أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد فرحات - حين يُصلب الإنسان من جديد: قراءة في عرض فريق الحياة للدراما














المزيد.....

حين يُصلب الإنسان من جديد: قراءة في عرض فريق الحياة للدراما


محمد فرحات

الحوار المتمدن-العدد: 8667 - 2026 / 4 / 4 - 09:08
المحور: الادب والفن
    


كانت ليلة استثنائية بكل المقاييس، تلك التي قضيتها مع فريق الحياة للدراما أثناء عرضهم المسرحي للنص العالمي “المسيح يُصلب من جديد” على خشبة مسرح رمسيس كولدج للبنات. لم يكن الأمر مجرد عرض مسرحي تقليدي، بل تجربة إنسانية عميقة أعادت طرح أسئلة قديمة بروح معاصرة تمس وجدان كل من حضر، مؤكدة أن المسرح الحقيقي لا يزال قادرًا على إحداث أثر حقيقي في الوعي والوجدان.
قدم الفريق معالجة مصرية واعية للنص الأصلي، فنجح في “تمصير” العمل دون أن يفقده روحه العالمية. هذا النص، الذي يُعد من كلاسيكيات المسرح الإنساني، يقوم في جوهره على المشترك الإنساني، حيث تتقاطع فيه قضايا الظلم، والرحمة، والصراع بين القيم والمصالح. وقد استطاع الفريق أن ينقل هذه المعاني إلى الواقع المصري بسلاسة وصدق، مما جعل الجمهور يشعر أن الحكاية تخصه هو، وتدور في محيطه، لا في قرية بعيدة أو زمن منقطع.
وتدور الفكرة حول قرية صغيرة لا يتجاوز عدد سكانها الألفي نسمة، لكنها في حقيقتها تمثل العالم بأسره، بكل آثامه وخطاياه. وفي إطار زيارة مرتقبة للملك، يسعى الوالي، الذي يجسد السلطة الجشعة، إلى تقديم عرض مسرحي عن حياة المسيح، فيعلن عن مسابقة بين أهل القرية لتجسيد الأدوار. تتوزع الشخصيات بين الناس: هذا بطرس، وذاك يهوذا، وتلك مريم الصغرى، والأخرى مريم المجدلية، بينما يُنظر إلى دور المسيح باعتباره دورًا ثانويًا، في مفارقة كاشفة لطبيعة السلطة التي تفرغ القيم من معناها.
يقع الاختيار على “رحيم”، ساقي الحانة الذي يعيش على هامش الأخلاق، يبيع الخمر المغشوشة، ويبدو بعيدًا كل البعد عن أي قداسة. لكن لقاءه مع “زينة”، فتاة الليل التي تحمل داخلها حسًا إنسانيًا خفيًا، يشكل نقطة التحول. بدافع خجلها من قراءة الكتاب المقدس، تدفعه هي، دون قصد، إلى الاقتراب منه، فيبدأ رحيم رحلة تغير تدريجية، تتعمق مع أول بروفة يؤدي فيها دور المسيح، ليتحول من مجرد ممثل إلى إنسان يتبنى القيم التي يجسدها.
ومع تطور الأحداث، لا يعود رحيم يؤدي دورًا على خشبة المسرح، بل يصبح تجسيدًا حيًا لفكرة الرحمة والمحبة والتضحية. يجتمع حوله فقراء القرية وضعفاؤها، فيمنحهم صوتًا وأملًا، وهو ما يثير خوف الوالي وباقي أصحاب المصالح، الذين يرون في هذا التحول تهديدًا مباشرًا لسلطتهم. وهنا يبلغ الصراع ذروته، حين يتحول “التمثيل” إلى واقع، ويتفق الجميع على إعادة إنتاج مشهد الصلب، لكن هذه المرة بشكل حقيقي.
تصل المسرحية إلى ذروتها بمشهد صلب رحيم وقتله، في لحظة تختلط فيها حدود الفن بالحياة، والرمز بالحقيقة. غير أن المشهد الأكثر تأثيرًا يأتي عبر منولوج “زينة”، الذي يحمل شحنة عاطفية هائلة، فتنجح من خلاله في أسر قلوب الحضور، مؤكدة موهبة تستحق التقدير ومكانة متقدمة بين ممثلي جيلها. ومع نهاية مفتوحة، يجد المشاهد نفسه أمام سؤال قاسٍ: هل كنا مجرد متفرجين، أم شركاء في الجريمة؟
على مستوى الأداء التمثيلي، قدّم فريق الحياة للدراما حالة من الصدق الفني اللافت، حيث بدا واضحًا اندماج الممثلين مع شخصياتهم إلى حد التماهي، وهو ما انعكس على قوة التعبير والانفعالات التي وصلت بسلاسة إلى الجمهور. لم يعتمد الأداء على المبالغة، بل على الإحساس الداخلي، فجاءت الشخصيات حقيقية نابضة بالحياة. أما الموسيقى، فقد لعبت دورًا محوريًا في تشكيل الحالة الشعورية، متنقلة بين الهدوء والتوتر بما يخدم السياق الدرامي، دون أن تطغى على العناصر الأخرى.
وفيما يخص العناصر البصرية، جاءت المناظر المسرحية بسيطة لكنها معبرة، اعتمدت على الرمزية بدلًا من الزخرفة، مما أتاح مساحة أكبر لتأويل المتلقي وربط الأحداث بواقعه. واكتملت هذه العناصر برؤية إخراجية واعية نجحت في تحقيق التوازن بين كل مكونات العرض، محافظة على إيقاعه وتماسكه من البداية حتى النهاية، لتخرج التجربة في صورة متكاملة تحمل رسالة واضحة وعميقة.
ورغم تزامن العرض مع جمعة الآلام، إلا أنه لم يكن عرضًا دينيًا موجهًا لفئة بعينها، بل جاء كرسالة إنسانية شاملة لكل المصريين. رسالة تؤكد أن قيم المحبة، والتسامح، والسلام، ليست حكرًا على دين أو زمن، بل هي ضرورة إنسانية دائمة. وكأن العرض يهمس في آذاننا جميعًا: إن هذه الأرض، تحت هذه السماء، تتسع للجميع، لكن السؤال الأهم يظل معلقًا، هل نتعلم من الحكاية، أم سنعيدها مرة أخرى؟
في النهاية، يمكن القول إن “المسيح يُصلب من جديد” في نسخته التي قدمها فريق الحياة للدراما للسنة التاسعة، لم يكن مجرد عرض مسرحي، بل تجربة إنسانية مكتملة الأركان، تضع الجمهور أمام مرآة نفسه، وتدعوه لمراجعة أدواره في هذا العالم. فلكل زمن “مسيحه” الذي قد يُصلب، لا لأنه ضعيف، بل لأن الآخرين لم يتغيروا بعد.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- محمد حجازي*: العابر بين الأسماء والأديان
- حين يُطارَد الصوت الفلسطيني: بيسان عدوان بين منافي الجغرافيا ...
- كادرات نور: البدايات المشتعلة
- كادرات نور: البدايات التي تشبه النضج-
- : -حَيَاةٌ-: سرديّة الأمل والموت في مجموعة -كَادراتُ نورٍ- ل ...
- الكنتونات المتحدة
- نهلة البيباوي… صرخة بيانو في وجه زمن القبح
- الأكاديمي حينما يتحول لبوق أيديولوجي
- انحرافات خالد أبو الليل: كيف تحوّل -الباحث الشعبي- إلى بوقٍ ...
- شعبان يوسف يخلع عباءة النقد ليرتدي جلباب الرقيب المتقاعد
- زياد الرحباني: حين صار الفن موقفًا والصوت مانيفستو لا يساوم
- دولة نص كُم خير من عصابة بكُم
- بين الحلم الاشتراكي والحلم الليبرالي
- اكتبوه ميتًا: تمثلات القمع ومقاومة الحياة في سردية الطفولة ع ...
- جسد من حرير السماء: شعرية التقمص الصوفي في خطاب سعدني السلام ...
- الموظف الأخير
- برهامي والميثاق المقدّس: فتوى على مقاس الاحتلال
- كنافة على الهامش: عبث الواقع وسخرية الحلم – قراءة نقدية في ض ...
- من رجال الدين إلى دين الرجال: كيف تحوّل النص المقدّس إلى أدا ...
- لماذا صدمتنا صفحة شيخ الأزهر ببيان رثاء الحويني؟


المزيد.....




- مصر.. الفنان عبدالرحمن أبو زهرة في العناية المركزة
- ذاكرة المكان بين إبراهيم نصر الله وأورهان باموق
- الخوف على الساردة في رواية -الغناء في الرابعة فجراً-
- وفاة الفنانة العراقية ساجدة عبيد عن عمر يناهز 68 عامًا
- جيل -ألفا- يعيد العائلات إلى السينما
- -مدخرات 15 عاما اختفت-.. شاهد دمار مدرسة للموسيقى ضربتها غار ...
- من رواد الفن الشعبي.. وفاة الفنانة العراقية ساجدة عبيد
- البوكر الدولي 2026.. الأدب العالمي يقرع جرس الإنذار
- المخرج من أزمة هرمز.. كيف تبدو مواقف وخيارات الأطراف المعنية ...
- آلام المسيح: ما الذي يجعل -أسبوع الآلام- لدى أقباط مصر مختلف ...


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد فرحات - حين يُصلب الإنسان من جديد: قراءة في عرض فريق الحياة للدراما