أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفساد الإداري والمالي - بوشعيب حمراوي - الجزائر... حين تستثمر الدولة في صناعة العداء ويتسول الشعب العيش الكريم















المزيد.....

الجزائر... حين تستثمر الدولة في صناعة العداء ويتسول الشعب العيش الكريم


بوشعيب حمراوي
استاذ كاتب وصحفي

(Bouchaib Hamraouy)


الحوار المتمدن-العدد: 8684 - 2026 / 4 / 21 - 17:57
المحور: الفساد الإداري والمالي
    


بقلم: بوشعيب حمراوي

ليست أخطر الأزمات التي تصيب الأوطان هي الفقر وحده، ولا البطالة وحدها، ولا حتى تراجع الخدمات الأساسية، بل الأخطر أن يتحول جزء من طاقة الدولة إلى صناعة خصومات خارجية، وتغذية الكراهية، وتزوير الوعي الجماعي، بدل توجيهها إلى بناء الإنسان وصناعة المستقبل. وعندما يحدث ذلك، يصبح الشعب هو الضحية الأولى، وتصبح الدولة نفسها مهددة بالتآكل من الداخل.

حين يفشل التدبير... يُصنع العدو الخارجي

إن أي نظام سياسي حين يعجز عن تقديم أجوبة حقيقية لمطالب مواطنيه في الشغل، والصحة، والتعليم، والسكن، والعدالة الاجتماعية، يلجأ أحيانًا إلى أساليب قديمة: اختراع عدو خارجي، تضخيم المؤامرات، تحويل النقاش العام من هموم المواطن إلى معارك جانبية، واستعمال الإعلام والتعليم والخطاب الرسمي لصناعة تعبئة قائمة على الخوف والعداء بدل الأمل والتنمية.
وحين تختار دولة ما أن تجعل من الخصومة مشروعًا دائمًا، ومن الكراهية مادة للتعبئة، ومن العداء الخارجي وسيلة لتوحيد الداخل، فإنها لا تؤذي جيرانها بقدر ما تؤذي نفسها أولًا. لأن الأمم التي تبني مستقبلها على الحقد، تستهلك زمنها وطاقتها في معارك عبثية، بينما تتقدم الشعوب الأخرى بالعلم والاقتصاد والتعاون.

الجزائر الغنية... والسؤال المؤلم

في حالة الجزائر، يلاحظ كثير من المتابعين أن الشعب الجزائري الشقيق يمتلك من المقومات ما يؤهله ليكون من أكثر شعوب المنطقة ازدهارًا: ثروات طبيعية هائلة، موقع استراتيجي، طاقات شبابية، تاريخ نضالي كبير، وعمق حضاري وثقافي غني. لكن السؤال الذي يطرحه الجزائريون أنفسهم قبل غيرهم: لماذا لا تنعكس هذه الإمكانات على الحياة اليومية للمواطن؟

حين يرى المواطن ثروات النفط والغاز، ثم يعاني في المقابل من أزمات معيشية، وضعف فرص الشغل، وهجرة الكفاءات، وتراجع الثقة، فإنه يبدأ في مساءلة طرق التدبير، لا قيمة الوطن. فالشعوب لا تكره أوطانها، بل تغضب حين ترى أوطانها تُدار بعيدًا عن مصالحها.

تربية الأجيال على الخصومة بدل البناء

إن أخطر ما قد يقع داخل أي نظام سياسي هو أن يُصاغ وعي الطفل والشاب على الغضب بدل الأمل، وعلى الكراهية بدل التسامح، وعلى الرفض الأعمى بدل روح المبادرة والإبداع، وأن تُغرس فيهم صور مشوهة عن الآخر بدل ثقافة الحوار والانفتاح. فالأجيال الصاعدة تحتاج إلى مدارس تبني العقول، لا مؤسسات تشحن النفوس بالأحقاد، وتحتاج إلى مناهج تُنمي الكفاءة والابتكار، لا خطابات تبحث عن عدو وهمي لتبرير الفشل وصناعة الأزمات.

أما الأخطر من ذلك، فهو حين تُستعمل المدرسة أو الإعلام أو المنابر الدينية في شحن الأجيال بخطابات الكراهية تجاه شعب جار وشقيق مثل المغرب. فالمغاربة والجزائريون لا تجمعهم حدود فقط، بل يجمعهم الدين، والعروبة، والأمازيغية، والتاريخ المشترك، والدم، والمصاهرة، والنضال ضد الاستعمار، والذاكرة الشعبية الممتدة عبر القرون. لذلك فإن كل محاولة لصناعة قطيعة نفسية بين الشعبين تبقى مصطنعة، ومؤقتة، ومرفوضة شعبيًا.

المواطن يدفع ثمن الخصومات

حين يصبح العداء تجاه المغرب جزءًا ثابتًا من الخطاب السياسي أو الإعلامي أو الدبلوماسي لدى بعض الجهات في الجزائر، فإن الخاسر الأول هو المواطن الجزائري نفسه. لأن كل دقيقة تُصرف في الخصومة، كان يمكن أن تُصرف في إصلاح مستشفى، أو بناء جامعة، أو خلق فرصة شغل، أو دعم بحث علمي، أو تحسين البنية التحتية.
كما أن صرف الأموال العمومية في نزاعات إقليمية، أو في دعم كيانات انفصالية، أو في صراعات دبلوماسية مفتوحة، لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية، إذا كان المواطن يشعر بأن أولوياته الداخلية مهمشة. فالدولة القوية تبدأ من المستشفى، والمدرسة، وفرص الشغل، والسكن الكريم، والعدالة، لا من الخطابات المرتفعة.

العداء لا يصنع تحالفات دائمة

أما جعل العلاقات الدولية مشروطة بمواقف عدائية ضد المغرب أو بمهاجمة وحدته الترابية، فهو رهان قصير النفس. فالدول الكبرى والصاعدة تبني شراكاتها على المصالح والاستقرار والفرص الاقتصادية، لا على تصفية الحسابات الإقليمية. وقد تتعامل بعض الدول تكتيكيًا، لكنها لا تجعل عداء الغير أساسًا لاستراتيجياتها الطويلة.
إن قضية الوحدة الترابية للمغرب بالنسبة للمغاربة ليست ملفًا عابرًا، بل قضية إجماع وطني وتاريخي وسيادي. وكل محاولات إضعاف هذا الإجماع من الخارج لم تؤدِّ إلا إلى مزيد من تماسك الداخل، وإلى توسع الاعتراف الدولي بواقعية الحلول المطروحة.

الشعوب أذكى من الأنظمة

لقد أثبتت السنوات أن الشعوب أوعى من دعايات الأنظمة. فالمغربي لا يحمل عداءً للجزائري، والجزائري لا يحمل عداءً للمغربي، مهما ارتفعت نبرة التوتر السياسي. لأن الشعوب تعرف بالفطرة من يشبهها، ومن يشاركها الهموم والأحلام والتاريخ.
وكثير من الجزائريين يدركون أن معركتهم الحقيقية ليست مع الجار، بل مع التأخر، والفساد، وسوء التدبير، وتضييع الفرص. كما أن كثيرًا من المغاربة يتمنون الخير والاستقرار لجارهم الشرقي، لأن الاستقرار لا يتجزأ، والمصير الإقليمي مشترك.

النفط والغاز مقابل العداء للمغرب

ما يثير الانتباه في سلوك النظام القائم في الجزائر، أن ممارساته السياسية وخطابه المتشنج أصبحا في نظر كثير من المتابعين داخل الفضاء الرقمي مادة للسخرية أحيانًا، وسببًا للاستغراب أحيانًا أخرى، حتى لدى بعض الدول التي تربطها به علاقات صداقة أو مصالح ظرفية. إذ يصعب على كثيرين فهم كيف يمكن لدولة تمتلك كل هذه الإمكانات أن تجعل جزءًا معتبرًا من جهدها الدبلوماسي والإعلامي منصبًا على خصومة دائمة مع المغرب بدل توجيهه نحو التنمية والاستقرار الداخلي.
لقد ترسخ لدى عدد من المراقبين أن هذا النظام بات أسير ما يمكن وصفه بـ"عقدة العداء للمغرب"، حيث تحولت الخصومة من موقف سياسي قابل للمراجعة إلى هاجس مزمن يطغى على أولويات الدولة، ويؤثر في خطابها وتحركاتها وتحالفاتها. وعندما تصل الأمور إلى هذا المستوى، يصبح القرار السياسي محكومًا بردود الفعل أكثر من كونه مبنيًا على رؤية استراتيجية متزنة.
ولهذا يردد البعض، على سبيل النقد السياسي، أن الشعار غير المعلن أصبح: النفط والغاز مقابل العداء للمغرب، في إشارة إلى توظيف الثروة الطاقية في شراء المواقف أو كسب اصطفافات مرتبطة بملفات إقليمية، بدل استثمارها أولًا في رفاه المواطن الجزائري وتنويع الاقتصاد وبناء المستقبل. كما يختزل آخرون المفارقة بعبارة ساخرة: النفط والغاز مقابل الغذاء للجزائر، في تعبير عن التناقض بين امتلاك موارد ضخمة واستمرار الحاجة إلى استيراد واسع للمواد الأساسية.
المشكلة الحقيقية ليست في وجود خلافات بين الدول، فهذا أمر طبيعي في العلاقات الدولية، بل في تحويل الخلاف إلى هوية سياسية دائمة، وإلى أداة تعبئة داخلية، وإلى معيار للعلاقات الخارجية. فالدول القوية تُقاس بما تبنيه لشعوبها، لا بعدد خصوماتها، ولا بحجم الحملات التي تشنها ضد جيرانها.
وفي النهاية، لا يمكن لأي دولة أن تؤسس مستقبلها على كراهية جار، لأن الأوطان تُبنى بالعمل والإنتاج والابتكار، لا بالانشغال المزمن بالآخرين.

المغرب الكبير... فرصة أُهدرت

المؤسف أن المنطقة المغاربية كانت قادرة أن تكون قوة اقتصادية وجيوسياسية كبرى لو تم استثمار الطاقات في التكامل بدل الصراع، وفي فتح الحدود بدل إغلاق العقول، وفي بناء الثقة بدل صناعة الريبة. فالشعوب المغاربية يجمعها الدين والتاريخ واللغة والامتداد الاجتماعي والمصير المشترك.
ولو تم توجيه المليارات نحو الصناعة المشتركة، والبحث العلمي، والبنية التحتية، والتبادل التجاري، لكانت المنطقة من أكثر مناطق العالم صعودًا وتأثيرًا.

منطق البناء أم منطق العداء؟

الدولة الحكيمة هي التي تُعلّم أبناءها كيف ينافسون العالم، لا كيف يكرهون الجيران. وتُربّيهم على الاعتزاز بالوطن، لا على الهوس بعداء الآخرين. لأن من يجعل الخصومة عقيدة سياسية، قد يربح ضجيجًا مؤقتًا، لكنه يخسر المستقبل.
إن الشعب الجزائري شعب عظيم، وقدّم تضحيات جسامًا، ويستحق مستقبلًا يليق به. كما أن الشعب المغربي يتمنى الخير والاستقرار لجاره، لأن قوة المنطقة كلها في التعاون لا في التناحر، وفي التكامل لا في الاستنزاف.
إن معركة اليوم ليست بين المغرب والجزائر، بل بين منطقين: منطق يبني الإنسان ويصالح الشعوب، ومنطق يعيش على الأزمات ويقتات من الخصومات. وفي النهاية، لا ينتصر إلا الشعب، ولو بعد حين.



#بوشعيب_حمراوي (هاشتاغ)       Bouchaib_Hamraouy#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- صداقة الدول : عملة تقاس قيمتها بأهداف ومصالح الصديقين
- صناعة القائد تبدأ بإنصاف القدوة وتثمين الذاكرة الإنسانية
- (آية الكرسي ) لطرد شيطان الجن: كيف السبيل لطرد شيطان الإنس ع ...
- فلسطين... قرن من الوعود المؤجلة وشرعية دولية لم تجد طريقها إ ...
- اليوم العالمي للثرات.. تذكير بتاريخ وجذور المملكة وهويتها ال ...
- بالأمن الوقائي : نصد الانحراف ونسبق الجريمة بدل مطاردتها
- الملكية المغربية .. عقدة النظام الجزائري
- متى يستفيق الضمير الإفريقي من لعنة حب الكراسي؟
- ارحل… صرخة المحتجّين الأخيرة
- ترامب والبابا يعيدان الصراع بين الدين والسياسة
- وباء الكذب والإشاعة يطيح بعرش أبريل
- الإعلام في الأقاليم الجنوبية… معركة وعي تسبق معركة السياسة
- سلطنة عمان تساءل العالم والإعلام عن مضيقها هرمز
- حين تكون الجغرافيا قدراً والتاريخ مسؤولية وجب صمت السياسي
- ابتسم . فإن ألذ خصومك وجهك العبوس
- مفاوضات إسلام اباد : سلام مُعلّق بين حربٍ عالقة ونياتٍ مريبة
- شتان بين الحكيم المغربي واللئيم الصهيوني
- فرنسا بلا إفريقيا.. تغرق
- عالم ينفث الدخان ويتغذى بالكذب والبهتان ..الى متى ؟؟؟؟؟
- الرئيس يستحق السقوط لكن منطق القوة يذبح الشرعية الدولية


المزيد.....




- بعد تمديد وقف إطلاق النار.. بيان أمريكي يوضح مصير رحلة نائب ...
- -حزب الله- يعلن استهداف موقع إسرائيلي ردًا على -الخروقات-.. ...
- ماكرون يدعو إسرائيل للتخلي عن أطماعها في لبنان.. وسلام: لن ن ...
- ترامب يعلن تمديد وقف إطلاق النار وطهران تتحدث عن -مناورة لكس ...
- تقارير إسرائيلية: تل أبيب وواشنطن تستعدان لاستئناف الحرب على ...
- بعد قرار ترمب تمديد الهدنة.. هل تنجح مفاوضات باكستان في نزع ...
- ميلوني ترد على انتقادات ترامب: الشجاعة تعني التعبير عن رأيك ...
- شهباز شريف: سنواصل جهودنا للتوصل إلى تسوية بين واشنطن وطهران ...
- غموض بشأن الجولة الثانية لمحادثات أمريكا وإيران.. إليكم آخر ...
- ترامب يعلن تمديد وقف إطلاق النار مع إيران ويوضح السبب


المزيد.....

- The Political Economy of Corruption in Iran / مجدى عبد الهادى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفساد الإداري والمالي - بوشعيب حمراوي - الجزائر... حين تستثمر الدولة في صناعة العداء ويتسول الشعب العيش الكريم