أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - معتصم الصالح - «العَتَبَة» — محضر مختصر (قصة قصيرة)














المزيد.....

«العَتَبَة» — محضر مختصر (قصة قصيرة)


معتصم الصالح

الحوار المتمدن-العدد: 8631 - 2026 / 2 / 27 - 17:48
المحور: الادب والفن
    


لم أكن أؤمن بـ“الحدس”. في عمل الشرطة تُسمّى الأشياء بأسمائها: قرائن، مطابقة، بصمات، زمنٌ ومكان. لكن في قسم “العتبة” — وهو قسم لا يظهر في الهيكل التنظيمي — تعلّمت أن هناك نوعًا آخر من الأدلة: ما يراه الجميع ولا يلاحظه أحد.

الساعة 07:42 صباحًا، ورد تنبيه من وحدة المراقبة في المترو: “تكرار سلوكي غير منطقي عند العمود رقم 12، رصيف الخط الأزرق”.
التنبيه لم يكن آليًا بالكامل؛ موظف الكاميرات كتب ملاحظة بخط مرتجف: “الرجل مرّ ثلاث مرات وكأنه يعيد المشهد.”

تسلّمت الرائد ألينا أورلوفا المقطع، وطلبت حضوري فورًا.
في غرفة العرض، أوقفت الفيديو عند الثانية 00:18. رجل بمعطف رمادي، حقيبة كتف سوداء، حركة رأس متطابقة، خطوة محسوبة، ثم يعود بعد عشر ثوانٍ من نفس المسار. في المرور الثالث، يلتفت إلى لوحة الإعلانات لحظةً واحدة… وكأنها نادته باسمه.

قالت أورلوفا:
— شذوذ إدراكي. لا معقولية صغيرة. إن لم توقظ الناس، فهي توقظنا.
قلت:
— يمكن أن يكون مريضًا، أو متعاطيًا.
هزّت رأسها:
— لو كان كذلك لكان تغيّر الإيقاع. هنا الإيقاع محفوظ… كأنه مسجّل ويُعاد تشغيله.

كان اسم الرجل على البطاقة التي استخرجناها من التعرف على الوجه: سيرغي غروموف، مهندس اتصالات متعاقد مع جهة حساسة، لديه تصاريح دخول لطبقات شبكية مغلقة. قبل أسبوع وقّع تعهّدات عدم إفشاء، ثم اختفى 24 ساعة، ثم عاد إلى العمل دون بلاغ رسمي.

هذه ليست قضية مترو. هذه قضية دولة.

ذهبنا إلى موقعه بدل انتظار الاستدعاء. في مثل هذه الملفات، من يصل أولًا يملك فرصة استعادة الحقيقة قبل أن تُمسح.

في المكتب، وجدناه أمام الحاسوب، يكتب رسالة بريد قصيرة ثم يمحوها، ثم يعيد كتابتها بالحرف ذاته. كانت الشاشة تعرض سطرًا واحدًا:
“أؤكد استلام…”
يحذف.
يكتب.
يحذف.
يكتب.

أعلنت نفسي وفق البروتوكول:
— شرطة. النقيب ليبيديف. نحتاج دقائق معك، يا سيرغي.

لم يلتفت. لم يرمش. عيناه مثبتتان على السطر كأنهما مربوطتان به بخيط.

أخرجت أورلوفا دفتر الملاحظات وبدأت تدوّن: “استجابة معدومة للمثيرات. سلوك تكراري. تشتت انتباه كامل إلى ‘شاشة’ واحدة.”
ثم همست لي:
— لا تحاول جذبه بالكلام. جرّب إيقاظه بما لا يتفق مع المشهد.

وضعتُ على الطاولة أمامه كوب الماء الذي كان هناك أصلاً — لكني دفعته سنتيمترين فقط حتى صار نصفه خارج حافة الورقة. حركة بسيطة، لكنها “تخدش” النظام الذي يتشبث به الدماغ.

قالت أورلوفا بصوت واضح:
— سيرغي، انظر إلى الطاولة. ما الخطأ هنا؟

توقف أصبعه لحظة.
ثم رمش.
كان ذلك أول مؤشر حياة منذ دخولنا.

تمتم:
— الكوب… سيقع.

أجابت فورًا:
— إذن أنت ترى. ابقَ مع ما ترى، لا مع ما يُكتب.
وُجدت رعشة خفيفة في كتفه، ثم زفرة كأنها نجاة.

هنا حدث ما لم أكن أتمنى توثيقه.

شاشة الكمبيوتر أطفأت نفسها ثانية واحدة، ثم عادت — لكن النص لم يعد “أؤكد استلام”.
ظهر بدلًا منه سطر جديد، بلا عنوان ولا مرسل:
“شكرًا على إعادة الاتصال.”

في نفس اللحظة رنّ هاتف غروموف. رقم محجوب.
رفع الهاتف تلقائيًا كما لو أن حركة الرفع جزء من برنامج.

قلت بحدة:
— لا ترد.

ردّ.

سمعنا صوتًا واضحًا، بلا انفعال، كأنه يقرأ من تقرير:
— “تمت المعايرة. الهدف استعاد الوعي الجزئي. فعّل بروتوكول الإغلاق.”

تشنّج غروموف. نظر إلينا أخيرًا… لكن نظرته لم تكن إليه. كانت نافذة مفتوحة على شيءٍ خلفنا.

صرخت أورلوفا:
— سيرغي! ركّز في الغرفة! في قدميك! في نفسك!

مدّ يده إلى عنقه، ثم إلى خلف أذنه، كما يفعل شخص يتحسس قطعة صغيرة مزروعة.
أمسكتُ بذراعه لإيقافه. كان الجلد باردًا، كما لو أن الدم انسحب.

ثم قال غروموف بصوت مبحوح، وكأنه يقرأ اعترافًا أُجبر عليه:
— لم أكن ضائعًا… كنتُ “مُدارًا”.
وتلعثم:
— أنتم… لستم هنا لتستعيدوني.

قبل أن أسأله ماذا يقصد، رفع عينيه إلى كاميرا المكتب المثبتة فوق الباب، وابتسم ابتسامة قصيرة لا تشبهه.

وقال جملة واحدة أنهت كل شيء:
— أنتم هنا لتؤكّدوا أن البروتوكول يعمل.

وانطفأت الأنوار.

عندما عادت بعد ثلاث ثوانٍ، كان غروموف ممددًا على الأرض بلا نبض.
ولا وجود لأي أثر لزرعٍ خلف أذنه.
ولا مكالمة في سجل هاتفه.
ولا أي سجل دخول لقسم “العتبة” في نظام المبنى.

فقط على شاشة الكمبيوتر بقي سطر واحد، كُتب من دون لمس لوحة المفاتيح:

“تم الاستلام. شكرًا لتعاونكم، النقيب ليبيديف.”

تبادلتُ النظر مع أورلوفا.
في تلك اللحظة أدركتُ النهاية الصادمة الحقيقية: لم يكن غروموف هو الهدف.

نحن… كنا الاختبار.



#معتصم_الصالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- انتظرني... وسأعود
- كازينو
- خربشات صيف لم ينساب بعيدا
- مزين بغداد
- علاقة غريبة
- متاهة
- فينيرا: الرحيل نحو العالم الحقيقي
- حين يكره العبد حريته
- ترسيم الحدود العراقية-الكويتية: من التخطيط الاستعماري إلى ال ...
- عبث الجهد واليأس من المعنى
- رسالة من المدينة
- عندما أصبح البَسَطَاء هم القادة
- بين السماء والطين
- الملاك والزعيم
- هَمْسُ العُيُونِ
- فيصلُنا... لا فيصلُهم
- رحلة مع الذات
- كان لي من الوقت ما يكفي لأفهمك
- ظلٌّ لا يريد أن يُمحى
- حين تتحدث الصفقات بصوت أعلى من المفاوضات


المزيد.....




- نحو موقف معرفي مقاوم: في نقد التبعية الثقافية والبحث عن -الم ...
- بعد -عاصفة غزة-.. اجتماع طارئ لبحث مستقبل مهرجان برلين السين ...
- محمد القَريطي.. -بشير الإفطار- الذي وحّد وجدان اليمنيين لـ6 ...
- عراقجي: بالتوازي مع المسار السياسي ستجتمع الفرق الفنية في ا ...
- العاشر من رمضان.. مكة بين الحزن والفتح والجيش الإسرائيلي يُق ...
- فرنسا: من هي كاترين بيغار خليفة رشيدة داتي على رأس وزارة الث ...
- فوز فيلم -The Ties That Bind Us- للمخرجة كارين تاركيه بجائزة ...
- شطرنج تحت الخيمة
- مخالب القرش الأبيض
- سِفْرُ الشَّتَاتِ


المزيد.....

- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - معتصم الصالح - «العَتَبَة» — محضر مختصر (قصة قصيرة)