أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - منصور رفاعي اوغلو - كيف أصبح السنّة المعتدلون أقلية في سوريا في ظل حكم السلفية الجهادية؟















المزيد.....

كيف أصبح السنّة المعتدلون أقلية في سوريا في ظل حكم السلفية الجهادية؟


منصور رفاعي اوغلو

الحوار المتمدن-العدد: 8653 - 2026 / 3 / 21 - 03:03
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


من أكثر المآسي السورية قسوةً أن الجماعة التي كانت تُفترض أن تكون الحاضنة الطبيعية لفكرة الدولة والاستقرار والعيش المشترك، أي الأكثرية السنّية الاجتماعية الواسعة والمتنوعة، بدأت تبدو في كثير من المناطق كأنها أقلية معنوية وسياسية داخل الفضاء العام، لا لأنها قلّت عددًا، بل لأن صوتها تراجع، ومساحتها انكمشت، وموقعها في المعادلة صار أضعف من موقع التيارات الأكثر تشددًا وتنظيمًا وخطابيةً. وهنا تكمن المفارقة الثقيلة: كيف يمكن للأكثرية الاجتماعية أن تتحول إلى أقلية فعل سياسي وثقافة عامة؟ وكيف يصبح الاعتدال، لا التطرف، هو الموقف الخائف والمطارد والمضطر إلى التبرير؟

الجواب لا يبدأ من لحظة واحدة، بل من تراكم طويل من الكسر والإذلال والتشويه. فالمجتمع السنّي السوري، قبل الحرب، لم يكن مجتمعًا سلفيًا جهاديًا بطبيعته، ولا كان محكومًا بهذا الخيال الصدامي المغلق. كان فيه المحافظ والمتدين والعلماني والصوفي والليبرالي والريفي والمديني، وكان فيه تدين شعبي واسع، لكنه في معظمه تدين اجتماعي وأخلاقي، لا مشروع سلطة شمولية. غير أن سنوات القمع، ثم الانفجار، ثم الحرب، ثم الانهيار الشامل، خلقت بيئة مثالية لصعود أكثر التيارات صلابة وتنظيمًا وحسمًا، أي التيارات التي تملك أجوبة جاهزة، وعدوًا واضحًا، وبنية طاعة، وقدرة على احتلال الفراغ.

حين تنهار الدولة، لا يتقدم دائمًا الأفضل، بل الأكثر جاهزية. وهذه كانت إحدى الكوارث السورية. فالمعتدل، بطبيعته، أبطأ في الحسم، أقل صخبًا، أقل قدرة على التعبئة العاطفية، وأشد احتياجًا لمساحة مدنية ومؤسسات وقانون ونقاش. أما السلفي الجهادي، فيدخل المشهد حاملاً يقينًا كاملًا، ولغة أمر ونهي، وثنائية حادة بين الإيمان والانحراف، ومعجمًا قتاليًا يعطي أتباعه شعورًا بالتفوق الأخلاقي والاصطفاء. في زمن الخوف والفوضى، يبدو هذا النموذج للكثيرين أكثر قوة من المعتدل المتردد، وأكثر حماية من المثقف الأعزل، وأكثر وضوحًا من السياسي البراغماتي.

ثم إن الحرب نفسها أعادت تشكيل الحساسية العامة. فعندما يعيش الناس سنوات طويلة تحت القصف والاعتقال والنزوح والفقر وفقدان المعنى، فإنهم لا يبحثون دائمًا عن الفكر الأعمق، بل عن البنية الأكثر قدرة على تفسير الألم وتحويله إلى هوية وموقف. السلفية الجهادية قدمت ذلك بمهارة: قالت للناس إن ما يحدث ليس مجرد مأساة سياسية، بل معركة كبرى بين حق وباطل، بين طائفة ناجية وأعداء متكاثرين، بين نقاء وانحراف. بهذا الخطاب، تحوّل الجرح الاجتماعي إلى مادة أيديولوجية، وتحولت الكارثة إلى فرصة لتجنيد النفوس قبل الأجساد.

لكن المشكلة الأعمق أن المعتدلين السنّة لم يخسروا فقط أمام تشدد الجهاديين، بل خسروا أيضًا أمام ضعفهم الذاتي وتشتتهم. لم يكن لديهم مشروع واضح ومتماسك يواجه في الوقت نفسه استبداد النظام وتغول التشدد. كثير منهم ظل أسير خطاب أخلاقي عام، أو خطاب نخبوي لا يصل إلى الشارع، أو حسابات سياسية قصيرة النفس. وبعضهم خاف من مواجهة الجهاديين بوضوح حتى لا يُتهم بالخيانة أو العمالة أو خدمة النظام. وهكذا ترك المعتدلون الساحة، مرة خوفًا، ومرة ارتباكًا، ومرة مجاملة، ومرة لأنهم أنفسهم لم يكونوا منظمين بما يكفي لفرض رؤية بديلة.

السلفية الجهادية استفادت أيضًا من شيء آخر بالغ الأهمية: انهيار المرجعيات التقليدية. في الأزمنة الطبيعية، يوجد في المجتمع السنّي توازن ناعم بين العلماء المحليين، والخطباء التقليديين، والتدين الشعبي، والعادات الاجتماعية، ومكانة العائلات، والهوية الوطنية. لكن الحرب حطمت هذه الشبكة. كثير من الأصوات التقليدية قُمعت أو هاجرت أو صمتت أو فقدت مصداقيتها. وحين اختفت المرجعيات الهادئة، برزت المرجعيات الصاخبة. وحين غابت المؤسسات، حل محلها الأمير الشرعي، والقائد الأمني، والخطيب التعبوي، والفتوى الموجهة لخدمة المشروع المسيطر.

وهناك عامل لا يقل خطورة: أن السلفية الجهادية لا تحتاج إلى أن تقنع الأكثرية اقتناعًا عميقًا حتى تهيمن؛ يكفيها أن تجعل الآخرين صامتين. هي تنتصر أحيانًا لا لأن المجتمع أحبها، بل لأن المجتمع خاف منها، أو يئس من مقاومتها، أو تكيف معها طلبًا للسلامة. وهكذا يصبح المعتدل موجودًا في بيته، وفي وجدانه، وفي تحفظاته الصامتة، لكنه غائب عن المجال العام. ومع الوقت، يترسخ الانطباع الكاذب بأن المتشدد هو “صوت السنّة”، بينما الحقيقة أن كثيرًا من السنّة إما مستاؤون أو متحفظون أو رافضون، لكنهم منزوعو الأدوات.

من هنا يمكن فهم كيف أصبح السنّة المعتدلون أقلية، لا بالمعنى العددي، بل بمعنى أنهم خسروا حق تعريف أنفسهم وتمثيل مجتمعهم. صار المتشدد يتكلم باسمهم، ويجرهم إلى معاركه، ويختصر هويتهم في أكثر وجوهها قسوة وانغلاقًا. أما هم، فإما محشورون بين اتهام النظام لهم بالتطرف مهما فعلوا، وبين اتهام الجهاديين لهم بالتمييع والانحراف إن اعترضوا، وإما مطرودون من المعادلة أصلًا.

ويجب الاعتراف أيضًا أن بعض القوى الإقليمية والدولية أسهمت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في هذه النتيجة الكارثية. فبدل دعم قوى مدنية حقيقية طويلة النفس، جرى في مراحل مختلفة التسامح مع صعود قوى متشددة أو استخدام بعضها أو توظيف البيئة التي نمت فيها، ثم ترك المجتمع يدفع الثمن. وعندما يُترك المجال العام لمعادلة السلاح والمال والخطاب التعبوي، لا يكون الاعتدال هو الرابح عادة، بل الأكثر تنظيمًا وقدرة على فرض الانضباط.

في ظل هذا كله، بات السنّي المعتدل في سوريا يعيش حالة اغتراب مزدوج: اغتراب عن سلطةٍ تتهمه ضمنًا أو صراحة بأنه خزان خطر دائم، واغتراب عن فضاءٍ معارض تهيمن عليه أحيانًا قوى لا تشبه تدينه الاجتماعي ولا تصوره للحياة. لم يعد يشعر أن هناك من يمثله بصدق: لا النظام، ولا الجهاديون، ولا كثير من النخب المنفصلة عن وجعه اليومي. وهنا بالذات تنشأ الأقلية الحقيقية: أقلية بلا صوت، لا بلا عدد.

غير أن أخطر ما في هذا التحول ليس فقط أن الاعتدال تراجع، بل أن المجتمع قد يعتاد على غيابه. عندما يكبر جيل كامل في ظل لغة التحريم والتخوين والفرز العقدي والرقابة الأخلاقية القسرية، يصبح التطرف هو المناخ الطبيعي، ويصبح المعتدل استثناءً يحتاج إلى شجاعة خاصة كي يقول كلامًا بسيطًا مثل: نريد دولة لا إمارة، وقانونًا لا مزاجًا، ودينًا لا جهاز ضبط، وعيشًا مشتركًا لا فرزًا دائمًا بين صالح وطالح. عندها لا يعود الاعتدال مجرد رأي، بل يتحول إلى مقاومة ثقافية وأخلاقية.

ومع ذلك، فإن اعتبار السنّة المعتدلين أقلية لا يعني أنهم انتهوا، بل يعني أن المجال العام اختُطف منهم. وهذا فرق مهم. فما زالت في سوريا، وفي الشتات السوري، كتلة واسعة من الناس الذين لا يريدون لا استبداد النظام ولا استبداد الراية الدينية المسلحة، ولا يرون في الإسلام مشروع هيمنة، بل إطارًا أخلاقيًا وروحيًا يمكن أن يتعايش مع الدولة والقانون والتعدد. المشكلة ليست في غياب هؤلاء، بل في غياب البنية التي تعيد لهم الثقة والصوت والتنظيم.

إن استعادة الاعتدال السنّي في سوريا لن تتم بالمواعظ وحدها، ولا بالشعارات المضادة للتشدد، بل بإعادة بناء السياسة نفسها: فضاء مدني، مؤسسات، تعليم، نقاش ديني غير تعبوي، قيادات اجتماعية محترمة، ونموذج حكم لا يذل الناس ولا يدفعهم إلى الاحتماء بالتطرف. فالاعتدال لا يعيش في الفراغ، بل يحتاج إلى شروط. وعندما تُحطم هذه الشروط، لا يزدهر الوسط، بل تنمو الحواف الحادة.

في النهاية، لم يصبح السنّة المعتدلون أقلية لأن المجتمع السوري السنّي تحوّل فجأة إلى مجتمع جهادي، بل لأن الحرب والاستبداد والانهيار والفراغ والابتزاز الأيديولوجي دفعت الأكثرية الصامتة إلى الخلف، ورفعت الأقلية الأكثر تشددًا إلى الواجهة. وهذه واحدة من أفدح خسائر سوريا: أن يصبح الصوت الطبيعي خافتًا، والصوت الشاذ هو الأعلى. وإذا كان لسوريا مستقبل قابل للحياة، فلا بد أن يمر عبر عودة هذه الأكثرية المعتدلة من الصمت إلى الفعل، ومن الخوف إلى المبادرة، ومن الهامش إلى مركز تعريف نفسها بنفسها.



#منصور_رفاعي_اوغلو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مستقبل العلاقة التركية العربية في ظل العنصرية التركية
- ثنائية السلطة والدين في سوريا: هل ما زال هناك أمل بنجاحها أم ...
- مفارقة التقاطع: كيف تلتقي سياسات علمانية مع فاعلين جهاديين ر ...
- هل يمكن أن تتبدّل خريطة القلق الإقليمي؟ قراءة في موقع تركيا ...
- وحشية الجيش التركي ضد الغرباء هل هي عقدة نفسية أم حذر مبرر؟
- لماذا لا يستطيع الإسلام الحالي إدارة دولة؟
- هل ستسمح تركيا للأكراد بتأسيس دولتهم في إيران في حال انهياره ...
- تركيا التي أحببتها وخانتني قصتي مع بلدي الذي يريدني أخرس
- الشرع.. أسد جديد بذقن وسبحة
- هل يجر اردوغان تركيا الى معركة ايران بسبب كبرياءه
- بين إسلام الكهوف وأحزاب الويسكي: ما هو مصير الشعب السوري؟
- السلفية الجهادية تلتهم سوريا.. لماذا تدعم تركيا مثل هذه الحر ...
- أثر الحرب الأمريكية–الإيرانية على الاستقرار السياسي في تركيا
- هل انهيار النظام الإيراني ممكن أن يمهد لتشكيل دولة كردية في ...
- إلى وزير الداخلية التركي الجديد: لا تكن ظالماً كالذين سبقوك
- هل تسعى تركيا إلى تنمية سوريا أم إلى خرابها؟
- مأساة السودان: عندما تكون الموارد لعنة على أصحابها
- تداعيات الحرب المرتقبة بين أمريكا وإيران على الحضور التركي ف ...
- أين وصلت الاستثمارات الخليجية والتركية في سوريا؟ وهل ما زال ...
- هل ذاق الأتراك في ألمانيا من نفس الكأس الذي أذاقوه للسوريين؟ ...


المزيد.....




- تحذيرات من تقييد شعائر المسيحيين في القدس بعد إغلاق كنيسة ال ...
- حرس الثورة الاسلامية: في عملية خاطفة ومستمرة، وتلت مباشرة مو ...
- حرس الثورة الإسلامية: دمرنا نقاطاً أخرى في قواعد الجيش الأم ...
- المسلمون يحتفلون بعيد الفطر وسط استمرار حرب الشرق الأوسط
- المتحدث باسم مقر خاتم الأنبياء: لقد تحوّلت شجرة الثورة الإس ...
- المقاومة الإسلامية في لبنان: استهدفنا تجمعاً لجنود وآليات - ...
- الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان للدول الإسلامية والجارة: أنتم ...
- الرئيس بزشكيان للدول الإسلامية والجارة: المستفيد الوحيد من ...
- دول عربية وإسلامية تندد بغارات إسرائيلية على معسكرات الجيش ا ...
- المقاومة الإسلامية بالعراق: تنفيذ 33 عملية خلال يوم واحد است ...


المزيد.....

- إله الغد / نيل دونالد والش
- في البيت مع الله / نيل دونالد والش
- محادثات مع الله - ثلاثة أجزاء / نيل دونالد والش
- محادثات مع الله للمراهقين / يل دونالد والش
- شركة مع الله / نيل دونالد والش
- صداقة مع الله / نيل دونالد والش
- شركة مع الله / نيل دونالد والش
- في عرفات الله أعلنت إلحادي بالله / المستنير الحازمي
- أنه الله فتش عن الله ونبي الله / المستنير الحازمي
- رسالة السلوان لمواطن سعودي مجهول (من وحي رسالة الغفران لأبي ... / سامي الذيب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - منصور رفاعي اوغلو - كيف أصبح السنّة المعتدلون أقلية في سوريا في ظل حكم السلفية الجهادية؟