أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - احمد صالح سلوم - إيران كساحة مواجهة نهائية بين الإمبريالية والقطبية المتعددة















المزيد.....



إيران كساحة مواجهة نهائية بين الإمبريالية والقطبية المتعددة


احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية

(Ahmad Saloum)


الحوار المتمدن-العدد: 8633 - 2026 / 3 / 1 - 12:48
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


قراءة معمقة في جيوسياسية الطاقة والمعادن النادرة وحروب الاستنزاف في الشرق الأوسط



خريطة الصراع: من هم الفاعلون وماذا يريدون؟

مقدمة: لحظة مفصلية في تاريخ المنطقة

في الأيام الأخيرة من فبراير 2026، يعيش غرب آسيا واحدة من أكثر لحظاته توتراً واحتراقاً منذ عقود. ما بدأ كتصعيد عسكري أمريكي إسرائيلي ضد إيران، تحول سريعاً إلى مواجهة مفتوحة تمتد من الخليج الفارسي إلى البحر الأبيض المتوسط، ومن شواطئ فنزويلا البعيدة إلى مراكز القرار في بكين وموسكو.

ليس هذا الصراع مجرد حلقة جديدة في سلسلة طويلة من المواجهات الإيرانية الغربية، بل هو لحظة اختراق نوعي تتحول فيها إيران من هدف محدود إلى ساحة المواجهة النهائية بين مشروعين عالميين: مشروع الهيمنة الأحادية الذي تقوده الولايات المتحدة، ومشروع القطبية المتعددة الذي تتزعمه الصين وروسيا.

الفاعلون الرئيسيون وأهدافهم المعلنة والمخفية

الفاعل الهدف المعلن الهدف الاستراتيجي الخفي
الولايات المتحدة : حماية إسرائيل وضمان أمن الملاحة في الخليج قطع شريان الطاقة الإيراني عن الصين، وتوجيه ضربة قاتلة لمشروع القطبية المتعددة
إسرائيل : القضاء على التهديد الوجودي من البرنامج النووي الإيراني والميليشيات التابعة لها تأمين تفوق إقليمي مطلق ومنع أي قوة إقليمية منافسة
إيران : ردع العدوان والدفاع عن السيادة الوطنية ترسيخ نفسها كقوة إقليمية لا يمكن تجاهلها، وكسر احتكار الغرب للطاقة
الصين : حماية استثماراتها في إيران (اتفاق الـ400 مليار دولار) وضمان استمرار تدفق النفط استخدام ورقة العناصر النادرة لإخضاع الصناعة العسكرية الأمريكية، وإثبات أن عصر الهيمنة الأحادية قد ولى
روسيا : دعم حليفتها إيران دون الدخول في مواجهة مباشرة مع واشنطن استنزاف الولايات المتحدة في مستنقع غرب اسيوي جديد، والتركيز على أولويتها القصوى: أوكرانيا

تسلسل زمني للأحداث: من يونيو 2025 إلى فبراير 2026

لكي نفهم ما يحدث اليوم، يجب أن نعود بالذاكرة إلى الصيف الماضي، حيث كتبت إيران فصلاً جديداً في قواعد الاشتباك مع إسرائيل.

حرب الـ12 يوماً (يونيو 2025):

في يونيو 2025، اندلعت مواجهة عسكرية غير مسبوقة بين إيران وإسرائيل. استمرت 12 يوماً فقط، لكنها كانت كافية لقلب المعادلات الأمنية والعسكرية في المنطقة. وفقاً لتقديرات إيرانية (لم تؤكدها مصادر مستقلة بشكل كامل)، تمكنت الصواريخ الإيرانية من إصابة أهداف عميقة في إسرائيل، بما في ذلك مناطق في تل أبيب وحيفا، مما أدى إلى تدمير واسع وخسائر بشرية ومادية كبيرة.

الأهم من ذلك، أن هذه الحرب كشفت عن نقطة ضعف قاتلة في المنظومة الدفاعية الإسرائيلية: مخزون القبة الحديدية المحدود. فقد اضطرت إسرائيل لاستخدام كميات هائلة من الصواريخ الاعتراضية باهظة الثمن (كل صاروخ اعتراضي يكلف عشرات آلاف الدولارات) لمواجهة وابل الصواريخ الإيرانية الأقل تكلفة. في مرحلة ما، اقترب المخزون من النفاد، مما هدد بانهيار الدفاعات الجوية بشكل كامل.

اللافت في هذه الحرب كان موقف الإدارة الأمريكية آنذاك. الرئيس ترامب، الذي لم يعرف عنه التهاون في دعم إسرائيل، طلب رسمياً وقف إطلاق النار بعد 12 يوماً فقط. نائبه جيه دي فانس وصف الحرب بأنها "أعادت ضبط المنطقة"، في إشارة إلى أن استمرارها كان سيكلف ثمناً باهظاً قد يصل إلى تهديد وجودي لإسرائيل. اعترف مسؤولون أمريكيون لاحقاً، في تصريحات غير رسمية، أن استمرار القصف الإيراني كان سينفذ مخزون الصواريخ الاعتراضية بالكامل، مما كان سيعرض إسرائيل لخسائر لا يمكن تعويضها.

الهدنة الهشة (يوليو 2025 - فبراير 2026):

بعد وساطة عمانية مكثفة، تم التوصل إلى تهدئة أوقفت القتال. لكن الهدنة كانت هشة، مبنية على تفاهمات غير مكتوبة أكثر منها على اتفاقيات رسمية. الجميع كان يعلم أن الجولة الثانية قادمة لا محالة، خاصة مع استمرار البرنامج النووي الإيراني، واستمرار الضغوط الأمريكية القصوى، واستمرار العمليات الإسرائيلية ضد الميليشيات الموالية لإيران في سوريا والعراق.

تصعيد فبراير 2026: الجولة الثانية (والأكثر دموية):

في 28 فبراير 2026، شنت القوات الأمريكية والإسرائيلية ضربات جوية مكثفة على أهداف إيرانية، زعمت أنها مرتبطة بالبرنامج النووي وبقوات فيلق القدس. لكن الرد الإيراني هذه المرة كان مختلفاً جذرياً. في غضون ساعتين فقط من الضربات، أطلقت إيران وابلاً كثيفاً من الصواريخ الباليستية والمسيّرات باتجاه إسرائيل وباتجاه قواعد أمريكية في عدة دول خليجية: قاعدة العديد في قطر، قاعدة الظفرة في الإمارات، ومقر الأسطول الخامس في البحرين.

الرسالة الإيرانية كانت واضحة: "هذه المرة، لن تكون الحرب محصورة في جبهة واحدة، ولن ننتظر 12 يوماً لاستنزاف دفاعاتكم".

…..

القسم الثاني: الأصول الأمريكية في مرمى النيران

استثمارات بمئات المليارات تحت التهديد المباشر

عندما يهدد إيرانيون بتدمير "الأصول الأمريكية والإسرائيلية" في المنطقة، فهم لا يبالغون كثيراً. فالوجود العسكري والاستثماري الأمريكي في الخليج وغرب آسيا يبلغ من الضخامة حداً يصعب معه تقدير قيمته الإجمالية بدقة. لكننا سنحاول، في هذا القسم، الإحاطة بأبرز هذه الأصول وقيمتها التقديرية.

أولاً: القواعد العسكرية الأمريكية الكبرى

قاعدة العديد الجوية (قطر):

تعتبر قاعدة العديد الجوية، الواقعة في صحراء قطر، أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في الشرق الأوسط، وواحدة من أهم القواعد الجوية في العالم. هي بمثابة "عقل" العمليات الجوية الأمريكية في المنطقة، إذ تضم مركز العمليات الجوية المشتركة (CAOC) المسؤول عن تنسيق الضربات الجوية في أكثر من 20 دولة.

· الاستثمار القطري: استثمرت قطر أكثر من 8 مليارات دولار في بناء وتطوير القاعدة على مر السنين، مما وفر على دافعي الضرائب الأمريكيين مليارات الدولارات.
· الاستثمار المستقبلي: تعهدت قطر مؤخراً باستثمار 10 مليارات دولار إضافية لدعم القاعدة في السنوات القادمة، في إطار شراكتها الاستراتيجية مع واشنطن.
· الأصول الموجودة: تضم القاعدة حالياً حوالي 8,000 إلى 10,000 جندي أمريكي، وأسطولاً ضخماً من الطائرات الحربية (مقاتلات F-16 وF-15، وطائرات استطلاع وتزود بالوقود)، ومخزوناً هائلاً من الذخائر والمعدات التي تقدر قيمتها بمليارات الدولارات.

في هجمات فبراير 2026، أعلنت وزارة الدفاع القطرية أنها اعترضت وأسقطت جميع الصواريخ التي كانت متجهة نحو البلاد. لكن الخبراء يشككون في نجاح الدفاعات باعتراض 100% من الصواريخ، مرجحين سقوط بعضها في محيط القاعدة أو داخلها، مما يشير إلى أن إيران تختبر دقة دفاعات القاعدة قبل توجيه ضربات أكثر إيلاماً.

قاعدة الظفرة الجوية (الإمارات):

تستضيف قاعدة الظفرة في أبوظبي مئات الطائرات الأمريكية، بما في ذلك مقاتلات F-35 الشبحية وطائرات الاستطلاع بدون طيار. القاعدة أيضاً مركز رئيسي لعمليات التزود بالوقود جواً، وهي ضرورية للحفاظ على التفوق الجوي الأمريكي في المنطقة. قيمة المنشآت والمعدات في الظفرة تقدر بعشرات المليارات من الدولارات.

مقر الأسطول الخامس (البحرين):

يقع مقر الأسطول الخامس للبحرية الأمريكية في المنامة، وهو المسؤول عن العمليات البحرية في الخليج العربي وبحر العرب والبحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي. المقر يضم العشرات من القطع البحرية، بما في ذلك مدمرات وفرقاطات وسفن دعم لوجستي. تقارير غير مؤكدة تشير إلى سقوط صواريخ قرب المقر في الهجمات الأخيرة، مما دفع السفن الحربية إلى اتخاذ أوضاع دفاعية استثنائية.

ثانياً: الأصول البحرية (حاملات الطائرات والقطع الحربية)

القيمة الحقيقية للأسطول الأمريكي لا تقاس فقط بالدولار، بل بالقدرة على إسقاط القوة في أي نقطة من العالم خلال ساعات. لكن لو أردنا تقييماً مالياً تقريبياً:

· حاملة طائرات من فئة نيميتز: تبلغ تكلفة بناء الواحدة حوالي 4.5 مليار دولار، لكن قيمتها الاستراتيجية ومساهمتها في العمليات الحربية تفوق هذا الرقم بكثير. بعض التقديرات تضع القيمة الإجمالية للمجموعة القتالية المصاحبة لحاملة الطائرات (حاملة + مدمرات + فرقاطات + غواصات + طائرات) بأكثر من 20 مليار دولار.
· مدمرة من فئة أرلي بيرك: تتكلف حوالي 2 مليار دولار للواحدة، وهي العمود الفقري للدفاع الجوي للأسطول.
· الغواصات الهجومية: تبلغ تكلفة الغواصة الواحدة من فئة فيرجينيا حوالي 2.8 مليار دولار.

الأسطول الخامس يضم العشرات من هذه القطع، مما يعني أن قيمة الأصول البحرية الأمريكية في المنطقة وحدها تتجاوز بسهولة 50 مليار دولار.

إصابة سفينة الدعم الأمريكية:

أعلن الحرس الثوري الإيراني أنه أصاب سفينة دعم قتالية أمريكية بصاروخ، وأن السفينة تعرضت لأضرار جسيمة. إذا تأكدت هذه المعلومات، فإنها تمثل أول إصابة مؤكدة لهدف بحري أمريكي في هذه الجولة من التصعيد. سفن الدعم أقل قيمة من السفن الحربية (تقدر قيمتها بمئات الملايين)، لكن إصابتها تمثل رسالة واضحة: لا شيء في الخليج خارج مرمى الصواريخ الإيرانية.

ثالثاً: الاستثمارات في قطاع الطاقة

ليس كل ما يملكه الأمريكيون في المنطقة قواعد وسفناً. هناك استثمارات ضخمة في قطاع الطاقة أيضاً:

· حصة شيفرون في حقل ليفياثان: تستثمر شركة شيفرون الأمريكية في حقل الغاز الضخم قبالة سواحل إسرائيل. تبلغ الحصة الأمريكية حوالي 39.66% من حقل تقدر قيمته الإجمالية بـ 18.7 مليار دولار، أي ما يعادل 7.4 مليار دولار حصة شيفرون وحدها.
· استثمارات في خطوط الأنابيب السعودية: كما ذكرنا في نقاش سابق، استحوذت شركات أمريكية على حصص في خطوط أنابيب النفط والغاز السعودية بصفقات تجاوزت قيمتها 20 مليار دولار في السنوات الأخيرة.

رابعاً: الأسلحة المتطورة في الضربات الأخيرة

في الضربات الأخيرة على إيران، استخدمت القوات الأمريكية أسلحة متطورة للغاية، تكلفتها بحد ذاتها بمليارات الدولارات. وفقاً لتقارير غير مؤكدة، استخدمت القوات الأمريكية 7 قاذفات استراتيجية من طراز B-2، تبلغ تكلفة الواحدة حوالي 2.1 مليار دولار، بمجموع 14.7 مليار دولار لهذه القاذفات وحدها. كما شاركت أكثر من 125 طائرة في الضربات، بقيمة إجمالية تقديرية بمليارات الدولارات.

تقدير القيمة الإجمالية

إذا جمعنا كل هذه العناصر معاً (القواعد، الأسطول البحري، الاستثمارات في الطاقة، الأسلحة المستخدمة)، فإن القيمة التقديرية للأصول الأمريكية المعرضة للخطر في المنطقة تتجاوز بسهولة 200 مليار دولار، وقد تصل إلى 300 مليار دولار في بعض التقديرات. هذا الرقم لا يشمل القيمة الاستراتيجية لهذه الأصول، ولا يشمل الخسائر البشرية التي قد تنجم عن تدميرها.

…..

القسم الثالث: استراتيجية الاستنزاف الإيرانية

دروس الماضي وتكتيكات المستقبل

كيف تقرأ إيران المشهد؟

الاستراتيجية العسكرية الإيرانية في مواجهة القوة العسكرية الأمريكية والإسرائيلية ليست وليدة اللحظة، بل هي نتاج عقود من الخبرة والتحليل العميق لنقاط قوة الخصم وضعفه. إيران تدرك جيداً أنها لا تستطيع مواجهة الولايات المتحدة في حرب تقليدية مفتوحة. لذلك، طورت استراتيجية تعتمد على أربع ركائز أساسية:

1. حرب الاستنزاف: إرهاق الخصم وإجباره على إنفاق موارد هائلة في مواجهة طويلة الأمد.
2. إرباك الدفاعات الجوية: إطلاق وابل كثيف من الصواريخ والمسيّرات لإرباك أنظمة الدفاع المتطورة وإجبارها على استهلاك مخزونها من الصواريخ الاعتراضية.
3. استهداف القواعد الخلفية: عدم حصر الصراع في الجبهة مع إسرائيل، بل توسيعه ليشمل القواعد الأمريكية في الخليج، لرفع كلفة الحرب على واشنطن.
4. الحرب بالوكالة: استخدام حلفائها في المنطقة (حزب الله، الحوثيون، الفصائل العراقية والسورية) لفتح جبهات متعددة واستنزاف إسرائيل من عدة اتجاهات.

دروس حرب يونيو 2025: تأكيد النظرية

شكلت حرب الـ12 يوماً في يونيو 2025 تأكيداً عملياً لصحة هذه الاستراتيجية. لنعد تحليل ما حدث:

· الضربة الإيرانية الأولى: رداً على استهداف قنصليتها في دمشق، أطلقت إيران وابلاً من الصواريخ والمسيّرات باتجاه إسرائيل. الرقم الدقيق للصواريخ لا يزال محل خلاف، لكن التقديرات تشير إلى مئات الصواريخ الباليستية والآلاف من المسيّرات.
· استنزاف القبة الحديدية: القبة الحديدية نظام دفاع جوي قصير المدى مصمم لاعتراض الصواريخ والقذائف. كل صاروخ اعتراضي من طراز "تمير" يكلف حوالي 50 ألف دولار. بالمقابل، الصواريخ الإيرانية (مثل فاتح 110 أو ذو الفقار) تكلف جزءاً بسيطاً من هذا السعر (بين 20 و30 ألف دولار). حتى الصواريخ الأكثر تطوراً (مثل عماد وخيبر شكن) لا تصل تكلفتها إلى 200 ألف دولار، أي أنها لا تزال أقل تكلفة من الاعتراضية الأمريكية الأكثر تقدماً مثل "باتريوت" التي تكلف 3-4 ملايين دولار للصاروخ الواحد.
· المعادلة الحسابية: عندما تطلق إيران صاروخاً يكلف 100 ألف دولار، تضطر إسرائيل لإطلاق صاروخين اعتراضيين (لضمان نسبة نجاح أعلى) يكلف كل منهما 3 ملايين دولار (صاروخ "آرو" أو "باتريوت")، أي أن الخصم ينفق 60 ضعف ما تنفقه إيران. هذا الاختلاف الهائل في التكلفة هو ما يجعل حرب الاستنزاف مربحة لإيران اقتصادياً وعسكرياً.
· نتائج الحرب: وفقاً لمصادر إيرانية وغير مؤكدة رسمياً، تمكنت الصواريخ الإيرانية من اختراق الدفاعات الجوية في عدة نقاط، مما أدى إلى إصابات مباشرة في تل أبيب وحيفا. في مرحلة متقدمة من الحرب، بدأ مخزون الصواريخ الاعتراضية الإسرائيلية ينفد، وظهرت بوادر انهيار في الدفاعات الجوية. هذا ما دفع الولايات المتحدة للتدخل وطلب وقف إطلاق النار.

حرب فبراير 2026: التطوير والتكيف

ما نشهده اليوم هو نسخة مطورة من استراتيجية يونيو 2025، مع تحسينات وتعديلات بناءً على الدروس المستفادة:

أولاً: السرعة والمفاجأة
في يونيو 2025، كان الرد الإيراني متأخراً بعض الشيء (عدة أيام). هذه المرة، جاء الرد خلال ساعتين فقط من الضربات الأمريكية الإسرائيلية. هذا يعني أن إيران كانت مستعدة مسبقاً، وأن لديها تفويضاً بإطلاق النار بكثافة فور وقوع أي اعتداء.

ثانياً: توسيع دائرة الاستهداف
لم تقتصر الضربات هذه المرة على إسرائيل، بل شملت قواعد أمريكية في قطر والإمارات والبحرين. هذا التوسيع يحقق عدة أهداف:

· رفع كلفة الحرب على الولايات المتحدة.
· إرباك القيادة الأمريكية وتشتيت جهودها بين جبهات متعددة.
· إرسال رسالة لدول الخليج بأن استضافتها للقواعد الأمريكية تجعلها في مرمى النيران.

ثالثاً: استهداف القطع البحرية
إعلان إيران عن إصابة سفينة دعم أمريكية يمثل تصعيداً نوعياً. حتى الآن، كانت السفن الحربية تعتبر "خطاً أحمر" لا تجرؤ إيران على تجاوزه. تجاوز هذا الخط يعني أن إيران مستعدة للمخاطرة برد فعل أمريكي أوسع، وأنها تراهن على أن أمريكا ليست مستعدة لدخول حرب شاملة في المنطقة.

هل تنفد الذخيرة الإيرانية أم الصواريخ الاعتراضية أولاً؟

هذا هو السؤال الجوهري الذي يحدد مصير هذه المواجهة. دعونا نحلل المعطيات:

المخزون الإيراني:

· إيران تمتلك واحدة من أكبر ترسانات الصواريخ الباليستية في الشرق الأوسط. تقديرات الخبراء تشير إلى أن لديها ما بين 10,000 و15,000 صاروخ باليستي قصير ومتوسط المدى.
· إضافة إلى ذلك، تمتلك آلافاً من الطائرات المسيّرة (درونز)، بعضها رخيص الثمن ويمكن إنتاجه بكميات كبيرة محلياً.
· إيران تمتلك قدرة محلية على إنتاج الصواريخ، مما يعني أنها لا تعتمد على مخزون ثابت، بل يمكنها إعادة التزويد باستمرار طالما أن منشآتها الإنتاجية لم تدمر.

المخزون الأمريكي الإسرائيلي:

· الولايات المتحدة وإسرائيل تمتلكان أنظمة دفاع جوي متطورة، لكنها محدودة الكمية. صواريخ "باتريوت" و"ثاد" الأمريكية، وصواريخ "آرو" و"القبة الحديدية" الإسرائيلية، كلها منتجات باهظة الثمن ويستغرق إنتاجها وقتاً طويلاً.
· الخبراء يقدرون أن مخزون الصواريخ الاعتراضية في المنطقة (بما فيها المخزون الأمريكي المنتشر في القواعد الخليجية) قد لا يكفي لأكثر من أسبوعين من القتال المكثف، إذا استمرت إيران بإطلاق وابل كثيف يومياً.
· إعادة تزويد هذا المخزون يتطلب جسراً جوياً ضخماً من الولايات المتحدة، وهو ما يعني أياماً بل أسابيع قد تكون حاسمة في سير المعركة.

الخلاصة:
السباق الحقيقي هو بين نفاد الذخيرة الإيرانية (وهو احتمال بعيد في الأمد القريب، لأن إيران تملك مخزوناً ضخماً وقدرة إنتاجية مستمرة)، ونفاد الصواريخ الاعتراضية الأمريكية الإسرائيلية (وهو احتمال قائم وواقعي خلال أسابيع من القتال المكثف). من يستنفد مخزونه أولاً سيخسر المعركة.

…..

القسم الرابع: اللاعبون الكبار.. أين تقف القوى العظمى؟

الولايات المتحدة: بين ضرورة الرد وخوف المستنقع الجديد

المأزق الأمريكي

تقف الولايات المتحدة اليوم في موقف لا تحسد عليه. من جهة، تضغط إسرائيل وحلفاء الخليج لاتخاذ موقف حازم يردع إيران ويعيد هيبة الردع الأمريكي التي تضررت بعد حرب يونيو 2025. من جهة أخرى، تدرك واشنطن جيداً مخاطر الانجرار إلى حرب واسعة في غرب اسيا، في وقت لا تزال فيه منشغلة في أوكرانيا وسباقها مع الصين.

الحسابات الأمريكية:

· الردع: إذا لم ترد الولايات المتحدة بقوة على الهجمات الإيرانية، فسيفهم الجميع (أعداء وأصدقاء) أن الردع الأمريكي قد تراجع، مما قد يشجع المزيد من المغامرات ضد المصالح الأمريكية في المنطقة.
· المستنقع: إذا انخرطت الولايات المتحدة في حرب شاملة مع إيران، فقد تجد نفسها في مستنقع جديد لا يقل كلفة عن العراق وأفغانستان. إيران أكبر حجماً وأكثر تعقيداً من أي خصم سابق واجهته أمريكا في المنطقة.
· التكلفة الاقتصادية: حرب مع إيران تعني ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات قياسية (ربما تتجاوز 150 دولاراً للبرميل)، مما يغذي التضخم ويعمق الركود الاقتصادي الذي تعاني منه أمريكا وأوروبا.
· الانشغال عن الصين: الحرب في غرب اسيا ستلهي الولايات المتحدة عن هدفها الاستراتيجي الأكبر: مواجهة الصين. بكين تراقب الوضع بارتياح، لأن أي تورط أمريكي في الشرق الأوسط يعني مزيداً من الوقت والمساحة لها في آسيا.

الموقف العسكري: الضربات المركزة مقابل الرد الواسع

الاستراتيجية الأمريكية الحالية تبدو وكأنها تحاول "قطع رأس النظام" عبر ضربات مركزة على قيادات فيلق القدس ومنشآت نووية، مع تجنب الدخول في حرب استنزاف واسعة. لكن هذه الاستراتيجية تواجه تحديين كبيرين:

1. صعوبة القضاء على القيادات: إيران تتعلم من دروس الماضي وتحمي قياداتها جيداً. الضربات الأمريكية إذا نجحت في تصفية أي قائد كبير كما أن هناك أربع بدائل لكل مسؤول على الأقل أكثر شبابا واندفاعا.
2. استفزاز إيران دون ردعها: الضربات المركزة تغضب إيران وتستفزها للرد، لكنها لا تردعها عن مواصلة القصف. كل ضربة أمريكية تقابلها عشرات الصواريخ الإيرانية على القواعد الأمريكية.

…..

الصين: ورقة العناصر النادرة.. السلاح النهائي

التهديد الصريح: "سنشل صناعتكم العسكرية خلال 48 ساعة"

في تطور بالغ الأهمية، أعلنت الصين مسبقاً، وفقاً لتقارير وتحليلات صادرة في فبراير 2026، أنها ستوقف فوراً جميع صادرات العناصر الأرضية النادرة إلى الولايات المتحدة إذا هاجمت أمريكا أو إسرائيل إيران. التهديد يحمل رسالة زمنية خطيرة: هذا الإجراء يمكن أن "يشل الصناعة العسكرية الأمريكية في غضون 48 ساعة" .

لماذا هذا التهديد خطير جداً؟

· الاحتكار الصيني: الصين تسيطر على 60% من تعدين العناصر النادرة في العالم، والأهم من ذلك أنها تحتكر أكثر من 90% من طاقة المعالجة العالمية. هذا يعني أن الولايات المتحدة يمكنها استخراج المواد الخام من مناجمها الخاصة (كما في ماونتن باس بكاليفورنيا) أو من حلفائها (أستراليا)، لكنها ستحتاج إلى سنوات لبناء قدرات معالجة تتيح لها الاستغناء عن الصين.
· أساس الصناعات الحديثة: العناصر النادرة ليست ترفاً، بل هي أساس صناعة الأسلحة الحديثة. حوالي 78% من برامج الأسلحة الأمريكية الكبرى تعتمد عليها، بدءاً من طائرات F-35 التي تحتوي على مئات الكيلوغرامات منها (في محركاتها، راداراتها، أنظمة التوجيه)، وصولاً إلى صواريخ باتريوت، وأنظمة الرادار، والغواصات، والدبابات. كما أن صناعات السيارات الكهربائية، وتوربينات الرياح، وأجهزة الكمبيوتر، والهواتف الذكية ستعاني من شلل فوري.
· التأثير على سلاسل التوريد: شركات مثل لوكهيد مارتن، بوينغ، ورايثيون تعتمد بشكل شبه كامل على الواردات الصينية من العناصر النادرة. قطع هذا الإمداد يعني توقف خطوط الإنتاج، وتعطل برامج التطوير، وتأخير تسليم الطلبيات العسكرية لسنوات.

الصين تحمي استثماراتها: اتفاق الـ400 مليار دولار مع إيران

الدفاع الصيني عن إيران ليس مجرد موقف أيديولوجي، بل هو دفاع عن مصالح اقتصادية ضخمة. في عام 2021، وقعت الصين وإيران اتفاقاً استراتيجياً لمدة 25 عاماً، قيمته حوالي 400 مليار دولار، يشمل استثمارات صينية في قطاعات النفط والغاز والبنية التحتية والصناعة في إيران. أي تدمير للبنية التحتية الإيرانية أو زعزعة استقرار النظام يعني خسارة فادحة لهذه الاستثمارات.

بالإضافة إلى ذلك:

· الصين هي أكبر مشترٍ للنفط الإيراني، حيث تستورد حوالي 89% من صادرات إيران النفطية، بما يعادل 14.5 مليار دولار سنوياً.
· الصين تستثمر أيضاً في فنزويلا (أكبر احتياطي نفطي في العالم)، وأي ضغط أمريكي على فنزويلا (كما يحدث الآن عبر الاستيلاء على ناقلات النفط) يهدد المصالح الصينية هناك أيضاً.

معادلة الردع الجديدة: الدم مقابل المال

ما تفعله الصين هو خلق معادلة ردع جديدة: أي هجوم أمريكي كبير على إيران (حليفة الصين ومصدر نفطها) سيقابل بضربة اقتصادية قاتلة للصناعة الأمريكية عبر قطع العناصر النادرة. هذه المعادلة تردع واشنطن عن التصعيد الكامل، وتفسر لماذا تتحرك أمريكا بحذر شديد رغم خطابها الناري.

اللافت أن هذا التهديد الصيني لم يواجه برد فعل أمريكي حاسم حتى الآن. لا تستطيع واشنطن فرض عقوبات على الصين لأن ذلك سيدمر الاقتصاد العالمي، ولا تستطيع الرد عسكرياً على الصين لأن ذلك سيعني حرباً عالمية ثالثة. بكين تجيد اللعب على حافة الهاوية.

…..

روسيا: الدعم الناري والدبلوماسي.. لماذا لا تدخل الحرب؟

التصريحات الرسمية: إدانة نارية.. ولكن على الورق فقط

أصدرت روسيا بياناً شديد اللهجة أدانت فيه الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران، ووصفتها بأنها "مغامرة خطيرة" قد تؤدي إلى "كارثة إنسانية واقتصادية وربما إشعاعية" في المنطقة. كما اتهمت موسكو واشنطن وتل أبيب بالسعي إلى "تدمير النظام الدستوري والإطاحة بحكومة دولة تعتبرانها غير مرغوب فيها".

كما أجرى وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف اتصالاً هاتفياً بنظيره الإيراني، وأكد استعداد روسيا "للمساعدة في البحث عن حلول سلمية" وإعادة الوضع إلى المسار السياسي والدبلوماسي.

لكن المهم هنا هو أن هذه التصريحات لم تتضمن أي تهديد بتدخل عسكري روسي، بل ركزت على الحل السياسي.

التحليل: لماذا لن تدخل روسيا الحرب؟

أولاً: أولوية الحرب في أوكرانيا
الجيش الروسي منشغل بالكامل في حربه ضد أوكرانيا، وقدرته على فتح جبهة جديدة في غرب آسيا محدودة للغاية. مصادر في الكرملين تشير إلى أن موسكو تعتبر إنهاء الحرب مع أوكرانيا أولوية قصوى، ولا تستطيع تحمل تكلفة تدخل عسكري كبير في مكان آخر.

ثانياً: البراغماتية الروسية والمصالح الكبرى
روسيا تضع علاقتها مع الولايات المتحدة فوق علاقتها بإيران. تقارير موثوقة تشير إلى أن موسكو قد تكون مستعدة "لتخلي" عن إيران (كما حدث مع فنزويلا وسوريا في بعض المراحل) إذا كان ذلك سيساعد في تحسين العلاقات مع إدارة ترامب وتحقيق مصالحها الكبرى.

ثالثاً: فقدان النفوذ في المنطقة
منذ سقوط نظام الأسد في سوريا، تراجع النفوذ الروسي في غرب اسيا بشكل كبير. أصبحت موسكو الآن تمارس "دبلوماسية الصفقات" و"المناورات الرمزية" أكثر من كونها قادرة على التأثير الفعلي على الأرض.

رابعاً: الدعم غير المباشر هو الحل الوسط
بدلاً من التدخل المباشر، ستستمر روسيا على الأرجح في تقديم الدعم غير المباشر لإيران، مثل:

· الدعم الدبلوماسي داخل مجلس الأمن والمحافل الدولية.
· الدعم التكنولوجي والاستخباراتي (توفير أنظمة حرب إلكترونية وتقنيات للمسيرات والصواريخ).
· التنسيق العسكري عبر غرفة العمليات المشتركة في بغداد (التي تضم روسيا وإيران وسوريا والعراق).

الخلاصة: روسيا ستواصل إدانة الضربات والدعوة لضبط النفس، لكن التدخل العسكري المباشر غير وارد على الإطلاق.

….

الاتحاد الأوروبي: الضحية الصامتة

ربما يكون الاتحاد الأوروبي هو الخاسر الأكبر في هذه المواجهة، رغم أنه ليس طرفاً مباشراً فيها.

لماذا؟

· ارتفاع أسعار الطاقة: أي صراع في الخليج يرفع أسعار النفط والغاز globally. أوروبا، التي تعاني بالفعل من ارتفاع تكاليف الطاقة بعد قطع إمدادات الغاز الروسي، ستكون الأكثر تضرراً. أسعار النفط قد تقفز إلى 150 دولاراً للبرميل أو أكثر، مما يعني مزيداً من التضخم والركود.
· اللاجئون وعدم الاستقرار: حرب واسعة في الشرق الأوسط ستولد موجات جديدة من اللاجئين نحو أوروبا، مما يضغط على الخدمات الاجتماعية ويثير توترات سياسية داخلية.
· الانقسام الداخلي: أوروبا منقسمة بين دعمها التقليدي للولايات المتحدة وإسرائيل، ومصالحها الاقتصادية مع العالم العربي وإيران، وخوفها من التبعات الإنسانية للحرب.

الموقف الأوروبي الرسمي حتى الآن كان "الدعوة لضبط النفس" و"تجنب التصعيد"، وهو موقف ضعيف يعكس عجز أوروبا عن لعب دور مؤثر في هذه الأزمة.

…..

القسم الخامس: التحليل وفق رؤية سمير أمين

لو كان حياً.. كيف كان سيرى هذا المشهد؟

في هذا القسم، نستعيد إطار سمير أمين التحليلي (المفكر المصري الفرنسي الراحل، أحد أبرز منظري نظرية التبعية وحركة المنظومة العالمية)، ونتخيل كيف كان سيقيم هذا العدوان لو كان حياً بيننا.

الإطار النظري: العدوان الإمبريالي في مرحلة أفوله

بالنسبة لسمير أمين، لم تكن الضربات على إيران مجرد حادث عابر، بل هي استمرار لـ "الإمبريالية الجماعية" التي تتجه نحو أفولها. كان سيرى فيها:

· صراع "مراكز" على "الأطراف": الصراع الحقيقي ليس بين دول، بل بين "مراكز" الرأسمالية (الولايات المتحدة وأوروبا) تحاول السيطرة على "أطراف" العالم (إيران، فنزويلا، الخليج) التي تمتلك الموارد الحيوية.
· تدمير "شريان الحياة" للجنوب العالمي: استهداف إيران هو استهداف لـ"الجنوب العالمي" بشكل عام. إيران ليست مجرد دولة، بل هي نموذج مقاومة للهيمنة. قطع النفط عنها يعني تجويع شعوب الجنوب (التي تعتمد على الطاقة) وإخضاعها لشروط الشمال.
· الإمبريالية "المفلسة": أمريكا التي تلجأ لـ"سرقة النفط" (كما في فنزويلا وسوريا) وتهدد بالحرب لأنها لم تعد قادرة على المنافسة اقتصادياً هي في نظره "إمبريالية مفلسة". ضرباتها على إيران هي صرعات موت وليس صولات بطولة.

تحليل المشهد الإقليمي: تحالف بريكس في مواجهة الإمبريالية

كان سمير أمين سيرى في تحالف الصين وروسيا مع إيران تطوراً طبيعياً وحتمياً لنظريته حول "الانفصال الجماعي":

· الصين لا تحمي إيران، بل تحمي "النموذج": تهديد الصين بقطع العناصر النادرة عن أمريكا ليس مجرد دفاع عن صديق، بل هو دفاع عن "القطبية المتعددة". الصين تثبت أن "المركز" الجديد (الجنوب العالمي الصاعد) لم يعد يقبل أن تملي عليه "المراكز" القديمة شروط بقائه.
· استهداف الطاقة هو استهداف للتنمية المستقلة: ما تفعله واشنطن (سرقة نفط فنزويلا والضغط على إيران) هو محاولة يائسة لوقف تصاعد "الأطراف" التي بدأت تتحول إلى مراكز قوة بفضل تحكمها بمواردها.

ماذا عن "العدوان الصهيوني"؟ الصراع الطبقي والهوية

كان لسمير أمين رؤية خاصة للكيان الصهيوني، لم تكن مجرد رؤية سياسية، بل كانت تحليلاً بنيوياً:

· "الكيان" كحارس للأمن الإمبريالي: إسرائيل ليست كياناً مستقلاً، بل هي "قلعة إمبريالية متقدمة" في قلب العالم العربي. هدفها الأساسي هو تأمين مصالح الإمبريالية ومنع emergence أي قوة عربية موحدة.
· تدمير إسرائيل "وجودياً": لو رأى ما حدث في حرب يونيو 2025 (تدمير ثلث تل أبيب وحيفا)، لقال إن "هشاشة الكيان" أصبحت واضحة. بالنسبة له، إسرائيل (مثلها مثل الإمبريالية التي تمثلها) تعيش حالة انحلال داخلي، وضربات المقاومة هي التي تسرع هذا الانهيار. "القبة الكرتونية" هي دليل على أن التكنولوجيا وحدها لا تحمي مشروعاً استعمارياً فاقداً للشرعية.

التقييم النهائي: "لحظة الفراق الكبير"

إذا طلبنا من سمير أمين أن يقيّم اللحظة الراهنة بكلمة واحدة، لقال إنها "لحظة الفراق الكبير" بين الشمال والجنوب:

· الغرب ينهار أخلاقياً ومادياً: أمريكا التي تنهك في حروب استنزاف وتفقد قدرتها على الردع، وإسرائيل التي تكتشف أن قبتها الحديدية ليست سوى كرتون، وأوروبا التي تعاني من تبعات صراعات لا ذنب لها فيها.
· الجنوب ينهض: الصين وروسيا وإيران وفنزويلا تشكل في نظره "محور المقاومة للاستبداد الإمبريالي". هذا المحور، رغم اختلافاته، يمثل الانتقال من عالم أحادي القطب إلى عالم متعدد الأقطاب.

لو كان حياً لقال:

"ما ترونه اليوم في إيران هو دفاع إيران عن نفسها، ولكنه أيضاً دفاع عن حق شعوب الجنوب في التنمية والاستقلال. أمريكا تضرب إيران لأنها تضرب نموذجاً يثبت أن الإرادة الوطنية يمكنها كسر قيود التبعية. النصر في هذه المعركة ليس لإيران وحدها، بل لجميع شعوب العالم التي ترفض أن يكون مستقبلها رهينة لمزاج واشنطن."

لخص سمير أمين هذه الفكرة في مقولته الشهيرة:

"الرأسمالية لا يمكن إصلاحها، يجب تجاوزها. والإمبريالية لا يمكن استرضاؤها، يجب هزيمتها."

كان سيرى في صمود إيران واستنزافها للقبة الحديدية خطوة عملية نحو هذه الهزيمة التاريخية.

…..

القسم السادس: سيناريوهات المستقبل

إلى أين تتجه الأحداث في الأيام القادمة؟

بناءً على المعطيات الحالية ودروس الماضي، يمكن توقع عدة سيناريوهات لتطور الأحداث:

السيناريو الأول: استمرار القصف بكثافة (مرتفع الاحتمال)

في هذا السيناريو، تواصل إيران إطلاق وابل كثيف من الصواريخ والمسيّرات باتجاه إسرائيل والقواعد الأمريكية في الخليج. الهدف هو استنزاف الدفاعات الجوية الأمريكية والإسرائيلية، وإرغامها على استخدام مخزونها من الصواريخ الاعتراضية باهظة الثمن. إيران تراهن على أن مخزون الصواريخ الاعتراضية سينفد قبل مخزونها الصاروخي، مما سيمكنها من تحقيق إصابات مؤثرة في الأيام القادمة.

نتيجة هذا السيناريو:

· قد نشهد اختراقات أكبر للدفاعات الجوية وإصابات مباشرة في أهداف حيوية.
· ستضطر الولايات المتحدة إما لتعزيز دفاعاتها الجوية بشكل كبير (وهو ما يتطلب جسراً جوياً ضخماً) أو التفكير في ردع أوسع.
· خطر توسع الصراع ليشمل دولاً أخرى في المنطقة يزداد.

السيناريو الثاني: تصعيد تدريجي (احتمال متوسط)

في هذا السيناريو، تبدأ إيران باستهداف أصول أكثر قيمة تدريجياً: قواعد أمريكية كبرى، بنى تحتية إسرائيلية حيوية، سفن حربية. هذا التصعيد التدريجي يهدف إلى قياس رد الفعل الأمريكي، ورفع كلفة الحرب تدريجياً دون الوصول إلى نقطة اللاعودة التي قد تؤدي إلى حرب شاملة.

نتيجة هذا السيناريو:

· صراع طويل الأمد منخفض الشدة، يشبه حرب الاستنزاف التي استمرت شهوراً.
· تآكل تدريجي للقدرات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية.
· ضغط دبلوماسي متزايد على واشنطن للانسحاب أو التفاوض.

السيناريو الثالث: العودة إلى "قواعد الاشتباك" عبر الوساطة (احتمال مرتفع ولكن بعد اغتيال الامام الخامنئي مستبعد نسبيا)

هذا هو السيناريو الذي حدث في يونيو 2025. مع تصاعد حدة القتال واقتراب الدفاعات الجوية من النفاد، تتدخل وساطة دولية ( عمان، وربما الصين) لوقف إطلاق النار. في هذا السيناريو، تحصل إيران على بعض المكاسب الدبلوماسية (تخفيف العقوبات، اعتراف بدورها الإقليمي) مقابل وقف القصف، وتحصل أمريكا وإسرائيل على وقف استنزاف دفاعاتهما الجوية مقابل تعهدات بعدم استهداف إيران.

نتيجة هذا السيناريو:

· هدنة هشة جديدة، تمهد لجولة ثالثة في المستقبل.
· إيران تثبت مجدداً أنها قادرة على فرض معادلات جديدة في المنطقة.
· الولايات المتحدة تحافظ على ماء وجهها لكنها تدرك أن هيبة ردعها تضررت.

السيناريو الرابع: الحرب الشاملة (منخفض الاحتمال حالياً)

في هذا السيناريو، تقرر الولايات المتحدة الرد بقوة غير متناسبة، بهدف تدمير القدرات الصاروخية الإيرانية وقطع رأس النظام. هذا السيناريو يتضمن ضربات جوية مكثفة على المنشآت النووية والصاروخية، وربما عمليات تخريب سيبراني، وقد يصل إلى غزو بري محدود.

نتيجة هذا السيناريو:
ا
· حرب واسعة النطاق تمتد لأشهر.
· خسائر بشرية ومادية هائلة في الجانبين.
· ارتفاع جنوني لأسعار النفط (ربما إلى 200 دولار).
· تدمير البنية التحتية الإيرانية، لكن مع مقاومة شرسة قد تحولها إلى فيتنام جديدة.

هذا السيناريو مستبعد حالياً بسبب:

1. التهديد الصيني بقطع العناصر النادرة.
2. عدم جهوزية الجيش الأمريكي لحرب جديدة بعد أفغانستان والعراق.
3. التكلفة الاقتصادية والسياسية الباهظة.
4. الرفض الإقليمي والدولي لمثل هذه الحرب.

……

الخلاصة: نحن أمام حرب استنزاف طويلة

ما نشهده اليوم في غرب آسيا ليس نزاعاً عابراً، بل هو حرب استنزاف طويلة الأمد بين مشروعين عالميين: مشروع الهيمنة الأمريكية الذي يتراجع، ومشروع القطبية المتعددة الذي يصعد. إيران هي ساحة هذه المواجهة، لكن الرهانات أكبر بكثير من إيران وحدها.

الصين تمسك بسلاح العناصر النادرة، وإيران تمسك بمفاتيح مضيق هرمز، وروسيا تتابع من بعيد وتحرق التبغ في أوكرانيا. أمريكا تحاول جاهدة الحفاظ على مكانتها، لكنها تدرك أن الزمن ليس في صالحها. كلما طالت الحرب، كلما استنزفت أكثر، وكلما اقتربت لحظة انزياح الهيمنة.

السؤال الأهم:
هل ستنجح الدبلوماسية في وقف هذا النزيف قبل أن يتحول إلى حرب إقليمية شاملة؟ أم أن المنطقة مقبلة على جولة ثالثة ورابعة، حتى تصل إلى نقطة الانهيار أو نقطة التحول الكبير؟

الأيام القادمة وحدها كفيلة بالإجابة.

…..

المصادر والمراجع

1. تقارير مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) حول الأصول العسكرية الأمريكية في الخليج.
2. تحليلات معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى حول حرب يونيو 2025.
3. تصريحات رسمية للبيت الأبيض ووزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون).
4. بيانات وزارة الخزانة الأمريكية حول حيازات السندات.
5. تقارير بلومبرغ ورويترز حول أسواق الطاقة والعناصر النادرة.
6. كتابات سمير أمين: "نهاية الهيمنة الأمريكية" و"الرأسمالية في مرحلة أفولها".
7. تقارير المعهد الدولي للدراسات الإيرانية.
8. تحليلات مكز أبحاث الطاقة العالمية (CGEP) بجامعة كولومبيا.



#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)       Ahmad_Saloum#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كتاب : صندوق تل أبيب: النكبة في وثائق الجلادين
- كتاب : دماء على أبواب المطار: محاكمة من سفروا تونس إلى الجحي ...
- الإبادة البطيئة: من تفكيك دولة الرفاه البلجيكي إلى تجويع غزة
- كتاب : الغريب الذي يرى
- تحقيق معمق في تحول الدولة الأوروبية من حامية إلى جابية
- سرقة القرن: الإطار القانوني لمحاكمة الكيان الصهيوني على نهب ...
- قراءة في العلاقة العضوية بين أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، ...
- كيف تعيد موسكو وبكين تشكيل معادلة الردع الإيرانية؟
- تفكيك سردية -الخطر الصيني- في الخطاب الاقتصادي الغربي
- دراسة في تغطية إمبراطوريات -روتشيلد إبستين- لحزب -فرنسا الأب ...
- كتاب : محراب الكذب تصحيح التشوهات الإعلامية: قراءة في التجرب ...
- دراسة مقارنة: -في محراب الكذب- في سياق المكتبة العالمية
- أشرطة الجحيم: شبكة إبستين، قنصلية روتشيلد، والمغتصبة الصهيون ...
- بين احتلال القصر واحتلال الرغيف: نحو كتابة صحفية عربية جديدة ...
- عزمي بشارة... تبييض وجه المؤسسة الاستعمارية في ثوب المثقف ال ...
- من بي بي سي إلى الجزيرة والعربية ... سلالة استعمارية . من كت ...
- -العقل المحتل: إمبراطوريات الإعلام وسرقة المستقبل- في مواجهة ...
- إيران: ما وراء أسطورة -دولة الملابس- - قراءة في جيوسياسية ال ...
- العقل المحتل... الإمبراطوريات الإعلامية وسرقة المستقبل..مقدم ...
- إمبراطورية الجزر: من احتكار روتشيلد المالي إلى اغتصاب إبستين ...


المزيد.....




- في ظل التوترات الإقليمية.. طيران الإمارات تعلن تعليقًا مؤقتً ...
- إيران تعلن تشكيل مجلس قيادة لإدارة شؤونها.. وبيزشكيان يتعهد ...
- ما هي تداعيات مقتل المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي؟
- من الجسمي إلى الدوسري.. كيف تفاعل نجوم الفن مع الهجمات الإير ...
- لماذا تفضل إيران خوض الحرب دون تدخل من روسيا والصين؟
- ما بعد خامنئي.. كيف سيتم اختيار المرشد الجديد في إيران؟
- بعد اغتيال المرشد.. هل يوثر ترمب في مستقبل حكم إيران؟
- درس في الحرب.. هل تستطيع إيران إغراق حاملة طائرات أمريكية؟
- قاعدة كردستان العائمة.. منصة بحرية إيرانية ذات قدرات قتالية ...
- ساعة الصفر.. من الرصد الاستخباراتي إلى اغتيال خامنئي


المزيد.....

- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - احمد صالح سلوم - إيران كساحة مواجهة نهائية بين الإمبريالية والقطبية المتعددة