أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - سنان سامي الجادر - البشرُ أبناء الله ..جَميعهم














المزيد.....

البشرُ أبناء الله ..جَميعهم


سنان سامي الجادر
(Sinan Al Jader)


الحوار المتمدن-العدد: 8665 - 2026 / 4 / 2 - 22:53
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


تُعدّ التعابير المجازية من أبهى مظاهر الفصاحة وعمق التفكير، وهي سمة بارزة في لغات الحضارات القديمة في بلاد الرافدين. فقد لجأت الثقافات السومرية والبابلية والآشورية إلى هذا الأسلوب بوصفه أداة مركزية للتعبير عن مفاهيمها الدينية والأدبية، بل واستخدمته أحياناً كوسيلة لحجب المعارف عن العامة، بحيث لا يدرك أسرارها إلا الخاصّة من أهل المعرفة والانتماء، ممن أُريد لهم فهم العقائد الباطنية للنخب الدينية العالية.

وحيث أنّ الدين المندائي هو دين رافديني بابلي أصيل، فإن حضور المجاز في نصوصه المقدّسة يبدو واضحاً ومكثفاً. ومن تلك التعابير الكثيرة نأخذ أحدها. وهو القول بأن إنساناً ما هو “ابن للإله”، أو أن ملاكاً يُنسب إلى ملاك آخر بوصفه ابناً له. غير أن هذا التعبير لا يُفهم على حقيقته الحرفية، إذ لا يدل على بنوّة بمفهوم بيولوجي، بل يشير إلى منزلة روحيّة رفيعة؛ حيث يُعدّ الإنسان المؤمن الذي نال الوحي أو الإلهام الإلهي بمثابة من اصطفاه الإله وقرّبه، فيرى نفسه ابناً له من حيث الرعاية والهداية ويصف هذه الحالة بالنصوص. وكذلك الحال في عالم الملائكة، حيث تعني “الأبوة” علاقة القيادة والتكليف، لا النسب الجسدي.

وأنّ الذين اقتبسوا نصوص بلاد الرافدين الدينيّة قديماً, كان لهم سوء فهم لهذا التعبير المجازي البسيط, وأتى التحريف الكبير في تاريخ الأديان الذي أشعل ناراً لم تنطفئ بعد ألفي عام ولا تزال متّقدة. حيث أن المجموعة العرقية والدينية التي يخرج منها البشري الذي يتم أعتباره ابناً للإله فأن هؤلاء سوف يصبحون أسياداً على المؤمنين بعقيدتهم لأنهم سيكونون (أقارب مع الإله) وهو الموضوع الذي يفتح الباب أمام ادعاءات التفوق والسيادة لهم, فيأخذون الحصانة الكاملة في العالم والنفوذ والأموال.
---

ولتوضيح بعض جوانب الموضوع أقتبس من كتابي "الإسلام والمندائية وجذورهما البابلية" (1) ما يلي:

"وكذلك فيتم استخدام كلمة الأب كأحد الأسماء الحسنى المندائية, وهي تأتي كتعبير مجازي وبكونه أب لجميع المخلوقات من الملائكة والبشر الذين خلقهم بأمره لتنفيذ إرادته وغايته.

* " إستَجِبْ لي يا أبي .. إستَجِبْ لي
وانتشلني أيُّها العظيم , يا أبي .. انتشلني "
كتاب الكنزا ربا ( ۲۰۰۰ ) بغداد النسخة العربيّة . مطبعة الديوان . اليمين 177

ونجد في النصوص السومرية والبابلية بأن أحد الآلهة يوصف بأنه أب لإله آخر. وهذا كان يؤخذ أيضاً كمثال على عدم وجود مفهوم التوحيد الحالي. فكيف يولد الإله إلاها آخر؟ وماذا سيكون قدر الإله الجديد أن قرر أن يصبح هو الإله الأعظم؟ ولكن هذا الموضوع يتعلّق أيضاً بفهم المغزى من تلك العبارة. ولأن صيغة التعظيم تتجسد عندما ينسب الإله أو الإنسان نفسه إلى إله آخر أو شخص آخر ويقول بأنه أبيه. وعلى سبيل المثال لو نعود إلى النص السومري الخاص بنزول إنانا إلى العالم السفلي وهي التي كانت مدينتها أوروك, فهي كانت قد أوصت مساعدتها نینشوبور بأنها عند وصولها لهناك فعليها أن تذهب إلى معبد إنليل الإيكور (بيت الجبل) في مدينة نفّر لتتضرّع للإله إنليل وتقول له لا تدع ابنتك تقتل في العالم السفلي, وفي حال لم يستجب لها فالتذهبي إلى معبد نانّا الايكيشنوجال (بيت النور) في مدينة أور وتتضرعي أمام نانّا إله القمر السومري ولتقولي له لا تدع ابنتك تقتل في العالم السفلي, وفي حالة لم يستجب فالتذهبي إلى معبد إنكي الأبسو (بيت العمق) في مدينة إريدو وتتوسلي إلى إنكي وتقولي له لا تدع ابنتك تقتل في العالم السفلي.

الشوّاف , قاسم ( 2001 ) ديوان الأساطير سومر وأكاد وآشور الكتاب الرابع . بيروت . مطبعة دار الساقي . ص59-60

ومن هذا فيتضح بأن الإلهة إنانا كانت تعرّف نفسها على إنها أبنة لكل من إنليل ونانّا وإنكي بنفس الوقت. فكيف يكون هذا إلا لأنها أبوّة مجازيّة, أو بأنهم كانوا أسماء وصفات لإله واحد ولكن ضمن معابد مختلفة.

وكما يتم ذلك في المندائية حيث يتم تبادل الأسماء لنفس الشخصية الملائكية, فهيبل زيوا يدعى أحياناً أبن منداادهيي وهذا أنه ليس أبيه البايولوجي وإنما الذي ناداه. وبثاهيل يدعى أبن أباثر لنفس السبب, وكل من هيبل زيوا وبثاهيل يتم دعوتهما بجبرائيل التي تعني رجل الله والذي هو المُرسل الذي يرسله الإله لمهمات معينة.

أو أنّ إنانا بنسبها نفسها على إنها أبنة لإنليل ولنانا ولإنكي بنفس الوقت هو يتعلق بأبداء الاحترام لهم جميعاً عبر نسبها نفسها كابنة لهم ليرقوا لها ويساعدونها. وقد بينا بوجود فلسفات مختلفة كثيرة في بلاد الرافدين تتفق وتختلف بالعبادة والتوحيد, ولكن الأطر العامة للنصوص والمفردات المستخدمة هي متشابهة.”

1. مصدر الكتاب الجادر, سنان سامي (2025) :"الإسلام والمندائية وجذورهما البابلية". ص255-256
https://tinyurl.com/4w5dmm24



#سنان_سامي_الجادر (هاشتاغ)       Sinan_Al_Jader#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- صابئة حرّان -المندائيون المتميّزون
- الأديان السياسية تصنع الخونة
- مؤامرة الفوضى وضرب العراق
- لِماذا يكرهون العراق؟
- الصابئة والمحاصصة شهادة براءة
- الصابئة سكان الكويت الأصليين.
- وذكّر فقد تنفع الذكرى
- فحص الجينات والحرب البيولوجيّة
- البشر لا يَحمدون ربّهم
- رسالة من رجل دين مندائي إلى الأحزاب العراقيّة
- الكتاب الذي يعيد رسم خريطة التوحيد في الشرق القديم
- تعدد الزوجات لدى المندائيين
- الملالي المندائيين والمعرفة الزائفة
- الديانات التبشيريّة وإلغاء القوميّة
- الكشف عن التشابه بين ترنيمة نجع حمادي (الرعد: العقل المثالي) ...
- اللّفظ المندائي بالعراقي والإيراني
- اللُّغة المندائيّة العربيّة القديمة
- درجات السلك الديني المندائي
- فيدراليّة هولندا المندائيّة ومَرَدَة الظلام!
- السومريون هم نفسهم الأكديون


المزيد.....




- وقف إطلاق النار.. بنود الاتفاق -غير المكتوب- تثير خلافًا بين ...
- باكستان تؤكد لـCNN: لبنان مشمول بوقف إطلاق النار رغم موقف إس ...
- فيديو منسوب لـ-تعزيزات عسكرية سورية على الحدود مع العراق-.. ...
- الإمارات: هجمات إيران تستدعي -المساءلة- و-التعويض- عن الخسائ ...
- مقتل وجرح المئات في لبنان بعد هجمات إسرائيلية عنيفة.. إليكم ...
- تصعيد مفتوح في لبنان: إسرائيل تؤكد استمرار العمليات وكاتس يت ...
- متأثرةً بارتفاع أسعار النفط.. شركات طيران أمريكية تزيد رسوم ...
- ولادة فصيل الجمل صوفيا في حديقة حيوان ويبسنيد تعزز جهود الحف ...
- بوساطة صينية.. كابول وإسلام آباد تتفقان على -ضبط النفس- وتجن ...
- الكويت تستدعي القائم بالأعمال العراقي للاحتجاج على اقتحام وت ...


المزيد.....

- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان
- اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال ... / صباح علي السليمان
- محاضرات في علم الصرف ( كتاب مخطوط ) . رقم التصنيف 485/252 ف ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - سنان سامي الجادر - البشرُ أبناء الله ..جَميعهم