الطايع الهراغي
الحوار المتمدن-العدد: 8661 - 2026 / 3 / 29 - 18:15
المحور:
العولمة وتطورات العالم المعاصر
"يحبّونني ميّتا ليقولوا: كان منّا، وكان لنا."
(محمود درويش).
"استشهدوا لنحيا،فهم أحياء" .
(عبارة منحوتة في واجهة النّصب التّذكاريّ في ساحة بلدة سخنين.من تصميم فنّان الأرض المحتلّة عبد عابدي).
**الفلسطينيّ يتماوت لكي لا يموت
سيظلّ يوم الأرض الذي دأب الفلسطينيون وأصدقاء قضيّتهم ومناصروها من أحرار العالم على إحيائه سنويّا منذ خمسين سنة لعنة ووصمة عار تلاحق طوابير المطبّعين وسوط عذاب لكلّ من يخامره وهم التّصالح في / ومع أمر لم يقبل ولن يقبل الشّهداء أن يكون موضوعا لحديث عن التّسامح ومثله من مشتقّات التّصالح.
في أواخر شهر أذار يمكنك أن تبصر الجرح وهو يواسي الجرحَ ليكملا المشوار.ويُخيّل إليك أنّه في أجمل المسامرات يجالسه وينادمه ليتلو عليه بعضا من الآيات البيّنات،قرآنا فلسطينيّا بليغا مبينا يقـرّ أنّ الأرض مزهوّة بفلسطينيّتها. كذلك كانت منذ الأبد. ومازالت.وكذلك ستظلّ.احتجاجا على بلادة مشاعر الأحياء الأموات وبرودتها يتواعد الشّهيد مع الشّهيد في متراس ما من المتاريس، في مدخل من مداخل بوّابات المدينة بعيدا عن زوّار اللّيل من عسس الحاكم، عيونه التي لا تنام،تبتهج الأرض وتستعيد كلّ نضارتها الأولى وتفتح على مهل دفاتر الحساب وتبحر في ممارسة هواية دأبت عليها. وليس منها فكاك:أن تستدلّ على هويّة من استشهد وهو بأظافره يحتضنها وبدمه يروي ترابها ليزيل عنه كلّ العطش،تستدلّ بما تبقّى ممّا تطاير الكثير من أشلائه وبعضه الآخر تناثر حتّى لا يترك للأعداء من الأغراب والأعراب إمكانيّة التّقليل من عدد شهدائها.شهداء كان عليهم أن يخاتلوا الموت أعواما ويراوغوه سبعا ويرقصوا على أنغامه عشرا فيذعر الموت ويعتريه الخجل.
الإثنين.صبيحة 30مارس 1976،الأرض المغتصبة بمؤامرة،المصادرة بقانون خرافيّ[ قانون مصادرة أملاك الغائبين].تلك التي اعتقد برابرة العصر من غلاة الصّهاينة أنّها باتت في مخيّلة أهلها نسيا منسيّا تذكِّر أهلها من فلسطينيّي الدّاخل(في ما بات يُعرف بعرب 1948)أنّ عليهم واجبا وديْنا،أن يستولوا على أرض يشهد التّاريخ أنّها أرضهم ويستردّوا هواء يشهد الرّبّ أنّه هواؤهم.
خديجة قاسم شواهنة (23سنة) من سخنين(الحيّ الحزين)ما كان بإمكانها أن تختار تاريخ ميلادها الأوّل ولا الحيّ الذي احتضن - ربّما بالصّدفة- نشأتها وكان على عذابات طفولتها وعربداتها وآمالها البسيطة شاهدا،وعلى تدفّق أحلامها رقيبا.ولكنّها استطاعت أن تختار يوم مولدها الثّانيّ بكثير من العناية والدقّة وأن تحتفل به بأروع الأشكال وأحلاها احتفاليّة.ففي صبيحة يوم الغضب الفلسطينيّ الموعود والعامّ (30 مارس 1976) يخطر لها، لمّا دغدغها الحنين إلى رائحة الأرض،أن تكون على موعد مع التّاريخ. وهل من سبيل إلى ذلك إلاّ بأن تكون على موعد مع بوّابة من بوّاباته السّبعة:أرض كنعان، فلسطين ؟؟. فكان ما يجب أن يكون. التحقت خديجة بقوافل الشّهداء.فباتت جزءا من إرث جميل وبداية في فصل جديد من سرديّة ملحميّة موضوعها الأرض، حفل الشّعر الفلسطينيّ بتخليدها (خديجة! لا تغلقي الباب/لا تدخلي في الغياب/سنطردهم من إناء الزّهور وحبل الغسيل/ سنطردهم عن حجارة هذا الطّريق الطّويل/ سنطردهم من هواء الجليل"(محمود درويش).
قالها شهيد: "دائما يوجد في الأرض متّسع لشهيد"(غسّان كنفاني). في شهر آذار(مارس) وفي طبعته الفلسطينّية الموقّعة بعذابات الأحرار وأحلامهم وانتظاراتهم ،تحديدا في الثّلاثين منه يكتسب حدث يوم الأرض كلّ رمزيّتتة وقدسيّته وأبعاد دلالاته ويطلّق القائمون على تأثيث احتفاليّاته تلك البلاغة الفجّة التي ما فرّخت غير التّرّهات والأكاذيب وما أزعجت يوما ذبابة. فبات الدأب على إحيائه سنويّا عرسا فلسطينيّا داميا مشبعا برغبة جامحة جموح في ما يجب نحته من العناد والتّحدّي. في كلّ بقعة من هناك، من تراب "أرض البرتقال الحزين" في يافا وحيفا والجليل،في عكّا والنّاصرة وجنين تلبس أمّنا الأرض أجمل ما في حوزتها من حلل الفرح الدّامي والغضب المكلوم، وتتّخذ من إعصار القلق الدّائم الملتاع بعضا من لحاف. وعلى نفسها تنتفض وتثور لتنزاح عنها كوابيس من الأحزان المخيّمة من سنين في ما رسمته على جبين التّاريخ وقائع ممّا تراكم من الانتكاسات والجراحات والخيبات.هي الشّاهد الأمين على أرذل مهازل العصر ومآسيه،تلك الأسطورة القادمة من الأزمنة الغابرة، من أسفار الحكايا القديمة،لوثة يراد لها أن تشوّه الحقيقة وتلوي عنقها وتكسر رقبتها عساها تفرض منطق البؤس والاستسلام وتنجح في أن تجعل من سرديّة الخرافة والعجرفة الوقحة أمرا واقعا
في شهر آذار يصبح لزاما على رفيق ناجي العليّ وابنه المدلّل ونصيره في رحلة البحث عن أفق الطّفل حنظلة - لكي يظلّ على الأمانة حارسا وأمينا-أن يقرّ مجدّدا بأنّه على العهد باق وأبدا لن يحيد.ولكي يضمن أن لا يخلف العهد يجب أن لا يكبر لكي لا يموت.يتوجّب عليه أن يبقى ذلك الطّفل الذي لا هواية له غير أن يكون حالما إلى أن يصدق الوعد (ووعد الشّهيد كان دوما حقّا)ويحين موعد العودة. يقول الشّهيد في وصيّة من تلك الوصايا التي إذا انفتحت تأبى أن تكتمل:منذ الأزل خبّرتني المحن، أعلمتنني أزقّة القدس العتيقة وكنائسها ومناراتها،خبّرني صمود عكّا في وجه بونابارت،تهادى إليّ صوت الشّهيد عزّالدّين القسّام.عندما أيقن أن لا مهرب من الهلاك أبى أن يستسلم. وكان شعاره أن "موتوا شهداء". صدى لصوت آت من بعيد يرتّل أنّ النصر آت إن لم يكن اليوم فغدا.
على أبواب مداخل مدينة المدائن مكتوب بالبنط العريض وبحروف منقوشة بشكل مميّز: لا مكان للأغراب في أرضنا وفي سمائنا.فليرحلوا إلى حيث يشاؤون. محال أن يقيموا بيننا،الأرض لنا،والحلم لنا،ولنا كلّ المدى،حزننا له طعمه الخاصّ ولونه المميّـز وغضبه السّاطع وآياته البّيّنات.له رايته ونشيده الرّسميّ. فيكون من العار عليك أن لا تحسن ضيافة عدوّك بما يلزم من الإيثار والتّكريم والتّبجيل.ضيافة تليق بالمقام فتربكه مرّة وتشوّش عليه رادارات الوشاية والتّنصّت مرارا وتتسلّل من أرضك إلى أرضك غازيّا لتحتلّ جزءا من الأرض التي هي أرضك - وأن تستشهد في الشّبر الوحيد المحرّر دفاعا عن وطن يحتلّه الأعداء من الماء إلى الماء.
**الفكرة لا تعرف الطّريق إلى القبر
غزّة؟؟ لأمر ما يصعب إدراكه ويُستلذّ، وفي لحظة من ذلك الانفلات الذي كان دوما مرغوبا، وفي مكاشفة صاخبة ومرعبة ومصارحة عارية إلاّ من شبق الصّدق وما يجب من ضرورة قسوة الذّات على الذّات،اختارت بوعي غزّاويّ مأساويّ أن تفلت من قبضة الموت بأن تتورّط في ما هو أفيد وأنجع:أن تنخرط بطواعيّة وبرغبة في لعبة التّماوت كحلّ لمعضلة ظلّت على مدار السّنين مستعصيّة عن كلّ الحلول.
غزّة؟؟ سؤال الأسئلة المشرعة على بوّابات ما يبدو مستحيلا.هي التّمرّد على ما أرادته منها فيالق من عربان عرّابي هذا الزّمان. وما هو غريب في هذه المفارقات التي لا تعمي فقط الأبصار وإنّما تعمي القلوب التي في الصّدور أن يكو ن البعض منهم نفرا من بني جلدتها.غزّة بوّابة ثأر من ضروب المعاناة وألوان المآسي. بوّابة انتقام من عهر الزّمان. هي الدّاء. وهي الدّواء. هي الجرح .وهي البلسم.
في بيان بيّن مكثّف تفوح من حروفه وتنساب على جنباتها رائحة الأرض العطشى للغضب تغازل غزّة التّاريخ وتحاول أن تقبض على ما يطبعه من وهج. تستعيد ما نحته شهداؤها منذ حلّت بعروس المدائن محنة النّحس الأوّل. تتلو عليهم ما حبّروه بدمائهم البهيّة وأوهامهم الجليلة من وصايا على جداريّة الزّمن المنفلت. ترتّله ترتيلا بالأصالةَ عن نفسها وبالنّيابةَ عمّن مضى من قوافل الشّهداء. تعلن في ما تبقّى من بقايا قبائل العربان قرآنها العربيّ المحيّن: لا تنتظر من السّماوات لا دعما ولا عونا. ولا تترجّى من الأراضي انفجارا. ولا تتّكئ على غير ساعدك.لا تصدّق حاكما في ما زعم. وإيّاك أن تغترّ بما ادّعى.واحذر أن تتسوّل من أحد كائنا من كان مددا.تفقّـد ضلوعك في كلّ معاركك أيّها كان وظلّ معك .فلا حــقّ إلاّ ما تعركه آلامك وما تصنعه يداك.
عرس الدّم حين تشتاق الأرض رائحة التّعب الفلسطينيّ المثقل بالمحن وبالأشجان،بالحلّ والتّرحال ويستبدّ بها الاعتقاد في وهـمِ تتخيّره وتعتنقه لتقبر به كلّ ما عشّش في الأذهان من بليد الأوهام. علاقة الفلسطينيّ بفلسطينيّته وبالأرض علاقة شائكة في التباسها وفي غرابتها وفي خصوصيّتها.علاقة عشق تظلّله سحابة حزن حزين وقلق دؤوب وفرح مأساويّ،أجمل ما فيه انّه يروم أن يكسر انكسار الزّمن ويثأر من مكر التّاريخ وشطحاته.قدره أن يكون ويظلّ مسترابا حينا وملتبسا أحيانا.جرح متى أراد أن لا يفقد بريقه وقدسيّته فعليه أن يقاوم هجمات النّسيان ويصدّ هيجانه لكي يضمن أنّه لن يندمل.
الحضورالدّراميّ للأرض واكتساحها مدارات المكان والزّمان وإخصابها لما في الذّاكرة من العناد والتّحفز حكاية أخرى مختلفة تماما ولا يمكن أن تشبه في شيء ما هو مألوف من الحكايا.صورة مرتسمة منذ نحس التّهجير والتّشرّد في عينيْ الأمّ التي تظلّ الدّهر تتأمّل الوجوه،تبحث في ما هو محفور في تضاريسها المنهكة من دمار الانتظار والتياعه عن ملامح ابن كانت تواعدت وإيّاه على أن يعود مهما تاهت به الدّروب وتشابكت. في وعده كان صادقا كلّ الصّدق وفي انتظارها إيّاه كانت أصدق. وكان أن عاد شهيدا محمولا على أكفّ الرّدى.وظلّت على عادتها وعهدها تعدّ له الطّعام وهي على يقين أنّه لن يخذلها ولا بد سيفاجئها يوما ويعود. قد تغلبها دمعة ليست تدري يف عجزت عن أن تحبسها فيركبها الخجل ممّا اعتبرته بالسّليقة إثما. قد تقتحم عليها صورته ذاك الوجوم الذي استبدّ بها فبات تتسلّى بما يفجّره التّذكّر من عذابات الفقد وإليه تحنّ .
فلسطين،على خلاف سائر الأوطان حكمت عليها عربدة قراصنة التّاريخ والسّلوك البهائميّ لعربان ملوك الطّوائف أن تتحوّل في ساعة نحس من وطن إلى ذكرى، ومن ذكرى إلى مجرّد فكرة جريحة.وكان عليها أن تضمّد الجرح بالجرح وتصنع من وهج الفكرة معجزتها وأفقها، معجزة أن تكون الفكرة هي السّبيل إلى استعادة ما ظنّه الأجلاف محظ حلم واهم . وصّية الوصايا العشر.الحبيبة التي ما كان للشّعراء يوما أن يخجلوا من إشاعة إسمها بين الأقوام ويذيعوا سرّها على أنّها الحبّ الذي به هاموا ويهيمون. وبذلك يتباهون ويفخرون. فلسطين ملحمة من العشق الدراميّ الأخّاذ،فيه تلتحم البداية بما يُفترض أن يكون هو النّهاية. كم من شاعر هـامَ بعروس المدائن وتمنّى أن يكتب فيها قصيدة عمره بأحرف تاجيّة فسبقه إلى كتابتها شهيد أو شهيدة بدمها توضّأت وصلّت صلوات العشق في محرابها؟؟
الحكاية التي لفرط ما فيها من العبث وما اتّسمت به من العبثيّة يسكن الرّعب أمهر القصّاصين ويستبدّ بهم الوجل تخوّفا من أن لا يرتقي فنّ السّرد إلى مستوى غرائبيّة تفاصيلها ومأساويّة فصولها فيخونون ما هو عجيب في أحداثها. أجمل منفى لأنّها في قاموس الأحرار يجب أن تكون آخر المنافي وأكثرها جماليّة وصخبا وعربدة وألفة. ملاذ لذاك الذي لا يجد جدارا عليه يتّكئ ولا وطنا إليه يأوي وبه ساعة الضّيم يستغيث.أولائك الذين حكمت عليه الكلاب الآدميّة السّائبة في كلّ أصقاع الدّنيا أن يكونوا عراة من كلّ غطاء وتكون فلسطين لهم كلّ الغطاء.
موّال الثّـائر ساعة تقتحم عليه الحقيقة مجال تفكيره ويتيح له ما تشابك من حيثيّات الأحداث أن يتأكّد من أنّ إفلاته من قبضة الموت صار الآن محظ صدفة وضربة من حظّ،إن لم يكن قد بات أمرا مستحيلا.وليس أمامه من حلّ غير اختيار وحيد يتيم، هو اختيار الضّرورة: أن يكون مشروع شهيد.وعليه قبل استشهاده أن يكتب فقط بداية الوصيّة وأن يحترس مليّا ليحول دون أن تظلّ الوصيّة مفتوحة،وأن يضمن بأنّه أغلق باب الاجتهاد في ما لا يجوز فيه أيّ اجتهاد.أن لا يفاوض على شبر احتلّه من أرض هي في الأصل أرضه وعلى همّ كان دوما همّه . قدر الفلسطينيّ أن يتماهى مع رغبة غريبة،التّكفير عن ذنب ارتكبه غيره وعليه أن يدفع الضّريبة.
** وآخــر الكــلام
++ الأمّ الفلسطينيّة على خلاف باقي الأمّهات -أينما كانت في الدّاخل أم في الشّتات- حالما يأتيها المخاض تدرك أنّه محكوم عليها أن تسرّ لمولودها بالخبر اليقين: أن تلحّ عليه في أن يكون مشروع شهيد.
++ "لو وضعوك في الجنّة أو جهنّم لأشغلت سكّانهما بقضيّة فلسطين"(محمود درويش في رثاء غسّان كنفاني)
++" تعبت من الرّحيل إلى الرّحيل إلى الرّحيل ومن وطن يموت بلا وطن"(سميــح القاســم)
#الطايع_الهراغي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟