أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ميشيل الرائي - تأويلُ السِّيرةِ الذَّاتيَّةِ















المزيد.....

تأويلُ السِّيرةِ الذَّاتيَّةِ


ميشيل الرائي

الحوار المتمدن-العدد: 8635 - 2026 / 3 / 3 - 09:31
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


الكتابةُ إلى الشاعرة المغربية أُمَيْمَةَ مَلَاكٍ

نشأتُ في أسرةٍ متدينة، لكن تدينها لم يكن أيديولوجيًا ولا صداميًا، بل أقرب إلى ما يمكن أن يُسمّى تدينًا فطريًا؛ إيمانًا يُمارَس بوصفه عادةً ثقافية قبل أن يكون موقفًا معرفيًا. في تلك البيئة الأولى تشكّلت صورتي البدئية عن الله: صورةٌ بسيطة، متماسكة، تكاد تكون بديهية. لم أكن أتصور آنذاك أن هذه الصورة ليست “الله” بقدر ما هي تمثيل ثقافي له.
في مرحلة المراهقة، حين يبدأ العقل في اختبار حدوده، انقلبتُ على تلك الصورة. شرعتُ أقرأ كل خطابٍ نقدي أو هجومي يتناول فكرة الإله، وكنت أظن أنني أواجه مفهومًا واحدًا محددًا، كأن “الله” مصطلح ذو تعريف نهائي لا يقبل التعدد. آمنتُ يومها – من غير أن أدري – بوهمين متقابلين: وهم الإيمان بوصفه يقينًا مغلقًا، ووهم الإلحاد بوصفه نفيًا حاسمًا. لم أكن قد أدركت بعد أن كليهما قد يتحول إلى بنية تصنيفية، إلى هوية تُلبَس أكثر مما تُفهَم.
في مجتمعاتنا العربية، يسبق التصنيفُ الحوارَ. لا يُخاطَب المرء بوصفه إنسانًا، بل بوصفه انتماءً: سنيًّا أم شيعيًا؟ مؤمنًا أم ملحدًا؟ وكأن اللغة لا تشتغل إلا بعد تثبيت الهوية داخل خانة جاهزة. هذه النزعة التصنيفية لا تُنتج معرفة، بل تُنتج طمأنينة شكلية؛ إنها حاجة إلى تحديد الآخر قبل الاستماع إليه. كنتُ أظن أنني أتحرر من التصنيف حين أعلنتُ إلحادِي، غير أنني في الحقيقة كنت أستبدل تصنيفًا بآخر.
أذكر أنني، في حماسة المراهقة، كنت أستشهد بعبارات صادمة، مثل مقولة عبد الله القصيمي في كتابه هذه هي الأغلال: “اسكت يا الله وإلا فسأقول”. كنت أرددها بوصفها إعلان تمرّد، وأحسب أنني بذلك أبني خطابًا معارضًا في بيئةٍ يغلب عليها التدين الشكلي. غير أنني، حين أستعيد تلك المرحلة اليوم، أبتسم. لم يكن خطابي آنذاك سوى مرآةٍ معكوسة للخطاب الذي أرفضه؛ بنيةٌ جدلية تعتمد الخصم لتثبيت ذاتها.
ما لم أكن أعيه آنذاك هو أن “الله” ليس مفهومًا أحادي الدلالة. إنه، من منظور سيميائي، دالٌّ عائم، تتعدد مدلولاته بحسب الأنساق الثقافية والتجارب الفردية. الإله الذي يتصوره المتصوف ليس هو الإله الذي يتصوره الفقيه، ولا هو الإله الذي ينفيه الملحد. بل يمكن القول إن “الله” الذي يسكن وعي كل فرد هو تركيب خاص، شبكة من العلامات والخبرات والتمثلات. وعليه، فإن كثيرًا من النزاعات حول الله ليست سوى نزاعات لغوية، صراعات على تعريفات لا على ذوات.
تدريجيًا، أدركتُ أن الذي ينكر قد ينكر تصورًا بعينه لا مطلقًا، وأن الذي يعبد قد يعبد صورةً ذهنية تشكلت داخل أفقه الخاص. كلاهما، في كثير من الأحيان، يتعامل مع بناء رمزي لا مع حقيقة متعالية. وهنا يتبدى البعد البراغماتي للموقف: فالإيمان والإلحاد ليسا فقط نتائج استدلالات نظرية، بل قد يكونان أيضًا استجابتين لحاجات نفسية واجتماعية؛ وسيلتين للتموضع داخل الحقل الثقافي.
لم أعد أرى المسألة بوصفها ثنائية صلبة بين مؤمن وملحد، بل بوصفها طيفًا من التأويلات. الإيمان، كما الإلحاد، يمكن أن يتحول إلى أيديولوجيا حين يُستعمل كهوية مغلقة. أما حين يُفهم بوصفه سؤالًا مفتوحًا، فإنه يغدو جزءًا من مشروع أوسع: مشروع فهم الإنسان لذاته عبر الرموز التي ينتجها.

لقد علّمتني تلك المرحلة أن أخطر ما في الخطابات الدينية أو اللادينية ليس مضمونها المعلن، بل ادعاؤها امتلاك تعريف نهائي. وأن الإنسان، قبل أن يكون “مؤمنًا” أو “ملحدًا”، هو كائنٌ مؤوِّل؛ يعيش داخل شبكة من العلامات، ويتنازع مع غيره أحيانًا لا على الحقائق، بل على الكلمات التي يظنها حقائق.

بهذا المعنى، لم تكن رحلتي من الإيمان الفطري إلى الإلحاد المعلن ثم إلى الشك التأويلي انتقالًا بين عقائد، بل انتقالًا بين أنماط قراءة. لقد خرجتُ من وهم اليقين إلى وعي التعدد، ومن صراع الشعارات إلى مساءلة المفاهيم. وربما كان الدرس الأهم أن النزاع حول الله، في كثير من صوره، ليس سوى نزاع حول اللغة التي نتكلم بها حين نحاول أن نسمّي ما يتجاوزنا.
ومع الزمن، بدأتُ أتنبه إلى أن المسألة لا تتعلق بوجود الله أو عدمه بقدر ما تتعلق بالبنية الذهنية التي تطلب يقينًا حاسمًا. إن العقل، حين يُترك دون تدريب نقدي، يميل إلى الاختزال؛ يفضّل الإجابة النهائية على السؤال المفتوح، ويستبدل التعقيد بالتصنيف. كنتُ في مرحلتي الأولى أبحث عن يقين يُغلق القلق، ثم في مرحلتي الثانية عن نفيٍ يُغلقه بطريقة معاكسة. وفي كلتا الحالتين كنت أهرب من منطقة ثالثة: منطقة الالتباس المنتج.

لقد تعلّمتُ لاحقًا، عبر انشغالي بعلم العلامات، أن المفاهيم الكبرى لا تعمل بوصفها تعريفات معجمية، بل بوصفها عُقَدًا دلالية تتقاطع فيها طبقات التاريخ والأسطورة واللاهوت والفلسفة والتجربة الفردية. إن كلمة “الله” ليست مجرد إحالة إلى كيان متعالٍ، بل هي نصٌّ تراكمي، يمكن قراءته بعدد لا نهائي من الطرائق. ومن هنا، فإن النزاع حوله يشبه نزاع قرّاءٍ يتشاجرون لأنهم يظنون أن تأويلهم الوحيد هو النص نفسه.

في تلك المرحلة من حياتي، كنت أظن أن إعلان الموقف – إيمانًا كان أو إلحادًا – فعل شجاعة فكرية. واليوم أرى أن الشجاعة الحقيقية تكمن في تعليق الحكم، في الإقامة داخل السؤال دون استعجال الخروج منه. لقد اكتشفتُ أن كثيرًا من الخطابات التي تتصارع في فضائنا الثقافي لا تتجادل حول المعنى بقدر ما تتجادل حول الهوية؛ كل طرف يعلن نفسه حارسًا للحقيقة، لا باحثًا عنها.

ثمة وهمٌ آخر أدركته متأخرًا: الاعتقاد بوجود “مؤمن خالص” أو “ملحد خالص”. التجربة الإنسانية أكثر تركيبًا من هذه الثنائيات. فالمؤمن قد يسكنه شكٌّ صامت، والملحد قد تسكنه أسئلة ميتافيزيقية لا يعترف بها. كلاهما يتحرك داخل أفق ثقافي يحدد إمكانات تفكيره، ويستعمل لغةً ورثها قبل أن يختارها. وما نظنه قرارًا حرًا قد يكون أحيانًا استجابةً لموقع اجتماعي أو حاجة نفسية أو رغبة في الانتماء.

وحين أعود بذاكرتي إلى ذلك الشاب الذي كان يجاهر بإلحاده في مدينةٍ يغلب عليها التدين الشكلي، أرى الآن أن صراعه لم يكن مع الله بقدر ما كان مع صورة اجتماعية للدين. كان يحتجّ على النفاق أكثر مما يحتجّ على الميتافيزيقا. لكنه، لافتقاره إلى أدوات التحليل، صاغ احتجاجه بلغةٍ حدّية، فحوّل نقد السلوك إلى نفيٍ للرمز نفسه.

لقد علّمتني تلك التجربة أن أخطر ما يمكن أن يفعله الإنسان بفكرةٍ كبرى هو أن يختزلها في تعريف واحد، أو أن يتعامل معها كموضوع امتلاك. حين يتحول الله إلى شعار، يفقد بعده الرمزي، ويغدو أداةً للصراع لا أفقًا للتأمل. وحين يتحول الإلحاد إلى هوية مغلقة، يفقد هو أيضًا طابعه النقدي، ويصبح عقيدةً مضادة لا أقل صلابة.

اليوم، لا أزعم أنني أملك جوابًا نهائيًا. ما أملكه هو وعيٌ بطبيعة السؤال. لقد أدركتُ أن النزاعات التي بدت لي يومًا صراعات وجودية قد تكون، في كثير من الأحيان، صراعات تأويلية. وأن الإنسان، قبل أن يختار موقفًا من الله، يحتاج أن يفهم اللغة التي يتكلم بها حين ينطق هذه الكلمة.

ربما كان النضج الفكري ليس انتقالًا من الإيمان إلى الإلحاد أو العكس، بل انتقالًا من السذاجة الدلالية إلى الوعي بتعدد المعاني. من الاعتقاد بأن الكلمات تشير إلى أشياء بسيطة، إلى إدراك أنها تفتح متاهات. وفي تلك المتاهة، لا يعود الهدف أن ننتصر في الجدل، بل أن نحسن الإصغاء؛ لأن ما نختلف حوله قد لا يكون الحقيقة ذاتها، بل الطريقة التي نحاول بها تسميتها.



#ميشيل_الرائي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جزيرة اليوم السابق
- رحلة السيدة أميمة ضد غباء الموسيقا
- ريش المكعبات
- بيروت تصحح مجد الطفل يسوع
- دفاتر القديسة أميمة ملاك
- أبحث عن بيجامة جنكيز خان في ردود الفعل الحيوانية للأشياء
- أريد أن أكون أنا مرة أخرى
- العالم كله في صناديق، باستثناء بعض الكتب
- اسم الوردة / إعلانات كورت شفيترز
- بيانات المسرح المتداخل الجديد
- دَفَاتِرُ الْقُدِيسَةِ أُمِيمَةَ مَلَاكٍ
- كم حصانًا يبكي أمام قبر الهواء في عين الغزال
- مستقبل الكلمات
- صيدلية دادا البيان الاول
- صيدلية دادا 3
- صيدلية دادا 2
- صيدلية دادا
- ضد البغاء العمومي رسالة مفتوحة إلى عبد الحق طوع وآخرين
- بغاء عمومي
- الكراس الدادائي السابع


المزيد.....




- الإخوان وإيران.. وقفة -العار- ضد الخليج تعزز تاريخ العلاقة
- التسامح والإيثار... قوة الروح في زمن الشدائد
- المقاومة الإسلامية تستهدف قاعدة -رامات دافيد- الجوية
- المقاومة الإسلامية بالعراق: نفذنا 48 عملية بالصواريخ والطيرا ...
- المقاومة الإسلامية في العراق تقصف فندقا يضم جنودا أمريكيين ف ...
- يلا نغني مع طيور الجنة.. تردد قناة طيور الجنة 2026 على الناي ...
- تفاصيل جديدة حول عملية اغتيال المرشد الأعلى في إيران
- لليوم الثالث ... الاحتلال يمنع صلاة التراويح داخل المسجد الأ ...
- نزل الآن تردد قناة طيور الجنة الجديد الاثنين 2 مارس 2026 على ...
- ماما جابت بيبي… تردد قناة طيور الجنة 2026 على نايل سات


المزيد.....

- في عرفات الله أعلنت إلحادي بالله / المستنير الحازمي
- أنه الله فتش عن الله ونبي الله / المستنير الحازمي
- رسالة السلوان لمواطن سعودي مجهول (من وحي رسالة الغفران لأبي ... / سامي الذيب
- الفقه الوعظى : الكتاب كاملا / أحمد صبحى منصور
- نشوء الظاهرة الإسلاموية / فارس إيغو
- كتاب تقويم نقدي للفكر الجمهوري في السودان / تاج السر عثمان
- القرآن عمل جماعي مِن كلام العرب ... وجذوره في تراث الشرق الق ... / مُؤْمِن عقلاني حر مستقل
- علي قتل فاطمة الزهراء , جريمة في يترب / حسين العراقي
- المثقف العربي بين النظام و بنية النظام / أحمد التاوتي
- السلطة والاستغلال السياسى للدين / سعيد العليمى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ميشيل الرائي - تأويلُ السِّيرةِ الذَّاتيَّةِ