أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - احمد موكرياني - لماذا لم تُنهِ الديمقراطية الغربية وتطور العلم والثقافة الحروب؟ تأملات في وهم التقدم الحضاري















المزيد.....

لماذا لم تُنهِ الديمقراطية الغربية وتطور العلم والثقافة الحروب؟ تأملات في وهم التقدم الحضاري


احمد موكرياني

الحوار المتمدن-العدد: 8655 - 2026 / 3 / 23 - 13:17
المحور: قضايا ثقافية
    


في عام 1999، وجدتُ نفسي أكتب إلى رئيس حكومةٍ أوروبية، بعد أن رفضت حكومته منح صفة اللجوء السياسي لمناضلٍ لم يحمل سوى دفاعه عن حقوق المواطنة لشعبه، لم تكن الرسالة مجاملة دبلوماسية، بل كانت صريحة:
"لا تدّعوا وجود ديمقراطيةٍ غربية، بل هي مصالحُ أوروبية."
جاءني الرد بلغةٍ دبلوماسيةٍ هادئة، في رسالةٍ خطيةٍ موقّعةٍ منه شخصيًا، ما زلتُ أحتفظ بها حتى اليوم، أكد فيها أن حكومته تتّبع سياسات الاتحاد الأوروبي، في إشارةٍ واضحة إلى أن القرار لم يكن بيده بالكامل. عندها أدركتُ أن ما يُقدَّم للعالم بوصفه منظومة قيم، قد يخضع في لحظاتٍ حاسمة لميزان المصالح.
ومع ذلك، استمرّت بيننا لسنواتٍ مراسلاتٌ، تبادلنا فيها بطاقات التهنئة في أعياد الميلاد ورأس السنة الميلادية.

حين كنّا طلابًا في الجامعة، بوصفنا طبقةً مثقفةً في أوطاننا، وعلى درايةٍ بما يجري حولنا، بدا الأمر بديهيًا لنا: كلّما ازداد الإنسانُ علمًا وثقافةً، اقترب من السلام وتعزّزت لديه قيمُ الديمقراطية في نظام الحكم. كأنّ المعرفةَ نورٌ يبدّد ظلماتِ العنف، وكأنّ التاريخَ يسير في خطٍ مستقيمٍ نحو إنسانٍ أرقى وأعدل.
لكنّ العالمَ اليومَ يُكذّب هذا اليقينَ البسيط؛ فالحروبُ لم تختفِ، بل تبدّلت أشكالُها، واتّسعت ساحاتُها، وصارت أكثرَ تعقيدًا وذكاءً، وأحيانًا أشدَّ قسوةً.

أين أخطأنا في الفهم؟
ربما لأننا خلطنا بين الثقافة كتهذيب للفرد والسياسة كإدارة للمصالح. الثقافة تُعلّم الإنسان التعاطف، وتوسّع أفقه، وتمنحه لغة للحوار. لكنها لا تُلغي حقيقة أن الدول هي كياناتٌ تتحرك بمنطق البقاء والقوة، وحين تتصادم المصالح الكبرى، تتراجع اللغة الأخلاقية إلى الهامش، ويعلو صوت الحسابات الباردة:
• من يدير الحكم؟
• من يملك الموارد؟
• من يسيطر على الطرق؟
• من يحدد ميزان الردع؟
في هذا المعنى، لم تفشل الثقافة؛ بل فشلنا حين طلبنا منها ما لا تستطيع.
• الثقافة تُنقّي الضمير، لكنها لا تُمسك بزمام القرار عندما تتداخل الجغرافيا بالاقتصاد، ويصير الأمن القومي معيارًا أعلى من كل القيم.
• إن الثقافة نفسها ليست كيانًا بريئًا دائمًا. فهي، كما تُنتج خطاب السلام، قادرة على إنتاج روايات تُبرّر الحرب.
• كم من نزاعٍ جرى تغليفه بلغة الهوية، أو التاريخ، او رواية كاذبة، أو الحقّ المقدّس؟
• وكم من شعبٍ دُفع إلى القتال باسم رواية تاريخية غير مسندة، تُقنعه أن الصراع ضرورة لا مفرّ منها؟
o هنا، تتحوّل الثقافة من جسرٍ بين البشر إلى متراسٍ يفصلهم.
ولعلّ المفارقة الأشدّ قسوة أن التقدم العلمي الذي كان يُفترض أن يخفّف من بشاعة الحرب جعلها أسهل قرارًا. حين تُدار المعارك عن بُعد، وتُقاس الخسائر بلغة الأرقام لا الوجوه، يصبح اتخاذ قرار التصعيد أقل كلفةً نفسيًا على صانعيه.
لم يعد القائد يرى الدم وضحاياه مباشرة؛ يرى خرائط ونماذج واحتمالات. وهكذا، يزداد الفاصل بين المعرفة كقيمة إنسانية، والتقنية كأداة محايدة يمكن أن تخدم أي غاية.
أما الفضاء الرقمي، الذي حلمنا أن يوحّد البشر، فقد كشف جانبًا آخر من الطبيعة الإنسانية:
• الميل إلى الانقسام، بدلاً من حوارٍ عالمي،
• نشأت جزرٌ من الأفكار المتشابهة،
• تُعيد إنتاج قناعاتها وتُقصي المختلف.
وفي أوقات الأزمات، تصبح هذه الجزر أرضًا خصبة للدعاية، حيث تتغذّى المخاوف وتتعاظم الصور النمطية، ويضيق مجال التعاطف.
هناك أيضًا عامل الزمن: أوروبا الغربية التي تُستشهد غالبًا كنموذج لسلامٍ لم تصل إلى ذلك بين ليلة وضحاها، بل عبر قرون من الصراعات المدمّرة.
السلام إذن ليس نتيجةً تلقائية للثقافة، بل ثمرة مؤسسات، وتوازنات، وتجارب مُكلفة. وعندما تضعف هذه المنظومات، يعود العالم سريعًا إلى منطقه القديم: منطق القوة.
ومع كل ذلك، تبقى الحقيقة الأكثر إزعاجًا:
• الإنسان، رغم تعلّمه، لم يتخلّص من دوافعه الأولى الخوف، الطمع، الرغبة في السيطرة.
• الثقافةُ تُهذّب هذه الدوافع، لكنها لا تمحوه:
وما دامت هذه القوى كامنةً، فستظلّ قابلةً للاستدعاء حين تتوتّر الظروف.
وإنّ من يتولّون الحكم غالبًا ما يكونون تجّارَ سياسةٍ وحروب؛ فقد رفض العالِمُ الفذّ، مبتكرُ نظريةِ النسبية ألبرت أينشتاين، تولّي رئاسة الدولة الصهيونية في فلسطين عندما عُرض عليه ذلك بعد قيامها، بينما يحكمها اليوم رئيسُ وزراءٍ مُدانٍ من قبل المحكمة الجنائية الدولية، نتن ياهو، ويدعمه رئيسٌ للولايات المتحدة معروفٌ بخلفيته في عالم الأعمال في العقارات، ترامب، والذي أشعل حربَ أوكرانيا هو موظّفُ جهازِ الـ KGB السوفيتي السابق، فلاديمير بوتين، أمّا في دولنا، فلا يوجد حاكمٌ مؤهَّلٌ للحكم؛ إذ إنّ معظمهم عُيِّنوا في سياقاتٍ تاريخيةٍ مرتبطةٍ بالاستعمار البريطاني والفرنسي، ومؤخرًا بدعمٍ أو مباركةٍ أمريكية والنظام الإيراني، وأكثرهم إجرامًا وفشلًا هم القيادات العسكرية؛ فإن ما يجري من قتلٍ وتهجيرٍ للشعوب في صراع العسكر في السودان وليبيا على تولّي الحكم، دلالةٌ حيّةٌ على التخلّف والجهل، ولا علاقة للثقافة بذلك.
العسكريون يتلقّون تدريبهم على القتال والانضباط العسكري، وهو ما يختلف جوهريًا عن متطلبات إدارة الدول، التي تستلزم خبرات مدنية وسياسية واقتصادية متكاملة.
o أتذكّر أنّني سمعتُ جمال عبد الناصر في إحدى خُطَبِه يقول، بما معناه: "درستُ الاقتصاد أربعَ سنواتٍ لأعرف كيف تدخل الأموال وتخرج".

• فهل يعني هذا أن الثقافة بلا جدوى؟
على العكس. الثقافة لا تمنع الحرب دائمًا، لكنها تُقلّص مداها، وتُبقي فكرة السلام ممكنة، هي التي تُنتج أصواتًا ناقدة، وتُحافظ على ذاكرة الألم، وتُذكّر بأن البديل عن الصراع موجود إن كان هشًا. هي التي تجعل الحرب، رغم حضورها، موضع سؤالٍ دائم، لا قدرًا مُسلّمًا به.
ربما كان الوهم في أن الثقافة ستقودنا إلى عالمٍ بلا صراع، أما الحقيقة الأعمق فهي أنها تمنحنا القدرة على إدارة الصراع بعيد عن القيم إنسانية، وما حرب الإبادة لأبناء غزة والحرب الإسرائيلية الأمريكية مع إيران الا مثال نشاهدها كل يوم.

كلمة أخيرة:
• لا يسيرُ التاريخُ في خطٍ مستقيمٍ نحو الأفضل، بل يتقدّمُ ويتراجعُ، ويتعلّمُ وينسى. وبين هذين الحدّين، تبقى الثقافةُ ضوءًا خافتًا لا يوقفُ العاصفة، لكنه يمنعُ الظلامَ من أن يكونَ مطلقًا.
• وقد أسهمت الثقافةُ:
o في تطوير القنبلة النووية التي أبادت مدينتان بسكانها في اليابان.
o في تطويرِ برامجِ الذكاء الاصطناعي التي تُستَخدم في اصطيادِ الضحايا وتدميرِ المدنِ بقوةٍ ودقّةٍ أكبر.
o وأكبرُ جرائمِ الثقافةِ أنّها تكشف عوراتِنا دون أن نحصلَ حتى على ورقةِ توتٍ نسترُ بها.
o لم تعد هواتفُنا مجردَ أدواتٍ للتواصل، بل أصبحت بواباتٍ مفتوحة تُغذّي منظوماتِ الذكاء الاصطناعي ببياناتنا على مدار الساعة؛ فمن خلال مواقعنا الجغرافية، وأنماط استخدامنا، وصورنا، ومحادثاتنا، تُبنى نماذج دقيقة لسلوكنا وتفضيلاتنا. وهكذا، بينما نظنّ أننا نستخدم التكنولوجيا لتقريب المسافات، تتحوّل هذه البيانات إلى أدواتٍ للمراقبة والتحليل والتوجيه، حيث يُعاد تشكيل وعينا واختياراتنا بطرقٍ خفية. إننا لا نكشف أسرارنا فحسب، بل نُسهم، دون أن نشعر، في تدريب أنظمةٍ قادرة على التنبؤ بنا، بل والتأثير علينا، في عالمٍ تتداخل فيه الراحة الرقمية مع رقابةٍ ناعمة تتسلّل إلى تفاصيل حياتنا اليومية.



#احمد_موكرياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الحرب على إيران: هل نحن أمام سقوط أنظمة أم ولادة شرق أوسط جد ...
- رسالة الى القائد كاك مسعود بارزاني
- ملحمة أربعة أطفال موكريان من بلدة جوانمرد الى بغداد
- المهزلة الانتخابية في العراق: حين يصبح اختيار رئيس الجمهورية ...
- محور الشر: ترامب ونتن ياهو وأردوغان
- عام 2026: بين أمل المواطن الشرق أوسطي وجراح فلسطين المفتوحة
- مقترح لتسوية النزاع بين روسيا وأوكرانيا في طار الأمم المتحدة
- الحكم الوراثي في التاريخ الإسلامي وانعكاساته على الأنظمة الع ...
- ابحثوا عن الدجاجة بين حكمة الماضي وتحديات الحاضر في إقليم كر ...
- علامات قيام القيامة في القرآن الكريم والروايات المسيحية والي ...
- كيف يمكن لرئيس الوزراء محمد شياع السوداني تطبيق رؤيته في -ال ...
- المقدر والمكتوب
- وجهة نظر حول الانتخابات الجارية في العراق هذا العام
- كيف يمكن إيقاف الحرب بين روسيا والغرب في أوكرانيا
- حملة نتن ياهو في إبادة الشعب الفلسطيني في غزة وحملة الأنفال ...
- هل بالإمكان تأسيس نظام ديمقراطي حر ومستقل في العراق؟
- لماذا انتقد ترامب الطاقة الخضراء اي تطوير أوربا للطاقة الكهر ...
- هل يمكن لدولة إسرائيل البقاء بدون حماية الولايات المتحدة الأ ...
- البعد القرآني في تطور الرياضيات والذكاء الاصطناعي من -كتاب م ...
- دراسة في أهمية التعددية وتقبل الآخر في بناء الدول الحديثة


المزيد.....




- كيتي سبنسر تتألق بفستان من القرن الثامن عشر في موناكو
- إنذار ترامب لإيران يدخل ساعاته الأخيرة: ما خيارات واشنطن وطه ...
- العمدة الجديد لباريس إيمانويل غريغوار يتوجه إلى بلدية باريس ...
- تقرير: إسرائيل قد تواصل ضرب طهران حتى بعد وقف إطلاق النار
- إسرائيل تعلن شن هجمات على طهران ومدن أخرى واعتراض صواريخ أطل ...
- إيران تهدد بالرد بالمثل في حال تم استهداف محطاتها وشبكاتها ا ...
- تصويت عقابي في باريس ضد رشيدة داتي والماكرونية
- مهلة ترامب -بمحو- محطات الطاقة الإيرانية تنتهي بعد ساعات.. م ...
- مدير وكالة الطاقة الدولية يحذر من أن العالم قد يواجه أسوأ أز ...
- كأنه إعصار.. سكان ديمونة يروون لحظات ما بعد انفجار الصاروخ ا ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - احمد موكرياني - لماذا لم تُنهِ الديمقراطية الغربية وتطور العلم والثقافة الحروب؟ تأملات في وهم التقدم الحضاري