أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القومية , المسالة القومية , حقوق الاقليات و حق تقرير المصير - محمد فرحات - محمد حجازي*: العابر بين الأسماء والأديان














المزيد.....

محمد حجازي*: العابر بين الأسماء والأديان


محمد فرحات

الحوار المتمدن-العدد: 8628 - 2026 / 2 / 24 - 13:45
المحور: القومية , المسالة القومية , حقوق الاقليات و حق تقرير المصير
    


في أحد أحياء القاهرة الشعبية، وُلد محمد حجازي، شاب لم يكن يعلم أن اسمه البسيط سيصبح فيما بعد عنوانًا للجدل، ورمزًا لموضوع حساس في مصر. الاسم الذي اختاره له والداه، محمد، كان عاديًا، شائعًا، دافئًا، لكنه سرعان ما أصبح ثقلًا يرافقه في كل خطوة، إذ سرعان ما اكتشف أن الأسماء أحيانًا لا تبقى مجرد أسماء، بل تتحوّل إلى علامات، إلى معارك، إلى هويات مطلوبة ومراقبة.
كبر محمد في بيت متدين، يسمع الأذان خمس مرات في اليوم، ويعرف في صغره بعض الآيات القرآنية عن ظهر قلب. لكنه لم يكن مولعًا بالطاعة العمياء؛ أسئلة لم تهدأ تراوده منذ المراهقة. أسئلة عن الإيمان، عن الاختيار، عن معنى أن يولد الإنسان في دين دون أن يختاره هو بنفسه. كانت أسئلته صامتة، لكنها قوية، تتسلل إلى الليل، تطارده في أحلامه، وتجعل كل صلاة لحظة تأمل حائرة.
في الجامعة، اتسعت الأسئلة، وبدأت تأخذ طابعًا سياسيًا. محمد، الشاب الغاضب والطموح، وجد نفسه منخرطًا في الحركة المصرية من أجل التغيير (كفاية)، تلك الحركة المعارضة التي ظهرت في منتصف العقد الأول من الألفية الجديدة. شارك في احتجاجات، رفع شعارات ضد التوريث السياسي، ضد الجمود، ضد الخوف من المستقبل، وكأن نشاطه السياسي كان تحضيرًا داخليًا لمواجهة أكبر قادمة. كانت حياته مزدوجة؛ في النهار ناشط سياسي، وفي الليل مفكر يبحث عن الله على طريقه الخاص.
ثم جاء اليوم الذي أعلن فيه محمد تحوّله إلى المسيحية. لم يكن القرار مفاجئًا؛ بل كان تتويجًا لسنوات من قراءة وتجارب وحوارات داخلية. أخذ اسمًا جديدًا، بيشوي، لتتوافق هويته الجديدة مع قناعاته الروحية، وبدأ يشعر لأول مرة أنه يختار بنفسه، أنه يمسك زمام حياته. لكنه لم يعلم أن اختياره هذا سيجعله محور صراع لا إرادي، وأن المجتمع والدولة والإعلام سيحولونه من إنسان يبحث عن الإيمان إلى قضية سياسية واجتماعية.
رفع محمد دعوى قضائية لتغيير خانة الديانة في بطاقته الشخصية. كان يظن أن الأمر إداري، مجرد ختم، مجرد ورقة، لكنه اكتشف أن الورقة يمكن أن تكون زلزالًا. تحوّل إلى خبر، إلى عنوان في الصحف، إلى مادة في البرامج الحوارية، إلى رمز في معركة لم يقصد أن يخوضها. الدولة، المجتمع، حتى الأصدقاء والأقارب، أصبحوا جميعًا أطرافًا في مسرح كبير، بينما هو، محمد، يقف وحيدًا في منتصفه، بين الاختيار والضغط، بين الحرية والخوف.
زوجته، التي اختارت معه الطريق، لم تعد تتابع الحياة اليومية بهدوء. كانت تضطر للوقوف معه، تحمل نظرات المجتمع، وتحمي نفسها من شائعات تنتشر أسرع من الحقيقة. البيت لم يعد ملاذًا آمنًا، الشارع لم يعد مأمونًا، حتى أصدقاؤه القدامى وجدوا صعوبة في التعامل معه كما اعتادوا. كل شخص حوله أصبح يقرأ قصته بوجهة نظره، لا بما اختبره هو نفسه.
ومع مرور الوقت، شعر محمد أن اسمه لم يعد ملكه. لم يعد محمد، ولم يعد بيشوي؛ أصبح “قضية”، رمزًا لنقاشات لن تنتهي. وسائل الإعلام تناوبت على استخدامه لإثارة الجدل، والكنيسة التي اعتنقها لم تمنحه الدعم الكافي لتجاوز العاصفة، فبات حائرًا بين معركة حقيقية وبين شعور شخصي عميق بالخسارة والإنهاك.
السنوات صعبة. الاعتقال، المضايقات، تهديدات مجهولة الهوية، ومراقبة مستمرة، كل ذلك أضاف ضغطًا لم يعرفه من قبل. في لحظة ضعف، وفي تسجيل مصوّر صادم، ظهر محمد بعد سنوات معلنًا عودته إلى الإسلام، ناطقًا الشهادتين بصوت بدا فيه الإرهاق والتعب النفسي والجسدي. لم يكن واضحًا هل عودته قرار قناعة، أم عودة خوف، أم مجرد محاولة للبقاء على قيد الحياة وسط صراع أكبر منه. السؤال بقي معلقًا في ذهنه: هل اختياره الشخصي يمكن أن يظل بعيدًا عن المجتمع والسياسة والدين؟
مع اختفائه تدريجيًا من المشهد العام، بدا أن المجتمع قد نسي قصته، وأن الإعلام توقف عن طرح اسمه، وأن الدولة أرادت أن تغلق الملف بهدوء. لكنه ترك وراءه إرثًا من الأسئلة: عن حرية الاعتقاد، عن التوازن بين الفرد والمجتمع، عن قدرة الإنسان على اختيار مصيره الروحي دون أن يصبح قضية عامة.
اليوم، قصة محمد حجازي، أو بيشوي، كما صار يُعرف بين جماعات معينة، ليست مجرد قصة تحوّل ديني. هي قصة إنسان حاول أن يمشي خارج الخطوط المرسومة، واكتشف أن الخطوط ليست مجرد حبر على الورق، بل جدران مرئية وغير مرئية، يقف وراءها المجتمع، الدولة، المؤسسات الدينية، وحتى الإعلام. هي قصة عن صراع بين الحرية الشخصية ومصالح الآخرين، بين الإيمان الفردي والضغط الجماعي، بين الاختيار وبين الثمن.
وفي النهاية، ما تبقى ليس مجرد دين أو اسم، بل تجربة إنسانية كاملة، تجربة تعلمنا أن الاختيار الحر غالبًا ما يكون أكثر تكلفة من أي معركة أخرى، وأن الشجاعة الحقيقية ليست فقط في أن تختار، بل في أن تتحمل كل ما يأتي مع هذا الاختيار.

*حدث ذلك عام ٢٠٠٧، وبعد معركة قضائية، تعرض للاعتقال، وفي ٢٠١٦ أعلن بفيديو إنه وزجه عادا للاسلام، ثم اختفيا تماما، بعض اللقاءات المتلفزه قد ظهر فيه محمد حجازي تحت اسم بيشوي ارميا بولس، وكان ذلك عام ٢٠٢٣ بقناة اسمها "في النور" إلا أن قضيته حجازي أو بيشوي تعيد تعريف وممارسة الحقوق المدنية والحدود التي تسمح بها الدولة ذات الدستور الذي ينص على الحرية المطلقة للاعتقاد، والممارسة، بل وممارسة المؤسسات الدينية الرسمية المسلمة والمسيحية ومازال القوس مفتوحا لكل الاحتمالات الممكنة وغير الممكنة.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين يُطارَد الصوت الفلسطيني: بيسان عدوان بين منافي الجغرافيا ...
- كادرات نور: البدايات المشتعلة
- كادرات نور: البدايات التي تشبه النضج-
- : -حَيَاةٌ-: سرديّة الأمل والموت في مجموعة -كَادراتُ نورٍ- ل ...
- الكنتونات المتحدة
- نهلة البيباوي… صرخة بيانو في وجه زمن القبح
- الأكاديمي حينما يتحول لبوق أيديولوجي
- انحرافات خالد أبو الليل: كيف تحوّل -الباحث الشعبي- إلى بوقٍ ...
- شعبان يوسف يخلع عباءة النقد ليرتدي جلباب الرقيب المتقاعد
- زياد الرحباني: حين صار الفن موقفًا والصوت مانيفستو لا يساوم
- دولة نص كُم خير من عصابة بكُم
- بين الحلم الاشتراكي والحلم الليبرالي
- اكتبوه ميتًا: تمثلات القمع ومقاومة الحياة في سردية الطفولة ع ...
- جسد من حرير السماء: شعرية التقمص الصوفي في خطاب سعدني السلام ...
- الموظف الأخير
- برهامي والميثاق المقدّس: فتوى على مقاس الاحتلال
- كنافة على الهامش: عبث الواقع وسخرية الحلم – قراءة نقدية في ض ...
- من رجال الدين إلى دين الرجال: كيف تحوّل النص المقدّس إلى أدا ...
- لماذا صدمتنا صفحة شيخ الأزهر ببيان رثاء الحويني؟
- مأساة العصافير: قراءة اجتماعية ماركسية في بنية القمع الرمزي


المزيد.....




- صورة نادرة لحوت مصاب بالمهق تفوز في جائزة تصوير مرموقة
- مشرعون ديمقراطيون وجمهوريون يؤيدون نوايا ترامب على مهاجمة إي ...
- تقارير إسرائيلية: حماس -تتكيف- مع ترتيبات ما بعد الحرب للحفا ...
- الملفات الغامضة: هل يحسم وزير الحرب الأمريكي الجدل حول الكائ ...
- أخبار اليوم: المستشار الألماني ميرتس: مصير أوكرانيا هو مصيرن ...
- رياح معاكسة ـ اختبار صعب لترامب قبيل خطاب -حالة الاتحاد-
- موسى هلال وحميدتي.. صراع أبناء العمومة الدموي
- ثورة آيفون المفتوح.. أوروبا تكسر أسوار آبل الرقمية
- البرهان يتوعد بالمحاسبة والدعم السريع يقتحم منطقة في دارفور ...
- حرب أوكرانيا.. المال لأمريكا والأرض لروسيا والمجد لكييف


المزيد.....

- اشتراكيون ديموقراطيون ام ماركسيون / سعيد العليمى
- الرغبة القومية ومطلب الأوليكارشية / نجم الدين فارس
- ايزيدية شنكال-سنجار / ممتاز حسين سليمان خلو
- في المسألة القومية: قراءة جديدة ورؤى نقدية / عبد الحسين شعبان
- موقف حزب العمال الشيوعى المصرى من قضية القومية العربية / سعيد العليمى
- كراس كوارث ومآسي أتباع الديانات والمذاهب الأخرى في العراق / كاظم حبيب
- التطبيع يسري في دمك / د. عادل سمارة
- كتاب كيف نفذ النظام الإسلاموي فصل جنوب السودان؟ / تاج السر عثمان
- كتاب الجذور التاريخية للتهميش في السودان / تاج السر عثمان
- تأثيل في تنمية الماركسية-اللينينية لمسائل القومية والوطنية و ... / المنصور جعفر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القومية , المسالة القومية , حقوق الاقليات و حق تقرير المصير - محمد فرحات - محمد حجازي*: العابر بين الأسماء والأديان