح النزيل مع ذاته ومع المجتمع، وتزرع فيه قيم الانضباط والمسؤولية واحترام القانون. كما يفرض الأمر توفير التكوين المهني، والدعم النفسي، ومحو الأمية، والتأهيل السلوكي، حتى يغادر المستفيد هذه المؤسسات وهو قادر على بدء حياة جديدة. فالعقوبة التي لا تفتح باب الأمل قد تعيد إنتاج الانحراف، أما الإصلاح الحقيقي فيمر عبر الإدماج السليم في سوق الشغل والحياة العامة، ومنح هذه الفئات فرصة ثانية تحفظ كرامتها وتفيد المجتمع. إن تحويل الخطأ إلى تجربة تعلم، والمنحرف إلى مواطن منتج، هو أرقى صور الأمن الوقائي وأكثرها نجاعة داخل المغرب.
غياب الأمن الوقائي التعليمي
وللأسف، داخل عدد من المؤسسات التعليمية نجد أنفسنا، من حيث لا نشعر، نرعى الشغب ونغذّيه أكثر مما نحاربه. نترك السلوك المنحرف الصغير يمر دون متابعة، والتصرف العدواني البسيط دون تقويم، والاستهزاء المتكرر دون ردع تربوي، إلى أن يكبر ذلك الشغب ويتحول مع الوقت إلى عنف أو جريمة أو انقطاع عن الدراسة. إن التلميذ لا يحتاج فقط إلى دروس في المقررات، بل يحتاج إلى مصاحبة يومية لسلوكه، وتوجيه مستمر، وإنصات لمشاكله، وتتبع لتغيراته النفسية والاجتماعية. كما يحتاج إلى نظام واضح للجزاءات التربوية العادلة والمتدرجة، يربط الحرية بالمسؤولية، ويجعل المؤسسة فضاءً للتربية قبل أن تكون فضاءً للتلقين. فحين يغيب الأمن الوقائي التعليمي داخل الفصل، وفي الساحة، وفي محيط المؤسسة، نكون قد تركنا الباب مفتوحًا أمام بذور الانحراف لتنمو في صمت حتى يصعب اقتلاعها لاحقًا



#بوشعيب_حمراوي (هاشتاغ)       Bouchaib_Hamraouy#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الملكية المغربية .. عقدة النظام الجزائري
- متى يستفيق الضمير الإفريقي من لعنة حب الكراسي؟
- ارحل… صرخة المحتجّين الأخيرة
- ترامب والبابا يعيدان الصراع بين الدين والسياسة
- وباء الكذب والإشاعة يطيح بعرش أبريل
- الإعلام في الأقاليم الجنوبية… معركة وعي تسبق معركة السياسة
- سلطنة عمان تساءل العالم والإعلام عن مضيقها هرمز
- حين تكون الجغرافيا قدراً والتاريخ مسؤولية وجب صمت السياسي
- ابتسم . فإن ألذ خصومك وجهك العبوس
- مفاوضات إسلام اباد : سلام مُعلّق بين حربٍ عالقة ونياتٍ مريبة
- شتان بين الحكيم المغربي واللئيم الصهيوني
- فرنسا بلا إفريقيا.. تغرق
- عالم ينفث الدخان ويتغذى بالكذب والبهتان ..الى متى ؟؟؟؟؟
- الرئيس يستحق السقوط لكن منطق القوة يذبح الشرعية الدولية
- أنا الجزائر حكاية وطن يتكلم من تحت الركام
- أنا… فلسطين (حكاية أرض قُسِّمت بين فِلس وطين)
- اللمة تغذي جذور الوطن
- واشنطن: من التهديد بمحو الحضارة إلى طاولة التفاوض
- حكاية صراع دامي بين الإنسان والبشر
- شتاء 2026 تذيب غرور الإنسان وتكشف وهم اليقين العلمي


المزيد.....




- قمع واعتقالات تطال محتجي مصفى الشعيبة في البصرة
- تظاهرات عالمية حاشدة إحياءً ليوم الأسير وتنديداً بقوانين الإ ...
- شاهد.. ازدحام خانق بين الأنقاض مع بدء عودة النازحين إلى جنوب ...
- في خطابه الأممي: ترامب يحمل على الأمم المتحدة وأوروبا وروسيا ...
- أزمة مالية في الأمم المتحدة ـ عندما تصبح الإغاثة بحاجة إلى إ ...
- أزمة مالية في الأمم المتحدة ـ عندم تصبح الإغاثة بحاجة إلى إغ ...
- حراك دولي واسع في بريطانيا وأمريكا تضامناً مع الأسرى وإحياءً ...
- فلسطين: تقرير الأمم المتحدة بشأن نساء غزة يشكل وثيقة دولية م ...
- تظاهرات حاشدة في كندا رفضاً لسياسات كيان العدو الإسرائيلي ت ...
- وقفة تضامنية للمطالبة بالإفراج عن الصحفيين المعتقلين في إسرا ...


المزيد.....

- مدرسة غامضة / فؤاد أحمد عايش
- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - بوشعيب حمراوي - بالأمن الوقائي : نصد الانحراف ونسبق الجريمة بدل مطاردتها