|
|
المهماز
محمد عبد الكريم يوسف
مدرب ومترجم وباحث
(Mohammad Abdul-karem Yousef)
الحوار المتمدن-العدد: 8630 - 2026 / 2 / 26 - 20:32
المحور:
قضايا ثقافية
بقلم محمد عبد الكريم يوسف مقدمة: لماذا “المِهماز”؟ المِهماز أداةٌ صغيرة، لكنها حادّة، تُستعمل لتوجيه الفرس وتسريع اندفاعه. في السياسة الدولية، قد لا تكون أدوات التأثير ضخمة أو ظاهرة للعيان، لكنها قادرة على توجيه مسارات القرار، أو على الأقل تسريعها في اتجاه معيّن. من هنا يأتي هذا المقال ليتناول، بقراءة تحليلية هادئة، دور اللوبيات المؤيدة لإسرائيل في التأثير على القرارات داخل الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية، بعيدًا عن التعميم أو الخطاب التحريضي، وبالاستناد إلى ما هو منشور في الأدبيات السياسية.
أولاً: ما هو “اللوبي”؟ في العلوم السياسية، يشير مصطلح “لوبي” إلى جماعة ضغط تسعى للتأثير في السياسات العامة عبر وسائل مشروعة: • التواصل مع المشرّعين • تمويل الحملات الانتخابية • إعداد دراسات وأوراق سياسات • العمل الإعلامي • بناء التحالفات اللوبيات ليست ظاهرة خاصة بقضية معينة؛ فهي جزء بنيوي من النظام الديمقراطي في الولايات المتحدة وأوروبا. فهناك لوبيات تمثل الصناعات النفطية، السلاح، البيئة، حقوق الإنسان، النقابات، وغيرها.
ثانيًا: اللوبي المؤيد لإسرائيل في الولايات المتحدة من أبرز المنظمات التي تُذكر في هذا السياق اللجنة الأمريكية الإسرائيلية للشؤون العامة (AIPAC)، وهي جماعة ضغط تأسست في خمسينيات القرن العشرين وتركز على تعزيز العلاقات الأمريكية–الإسرائيلية. تعمل هذه المنظمة عبر: • بناء علاقات وثيقة مع أعضاء الكونغرس • تنظيم مؤتمرات سنوية يحضرها سياسيون بارزون • دعم تشريعات تعزز التعاون الأمني والعسكري كما توجد منظمات أخرى مثل رابطة مكافحة التشهير (ADL) التي تركز على مكافحة معاداة السامية وخطاب الكراهية، ولها حضور في النقاشات العامة المتعلقة بالشرق الأوسط. يؤكد باحثان بارزان هما جون ميرشايمر و**ستيفن والت** في كتابهما The Israel Lobby and U.S. Foreign Policy أن هذا اللوبي يمتلك قدرة ملحوظة على التأثير في توجهات السياسة الخارجية الأمريكية، خاصة فيما يتعلق بدعم إسرائيل عسكريًا ودبلوماسيًا. في المقابل، يرى باحثون آخرون أن الدعم الأمريكي لإسرائيل نابع أساسًا من اعتبارات استراتيجية وجيوسياسية أوسع، وليس فقط نتيجة ضغط لوبي معين.
ثالثًا: التأثير في أوروبا في أوروبا، لا يوجد كيان موحد بحجم وتأثير AIPAC، لكن توجد شبكات دعم داخل البرلمانات الوطنية والبرلمان الأوروبي، إضافة إلى مؤسسات بحثية وإعلامية تدافع عن المواقف الإسرائيلية أو تروّج لرواياتها. في البرلمان الأوروبي مثلًا، تعمل مجموعات صداقة برلمانية، كما تنشط منظمات مجتمع مدني في التأثير على النقاشات المتعلقة بالصراع الفلسطيني–الإسرائيلي. غير أن التأثير الأوروبي عمومًا أقل تجانسًا من نظيره الأمريكي، بسبب تعدد الأنظمة السياسية وتنوع التوجهات الحزبية داخل الاتحاد الأوروبي.
رابعًا: آليات التأثير يمكن تلخيص أدوات التأثير فيما يلي: 1. التمويل السياسي: في النظام الأمريكي، يسمح القانون بتمويل الحملات الانتخابية ضمن ضوابط معينة، ما يمنح جماعات الضغط أداة تأثير قوية. 2. إنتاج المعرفة: مراكز أبحاث (Think Tanks) تصدر دراسات وتقارير تؤثر في صناع القرار ووسائل الإعلام. 3. الإعلام وصناعة الرأي العام: تشكيل الخطاب العام حول قضايا الأمن، الإرهاب، أو “القيم المشتركة”. 4. التحالف مع قوى داخلية أخرى: مثل التيارات المسيحية الإنجيلية في الولايات المتحدة، التي ترى في دعم إسرائيل بُعدًا دينيًا أو عقائديًا.
خامسًا: بين النفوذ والأسطورة ثمة نقاش واسع حول مدى هذا التأثير: • بعض التحليلات تميل إلى تضخيم الدور وتفسير كل قرار سياسي من خلاله. • تحليلات أخرى تؤكد أن العلاقات الأمريكية–الإسرائيلية تقوم على تحالف استراتيجي عميق، يتجاوز عمل أي جماعة ضغط. من المهم التمييز بين نقد سياسات دولة أو جماعة ضغط وبين الانزلاق إلى خطاب يستهدف جماعة دينية أو إثنية بعينها، فالأول نقاش سياسي مشروع، أما الثاني فيقع ضمن خطاب الكراهية المرفوض أخلاقيًا وقانونيًا.
المِهماز أم الفارس؟ قد يكون اللوبي، أيًّا كان، “مِهمازًا” يوجّه أو يسرّع، لكنه ليس الفارس وحده. فالقرار السياسي في الدول الكبرى يصنعه تداخل معقد بين: • المصالح الاستراتيجية • التوازنات الداخلية • الرأي العام • الاقتصاد • الأمن القومي من هنا، فإن فهم تأثير اللوبي المؤيد لإسرائيل – أو أي لوبي آخر – يقتضي قراءة بنيوية شاملة، لا تختزل المشهد في فاعل واحد، ولا تنفي في الوقت نفسه وجود أدوات ضغط حقيقية تؤثر في صناعة القرار.
يقولون إن القرار الدولي يُصنع في غرفٍ واسعة، ذات طاولاتٍ مستديرة، وستائر ثقيلة، ووجوهٍ لا تبتسم. لكن الحقيقة—لو سألتم “المِهماز”—أبسط من ذلك بكثير. المِهماز أداة صغيرة، لا تصهل، لا تركب الخيل، لكنها تعرف أين تضغط تحديدًا. ولأن السياسة في عصرنا الحديث سباقُ خيولٍ طويل، كان لا بدّ من مهمازٍ محترف.
الفصل الأول: كيف تُربَّى الخيول الديمقراطية؟ في الولايات المتحدة، الخيل اسمها “الكونغرس”. وفي الإسطبل الفخم المطلّ على نهر البوتوماك، يقيم فرسان كثيرون، وكل حصانٍ ينتظر من يهمس في أذنه. هناك، تقف منظمة ذات اسم طويل، أنيق، يصعب نطقه بسرعة: اللجنة الأمريكية الإسرائيلية للشؤون العامة (AIPAC). هي لا تصرخ. لا تضرب الطاولة. كل ما تفعله أنها تذكّر الفارس بأن في السباق جمهورًا، وأن الجمهور كريم… إذا أُحسن توجيهه. وفي الطرف الآخر من المشهد، يظهر كتابٌ أثار ضجةً أكاديمية، اسمه لا يقل طولًا عن اسم المنظمة: The Israel Lobby and U.S. Foreign Policy لمؤلفَيه جون ميرشايمر وستيفن والت. قالا فيه إن المِهماز ليس خيالًا شعريًا، بل قطعة معدنية حقيقية. البعض صفّق، والبعض عبس، والبعض سأل: “ومن يمسك الحصان إذًا؟”
الفصل الثاني: المِهماز الأوروبي… إصدار متعدد اللغات في أوروبا، القصة أكثر تعقيدًا. هناك برلمان يتكلم 24 لغة، اسمه الرسمي البرلمان الأوروبي. المِهماز هنا يجب أن يكون متعدد الرؤوس، متعدد الابتسامات، ومتعدد القهوة. القرار الأوروبي يشبه باصًا سياحيًا؛ لا يتحرك إلا بعد أن يتأكد السائق أن الجميع ربط حزام الأمان، وأن أحدًا لم يعترض لأسباب فلسفية. ومع ذلك، حين يصل الأمر إلى ملفات الشرق الأوسط، تجد أن البوصلة تميل أحيانًا كما لو أن أحدًا ما أعطاها دفعة خفيفة… دفعة مهذبة… لا تُرى بالعين المجردة.
الفصل الثالث: فن الضغط… دون أن يبدو ضغطًا اللوبيات—بكل ألوانها—لا تقول: “افعلوا”. هي تقول: • “هذا تقرير علمي صغير…” • “هذه قراءة استراتيجية متواضعة…” • “وهذا تبرع انتخابي متواضع جدًا… جدًا.” ثم فجأة، تجد القرار يسير بخطى واثقة في اتجاه محدد، وكأن العالم كله اتفق فجأة على الفكرة نفسها، في الليلة نفسها. هل هو سحر؟ لا. إنه علم النفس السياسي، مضافًا إليه قليل من الاقتصاد، وجرعة معتبرة من العلاقات العامة، ولمسة مهمازية في المكان المناسب.
الفصل الرابع: هل المِهماز هو الفارس؟ العدالة تقتضي الاعتراف بأن الحصان نفسه ليس بريئًا تمامًا. الولايات المتحدة ترى في إسرائيل حليفًا استراتيجيًا. أوروبا ترى توازنات معقدة بين المصالح والقيم والتاريخ. الاقتصاد يرى صفقات. والأمن يرى خرائط. المِهماز لا يخلق الحصان. لكنه يعرف مزاجه، ويعرف متى يكون مستعدًا للركض.
الخاتمة: ضحكة قصيرة… قبل الجولة القادمة في عالم السياسة، لا أحد يعترف بأنه يُقاد. كلهم فرسان. كلهم أسياد قرار. وكلهم—بطبيعة الحال—يتحركون بدافع المصلحة الوطنية الخالصة. لكن إن دققنا النظر قليلًا، قد نسمع صوتًا خفيفًا، معدنيًا، يكاد لا يُسمع… صوت مهمازٍ صغير، يلمع للحظة، ثم يختفي، بينما الحصان يندفع بثقة نحو خط النهاية. وهكذا تستمر السباقات، وتتبدل الخيول، ويبقى المِهماز… يضحك في صمت.
في السياسة، هناك أشياء ضخمة: حاملات طائرات، قواعد عسكرية، قمم دولية، مؤتمرات صحفية بميكروفونات أكثر من عدد الصحفيين. وهناك أشياء صغيرة… صغيرة جدًا… مثل “المِهماز”. المِهماز لا يظهر في نشرات الأخبار. لا يعقد مؤتمرات. لا يلبس بدلة رسمية. لكنه يعرف تمامًا أين يضع إصبعه… أقصد، سنَّه المعدني.
مدرسة تربية الخيول الديمقراطية في الولايات المتحدة، حيث كل شيء منظم حتى الفوضى، توجد مؤسسات تعمل بصمت وأناقة. من أشهرها اللجنة الأمريكية الإسرائيلية للشؤون العامة (AIPAC). اسمها طويل بما يكفي ليُتعب المذيع قبل أن يبدأ النقاش، لكنها تتقن فنّ “التذكير اللطيف”. لا تقول للسياسي: “افعل”. تقول له: – “نحن نقدّر دعمك.” – “نحن نتابع مواقفك.” – “نحن نتمنى استمرار التعاون.” ثم فجأة، يكتشف السياسي أن موقفه من الشرق الأوسط صار أكثر وضوحًا من خريطة غوغل.
الحصان والكتاب في عام 2007، صدر كتاب بعنوان The Israel Lobby and U.S. Foreign Policy بقلم الباحثين جون ميرشايمر و**ستيفن والت**. الكتاب قال باختصار: “يا جماعة… هناك مهماز.” البعض قال: “مستحيل!” البعض قال: “نعرف.” والبعض قال: “ومن يمسك اللجام إذًا؟” الطريف أن الحصان نفسه كان يصرّ في كل مقابلة صحفية أنه يجري بإرادته الحرة الكاملة… 100%.
أوروبا: الخيل تتكلم 24 لغة في البرلمان الأوروبي، الأمور أكثر تعقيدًا. القرار يحتاج ترجمة فورية، وتصويتًا، وتوافقًا، وقهوة إيطالية، واعتراضًا فرنسيًا، وتحفظًا ألمانيًا، وملاحظة بلجيكية على الهامش. المِهماز هنا لا يعمل بسرعة. يحتاج صبرًا… وابتسامة دبلوماسية… وربما عشاءً رسميًا من خمس وجبات. ومع ذلك، حين تصل القضايا الحساسة، تميل الكفة أحيانًا كأن أحدهم همس في أذن الميزان: “تذكّروا المصالح المشتركة.”
فنّ الضغط… دون أن يبدو ضغطًا اللوبي الناجح لا يضغط. هو “يشرح”. “يوضح”. “يقدم رؤية”. ويصادف—صدفةً بحتة—أن هذه الرؤية تتوافق تمامًا مع القرار النهائي. الأمر يشبه أن تدخل مطعمًا بلا نية لتناول الحلوى، فيأتيك النادل بابتسامة: “لدينا كعكة اليوم مميزة جدًا…” وبعد عشر دقائق، أنت تأكل الكعكة وتقنع نفسك أنك اخترتها بحرية مطلقة.
هل المِهماز وحده في الحلبة؟ لنكن عادلين. في ساحة السياسة، كل قطاع لديه مهمازه الخاص: شركات السلاح، شركات الطاقة، شركات التكنولوجيا، جماعات البيئة، نقابات العمال… العالم أشبه بمزرعة ضخمة، وكل حصان يتلقى دفعات خفيفة من جهات متعددة. لكن بعض المهاميز لامعة أكثر. وأكثر تمرسًا. وأكثر خبرة في اختيار اللحظة المناسبة.
من يقود من؟ السياسي يقول: “أنا صاحب القرار.” اللوبي يقول: “نحن فقط نقدّم المشورة.” والشعوب تقول: “نحن ننتخب.” أما المِهماز… فيبتسم بصمت. لأنه يعرف أن السياسة ليست سباقًا في السرعة فقط، بل سباق في معرفة متى تهمس، ومتى تلمع، ومتى تختفي تمامًا… كي يظن الحصان أنه كان يجري وحده طوال الوقت.
حوار تخيُّلي بين الحصان والمِهماز والناخب المرتبك
المشهد: حلبة واسعة اسمها “السياسة الدولية”. حصان أنيق يرتدي ربطة عنق، مِهماز لامع يلمع تحت الضوء، وناخب بسيط يحمل ورقة اقتراع وكوب قهوة بارد.
الحصان (ينفض لبدته بثقة): أنا أجري بإرادتي الحرة. لا أحد يوجّهني. أنا أُمثّل الإرادة الشعبية، والمصلحة القومية، والقيم العليا. المِهماز (بصوت ناعم جدًا): طبعًا طبعًا… أنا مجرد إكسسوار معدني. أحبّ الخيول. أحبّ تسريعها قليلًا… عندما تتعب من التفكير. الناخب: لحظة… أنا انتخبت الحصان. لم أصوّت لك أنت أيها الشيء الحاد. المِهماز: وأنا لم أطلب صوتك. أنا أعمل في “الخلفية”. مثل الموسيقى في فيلم عاطفي… لا تراها، لكنك تبكي بسببها.
الحصان: أنا أركض لأن تحالفي استراتيجي. لأن مصالحنا مشتركة. لأن الأمن القومي يتطلب ذلك. المِهماز (يغمز): صحيح… وأنا فقط أذكّرك بالمصالح المشتركة. وأحيانًا أذكّرك بمن دعم حملتك الانتخابية بحبٍّ كبير. الناخب: يعني… هل القرار يُصنع هنا في الحلبة؟ أم في قاعة مؤتمرات أنيقة تحضرها منظمات مثل اللجنة الأمريكية الإسرائيلية للشؤون العامة (AIPAC) حيث التصفيق أطول من الخطاب؟ الحصان (يسعل): لا تبالغ. تلك مجرد لقاءات عادية. يتبادلون الابتسامات… والملفات… وبعض التوصيات. المِهماز: وأنا فقط أتأكد أن التوصيات لا تضيع في الطريق.
الناخب: لكنني قرأت كتابًا… اسمه The Israel Lobby and U.S. Foreign Policy بقلم جون ميرشايمر و ستيفن والت. كانوا يتحدثون عنك… أيها المِهماز. المِهماز (يبتسم ببراءة مصقولة): كتاب؟ يا صديقي، في هذه الحلبة آلاف الكتب. بعضها يلمع أسبوعًا، ثم يعود إلى الرفوف الهادئة. الحصان: وأنا ما زلت أجري! أرأيتم؟ لا شيء يوقفني! (المِهماز يلمع للحظة قصيرة جدًا…)
الناخب: وماذا عن أوروبا؟ في البرلمان الأوروبي هل يوجد لك أخٌ توأم هناك؟ المِهماز: أوه، هناك النسخة متعددة اللغات. يقول “شكراً” بالألمانية، و“تعاوناً مثمراً” بالفرنسية، و“شراكة استراتيجية” بالإنجليزية. اللغة تتغير… لكن الدفع الخفيف واحد.
الحصان (وقد بدأ يسرع): أنا لا أشعر بشيء! أنا فقط متحمس جدًا فجأة! الناخب: غريب… كلما لَمَعَ المِهماز، ازداد حماسك. المِهماز: تأثير نفسي بسيط. أنا لا أغيّر الاتجاه… أنا فقط أُسرّع القرار الذي كان في داخلك أصلًا.
الناخب (يتنهد): إذن… أنا أختار الحصان، والمِهماز يختار السرعة، والسباق مستمر. الحصان: هذا هو جمال الديمقراطية! المِهماز: وهذا هو جمال اللمسة الخفيفة.
الراوي (يختتم المشهد): في عالم السياسة، لا أحد يعترف أنه يُدفع. ولا أحد يعترف أنه يدفع. الجميع يتحدث عن “القيم” و“المصالح” و“التحالفات”. لكن بين اللمعان الخفيف والصوت المعدني الصغير، يظل السؤال معلقًا: من يقود السباق حقًا؟ الحصان؟ أم الفارس؟ أم المِهماز… الذي لا يظهر في الصورة الجماعية؟
المِهماز في بلاد الهويننم رحلة سياسية على طريقة رحلات جلفر لصاحبها الساخر العظيم جوناثان سويفت
تمهيد: كيف ضلّ جلفر الطريق… ووصل إلى واشنطن في إحدى رحلاته التي لم تُنشر في الطبعات الرسمية، استيقظ جلفر ليجد نفسه في قارة جديدة اسمها “الديمقراطيات العظمى”. هناك التقى بشعبين: • اليهو: مخلوقات بشرية الشكل، كثيرة الصراخ، تتشاجر حول الشعارات. • هويننم: خيول عاقلة، تتكلم بمنطق بارد، وتدّعي أنها تحكم وفق العقل الخالص. لكن جلفر، بفضوله المعهود، لاحظ شيئًا لم يذكره سويفت صراحةً: كان هناك كائن ثالث… صغير… معدني… لامع… اسمه: المِهماز.
المشهد الأول: مجلس الهويننم الأعلى وقف أحد الهويننم، ممثلًا عن “التحالفات الاستراتيجية”، وقال بصوت رزين: نحن لا ننحاز. نحن نتخذ قرارات عقلانية خالصة. في هذه اللحظة، لمع المِهماز قليلًا خلف ساقه. سأل جلفر: – ما هذا البريق؟ أجابه الهويننم بهدوء: – لا شيء. مجرد تذكير خفيف بالمصالح المشتركة. تقدّم أحد الياهو، وهو يحمل صحيفة ويصرخ: – القرار ظالم! القرار منحاز! ردّ الهويننم: – بل هو عقلاني تمامًا. ردّ المِهماز همسًا: – عقلاني… وسريع أيضًا.
المشهد الثاني: مناظرة بين الياهو والمِهماز الياهو: أنتم تتحكمون بكل شيء! القرارات الدولية، التصويت، التمويل، الخطابات! المِهماز (يضحك برنين معدني): يا صديقي، أنا لا أتحكم. أنا فقط أُسرّع القناعات الموجودة أصلًا. الياهو: لكن لماذا يركض الهويننم دائمًا في اتجاه واحد؟ المِهماز: لأن الاتجاه الآخر أقل راحة… وأقل تمويلًا… وأقل تصفيقًا في المؤتمرات.
سويفت يبتسم في الظل لو كان جوناثان سويفت حاضرًا، لدوّن في دفتره: إن أعظم خدعة في السياسة الحديثة ليست أن تقنع الحصان بالركض، بل أن تجعله يعتقد أن الركض فكرته الخاصة. في عالم سويفت، كان الوزراء في “ليليبوت” يتنافسون على القفز فوق الحبال لإثبات ولائهم. أما في عالمنا، فيتنافسون على من يلمع أكثر تحت ضوء المؤتمرات.
المشهد الثالث: زيارة إلى برلمان بعيد قاد الهويننم جلفر إلى قاعة ضخمة تشبه البرلمان الأوروبي. هناك، الخيول أكثر تهذيبًا، والقرارات تمر عبر لجان، وتقارير، وتصويتات مطوّلة. قال أحد الهويننم الأوروبيين: – نحن ندرس كل شيء بموضوعية. في الزاوية، كان المِهماز يترجم همساته إلى 24 لغة.
حوار فلسفي أخير الياهو (بحزن): إذن لا فائدة من الصراخ؟ الهويننم: الصراخ جزء من المشهد الديمقراطي. المِهماز: والمشهد يحتاج دائمًا إلى إضاءة مناسبة. جلفر (متأملًا): في بلاد الهويننم القديمة، كانت الخيول عقلانية تمامًا، واليهو متوحشين. لكن هنا… الجميع يدّعي العقل، والجميع يركض، ولا أحد يعترف بوجود المِهماز.
خاتمة على طريقة سويفت لو عاد جلفر إلى إنجلترا، لكتب: رأيت أممًا عظيمة، وخيولًا ناطقة، وبشرًا يحتجون، ومِهمازًا صغيرًا، لا يحكم… لكنه يعرف متى يلمع. وهكذا تستمر الرحلة. ليس من ليليبوت إلى بروبدينغناغ، بل من خطاب إلى قرار، ومن ابتسامة إلى تصويت. أما المِهماز… فلا يحتاج إلى السفر. العالم كله يأتي إليه.
ليليبوت الجديدة: مسابقة القفز فوق الخط الأحمر فصل مفقود من رحلات جلفر بقلمٍ لم يجرؤ جوناثان سويفت على نشره
حين عاد جلفر من بلاد الهويننم، لم تمهله الرياح طويلًا. قذفته العاصفة إلى جزيرة صغيرة اسمها “ليليبوت الجديدة”. في هذه النسخة المحدَّثة، لم يعد التنافس على القفز فوق الحبال الحريرية، بل على القفز فوق “الخطوط الحمراء”. وكانت المسابقة برعاية… المِهماز.
افتتاح المهرجان تجمّع المسؤولون في ساحة ضخمة. وقف كبير الوزراء وأعلن: أيها السادة، اليوم سنختبر التزامكم بالقيم العالمية. من يستطيع القفز فوق الخط الأحمر دون أن يسقط… يفز بحقيبة وزارة. صفّق الجمهور. لم يكن واضحًا إن كانوا يصفقون للقيم… أم للحقيبة. في الصف الأول جلس وفد من الهويننم، يراقب بعين عقلانية باردة. وفي الخلف، الياهو يبيعون أعلامًا وشعارات موسمية.
الجولة الأولى: قفزة المبادئ رُسم خط أحمر على الأرض. قيل إنه يمثل “العدالة الدولية”. تقدّم الوزير الأول. قال بثقة: – نحن مع العدالة دائمًا. ثم قفز… قفزة قصيرة، محسوبة، بحيث لا يلامس الخط، ولا يبتعد عنه كثيرًا. صفّق المِهماز بصوت معدني خفيف.
الجولة الثانية: قفزة حقوق الإنسان رُسم خط آخر. قيل إنه يمثل “حقوق الإنسان بلا استثناء”. تقدم وزير ثانٍ. قال: – حقوق الإنسان مقدسة. ثم سأل بهمس: – مقدسة على الجميع… أم على البعض؟ المِهماز اقترب قليلًا. همس في أذنه: – القفزة الذكية هي التي تبدو عالية… لكنها تهبط في المكان الآمن. قفز الوزير. بدت القفزة بطولية في البث المباشر. لكن عند الإعادة البطيئة… لاحظ جلفر أن قدمه لمست الخط قليلًا. غير أن لجنة التحكيم أعلنت: – لم نرَ شيئًا.
حوار جانبي بين جلفر والمِهماز جلفر: في ليليبوت القديمة، كانوا يتنافسون على الحبال لإرضاء الإمبراطور. أما هنا، فيقفزون فوق المبادئ لإرضاء… من؟ المِهماز (مبتسمًا): لإرضاء التوازنات. والمصالح. والممولين. وأحيانًا… لإرضاء الصورة العامة فقط. جلفر: وهل هناك خط أحمر لا يُسمح بالقفز فوقه؟ المِهماز: نعم. الخط الذي لا يُرسم أصلًا.
الجولة الكبرى: الخط الأحمر المتحرك في نهاية المسابقة، أعلن المنظمون مفاجأة: الخط الأحمر الأخير… سيتحرك. انبهر الحضور. الخط انزلق قليلًا إلى الخلف كلما اقترب منه أحد الوزراء. قفز الجميع بسهولة. الجميع فاز. الجميع حصل على وسام “حامي القيم”. الهويننم سجّلوا الملاحظات بعقلانية. الياهو تشاجروا حول من صفق أكثر. أما جلفر، فكتب في دفتره: في هذه البلاد، لا تُقاس المبادئ بمدى ثباتها، بل بمدى مرونتها.
الخاتمة السويفتية لو عاد جوناثان سويفت ليكتب عن ليليبوت الجديدة، لربما قال: إن أعجب ما رأيت في تلك الجزيرة، أن الخطوط الحمراء كانت تُرسم بالشمع، وتُسخَّن بخطابٍ دافئ، ثم يُقال للشعب: انظروا كم نحن ثابتون! وفي زاوية المشهد، كان المِهماز لا يقفز، ولا يصفق، ولا يخطب. فقط… يحرّك الخط قليلًا، ثم يبتسم.
فصل إضافي: مفاوضات على حافة الحلبة مقاربة ساخرة بين المِهماز والفرسين المتقابلين في إحدى أمسيات ليليبوت الجديدة، انتشرت شائعة: هناك حصانان كبيران يلتقيان خلف الستار. أحدهما يرتدي قبعة نجوم وخطوط، والآخر عمامة من نارٍ فارسية قديمة. قال جلفر: – أهذه مبارزة؟ قال المِهماز: – لا يا عزيزي… هذه “مفاوضات”.
الحصان الأول: الواقعية الاستراتيجية الحصان الأول اسمه الولايات المتحدة. يقول إنه يريد “الاستقرار”، ويخشى “الانتشار النووي”، ويؤكد أنه لا يسعى إلى صدام… إلا إذا لزم الأمر. في الإسطبل الخلفي، تُعلّق لافتات قديمة من أيام دونالد ترامب حين انسحب من الاتفاق النووي الإيراني الموقَّع في عهد باراك أوباما. اللافتات لم تُرمَ. في السياسة، لا يُرمى شيء… بل يُعاد تدويره.
الحصان الثاني: الصبر الاستراتيجي الحصان الثاني اسمه إيران. يقول إنه يريد “الكرامة الوطنية”، ويرفض “الإملاءات”، ويبتسم ابتسامة تعرف طول النفس في سباقات المدى البعيد. هو لا يجري بسرعة. هو ينتظر أن يتعب الآخر.
المِهماز يدخل القاعة جلس الحصانان على طاولة مستديرة. الكاميرات بالخارج. التصريحات جاهزة. الابتسامات محسوبة. دخل المِهماز بهدوء. همس في أذن الحصان الأول: – تذكّر حلفاءك في المنطقة… وقلقهم المشروع. وهمس في أذن الحصان الثاني: – تذكّر جمهورك الداخلي… وصور الصمود. ثم تراجع خطوة إلى الخلف. فهو لا يوقّع الاتفاقات. هو فقط يذكّر الأطراف بما لا يريدون نسيانه.
جلفر يدوّن ملاحظته في بلاد الهويننم، كان العقل يحكم وحده. أما هنا، فالعقل يجلس إلى الطاولة، لكن حوله جمهور، وحلفاء، وانتخابات قادمة، وذاكرة مثقلة بالشك.
مسابقة الخط الأحمر… بنكهة نووية في ليليبوت الجديدة، كان الخط الأحمر مرنًا. أما هنا، فالخطوط كثيرة: • نسبة تخصيب. • عدد أجهزة طرد. • عقوبات مرفوعة… أو معلّقة. • ضمانات لا يثق بها أحد بالكامل. كل طرف يقول: – هذا خطنا الأحمر. ثم ينظر إلى المِهماز ليرى إن كان الخط سيتحرك قليلًا.
حوار قصير جلفر: هل سيتفقان؟ المِهماز: السياسة ليست سؤال “نعم أو لا”. هي سؤال: كم سيدفع كل طرف ليبدو أنه لم يتنازل؟ جلفر: ومن يفوز؟ المِهماز: من يخرج ليقول لشعبه: “لقد انتصرنا”… حتى لو كان الاتفاق نصف ابتسامة ونصف شك.
المفارقة السويفتية لو كتب جوناثان سويفت عن هذا المشهد، لربما قال: رأيتُ فرسين عظيمين، يتجادلان حول حجم العلف، بينما المزرعة كلها تنتظر المطر.
الخلاصة الساخرة التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران ليس مبارزة بالسيوف، ولا سباقًا مستقيمًا. إنه أقرب إلى رقصة بطيئة فوق أرضٍ مليئة بالخطوط الحمراء، حيث كل خطوة تُحسب، وكل كلمة تُوزن، وكل ابتسامة لها جمهور. أما المِهماز؟ فلا ينحاز علنًا. هو يذكّر كل حصان بما يخشاه أكثر من خسارة السباق: خسارة الصورة. وفي النهاية، قد يخرج الطرفان باتفاق، أو ببيانٍ غامض، أو بابتسامة مؤقتة. لكن الحلبة ستبقى. والجمهور سيصفق. والياهو سيختلفون. والهويننم سيحللون. والمِهماز… سينتظر الجولة القادمة.
#محمد_عبد_الكريم_يوسف (هاشتاغ)
Mohammad_Abdul-karem_Yousef#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
جلفر في الشرق الأوسط: من ليليبوت إلى بلاد -التغريدة العظمى-
-
مكالمة الساعة الرابعة صباحًا قرار غولدا مائير — عدم الذهاب إ
...
-
سرطان في جسد الأمة قرار بن غوريون - نظام انتخابي عالمي حصري
...
-
مساءلة رئيس الوزراء ترجمة محمد عبد الكريم يوسف
-
رسالة الفيلسوف أوس غينيس إلى جيلنا وعصرنا
-
حوار حول التهديد الذي لا يمكنك رؤيته مع جيريمي فليمنج، المدي
...
-
النص الكامل لمقابلة تاكر كارلسون مع مايك هاكابي ، سفير الولا
...
-
الرؤى الإنسانية المفقودة من البيانات الضخمة
-
كيف تُدمر الجزيئات البلاستيكية الدقيقة صحتك وما يمكنك فعله ح
...
-
المخاطر الاستراتيجية لمحاربة إيران، الأستاذ جيفري ساكس
-
أمريكا الخائفة
-
التلاعب بالرسائل الإعلامية
-
احذروا أيها الأثرياء، فالمذاري( مفردها مزراة) قادمة بقلم نيك
...
-
الجميع يتحدث عن الرأسمالية: ولكن ما هي؟ كاجسا إيكيس إيكمان
-
هل نرى الواقع كما هو؟ بقلم دونالد هوفمان
-
السر القذر للرأسمالية – وطريق جديد نسلكه: بقلم نيك هانو
-
هل تنبأت إعلانات سوبر بول بانهيار الذكاء الاصطناعي؟
-
العيش مع الكائنات الفضائية
-
ابحث عن الأشخاص المناسبين لك لقاء مع مؤسس ورئيس مجلس إدارة ع
...
-
لماذا يخشى الكونجرس استدعاء كل اسم في ملفات إبستين؟ حوار مع
...
المزيد.....
-
منها طفلة تقبل إبستين.. CNN تعثر على أكثر من 100 صورة نشرت د
...
-
تحليل لـCNN يوضح: هل نفدت خيارات ترامب بشأن موقفه من إيران؟
...
-
وزير خارجية عُمان: أمريكا وإيران أحرزتا تقدمًا كبيرًا الخميس
...
-
مسلسل -القيصر لا زمان ولا مكان-: استغلال درامي لمعاناة السجن
...
-
عُمان: انتهاء الجولة الثالثة من المحادثات الإيرانية الأمريكي
...
-
بين الاستدامة وغلاء المعيشة: سوق السلع المستعملة تحقق المليا
...
-
إدارة ترامب تلجأ للقضاء لإنهاء وضع الحماية المؤقتة للسوريين
...
-
فرص التفاهم بين طهران وواشنطن والفخاخ المحتملة
-
أيام الله.. مقاصد الصيام في القرآن الكريم
-
-تقدم مهم- في مفاوضات أميركا وإيران.. وجولة رابعة منتظرة
المزيد.....
-
قواعد الأمة ووسائل الهمة
/ أحمد حيدر
-
علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة
/ منذر خدام
-
قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف
...
/ محمد اسماعيل السراي
-
الثقافة العربية الصفراء
/ د. خالد زغريت
-
الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية
/ د. خالد زغريت
-
الثقافة العربية الصفراء
/ د. خالد زغريت
-
الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس
/ د. خالد زغريت
-
المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين
...
/ أمين أحمد ثابت
-
في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي
/ د. خالد زغريت
-
الحفر على أمواج العاصي
/ د. خالد زغريت
المزيد.....
|