أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - بوشعيب حمراوي - صداقة الدول : عملة تقاس قيمتها بأهداف ومصالح الصديقين














المزيد.....

صداقة الدول : عملة تقاس قيمتها بأهداف ومصالح الصديقين


بوشعيب حمراوي
استاذ كاتب وصحفي

(Bouchaib Hamraouy)


الحوار المتمدن-العدد: 8684 - 2026 / 4 / 21 - 01:31
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


صداقة الدول : عملة تقاس قيمتها بأهداف ومصالح الصديقين

بقلم: بوشعيب حمراوي

في عالم السياسة الدولية، كثيرًا ما نسمع كلمات براقة من قبيل: الدول الصديقة، الشراكة الاستراتيجية، التعاون المثمر، العلاقات المتينة، المصير المشترك. وهي عبارات جميلة في ظاهرها، تمنح الشعوب شعورًا بالطمأنينة، وتوحي بأن العالم يسير نحو التفاهم والاحترام المتبادل. غير أن الواقع كثيرًا ما يكشف أن جزءًا كبيرًا من هذه المصطلحات لا يعدو أن يكون غلافًا لغويًا ناعمًا لمصالح صلبة، لا مكان فيها للعاطفة ولا للأخلاق إلا بقدر ما تخدم الحسابات.

فالعلاقات بين الدول، في جوهرها، لا تُبنى على الصداقة كما يفهمها الأفراد، بل على توازنات القوة والمصالح والنفوذ. والدولة التي تبتسم لك في المؤتمرات، قد تنافسك في الخفاء، وقد تضغط عليك اقتصاديًا، أو تبتزك سياسيًا، أو تدعم خصومك إذا رأت في ذلك منفعة لها. لذلك، فإن الحديث عن “صداقة بين الدول” يحتاج إلى كثير من التحفظ، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بعلاقة بين دولتين غير متكافئتين اقتصاديًا أو عسكريًا أو تكنولوجيًا أو ثقافيًا.

هل يمكن أن تكون صديقًا لمن يريد الهيمنة عليك؟

لا يمكن للعقل السليم أن يعتبر دولةً صديقةً وهي تسعى إلى استعبادك بوسائل جديدة، أو تحويلك إلى سوق استهلاكية لمنتجاتها، أو مصدر خام لثرواتها، أو تابع سياسي يصفق لقراراتها. كما لا يمكن وصفها بالصديقة إذا كانت تريد قواعد على أرضك، أو قرارًا داخل مؤسساتك، أو ولاءً أعمى مقابل مساعدات مشروطة.
فالصداقة الحقيقية تقوم على الاحترام المتبادل، لا على الإذلال. تقوم على التكامل، لا على الابتلاع. تقوم على التعاون، لا على الاستنزاف. أما حين تصبح العلاقة قائمة على أن طرفًا يأمر والطرف الآخر ينفذ، أو أن طرفًا يربح دائمًا والطرف الآخر يدفع الثمن دائمًا، فإننا لا نكون أمام صداقة، بل أمام تبعية مغلفة بالدبلوماسية.

الديمقراطية داخل الحدود… والافتراس خارجها

من أكبر مفارقات العصر أن دولًا كثيرة تقدم نفسها للعالم باعتبارها حامية الديمقراطية وحقوق الإنسان وسيادة القانون، لكنها تحصر هذه المبادئ داخل حدودها فقط. فهي تطبق العدالة لمواطنيها، وتؤمن الرفاه لشعوبها، وتحاسب المسؤولين داخل أوطانها، لكنها حين تتعامل مع الخارج قد تتحول إلى قوة قاسية لا ترى إلا مصالحها.

كم من دولة تتغنى بحرية الإنسان، ثم تساند أنظمة قمعية إذا ضمنت لها النفط أو الأسواق أو القواعد العسكرية؟ وكم من دولة تتحدث عن الكرامة، ثم تصمت عن المجازر إذا كان الضحية شعبًا ضعيفًا؟ وكم من دولة ترفع شعار القانون الدولي، ثم تلتف عليه حين يتعارض مع مصالحها؟

إن بعض الديمقراطيات تمارس ازدواجية صارخة: دستور أخلاقي في الداخل، وسلوك نفعي في الخارج. مواطنوها ينعمون بالخدمات، بينما تُمول رفاهيتهم أحيانًا من صفقات مجحفة، أو موارد منهوبة، أو حروب بعيدة، أو ابتزاز اقتصادي لدول أضعف.

الاستعمار غيّر شكله فقط

لقد انتهى زمن الاحتلال العسكري المباشر في صورته التقليدية، لكنه عاد بأقنعة جديدة: ديون مرهقة، اتفاقيات غير عادلة، شركات عابرة للقارات تتحكم في الموارد، إعلام يصنع الصورة، ومنظمات تضغط بالتصنيفات والتقارير، وعقوبات اقتصادية تُفرض باسم القيم.
صار بالإمكان إخضاع دولة دون إطلاق رصاصة واحدة، فقط عبر التحكم في غذائها، أو دوائها، أو تكنولوجيتها، أو عملتها، أو موانئها، أو نخبها. وهذا أخطر من الاستعمار القديم، لأنه يجعل الضحية أحيانًا تظن أنها حرة، بينما قرارها مرهون في أماكن أخرى.

متى تكون العلاقات الدولية شريفة؟

العلاقات الدولية تصبح محترمة حين تقوم على مبدأ الربح المتبادل، واحترام السيادة، وعدم التدخل، ونقل المعرفة، والإنصاف في التبادل التجاري، والتعاون الأمني النظيف، والتضامن الإنساني الصادق. وتصبح نبيلة حين تساعد الدولة القوية الدولة الأضعف على النهوض، لا على الارتهان.
أما أن تُمنح القروض لتكبيل القرار، أو تُقدم المساعدات لشراء المواقف، أو تُستعمل الشعارات الحقوقية للضغط الانتقائي، فذلك ليس تعاونًا، بل هندسة نفوذ.

الشعوب لم تعد ساذجة

اليوم، لم تعد الشعوب تبتلع الخطابات الرسمية بسهولة. لقد صارت ترى التناقض بين الكلام والممارسة، بين من يتحدث عن الحرية وهو يدعم الاحتلال، وبين من يتحدث عن السلم وهو يبيع السلاح، وبين من يندد بالفقر وهو يراكم الثروات من عرق الآخرين.
الشعوب باتت تدرك أن العالم لا يُدار دائمًا بالأخلاق، بل بموازين القوة، ولذلك أصبح لزامًا على الدول الضعيفة والمتوسطة أن تبني استقلالها الحقيقي: اقتصادًا منتجًا، تعليمًا قويًا، إعلامًا يقظًا، جيشًا رادعًا، ومجتمعًا متماسكًا. فمن لا يملك عناصر القوة، يظل معرضًا لأن يُستعمل كورقة في لعبة الآخرين.

الخاتمة: لا صداقة بلا كرامة

في النهاية، لا توجد صداقة بين الدول إذا غابت الكرامة. ولا معنى للتحالف إذا كان ثمنه السيادة. ولا قيمة للتعاون إذا بُني على الاستغلال. الدول تحترم من يحترم نفسه، وتصغي لمن يملك قراره، وتراعي من يملك وزنه.
أما الضعيف الذي ينتظر رحمة الأقوياء، فغالبًا ما يجد نفسه في قوائم المصالح لا في دفاتر الأصدقاء. ولذلك، فإن أول طريق نحو علاقات دولية متوازنة ليس البحث عن أصدقاء في الخارج، بل بناء قوة في الداخل.



#بوشعيب_حمراوي (هاشتاغ)       Bouchaib_Hamraouy#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- صناعة القائد تبدأ بإنصاف القدوة وتثمين الذاكرة الإنسانية
- (آية الكرسي ) لطرد شيطان الجن: كيف السبيل لطرد شيطان الإنس ع ...
- فلسطين... قرن من الوعود المؤجلة وشرعية دولية لم تجد طريقها إ ...
- اليوم العالمي للثرات.. تذكير بتاريخ وجذور المملكة وهويتها ال ...
- بالأمن الوقائي : نصد الانحراف ونسبق الجريمة بدل مطاردتها
- الملكية المغربية .. عقدة النظام الجزائري
- متى يستفيق الضمير الإفريقي من لعنة حب الكراسي؟
- ارحل… صرخة المحتجّين الأخيرة
- ترامب والبابا يعيدان الصراع بين الدين والسياسة
- وباء الكذب والإشاعة يطيح بعرش أبريل
- الإعلام في الأقاليم الجنوبية… معركة وعي تسبق معركة السياسة
- سلطنة عمان تساءل العالم والإعلام عن مضيقها هرمز
- حين تكون الجغرافيا قدراً والتاريخ مسؤولية وجب صمت السياسي
- ابتسم . فإن ألذ خصومك وجهك العبوس
- مفاوضات إسلام اباد : سلام مُعلّق بين حربٍ عالقة ونياتٍ مريبة
- شتان بين الحكيم المغربي واللئيم الصهيوني
- فرنسا بلا إفريقيا.. تغرق
- عالم ينفث الدخان ويتغذى بالكذب والبهتان ..الى متى ؟؟؟؟؟
- الرئيس يستحق السقوط لكن منطق القوة يذبح الشرعية الدولية
- أنا الجزائر حكاية وطن يتكلم من تحت الركام


المزيد.....




- طهران وواشنطن.. الوصول إلى صفقة صعبة أم الانزلاق نحو مواجهة ...
- -الزاوية الألمانية-.. التقاء النهرين الذي جمع أشلاء ألمانيا ...
- استقالة جديدة في إدارة ترامب.. وزيرة العمل تترك منصبها بعد س ...
- أعمال عنف في مبارة اتحاد العاصمة الجزائري وأولمبيك آسفي المغ ...
- تدريبات عسكرية مشتركة لأول مرة بين الشرق والغرب في ليبيا: خط ...
- الجزائر تطلق عروضا دولية لاستكشاف النفط والغاز
- صورة صادمة من جنوب لبنان.. جندي إسرائيلي يحطم تمثالا للمسيح ...
- ما حيثيات التفاوض بين إيران والولايات المتحدة في باكستان؟
- برلين تستدعي سفير روسيا وموسكو تعتقل ألمانية بتهمة الإرهاب
- إيلون ماسك يتغيب عن استجواب بباريس بشأن إساءة استعمال -إكس- ...


المزيد.....

- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - بوشعيب حمراوي - صداقة الدول : عملة تقاس قيمتها بأهداف ومصالح الصديقين