سامي ابراهيم فودة
الحوار المتمدن-العدد: 8645 - 2026 / 3 / 13 - 18:57
المحور:
القضية الفلسطينية
ليست كل الأمهات سواء؛ فبينهن أمٌّ كتب الله لها امتحانًا لا يشبهه امتحان. كانت تقف كل مساء على عتبة الباب، تحدّق في الطريق الطويل، تبحث في وجوه العابرين عن ملامح ابنها، وتخبئ في صدرها ألف دعاء أن يعود سالمًا. كانت تُعدّ له الطعام وتترك مكانه محفوظًا على المائدة، وتهمس في سرها: سيعود…
لا بد أن يعود. لكن الطريق في هذه البلاد لا يعيد الأبناء دائمًا كما ذهبوا؛ ففي يومٍ ثقيل عاد ابنها، لا بخطواته التي تعرفها، بل محمولًا على الأكتاف، تسبقه التكبيرات وترافقه دموع الناس، ملفوفًا بعلم الوطن. وقفت الأم أمام نعشه، حدّقت في وجهه الهادئ كأن النوم أخذه من ضجيج الحرب،
فمدّت يدها المرتجفة إلى جبينه، ومسحت عنه غبار الطريق، ثم همست بصوتٍ مكسور لكنه شامخ: نم قرير العين يا ولدي… لقد سبقتنا إلى الجنة. في تلك اللحظة لم تكن تبكيه وحده، بل كانت تبكي طفولته وخطواته الأولى وضوء عينيه حين كان يناديها: "يمّا".
ومع ذلك بقيت واقفة كجذع زيتونةٍ عتيقة، تحمل في صدرها وجعًا بحجم وطن، وتخفي دمعتها كي لا تنحني كرامتها. فالأمهات اللواتي يودعن أبناءهن شهداء لا يشبهن باقي الأمهات؛ في قلوبهن صبر الأنبياء، وفي عيونهن حزن البحار،
وفي جباههن كرامة الأرض. سلامٌ على تلك الأم التي انتظرت ابنها طويلًا فعاد إليها شهيدًا، فاحتضنته الأرض وارتفعت روحه إلى السماء، وبقيت هي عنوانًا للصبر، وصورةً خالدةً لأجمل الأمهات.
#سامي_ابراهيم_فودة (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟