أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - احمد صالح سلوم - كتاب : الغريب الذي يرى















المزيد.....



كتاب : الغريب الذي يرى


احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية

(Ahmad Saloum)


الحوار المتمدن-العدد: 8630 - 2026 / 2 / 26 - 19:17
المحور: الادب والفن
    


المقدمة

هواءٌ لا يَكفي

1.

في مدينةٍ أوروبيةٍ تَفيضُ بالنور، كان هناك رجلٌ يجلسُ وحيدًا على مقعدٍ خشبيّ في حديقةٍ عامة.

الساعةُ الثانية بعد الظهر، والسماءُ زرقاءُ صافية، والناسُ حوله يمرّون كأنهم في فيلمٍ صامت: امرأةٌ تدفع عربةَ طفل، شابٌ يركض بسمّاعاتٍ في أذنيه، عجوزٌ تطعم الحمامَ بيدٍ مرتجفة. المشهدُ عاديٌّ إلى درجةِ أن لا أحدَ يلتفتُ إليه.

لكن الرجلَ لم يكن يرى شيئًا مما يحدث حوله.

كان يُحدقُ في هاتفه.

على الشاشة، كان بريدُه الإلكتروني مفتوحًا. ثلاثُ رسائلَ غيرُ مقروءة. الأولى من مؤسسةِ الضرائب، والثانية من شركةِ الكهرباء، والثالثة من صاحبِ الشقة. لم يفتح أيًّا منها. كان يعرفُ ما بداخلها دون أن يقرأ. أرقامٌ تتراقصُ أمام عينيه ككوابيسَ مألوفة: مستحق الدفع، تاريخ الاستحقاق، غرامة التأخير في حال عدم السداد.

أغمضَ عينيه للحظة.

تذكَّرَ كيف كان والده يفتحُ فواتيرَ المنزل قديمًا، في بلدٍ بعيد، بهدوءٍ غريب. كان يقلبُ الظرفَ بين يديه، يتأملُ الطابعَ البريدي، ثم يفتحُه ببطء كأنه يقرأ رسالةَ صديق. لم يكن يخاف. كان الراتبُ يأتي في موعده، وكانت الفواتيرُ تُسدد، وكان ما تبقَّى يُنفق. لم يكن هناك رفاهيةٌ زائدة، لكن لم يكن هناك أيضًا ذلك الخوفُ الخفيفُ الذي يشبه وَخزَ إبرةٍ تحت الجلد.

الرجلُ على المقعد فتح عينيه مجددًا.

أطفأ الهاتفَ ووضعه في جيبه. نظر حوله: الحديقةُ كما هي، السماءُ كما هي، الناسُ يمرّون. لكنه شعر فجأةً أنه يرى شيئًا لا يرونه. شيئًا يتسللُ بينهم كالضباب. شيئًا يجعل هذه المدينة الجميلة تبدو كمسرحٍ مهجور، والممثلون يواصلون التمثيل رغم أن لا أحدَ في القاعة.

سأل نفسه سؤالًا بسيطًا:

كم ساعةً بقيت لي لأكتب اليوم، قبل أن أبدأ في حلّ الأرقام؟

لم يكن يعرف الإجابة.



2.

هذا الرجل ليس شخصًا واحدًا.

هو كاتبُ هذه السطور، ربما. وهو أنت، ربما. وهو آلافُ المثقفين المستقلين الذين يعيشون اليوم في الغرب، في مدنٍ تَعدُهم كلَّ صباح بالحرية والرفاهية، ثم تسألهم مساءً: كم أنتجت اليوم؟ وكم ستبيع غدًا؟ وهل يمكنك أن تثبت أن وجودك يستحق هذه التكلفة؟

الغرب الذي نعيش فيه اليوم ليس الغرب الذي حلمنا به يومًا.

ليس الغرب الذي كتب عنه أدباءُ المهجر، ولا الغرب الذي صوَّرته أفلامُ الستينيات، ولا الغرب الذي كان يقف شامخًا كمنارةٍ للعدالة الاجتماعية ودولة الرفاه. ذاك الغرب إما أنه انتحر ببطء، أو أننا كنا نراه من بعيد، والمسافة كانت تخفي التفاصيل القاسية.

ما نعيشه اليوم هو شيء آخر.

إنه غربُ ما بعد الرفاه. غربُ انكماش الدولة وتضخم السوق. غربٌ تحوَّلت فيه المواطنة من حقٍّ طبيعي إلى امتيازٍ مشروط، وتحوَّل فيه الإنسان من كائنٍ سياسي إلى ملفٍّ ضريبي. غربٌ يعدك بالحرية ثم يتركك وحيدًا مع فواتيرك، ويعدك بالكرامة ثم يسألك: بكم تبيع فكرك اليوم؟

في هذا الغرب، يعيش المثقفُ المستقل حياةً غريبة.

هو ليس موظفًا، فلا ظلَّ له. وهو ليس عاطلًا، فلا عذرَ له. هو كائنٌ هجين، يعوم بين عالمين: عالم الإنتاج الذي يطلب منه أن يكون آلة، وعالم الفكر الذي يطلب منه أن يبقى إنسانًا. وبين العالمين، هناك مساحةٌ ضيقةٌ من الهواء، بالكاد تكفي لأنفاسه.



3.

دعونا نتصور هذا المثقف عن قرب.

إنه رجل أو امرأة في الأربعين، أو الخمسين، أو حتى الثلاثين. درس في الجامعات، قرأ الكتب، كتب المقالات، شارك في الندوات. كان يعتقد أن المعرفة طريقٌ إلى حياةٍ أفضل. كان يعتقد أن الكتابة فعلٌ نبيلٌ يُكافأ بالتقدير، إن لم يكن بالمال. كان يعتقد أن المجتمع يحتاج إلى من يفكر نيابة عنه، أو على الأقل إلى من يطرح الأسئلة التي لا يجرؤ الآخرون على طرحها.

لكنه اليوم يكتشف شيئًا آخر.

يكتشف أن المعرفة، في زمن السوق، لا قيمةَ لها إلا إذا تحولت إلى سلعة. أن الكتابة لا تُقرأ إلا إذا كانت قصيرة وسريعة وقابلة للاستهلاك. أن الفكر لا يُحترم إلا إذا كان مُربحًا. وأنه هو نفسه، بعد كل هذه السنوات من التكوين والجهد، لم يعد سوى وحدةٍ إنتاجية صغيرة، تُقاس قيمتها بعدد الزوار والمشاهدات والإعجابات.

في الصباح، يستيقظ باكرًا. ليس لأنه يحب الصباح، بل لأن لديه موعدًا مع مؤسسة الضرائب. يجب أن يملأ استمارة، أن يثبت أنه موجود، أن يثبت أنه يستحق الإعانة، أن يثبت أنه ليس محتالًا. يقف في طابور طويل، بين أناسٍ يشبهونه: وجوهٌ متعبة، عيونٌ تحدق في الفراغ، أيادٍ تمسك بأوراقٍ صفراء.

في الظهيرة، يعود إلى المنزل. يفتح بريده الإلكتروني. رسالة من ناشر: نأسف، مقالك طويل جدًا، لا يمكننا نشره. هل يمكنك اختصاره إلى 500 كلمة؟ رسالة من جهة مانحة: طلبك قيد الدراسة، يُرجى الانتظار. مدة المعالجة قد تصل إلى ستة أشهر. رسالة من صديق: هل يمكنك استضافتي الأسبوع القادم؟ لا أجد مكانًا أنام فيه.

في المساء، يجلس أمام شاشة بيضاء. يريد أن يكتب. لديه أفكار، لديه مشاعر، لديه ما يقوله. لكن رأسه مثقل بالأرقام. الفواتير، الإعانات، الضرائب، الإيجار، فاتورة التدفئة. كل هذه الأرقام ترقص أمام عينيه، تحجب الرؤية، تشوش الأفكار، تمنع الكلمات من الخروج.

يكتب جملة. يمسحها. يكتب جملة أخرى. لا تعجبه. ينهض، يشرب قهوة، يعود. يحدق في الشاشة البيضاء. الشاشة البيضاء تفر منه.

في النهاية، يُطفئ الجهاز وينام.

وفي الصباح، يبدأ كل شيء من جديد.



4.

هذا الكتاب ليس بحثًا أكاديميًا.

ليس فيه جداول إحصائية، ولا هوامش مرجعية، ولا استشهادات بالغة الألمانية. ليس لأنه لا يحترم البحث الأكاديمي، بل لأن ما أريد قوله لا يُقال بتلك اللغة. ما أريد قوله يتسرب من بين الأرقام، يفلت من الإحصاءات، يهرب من التعريفات الجامدة.

هذا الكتاب هو محاولة لقول ما لا يُقال.

هو سردية شخصية، لكنها ليست شخصية فقط. هي شهادة على زمن، وصرخة في زمن يعلّمنا أن نصمت. هو تأمل في تفاصيل الحياة اليومية التي لا تظهر في التقارير الرسمية: القلق الذي يستيقظ معك في الصباح، والتعب الذي ينام معك في المساء، والشعور بالغربة وأنت في وسط مدينتك، والخوف الخافت الذي لا يعلو صوته لكنه لا يتوقف أبدًا.

في هذا الكتاب، سأحاول أن أصف ما يحدث للكاتب المستقل حين يجد نفسه عالقًا بين دولة تنسحب وسوق يتضخم. سأحاول أن أفهم كيف تحولت الكتابة من فعل حرية إلى عبء وجودي. سأحاول أن أسأل: هل يمكن للإنسان أن يفكر وهو يكافح من أجل قوت يومه؟ وهل يمكن للفكر أن يزدهر في زمن يقدّس السرعة وينسى العمق؟

لن أقدم إجابات نهائية. لست في موقع من يملك الحقيقة. لكني سأقدم أسئلة، وأوصافًا، ومشاهد، وحكايات. سأحاول أن أقول ما يعيشه كثيرون لكنهم لا يجدون الكلمات ليقولوه.

سأحاول أن أكون صوتًا لمن فقدوا صوتهم، أو لمن لم يجدوا من يستمع.



5.

لكن لماذا الغرب؟ ولماذا الآن؟

لأن الغرب، بالنسبة لكثيرين منا، كان يومًا ما الحلم.

نحن الذين جئنا من بلادٍ بعيدة، أو حتى نحن الذين ولدنا هنا لأهلٍ جاؤوا من هناك، كنا ننظر إلى هذه المدين الأوروبية كما ينظر العطشان إلى الماء. كنا نعتقد أن هنا يمكن أن نعيش بكرامة، أن نكتب بحرية، أن نفكر دون خوف. كنا نعتقد أن المشكلات التي تركتها وراءك — الفقر، الظلم، التهميش — ستنتهي بمجرد أن تطأ قدمك هذا الرصيف النظيف.

لكن الحقيقة مختلفة.

الغرب اليوم ليس جنة، لكنه أيضًا ليس جحيمًا. هو مكان معقد، مربك، متناقض. هو مكان يمنحك الحرية ثم يتركك وحيدًا مع حريتك. هو مكان يضمن لك الحقوق ثم يجعلك تدفع ثمنها حتى آخر قطرة. هو مكان تسمع فيه خطاباتٍ جميلة عن الكرامة الإنسانية، ثم تكتشف أن الكرامة الإنسانية لها سعر، وأنك إن لم تدفع، فلن تحصل عليها.

في السنوات الأخيرة، تسارع هذا الشعور.

ربما بدأ مع الأزمة المالية عام 2008، حين اكتشف الناس أن البنوك يمكن أن تنهار والدولة يمكن أن تقف مكتوفة الأيدي. ربما تفاقم مع أزمة اللاجئين، حين رأينا كيف تتحول الإنسانية إلى أرقام وكيف تتحول الحدود إلى جدران. ربما بلغ ذروته مع جائحة كورونا، حين أدركنا فجأة أن الدولة يمكن أن تغلق كل شيء لكنها لا تستطيع أن تحمينا جميعًا. وربما يستمر اليوم مع التضخم والحرب وتغير المناخ، وكأن العالم ينهار ببطء ونحن نشاهد.

في هذا السياق، يعيش المثقف المستقل حياةً مزدوجة.

من ناحية، هو جزء من هذا العالم. يدفع الضرائب، ينتظر الإعانات، يخاف من الغد. من ناحية أخرى، هو مراقب لهذا العالم. يكتب عنه، يحلله، يفككه. يعيش داخله لكنه يحاول ألا يذوب فيه. يحاول أن يحتفظ بمسافة صغيرة تسمح له بالرؤية بوضوح.

هذه المسافة الصغيرة هي ما أحاول وصفه في هذا الكتاب.



6.

سأكون صادقًا معك منذ البداية: هذا الكتاب ليس مريحًا.

لن تجد فيه نهايات سعيدة، ولا حلولًا سحرية، ولا وصايا من نوع "كيف تنجح في عشرة أيام". ما ستجده هو العكس تمامًا: أسئلة مفتوحة، وتأملات غير مكتملة، ومشاعر لا تجد لها مخرجًا. ما ستجده هو محاولة للعيش مع التعقيد، بدلًا من الهروب منه إلى تبسيطات واهية.

لكن هذا لا يعني أن الكتاب يائس.

ربما يكون العكس هو الصحيح. ربما تكون محاولة الفهم، محاولة الصياغة، محاولة القول، هي فعل أمل في حد ذاتها. لأن اليأس الحقيقي ليس في رؤية العالم كما هو، بل في التوقف عن محاولة فهمه. اليأس الحقيقي هو الصمت. أما الكلام، مهما كان قاسيًا، فهو دائمًا دليل على أن الحياة ما زالت ممكنة.

في هذا الكتاب، سأحاول أن أتحدث نيابة عن نفسي، لكني أعلم أن كثيرين سيقرؤون أنفسهم في ما أكتب. أعلم أن هناك آلاف المثقفين المستقلين في الغرب اليوم يعيشون نفس التناقضات، يواجهون نفس المخاوف، يبحثون عن نفس الإجابات. أعلم أن هناك من يكتبون في غرف مغلقة، وينشرون على مواقع منسية، ويواصلون رغم كل شيء لأنهم لا يستطيعون التوقف.

هذا الكتاب هو محاولة للقول لهؤلاء جميعًا: أنتم لستم وحدكم.



7.

لكن من أنا لأكتب هذا الكتاب؟

لست فيلسوفًا، ولست عالم اجتماع، ولست صحفيًا مشهورًا. أنا فقط كاتب، مثقف مستقل، أعيش في الغرب منذ سنوات. جئت من بلد بعيد، حملت معي لغة وذاكرة وأحلامًا. حاولت أن أكتب، وأن أفكر، وأن أفهم. واجهت ما يواجهه غيري: الفواتير، الإعانات، الضرائب، البيروقراطية، التعب، الخوف. كتبت مقالات نُشرت وأخرى رُفضت. حصلت على جوائز صغيرة وخيبات كبيرة. عشت في مدن جميلة وشعرت فيها بالوحدة.

ما يميزني ربما هو أنني لم أستسلم.

لم أستسلم للصمت، ولم أستسلم للإنتاج السريع، ولم أستسلم لليأس. ظللت أكتب، حتى عندما كان الكتابة تبدو عبثية. ظللت أسأل، حتى عندما كانت الإجابات تغيب. ظللت أحاول أن أفهم، حتى عندما كان الفهم يؤلم.

هذا الكتاب هو ثمرة تلك المحاولات.

ليس لأنه أفضل ما كتبت، بل لأنه الأقرب إلى ما أعيشه. هو كتابٌ يخرج من التجربة لا من المكتبة. هو كتابٌ يُكتب بالدم لا بالحبر. هو كتابٌ يحاول أن يكون صادقًا حتى النخاع، حتى لو كانت الصدق أحيانًا قاسية.



8.

في النهاية، المقدمة ليست أكثر من وعد.

وعد بأنني سأحاول أن أكون أمينًا معك. وعد بأنني سأأخذك في رحلة إلى داخل هذا الزمن الغريب. وعد بأنني سأطرح أسئلة قد لا أحسن الإجابة عنها، لكني أحسن طرحها على الأقل. وعد بأنني سأشاركك قلقي، لا لأثقل عليك، بل لأقول لك: هذا ما يحدث. هل تراه مثلي؟

الرجل على المقعد الخشبي في الحديقة العامة نهض أخيرًا.

مشى ببطء نحو الخروج. كان يفكر: اليوم سأكتب. سأجلس أمام الشاشة البيضاء ولن أتركها حتى تخرج الكلمات. سأنسى الفواتير والضرائب والإعانات لساعات قليلة. سأتذكر لماذا بدأت الكتابة في الأصل.

في طريقه إلى البيت، مرّ بمكتبة صغيرة. توقف للحظة أمام الواجهة. كانت هناك كتبٌ كثيرة، بعناوين براقة، بأغلفة جميلة. تأملها برهة، ثم تابع طريقه.

كان يعرف أن الكتب التي تُباع ليست دائمًا الكتب التي تُكتب. وأن الكتب التي تُكتب ليست دائمًا الكتب التي تُقرأ. وأن الكتب التي تُقرأ ليست دائمًا الكتب التي تبقى.

لكنه كان يعرف شيئًا آخر أيضًا:

أن الكتابة ليست مجرد مهنة. هي طريقة للوجود. هي الدليل الوحيد على أن الإنسان، رغم كل شيء، ما زال إنسانًا.



وهكذا نبدأ.

في الصفحات التالية، سنغوص معًا في هذا العالم المعقد. سنتحدث عن دولة الرفاه التي تتآكل، وعن السوق الذي يتضخم، وعن المثقف المستقل الذي يحاول أن يجد له مكانًا بينهما. سنتحدث عن اقتصاد القلق، وعن المعرفة التي لا تُثمن، وعن الجسد الذي يتعب قبل الروح. سنتحدث عن المقارنات مع بلاد أخرى، وعن الكتابة كملاذ أخير. سنحاول أن نفهم، أو على الأقل أن نصف.

لن يكون الطريق سهلاً، ولا الرحلة مريحة. لكني أعدك بشيء واحد: لن أتركك وحدك. سنكون معًا في هذه الرحلة، أنا وأنت، ككاتب وقارئ، كإنسانين يحاولان فهم زمنهما.

فلنبدأ.


……

الفصل الأول

زمنٌ بلا هواء

1.

هناك أشياء لا تُرى، لكنها تُحَس.

الهواء مثلًا. لا تراه، لكنك تعرف إن كان نقيًّا أم ملوثًا، خفيفًا أم ثقيلًا، كافيًا أم خانقًا. تكتشف ذلك برئتيك قبل أن تكتشفه بعينيك. برئتيك اللتين تتسعان أو تنقبضان، تتنفسان عميقًا أو تلهثان سريعًا، تشعران بالامتلاء أو بالاختناق.

الزمن أيضًا كذلك.

هناك أزمنة تمنحك مساحة للتنفس. أزمنة بطيئة، مترامية الأطراف، كأنها سهول مفتوحة تستطيع أن تمشي فيها ساعات دون أن تشعر بالتعب. وأزمنة ضيقة، خانقة، كأنها غرفة صغيرة نوافذها موصدة وأسقفها منخفضة، تلهث فيها بحثًا عن هواءٍ لا يكفي.

الزمن الذي نعيشه اليوم، في هذا الغرب الذي كان يومًا واسعًا، هو زمنٌ من النوع الثاني.

زمنٌ بلا هواء.

لا أتحدث عن ضيق الوقت بالمعنى المعتاد، عن الساعات التي تركض كالخيول الجامحة، عن الأيام التي تذوب في الأسبوع والأسابيع التي تتدحرج نحو النسيان. هذا النوع من الضيق نعرفه جميعًا، وهو جزء من حداثتنا منذ قرن على الأقل. ما أتحدث عنه أعمق من ذلك. إنه ضيق في إمكانية التنفس ذاتها. ضيق في الوجود نفسه.

في هذا الزمن، حتى عندما يكون لديك وقت فراغ، تشعر أنك لا تستطيع استعماله. تجلس أمام نفسك، في لحظة صفاء نادرة، وتكتشف أن داخلك مشغول بأشياء لا تراها: قلق خافت، توتر مزمن، شعور بأن هناك شيئًا يجب فعله لكنك لا تعرف ما هو. أنت حر، لكن حريتك ثقيلة كحجر. أنت وحدك، لكن وحدتك لا تمنحك سلامًا.

الرجل على المقعد الخشبي في الحديقة العامة، الذي بدأنا به المقدمة، لم يكن يعاني من ضيق الوقت. كان لديه وقت. كان جالسًا هناك، تحت السماء الزرقاء، بين الأشجار والورود، والناس يمرون أمامه كأنهم في فيلم صامت. لو أراد، لكان بإمكانه أن يبقى هناك ساعات، يتأمل، يفكر، يحلم. لكنه لم يكن يستطيع.

لماذا؟

لأن رأسه كان مشغولًا بأشياء أخرى. الفواتير غير المدفوعة، الرسائل غير المقروءة، الغد المجهول. كانت هذه الأشياء كالغبار الناعم الذي يملأ الهواء دون أن تراه، لكنه يمنعك من التنفس بعمق. كان الزمن متاحًا، لكن الهواء لم يكن كافيًا.

هذا هو زمننا.

زمنٌ تتوفر فيه كل شروط الحياة، إلا شرطًا واحدًا: الحياة نفسها.



2.

لنحاول أن نفهم كيف وصلنا إلى هنا.

قبل عقود قليلة فقط، كان الغرب مكانًا مختلفًا. كان مكانًا يعدك بشيء اسمه "العيش الكريم". لم يكن هذا الوعد يعني أنك ستعيش في قصور أو تأكل من ذهب. كان يعني شيئًا أبسط وأعمق: أنك إن عملت، فستجد لقمة العيش. وإن مرضت، فستجد من يداويك. وإن كبرت، فستجد من يرعاك. وإن أردت أن تتعلم، فستجد مدرسة مفتوحة. وإن أردت أن تفكر، فستجد وقتًا للتفكير.

كان هذا الوعد قائمًا على عقد اجتماعي واضح: الدولة مسؤولة عن توفير الحد الأدنى من الحياة الكريمة، والسوق مسؤول عن توفير الباقي. بين الدولة والسوق، كان هناك مساحة للإنسان أن يعيش، أن يبدع، أن يحلم. لم تكن الحياة مثالية، لكنها كانت محتملة. كان هناك هواء يكفي للجميع.

ثم بدأ هذا العقد في التآكل.

ببطء أولًا، ثم بسرعة. كجدار قديم تتسرب منه المياه، تظهر شروخ صغيرة لا يلتفت إليها أحد، ثم فجأة ينهار الجدار كله. الأزمة المالية 2008 كانت شرخًا كبيرًا. أزمة اللاجئين 2015 كانت شرخًا آخر. جائحة كورونا 2020 كانت هزة عنيفة. والحرب في أوكرانيا 2022 كانت زلزالًا. كل حدث من هذه الأحداث كان يدفع الدولة خطوة إلى الوراء، ويدفع السوق خطوة إلى الأمام.

اليوم، نحن نعيش في عالم جديد.

عالم انكمشت فيه الدولة إلى أقصى حدودها، وتضخم فيه السوق حتى ابتلع كل شيء. الدولة التي كانت يومًا "بيتًا" للمواطن، أصبحت "مؤسسة محاسبية" تدقق في أرقامه وتسأله: ماذا قدمت اليوم؟ والسوق الذي كان يومًا فضاءً للتبادل، أصبح قوةً كليةً تفرض قوانينها على كل شيء: على العمل، على السكن، على التعليم، على الصحة، حتى على الأفكار والمشاعر.

في هذا العالم الجديد، تغير معنى الحياة ذاتها.

لم يعد الإنسان يُقاس بما هو، بل بما ينتج. لم تعد قيمته تنبع من كونه إنسانًا، بل من كونه وحدة إنتاجية صغيرة تساهم في نمو الناتج المحلي الإجمالي. لم يعد له حق في الكرامة لمجرد أنه موجود، بل عليه أن يثبت كل يوم أنه يستحق الكرامة، وأن وجوده ليس عبئًا على المجتمع.

وهنا يأتي السؤال القاسي:

ماذا يحدث للإنسان الذي لا ينتج؟ أو الذي ينتج لكن إنتاجه لا يُقاس بالأرقام؟ أو الذي يريد أن يفكر، أن يتأمل، أن يكتب، في زمن لا يعترف إلا بما يمكن بيعه وشراؤه؟

ماذا يحدث للمثقف المستقل؟



3.

دعونا نفتح نافذة صغيرة على حياة هذا المثقف.

اسمه، لنقل، آدم. عمره 47 سنة. يعيش في مدينة أوروبية متوسطة الحجم، في شقة صغيرة على مشارف المدينة. درس الفلسفة في الجامعة، ثم عمل سنوات في مجال النشر، ثم استقال ليصبح كاتبًا مستقلاً. ينشر مقالات في صحف ومواقع إلكترونية، ويكتب كتبًا تبيع نسخًا قليلة لكنها تحظى بتقدير النقاد. ليس غنيًا، لكنه كان يعتقد دائمًا أن الرضا أهم من الغنى.

منذ خمس سنوات، كانت حياته مختلفة.

كان يستيقظ صباحًا، يشرب قهوته، يجلس أمام مكتبه، ويكتب. كان يكتب ساعات طويلة، دون انقطاع، دون قلق. كان يعرف أن نهاية الشهر ستأتي، وأن الفواتير ستدفع، وأنه سيبقى له ما يكفي ليعيش. لم يكن الأمر سهلاً، لكنه كان ممكنًا. كان الهواء متاحًا.

اليوم، كل شيء تغير.

يستيقظ آدم الآن باكرًا، لكنه لا يكتب. يفتح بريده الإلكتروني أولًا. يقرأ رسالة من مصلحة الضرائب: عذرًا، هناك خطأ في استمارتك. الرجاء إعادة تعبئتها خلال أسبوع، وإلا ستفرض عليك غرامة. يقرأ رسالة من وكالة الإعانات: طلبك قيد المراجعة. المدة المتوقعة: 3-6 أشهر. يقرأ رسالة من مالك الشقة: سيتم زيادة الإيجار بنسبة 5% الشهر القادم، حسب بنود العقد.

بعد ساعة من قراءة الرسائل والرد عليها، يشعر آدم بالتعب. تعب غريب، ليس تعب الجسد، بل تعب الروح. تعب يأتي من الإحساس بأنك محاصر، أنك تركض في مكانك، أن كل جهد تبذله يذهب سدى.

يذهب إلى المطبخ، يعد قهوة أخرى. ينظر من النافذة. الجو جميل، السماء زرقاء، الشمس تشرق. يفكر في الذهاب إلى الحديقة، الجلوس على مقعد، التأمل قليلاً. لكنه يتذكر: لديه موعد مع مصلحة الضرائب بعد ساعتين. يجب أن يذهب، يقف في الطابور، يشرح، يتوسل تقريبًا. لا وقت للحديقة.

يعود إلى المكتب، يفتح الملفات. يبحث عن وثيقة ضائعة، عن إيصال قديم، عن رقم منسي. يقضي ساعة أخرى في هذا الجهد العقيم. يشعر أنه يكبر، أن وقته يضيع، أن ما يفعله لا طائل منه. لكنه يواصل، لأنه لا خيار لديه.

قبل أن يغادر إلى مصلحة الضرائب، يفتح صفحة الكتابة للحظة. ينظر إلى النص الذي بدأه قبل أسبوع، بضع فقرات فقط. كان يحلم بكتابة مقال طويل عن الذاكرة والمنفى. الآن يبدو المقال بعيدًا، كأنه من عالم آخر. يقرأ الجمل الأخيرة التي كتبها: "الذاكرة وطن لا يحتاج إلى جواز سفر." يتذكر كم كان فخورًا بهذه الجملة حين كتبها. الآن لا يشعر بشيء. الكلمات ماتت قبل أن تولد.

يغلق الصفحة، يرتدي معطفه، ويخرج.

في الطريق إلى مصلحة الضرائب، يمشي بسرعة. الناس حوله يمشون أيضًا، بنفس السرعة، بنفس الإرهاق. يتأمل وجوههم: امرأة شابة تدفع عربة طفل، رجل عجوز بعكاز، شاب بسماعات في أذنيه. يتساءل: هل يشعرون مثلي؟ هل يعيشون هذا الضيق الخانق؟ هل يلهثون أيضًا بحثًا عن هواء لا يكفي؟

يدخل المبنى. طابور طويل، كالعادة. يقف في آخره، ينتظر. يتقدم ببطء. يفكر في كل الأشياء التي كان يمكن أن يفعلها بهذا الوقت: القراءة، الكتابة، التأمل، حتى النوم. كلها كانت أفضل من هذا الانتظار العقيم.

بعد ساعة ونصف، يحين دوره. موظفة شابة تنظر إليه بنظرة باردة: أوراقك من فضلك. يقدمها. تتصفحها بسرعة: هنا الناقص. هنا الخطأ. يجب إعادة تعبئة هذه الاستمارة. يشرح، يحاول أن يكون لطيفًا، أن يكون مقنعًا. الموظفة تنظر إلى شاشة الكمبيوتر، لا تنظر إليه. تقول بصوت محايد: ليس بيدي شيء. هذه هي القوانين. يمكنك تقديم اعتراض، لكن العملية قد تستغرق شهورًا.

يغادر المبنى وهو يشعر بالهزيمة.

في الخارج، السماء ما زالت زرقاء، لكنه لا يراها. يمشي ببطء نحو البيت. يفكر: هذا هو وقتي. هذه هي حياتي. ساعات في الطوابير، أيام في البيروقراطية، أسابيع في القلق. وبين هذا وذاك، لا وقت للكتابة، لا وقت للفكر، لا وقت للحياة.

يصل إلى البيت، يجلس على الأريكة. يشعر بفراغ هائل. يريد أن يبكي، لكن الدموع لا تأتي. يريد أن يصرخ، لكن الصوت لا يخرج. يبقى ساكنًا، محدقًا في السقف، لساعات.

هذا هو آدم. وهذا هو آلاف غير آدم.



4.

لكن هل المشكلة في البيروقراطية وحدها؟

التبسيط سهل، لكنه خطر. لو كانت المشكلة مجرد بيروقراطية متضخمة، لكان الحل بسيطًا: إصلاح إداري، تبسيط الإجراءات، رقمنة الخدمات. تفعلها دول كثيرة، وتنجح أحيانًا. لكن المشكلة التي نعيشها أعمق من ذلك. إنها ليست في شكل الإدارة، بل في جوهر العلاقة بين الفرد والدولة.

لنتأمل هذا المشهد الصغير:

في مدينة فرنسية، قبل عشرين عامًا، كان مثقف مستقل في وضع مشابه لوضع آدم. كان يحصل على إعانة اجتماعية متواضعة لكنها كافية، وكانت الدولة تتعامل معه كمواطن له حقوق. لم يكن عليه أن يثبت كل شهر أنه يستحق العيش. كان يكفي أن يكون موجودًا، أن يكون فرنسيًا، أن يكون إنسانًا.

اليوم، نفس المثقف، في نفس المدينة، يعيش تحت نظام مختلف. عليه أن يملأ استمارات مطولة، أن يقدم أدلة على بحثه عن عمل (حتى لو كان عمله هو الكتابة التي لا تُباع)، أن يثبت أنه "يندمج" في المجتمع، أن يكون "نشطًا" وفق تعريف الدولة للنشاط. الإعانة لم تعد حقًا، بل مكافأة مشروطة. المواطنة لم تعد وضعًا طبيعيًا، بل امتيازًا يجب تجديده باستمرار.

ما تغير ليس الإجراءات فقط، بل الفلسفة الكامنة وراءها.

فلسفة جديدة تسللت إلى مؤسسات الغرب بصمت، كالماء يتسلل إلى أساسات البيت. فلسفة تقول: لا شيء مجاني. كل شيء له ثمن. حتى الوجود نفسه يجب أن يُكتسب يوميًا. حتى الحياة يجب أن تُبرر باستمرار.

هذه الفلسفة لها أسماء كثيرة: النيوليبرالية، اقتصاد السوق، العولمة. لكنها في الجوهر شيء أبسط: إنها فكرة أن الإنسان ليس غاية، بل وسيلة. ليس قيمة في ذاته، بل أداة لإنتاج القيمة. ليس كائنًا له كرامة أصلية، بل وحدة إحصائية تساهم في نمو أو لا تساهم.

هذه الفلسفة تترجم في الحياة اليومية إلى سلسلة لا نهائية من "الاختبارات". اختبارات الكفاءة، اختبارات الجدارة، اختبارات الحاجة، اختبارات الاندماج. على الإنسان أن يثبت باستمرار أنه يستحق. وأنه إذا لم يستطع الإثبات، فليس له مكان.

في هذا المناخ، يتحول القلق من حالة عابرة إلى نمط حياة دائم.



5.

القلق.

هذه الكلمة الصغيرة تستحق وقفة. في اللغة العربية، "القلق" يعني عدم الاستقرار، التحرك الدائم دون قرار، الاضطراب الذي لا يهدأ. هو عكس السكينة، عكس الطمأنينة، عكس السلام الداخلي.

في زمننا، أصبح القلق هو الحالة الطبيعية.

ليس القلق من خطر محدق، كحرب أو كارثة طبيعية. هذا النوع من القلق له بداية وله نهاية، له سبب واضح وعلاج محتمل. ما نعيشه هو قلق منتشر، غامض، مزمن. قلق لا يعرف مصدره بالضبط، لكنه لا يفارقك أبدًا. قلق يستيقظ معك في الصباح، يرافقك طوال اليوم، ينام معك في المساء. قلق لا يمنعك من العيش، لكنه يمنعك من العيش بشكل كامل. كصداع خفيف لا يمنعك من العمل، لكنه يمنعك من الاستمتاع بأي شيء.

هذا القلق له أسباب مادية واضحة.

الخوف من الغد، من الإيجار غير المدفوع، من الفاتورة التي تنتظر، من الإعانة التي قد تُقطع، من المرض الذي قد يأتي بلا سابق إنذار، من الشيخوخة التي تقترب بلا تأمين كاف. هذه المخاوف حقيقية، ملموسة، قابلة للقياس. لكن تأثيرها يتجاوز المادة إلى الروح.

لنتأمل هذه المقارنة البسيطة:

في الماضي، كان الفقير يخاف من الجوع. كان خوفه واضحًا، مباشرًا: إذا لم أجد طعامًا اليوم، سأموت غدًا. هذا الخوف فظيع، لكن له حدود. إنه خوف الجسد، خوف البقاء، خوف الغريزة.

اليوم، الفقير في الغرب لا يخاف من الجوع. هناك شبكات أمان، إعانات، مطابخ شعبية، جمعيات خيرية. الجوع المادي نادر، إن لم يكن معدومًا. لكن هناك خوفًا آخر، أكثر غموضًا وأشد فتكًا: خوف فقدان الكرامة، خوف التهميش، خوف أن تصبح "حالة" بدل أن تكون إنسانًا، خوف أن تنظر إليك المجتمع كعبء لا كعضو.

هذا الخوف الجديد لا يقل فظاعة عن خوف الجوع القديم. بل ربما يكون أقسى، لأنه لا ينتهي. الجوع ينتهي بالأكل، لكن فقدان الكرامة لا ينتهي أبدًا. إنه جرح مفتوح، ينزف باستمرار، ولا ضمادة تستطيع وقف النزيف.

المثقف المستقل يعيش في قلب هذا الخوف.

هو ليس فقيرًا بالمعنى التقليدي. غالبًا ما يأكل ثلاث وجبات في اليوم، ويسكن في شقة فيها تدفئة وكهرباء، ويملك هاتفًا وكمبيوترًا. لكنه يشعر بالفقر. فقر الروح، فقر المعنى، فقر المستقبل. يشعر أن وجوده لا قيمة له في سوق لا يقيس إلا ما يباع ويشترى. يشعر أنه يتيم في زمن لا يتبنى إلا الأقوياء.



6.

لكن دعونا نكن دقيقين.

ليس كل شيء في الغرب اليوم سيئًا. ليس كل مثقف مستقل يعيش هذا القلق بنفس الحدة. هناك من ينجحون، من يتكيفون، من يجدون مكانهم في السوق الجديدة. هناك من يكتبون كتبًا تبيع، ويكتبون مقالات لأجر، ويحاضرون في جامعات مقابل تعويضات مجزية. هناك من يحولون استقلاليتهم إلى علامة تجارية، وقلقهم إلى سلعة، وحيرتهم إلى أسلوب حياة.

هؤلاء موجودون، وهم ليسوا قلة.

لكنهم ليسوا القاعدة. القاعدة هي أولئك الذين يعيشون في المنطقة الرمادية بين النجاح والفشل، بين الاكتفاء والعوز، بين الأمل واليأس. القاعدة هي أولئك الذين يواصلون الكتابة رغم أن لا أحد يقرأ، والذين يواصلون التفكير رغم أن لا أحد يدفع ثمن التفكير، والذين يواصلون العيش رغم أن الحياة تطلب منهم كل يوم إثباتًا جديدًا أنهم يستحقون العيش.

القاعدة هي أناس مثل صديقة لي، سنسميها "لينا".

لينا كاتبة وشاعرة في الرابعة والخمسين. تعيش في برلين منذ خمسة وعشرين عامًا. نشرت ثلاث مجموعات شعرية ورواية واحدة، كلها نالت جوائز وتقديرًا نقديًا، وباعت ما مجموعه بضعة آلاف نسخة. تعمل مترجمة من حين لآخر، وتكتب مقالات في صحف ثقافية، وتشارك في أمسيات شعرية بأجر رمزي. تعيش وحدها، في شقة صغيرة في حوض بناء سابق، تدفع نصف دخلها تقريبًا إيجارًا.

قابلتها منذ أيام في مقهى صغير قرب منزلها. كانت السماء تمطر، وكان المقهى دافئًا، وكانت رائحة القهوة تملأ المكان. تحدثنا ساعات عن الكتابة وعن الحياة وعن برلين وعن الغرب الذي يتغير. في لحظة من اللحظات، سألتها: كيف تمكنين من الاستمرار؟

نظرت إليّ طويلًا، ثم قالت:

"أنا لا أعرف كيف أستمر. أعرف فقط أني لا أستطيع التوقف. عندما أكتب، أشعر أني حية. عندما لا أكتب، أشعر أني أموت ببطء. الفرق الوحيد هو أن الكتابة اليوم أصعب مما كانت. كان الكتابة تحتاج إلى وقت وهدوء. الآن تحتاج إلى معركة مع الوقت والهدوء. أنا لا أكتب بقدر ما أحارب لأكتب."

ثم أضافت:

"في بعض الأيام، أجلس أمام الشاشة البيضاء وأبكي. ليس لأني حزينة، بل لأني متعبة. متعبة من كثرة ما أناضل من أجل شيء كان يجب أن يكون طبيعيًا. متعبة من الشعور أني أسبح ضد التيار. متعبة من اليقين أن لا أحد ينتظر ما أكتب، لكني سأكتبه على أي حال."

صمتت قليلًا، ثم قالت:

"لكن الغريب أن الكتابة نفسها، حين تأتي أخيرًا، تنسيني كل هذا. حين أجد الكلمة المناسبة، والصورة الدقيقة، والجملة التي تشبه ما أريد قوله تمامًا، أشعر أني ولدت من جديد. للحظات قصيرة، أنسى الفواتير والضرائب والقلق. للحظات قصيرة، أكون حرة حقًا."

هذه هي "لينا". وهذه هي آلاف النسخ من "لينا" المنتشرة في مدن الغرب، تكتب في غرف صغيرة، وتنشر في مواقع منسية، وتحلم بأن تصل إلى قارئ واحد على الأقل يفهمها.



7.

لكن لنكن صادقين حتى النهاية.

ليس كل المثقفين المستقلين أنقياء مثل لينا. ليس كلهم يكتبون من أجل الكتابة فقط، دون أن يهتموا بالمال أو الشهرة. هناك من يتكيفون مع السوق الجديدة بذكاء، ويحولون كتابتهم إلى سلعة ناجحة. هناك من يكتبون سير ذاتية لشخصيات مشهورة، وكتب مساعدة ذاتية، ومقالات سطحية تنتشر بسرعة. هناك من يلعبون اللعبة بمهارة، ويربحون فيها.

وهذا حقهم. لا حكم أخلاقي هنا.

لكن السؤال الأعمق هو: ماذا يحدث للمعرفة نفسها في هذا السياق؟ ماذا يحدث للفكر حين يصبح خاضعًا لمنطق السوق بالكامل؟ ماذا يحدث للكتابة حين تتحول إلى سلعة بين السلع؟

هذا هو السؤال الذي يحوم حوله هذا الكتاب كله.

في زمن بلا هواء، حتى الكلمات تختنق. حتى الأفكار تفقد قدرتها على التنفس. حتى المعرفة، التي كانت يومًا ملاذًا للإنسان من قسوة العالم، تصبح جزءًا من القسوة نفسها.

لنتأمل هذا المشهد الصغير:

في إحدى المدن الألمانية، هناك مكتبة صغيرة مستقلة. تديرها امرأة في الستين، كانت تعمل في النشر قبل أن تقرر فتح مكتبتها الخاصة. المكان صغير لكنه دافئ، مليء بالكتب التي تختارها بعناية، وتلك التي يوصي بها الزبائن، وتلك التي تكتشفها في رحلاتها. لا تبيع الكتب الأكثر مبيعًا، بل الكتب التي تستحق القراءة.

هذه المكتبة تواجه الإغلاق.

السبب بسيط: الإيجار ارتفع، والزبائن قلوا، والمنافسة مع المواقع الإلكترونية مستحيلة. الناس يفضلون الشراء من "أمازون"، حيث الكتب أرخص والتوصيل أسرع. صاحبة المكتبة تقاوم، تنظم أمسيات قراءة، تبحث عن دعم من البلدية، تستجير بالجمعيات الثقافية. لكنها تعرف في قرارة نفسها أن المعركة خاسرة على الأرجح.

في المرة الأخيرة التي زرتها، قالت لي:

"المشكلة ليست في أمازون فقط. المشكلة في أن الناس لم يعودوا يقدرون قيمة الكتاب. الكتاب عندهم سلعة كأي سلعة: يشترونه، يستهلكونه، يرمونه. لا فرق بين كتاب وعلبة معكرونة. لا أحد يتأمل الغلاف، ولا أحد يشم رائحة الورق، ولا أحد يتذكر أين اشتراه ومتى."

ثم أضافت، بصوت هادئ حزين:

"أنا لا أدافع عن مكتبتي فقط. أنا أدافع عن فكرة أن الكتاب ليس مجرد سلعة. عن فكرة أن المعرفة تستحق مكانًا خاصًا في حياتنا. عن فكرة أننا لسنا مجرد مستهلكين، بل بشر."

هذه المكتبة، إن أغلقت، لن تكون مجرد محل تجاري يُغلق. ستكون نافذة صغيرة على العالم تُسد. ستكون مساحة للقاء والحوار تُفقد. ستكون ذكرى جميلة تتحول إلى خراب.

وهذا ما يحدث في آلاف المدن الغربية اليوم. المكتبات المستقلة تُغلق، ودور النشر الصغيرة تندمج، والصحافة الثقافية تتراجع، والفضاءات العامة للنقاش تتقلص. في مكانها، تظهر منصات رقمية عملاقة، تقدم كل شيء بسرعة وبدون روح. المعرفة متاحة أكثر من أي وقت مضى، لكنها في نفس الوقت أقل قيمة من أي وقت مضى.

هذا هو التناقض المرير لزمننا.



8.

لكن ربما كان يجب أن نبدأ من مكان آخر.

ربما كان يجب أن نبدأ من الجسد، ليس من الروح. لأن الجسد هو أول من يشعر بضيق الهواء. الجسد هو الذي يتعب، يمرض، ينهار. الروح قد تصمد طويلاً تحت الضغط، لكن الجسد يستسلم أولاً.

دعونا ننظر إلى المثقف المستقل من منظور جسدي.

هو إنسان يجلس ساعات طويلة أمام الشاشة. ظهره يؤلمه، رقبته تتيبس، عيناه تجفان. هو إنسان يأكل بسرعة، غالبًا طعامًا غير صحي، لأنه لا وقت ليطبخ ولا مال ليشتري طعامًا جيدًا. هو إنسان ينام قليلاً، وينام بشكل سيء، لأن عقله لا يتوقف عن التفكير في الغد. هو إنسان يهمل صحته، يؤجل زيارة الطبيب، يتجاهل الآلام الصغيرة حتى تتحول إلى أمراض كبيرة.

هذا الجسد المتعب هو أول ضحايا زمن بلا هواء.

لكن الجسد ليس مجرد جسد. هو وعاء الروح. حين يتعب الجسد، تتعب الروح معه. حين يمرض الجسد، تمرض الروح أيضًا. حين ينهار الجسد، تنهار معه كل الأحلام والطموحات والأفكار.

في مدينة باريس، قبل سنوات، كان هناك كاتب مسن اسمه "بيير". أمضى حياته يكتب روايات ومقالات ودراسات. لم يكن مشهورًا، لكنه كان محترمًا. في السبعين من عمره، مرض فجأة. لم يكن لديه تأمين صحي كافٍ، ولا مدخرات تغطي تكاليف العلاج. دخل المستشفى، وبقي أسابيع، ثم خرج وهو مديون بعشرات الآلاف من اليوروهات.

قبل أن يموت بعام، كتب مقالًا قصيرًا نشره في مجلة صغيرة. قال فيه:

"طوال حياتي، اعتقدت أن العقل هو أهم ما في الإنسان. اعتقدت أن الأفكار تخلد والجسد يفنى. لكني اليوم أدرك أن العقل لا يعيش بدون جسد. الجسد هو بيت العقل. حين ينهار البيت، ينهار كل شيء. أنا لست نادمًا على أني كرست حياتي للكتابة. لكني نادم على أني أهملت جسدي، ذلك الرفيق الصامت الذي كان يحملني كل هذه السنوات دون أن أشكره."

مات بيير بعد ذلك بعام، تاركًا وراءه ديونًا وكتبًا لا يقرأها أحد.

هذا هو مصير كثيرين. الجسد يتعب قبل الروح، لكنه حين يتعب، يأخذ الروح معه.



9.

ومع ذلك، هناك شيء غريب في هذه القصة.

شيء يجعلها ليست مجرد قصة انهيار ويأس. هناك خيط رفيع من النور يمر خلالها، خفي لكنه موجود. هو خيط الكتابة نفسها. هو القدرة على التحول، على الصمود، على الاستمرار رغم كل شيء.

لنعد إلى آدم، الرجل على المقعد الخشبي، قبل أن ينهض ويعود إلى بيته.

قبل أن ينهض، في تلك اللحظات الأخيرة من جلسته، حدث شيء صغير لكنه مهم. نظر حوله ببطء، بتأمل. رأى امرأة تدفع عربة طفل، وشابًا يركض بسماعات في أذنيه، وعجوزًا تطعم الحمام. رأى الشمس تخترق أوراق الشجر، وظلالاً ترقص على العشب، وطفلًا صغيرًا يحاول الإمساك بفقاعة صابون.

في تلك اللحظة، شعر بشيء غريب. شعور عابر، خافت، لكنه حقيقي: أن الحياة ما زالت ممكنة. أن الجمال ما زال موجودًا. أن العالم، رغم كل قسوته، لم يتحول بالكامل إلى مؤسسة محاسبية. أن هناك مساحات صغيرة من الهواء النقي، يمكن الاقتراب منها، ولو للحظات.

نهض وبدأ يمشي. في طريقه إلى البيت، فكر: سأكتب الليلة. سأكتب عن هذا الشعور العابر، عن هذا الخيط الرفيع من النور. سأكتب لأذكر نفسي بأني ما زلت حيًا، وأن الكتابة هي الدليل الوحيد على هذه الحياة.

هذا هو سر المثقف المستقل في زمن بلا هواء.

إنه يعرف أن الهواء نادر، لكنه لا يتوقف عن محاولة التنفس. إنه يعرف أن الفكرة مهددة، لكنه لا يتوقف عن التفكير. إنه يعرف أن الكتابة قد لا تغير شيئًا، لكنه يكتب على أي حال.

يكتب لأنه لا يستطيع ألا يكتب. يكتب لأن الكتابة هي الطريقة الوحيدة التي يعرفها ليكون إنسانًا. يكتب لأن في الكتابة، ولو للحظات، يشعر أنه حر.



10.

في ختام هذا الفصل الأول، لا بد من سؤال صعب:

هل هذا الوصف مبالغ فيه؟ هل نحن نعيش حقًا في "زمن بلا هواء"، أم أن هذا مجرد شعور ذاتي، نتاج حساسية مفرطة من مثقفين اعتادوا على امتيازات لم تعد موجودة؟

ربما. ربما هناك شيء من المبالغة في كل هذا. ربما كانت الأزمنة السابقة لا تقل قسوة عن زمننا، إن لم تكن أقسى. ربما المثقفون اليوم يعيشون أفضل من كثيرين في الماضي، ومن كثيرين في الحاضر خارج الغرب.

كل هذا صحيح، ولا أنكره.

لكن الشعور بالاختناق ليس بالضرورة مرتبطًا بالواقع الموضوعي وحده. هو مرتبط أيضًا بالتوقعات، بالذاكرة، بالحلم. حين تعدك دولة الرفاه بالعيش الكريم، ثم تنسحب تدريجيًا، فإن الشعور بالخيانة قد يكون أقسى من الشعور بالفقر نفسه. حين ترث تاريخًا من الحرية والكرامة، ثم تجد نفسك تلهث وراء لقمة العيش، فإن الإحساس بالسقوط قد يكون أعمق من أي قياس مادي.

المثقف المستقل في الغرب اليوم يشبه طائرًا ولد في قفص ذهبي، ثم فتحوا باب القفص فجأة، واكتشف أن الجناحين لم يعودا صالحين للطيران. هو ليس أسوأ حالًا من طائر عاش دائمًا في العراء، لكنه يعاني بطريقة مختلفة. يعاني من الحنين إلى أمان لم يعد موجودًا، ومن الخوف من مستقبل لا يعرف شكله، ومن الضياع في مساحة لا هي قفص ولا هي سماء.

ربما هذا هو جوهر "زمن بلا هواء": إنه الزمن الذي تختفي فيه الحدود الواضحة، وتضيع فيه المعايير الثابتة، ويصبح فيه الإنسان مسؤولًا عن كل شيء دون أن يملك أي شيء حقًا. إنه زمن الحرية التي تتحول إلى عبء، والمسؤولية التي تتحول إلى قلق، والفردية التي تتحول إلى عزلة.

في هذا الزمن، الكتابة ليست مجرد تعبير عن الذات، بل هي محاولة للتنفس. كل جملة تُكتب هي شهيق، كل فقرة تُنشر هي زفير. والكتاب كله هو محاولة يائسة لخلق مساحة من الهواء النقي في عالم يختنق.



11.

قبل أن ننتقل إلى الفصل التالي، حيث سنتحدث بالتفصيل عن تآكل دولة الرفاه وتحول الأمان إلى رفاهية، أريد أن أتركك مع صورة صغيرة.

صورة كاتب، في مدينة أوروبية، في ليلة شتوية باردة.

الساعة الثالثة فجرًا. المدينة نائمة، الشوارع خاوية، الثلج يتساقط بهدوء. في نافذة صغيرة في الطابق الرابع، يضيء ضوء خافت. الكاتب يجلس أمام مكتبه، فنجان قهوة بجانبه، وشاشة بيضاء أمامه.

يكتب.

لا يعرف إن كان ما يكتبه سيقرأه أحد، ولا يعرف إن كان سينشر يومًا، ولا يعرف إن كان سيجلب له مالًا أو شهرة. لا يعرف شيئًا من هذا، ولا يسأل عنه. كل ما يعرفه في هذه اللحظة هو أن الكتابة هي الشيء الوحيد الذي يجعله يشعر أنه حي.

خارج النافذة، يستمر الثلج في التساقط. يغطي المدينة بصمت، يخفي تحت بياضه كل قسوة النهار. للحظات، يبدو العالم نظيفًا، جديدًا، ممكنًا.

الكاتب يبتسم ابتسامة خفيفة، ويكتب جملة أخرى.

تلك الجملة، تلك الابتسامة، ذلك الضوء الخافت في نافذة صغيرة، هو كل ما تبقى من الأمل في زمن بلا هواء.

وهو كافٍ.

كافٍ لنستمر. كافٍ لنكمل. كافٍ لنكتب الفصل التالي.




……..


الفصل الثاني

تآكل دولة الرفاه... حين يصبح الأمان رفاهية

1.

كان هناك وعد.

في منتصف القرن العشرين، بعد حربين عالميتين تركتا أوروبا خرابًا ويأسًا، خرج مفكرون وسياسيون ونقابيون ليصوغوا وعدًا جديدًا. قالوا: لن نسمح بأن يتكرر ما حدث. لن نسمح بأن يعيش الناس في خوف دائم من المرض والفقر والشيخوخة. لن نسمح بأن تترك البشرية وحدها مع مصيرها القاسي. سنبني دولة تحمي الإنسان، ليس فقط من الأعداء الخارجيين، بل من قسوة الحياة ذاتها.

كان هذا الوعد يسمى "دولة الرفاه".

في صميمه، كان وعدًا بسيطًا وثوريًا في آن: أن كل إنسان، لمجرد أنه إنسان، له الحق في الحد الأدنى من العيش الكريم. ليس لأنه يستحق بالضرورة، ولا لأنه أنتج ما يكفي، ولا لأنه دفع ضرائب كافية. فقط لأنه موجود، لأنه جزء من المجتمع، لأنه إنسان.

هذا الحق كان يتجلى في أشكال ملموسة: تأمين صحي شامل، تعليم مجاني، معاشات تقاعدية، إعانات بطالة، سكن اجتماعي، دعم للأسر والمرضى والمعاقين. لم تكن هذه مجرد خدمات حكومية، بل كانت تعبيرًا عن عقد اجتماعي عميق: المجتمع مسؤول عن أفراده، والدولة حارسة هذا العقد.

تخيلوا معي هذا المشهد:

رجل في الخمسين، يعمل في مصنع صغير، يفقد وظيفته فجأة بسبب أزمة اقتصادية. في الماضي، كان هذا يعني الكارثة: الجوع، التشرد، انهيار الأسرة. لكن في ظل دولة الرفاه، كان هناك شبكة أمان. كان يحصل على إعانة بطالة تمكنه من العيش بكرامة، ويسجل في دورات تدريبية ليتعلم مهارات جديدة، ويبقى مشمولًا بالتأمين الصحي حتى يجد عملاً آخر. لم تكن الحياة سهلة، لكنها كانت ممكنة. ولم يكن الخوف غائبًا، لكنه كان محدودًا.

تلك كانت الصورة المشرقة لدولة الرفاه.

لكن كل صورة لها ظل. دولة الرفاه لم تكن مثالية. كانت باهظة التكلفة، وتعاني من بيروقراطية ثقيلة، وتخلق أحيانًا اعتمادية تقتل المبادرة. كان فيها محتالون يستغلون النظام، وكان فيها مسؤولون فاسدون، وكان فيها سياسات خاطئة. لكن رغم كل عيوبها، كانت تحمي الناس من السقوط في الهاوية. كانت شبكة أمان، حتى لو كانت شبكة خشنة تترك جروحًا أحيانًا.

اليوم، هذه الشبكة تتمزق.

ليس فجأة، ولا بضربة واحدة. بل ببطء، كقماش قديم يتآكل سنة بعد سنة، خيطًا بعد خيط. في البداية، كانت التآكلات صغيرة، لا يكاد أحد يلاحظها: رفع سن التقاعد قليلاً، زيادة طفيفة في مساهمات التأمين الصحي، تشديد شروط الإعانة. ثم كبرت التآكلات: خفض المخصصات، إطالة مدة الانتظار، تحويل الخدمات العامة إلى شركات خاصة. ثم تحولت التآكلات إلى ثقوب: إغلاق مستشفيات، تسريح موظفين، تقليص الدعم إلى الحد الأدنى الذي لا يكفي للعيش.

واليوم، أصبحت الشبكة أشبه بغربال: تمسك ببعض الأشياء، وتترك معظمها يسقط في الهاوية.

السؤال: كيف حدث هذا؟ وكيف تحول الأمان الذي كان حقًا إلى رفاهية لا يستحقها إلا القادرون؟ وكيف يعيش المثقف المستقل في هذا المناخ الجديد؟

هذا ما سنحاول فهمه في هذا الفصل.



2.

لنبدأ من مشهد صغير، واقعي، يعيشه الآلاف اليوم.

في مدينة بروكسل، في مبنى حكومي رمادي، تقف امرأة في الخمسين اسمها "كلودين". هي أمام شباك الموظفة المختصة بمعالجة طلبات الإعانة الاجتماعية. كلودين كانت تعمل سنوات طويلة في التدريس، ثم اضطرت للاستقالة بسبب مرض مزمن. تعيش وحدها، في شقة صغيرة، وتعتمد على إعانة شهرية متواضعة.

اليوم، جاءها إخطار بأن إعانتها قد خُفِّضت.

الموظفة تنظر إليها بعيون متعبة، تقرأ من الشاشة بصوت محايد: "عذرًا، سيدتي كلودين. حسب القانون الجديد، وبما أن حالتك الصحية لا تمنعك من العمل بشكل كامل، فقد تقرر تخفيض الإعانة بنسبة 30%. يمكنك الاعتراض إذا أردت، لكن العملية قد تستغرق شهورًا."

كلودين تحاول أن تشرح: "لكني لا أستطيع العمل. عمري 55 سنة، ومؤهلاتي قديمة، والمرض يعود بين الحين والآخر. كيف سأعيش بهذا المبلغ؟"

الموظفة ترفع كتفيها: "ليس بيدي شيء. هذه هي القوانين الجديدة. الهدف هو تشجيع الناس على العودة إلى العمل."

كلودين تغادر المبنى وهي تبكي.

في الخارج، السماء رمادية كالمبنى. تمطر بخفة. تقف تحت المطر لحظات، لا تدري أين تذهب. تفكر في الإيجار الشهر القادم، في فاتورة التدفئة، في الدواء الذي تحتاجه باستمرار. تفكر في أنها عملت ثلاثين عامًا، ودفعت ضرائب ثلاثين عامًا، والآن تعامل كأنها عبء على المجتمع.

هذه كلودين. وكلودين ليست وحدها.

في كل مدينة غربية اليوم، هناك آلاف كلودين. أناس عملوا سنوات، دفعوا ضرائب، آمنوا بدولة الرفاه، ثم وجدوا أنفسهم مهمشين، منسيين، مضطرين للنضال من أجل حقوق كانت بالأمس بديهية.

لكن ما حدث لكلودين ليس مجرد خطأ بيروقراطي، أو قرار حكومي عابر. إنه تعبير عن تحول عميق في فلسفة الدولة ذاتها. تحول يمكن تسميته: "نهاية عقد التضامن".



3.

لنعد قليلاً إلى الوراء، لنفهم كيف كان عقد التضامن يعمل.

في جوهره، كان يقوم على فكرة بسيطة: كلنا في نفس القارب. الأغنياء والفقراء، الأصحاء والمرضى، الشباب والمسنون، العاملون والعاطلون. كلنا معرضون للمخاطر، وكلنا بحاجة إلى الحماية. لذلك نساهم جميعًا، حسب قدرتنا، في صندوق مشترك يحمينا جميعًا، حسب حاجتنا.

هذه الفكرة كانت تعبر عن نفسها في نظام الضرائب التصاعدية: من يملك أكثر يدفع أكثر. وفي نظام الخدمات الشاملة: كل مواطن له الحق في التعليم والصحة، بغض النظر عن دخله. وفي نظام التضامن بين الأجيال: جيل الشباب يمول معاشات جيل المسنين، على أمل أن يفعل الجيل القادم نفس الشيء.

كان هذا النظام يقوم على افتراضين أساسيين.

الافتراض الأول: أن الاقتصاد سينمو باستمرار. حين ينمو الاقتصاد، تزداد الإيرادات الضريبية، ويمكن تمويل الخدمات العامة دون رفع الضرائب. كان هذا الافتراض معقولاً في عقود النمو المرتفع بعد الحرب، لكنه أصبح موضع شك اليوم.

الافتراض الثاني: أن التضامن قيمة مشتركة. أن الناس مستعدون للدفع من أجل الآخرين، حتى لو لم يستفيدوا مباشرة، لأنهم يعتقدون أن المجتمع القوي يقوم على التكافل. هذا الافتراض أيضًا اهتز في العقود الأخيرة، مع صعود الفردية وضعف الروابط الاجتماعية.

على هذين الافتراضين، بنيت دولة الرفاه. وحين بدأ الافتراضان في الاهتزاز، بدأت الدولة في التآكل.

الآن، دعونا ننظر إلى المشهد من زاوية أخرى. زاوية المثقف المستقل.


4.

المثقف المستقل، كما حاولت أن أرسم صورته في الفصل الأول، يعيش في منطقة رمادية من نظام الرفاه. هو ليس موظفًا، فلا يستفيد من الحماية الوظيفية. وهو ليس عاطلاً بالمعنى التقليدي، فلا يستفيد بسهولة من إعانات البطالة. هو ليس غنيًا، فلا يستطيع شراء الخدمات الخاصة. وهو ليس فقيرًا بما يكفي ليحصل على الدعم الكامل.

إنه يعيش في "فجوة الرفاه".

دعونا نرى كيف تبدو هذه الفجوة في الحياة اليومية.

التأمين الصحي:

الموظف لديه تأمين صحي ممتاز، تساهم فيه جهة العمل بنصف القيمة. العاطل لديه تأمين صحي مدعوم من الدولة. صاحب العمل الحر الناجح يستطيع شراء أفضل تأمين خاص. أما المثقف المستقل، فوضعه مختلف. دخله غير منتظم، فلا يستطيع تحمل تكاليف تأمين خاص مرتفع. وهو ليس موظفًا، فلا يستفيد من مساهمة جهة العمل. وهو ليس عاطلاً، فلا يحصل على الدعم الكامل. يبقى عالقًا في تأمين حكومي أساسي، قد لا يغطي كل احتياجاته، أو تأمين خاص منخفض التكلفة لا يغطي الأمراض المزمنة أو العلاجات الباهظة.

في إحدى زياراتي لصديق كاتب في أمستردام، حدثني عن تجربته مع التأمين الصحي. قال:

"كنت أحتاج إلى عملية جراحية بسيطة. تأميني يغطيها، لكن بعد خصم كبير. اضطررت لدفع أكثر من ألف يورو من جيبي. الألف يورو هذه كانت كل ما ادخرته في سنة. بعد العملية، عدت إلى الصفر. لا شيء. وكل هذا وأنا أدفع تأميني الصحي بانتظام منذ عشر سنوات."

صمت قليلاً، ثم أضاف بمرارة:

"في دولة الرفاه، يقولون لك: نحن نحميك. لكن الحماية لها ثمن، وهذا الثمن قد يكون كل ما تملك."

معاش التقاعد:

الموظف يجمع نقاط تقاعد طوال حياته، جزء منه يدفعه وجزء تدفعه جهة العمل. حين يتقاعد، يحصل على معاش يعكس سنوات عمله. العاطل تحسب له سنوات البطالة في التقاعد جزئيًا. أما المثقف المستقل، فوضعه مختلف. سنوات عمله غير منتظمة، مدخوله متذبذب، مساهماته في التقاعد اختيارية وغالبًا ما تكون ضئيلة. حين يبلغ سن التقاعد، يكتشف أن معاشه لا يكفي للعيش.

صديقة أخرى، شاعرة تعيش في ستوكهولم، قالت لي:

"عمري الآن 62 سنة. عملت طوال حياتي، كتبت، نشرت، شاركت. لكن حين سألت عن معاشي التقاعدي، قالوا لي: ستحصلين على الحد الأدنى فقط. لأن سنوات عملك لم تكن منتظمة، ومساهماتك كانت قليلة. سأعيش على إعانة المسنين، نفس الإعانة التي تعطى لمن لم يعمل يومًا في حياته."

نظرت إليّ بعيون حزينة، وقالت:

"أنا لست ضد مساعدة من لم يعملوا. لكني عملت 40 سنة. أليس من حقي أن أحصل على معاش يعكس هذا؟"

إعانات البطالة:

العامل الذي يفقد وظيفته يحصل على إعانة بطالة سخية نسبيًا، لفترة محدودة، تساعده على البحث عن عمل جديد. أما المثقف المستقل، فإذا توقفت مشاريعه، أو إذا لم يجد نشرًا لكتبه، أو إذا رفضت مقالاته، فإنه لا يعتبر "عاطلاً" بالمعنى القانوني. هو "متوقف عن النشاط"، أو "بين المشاريع"، أو "يعاني من ضعف مؤقت في الدخل". في أحسن الأحوال، يحصل على إعانة دنيا، بشروط صارمة، وبعد معارك بيروقراطية لا تنتهي.

صديق روائي في برلين وثق تجربته مع إعانات البطالة في مذكراته القصيرة. كتب:

"ذهبت إلى وكالة التشغيل، وشرحت لهم أني روائي، وأن دخلي هذا العام كان صفرًا تقريبًا، وأني أحتاج مساعدة. نظرت إلي الموظفة باستغراب. قالت: لكنك لست عاطلاً. أنت تكتب. قلت: الكتابة لا تدر مالاً هذه السنة. قالت: لكنك تستمر في الكتابة. قلت: نعم، لأن هذه مهنتي. قالت: إذن أنت لست عاطلاً. أنت تعمل، لكن بدون أجر. هذا لا يدخل في إعانات البطالة."

وتابع في مذكراته:

"خرجت من المكتب وأنا أفكر: إذن أنا أعمل بدون أجر، وهذا يعني أني لا استحق المساعدة. لكن كيف أعيش إذا كان عملي لا يدر أجرًا؟ وكيف أستمر في عملي إذا لم أستطع العيش؟ إنها دائرة مفرغة، والقفص يغلق علي من كل الجهات."

هذه هي "فجوة الرفاه" التي يعيش فيها المثقف المستقل. ليس محميًا بما يكفي، وليس مهمشًا بما يكفي. عالق في المنتصف، حيث الشبكة ممزقة، والهواء نادر، والأمان أصبح رفاهية.



5.

لكن دعونا ننتقل من الخاص إلى العام. كيف تآكلت دولة الرفاه بهذا الشكل؟

لن أرسم هنا تاريخًا مفصلاً، فذلك يحتاج إلى كتب مستقلة. لكني سأحاول تلخيص العوامل الرئيسية التي أدت إلى هذا التآكل، كما يراها المفكرون والمواطنون العاديون على حد سواء.

العامل الأول: العولمة الاقتصادية

منذ الثمانينيات، انفتحت الاقتصادات الغربية على العالم بشكل غير مسبوق. انتقلت المصانع إلى حيث اليد العاملة الرخيصة، وتحركت رؤوس الأموال بسرعة الضوء، وأصبحت الشركات متعددة الجنسيات أقوى من كثير من الدول. في هذا السياق، أصبح من الصعب فرض ضرائب مرتفعة على الشركات والأغنياء، لأنهم ببساطة يستطيعون الهروب إلى حيث الضرائب أقل. ونتيجة لذلك، تراجعت الإيرادات الضريبية، وقلت الموارد المتاحة لتمويل دولة الرفاه.

العامل الثاني: شيخوخة السكان

أوروبا تعيش تحولًا ديموغرافيًا عميقًا. الناس يعيشون أطول، وينجبون أطفالًا أقل. النتيجة: عدد المتقاعدين يتزايد، وعدد العاملين يتناقص. هذا يعني ضغطًا هائلاً على أنظمة التقاعد والتأمين الصحي، التي تعتمد على مساهمات جيل الشباب لتمويل معاشات جيل المسنين. مع استمرار هذا الاتجاه، أصبح من الواضح أن النظم الحالية غير قابلة للاستمرار دون إصلاحات جذرية.

العامل الثالث: صعود الأيديولوجيا النيوليبرالية

منذ الثمانينيات أيضًا، ومع حكم تاتشر في بريطانيا وريغان في أمريكا، صعدت أيديولوجيا جديدة تضع السوق في المركز والدولة في الهامش. تقول هذه الأيديولوجيا: السوق أكثر كفاءة من الدولة، والخصخصة أفضل من التأميم، والتنافس أنتج من التضامن، والفرد مسؤول عن نفسه قبل أن يكون المجتمع مسؤولاً عنه. هذه الأفكار تسللت تدريجيًا إلى كل الأحزاب، حتى اليسارية منها، وأعادت تشكيل مفهوم الدولة ذاتها.

العامل الرابع: الأزمات المتتالية

الأزمة المالية 2008، ثم أزمة الديون السيادية، ثم جائحة كورونا، ثم حرب أوكرانيا... كل أزمة كانت تترك جروحًا في جسد دولة الرفاه. في كل أزمة، كانت الحكومات تضخ أموالاً لإنقاذ الاقتصاد، ثم تعود بعد الأزمة لتطبيق سياسات تقشف تزيد من تآكل الخدمات العامة. وكأن دولة الرفاه تتعرض لضربات متتالية، تضعفها أكثر فأكثر، دون أن تجد من يدافع عنها بفعالية.

العامل الخامس: تراجع التضامن الاجتماعي

ربما هذا هو العامل الأكثر إيلامًا. في المجتمعات الغربية اليوم، تراجعت فكرة "نحن" لصالح "أنا". الفردية بلغت مستويات غير مسبوقة، والروابط الاجتماعية تآكلت، والثقة في المؤسسات تراجعت، والانقسامات السياسية والثقافية تعمقت. في هذا المناخ، يصبح من الصعب إقناع الناس بدفع ضرائب مرتفعة لتمويل خدمات لا يستفيدون منها مباشرة. يصبح من السهل تصديق الخطاب الذي يقول: "لماذا أدفع للآخرين؟ ليكافحوا كما كافحت".

هذه العوامل الخمسة تداخلت مع بعضها، وتغذت على بعضها، وخلقت معًا العاصفة المثالية التي تفتت دولة الرفاه. والنتيجة هي ما نعيشه اليوم: دولة تنسحب من التزاماتها، وسوق يتضخم ليملأ الفراغ، ومواطنون يجدون أنفسهم عالقين بينهما، يلهثون بحثًا عن أمان لم يعد موجودًا.



6.

في هذا السياق، يظهر سؤال أخلاقي عميق: هل الأمان حق أم رفاهية؟

دولة الرفاه كانت تقوم على فكرة أن الأمان حق. حق كل إنسان في العيش دون خوف دائم من الجوع والمرض والتشرد. حق في الكرامة، حتى في أصعب الظروف. حق في مستقبل، حتى لمن فشلوا في الحاضر.

اليوم، هذه الفكرة تتراجع. الأمان يتحول تدريجيًا إلى سلعة، يشتريها من يستطيع، ويحرم منها من لا يستطيع. التأمين الصحي الجيد لمن يدفع، والتعليم المتميز لمن يدفع، والسكن اللائق لمن يدفع، والتقاعد المريح لمن يدفع. أما من لا يدفع، فعليه أن يكتفي بالحد الأدنى، الذي غالبًا ما يكون أقل من الكرامة.

دعونا ننظر إلى هذا التحول من خلال مثال بسيط: السكن.

في الماضي، كانت دول الرفاه تبني مساكن اجتماعية للمحتاجين، وتدعم الإيجارات، وتحمي المستأجرين من الطرد التعسفي. كان السكن حقًا، ليس سلعة. اليوم، في معظم المدن الغربية، تحول السكن إلى سلعة استثمارية. صناديق الاستثمار تشتري آلاف الشقق، وترفع الإيجارات سنويًا، وتطرد المستأجرين الذين لا يستطيعون الدفع. المدن تتحول إلى أسواق، والسكان يتحولون إلى مستأجرين دائمين، ينتقلون من شقة إلى أخرى كل بضع سنوات، بلا استقرار، بلا جذور، بلا أمان.

في برلين، حيث أعيش، هذه الظاهرة بلغت مستويات مثيرة للقلق. قبل سنوات قليلة، كانت برلين مدينة رخيصة نسبيًا، تجذب الفنانين والكتاب والمبدعين من كل أنحاء العالم. اليوم، تضاعفت الإيجارات في سنوات قليلة، وأصبح العثور على شقة بأسعار معقولة شبه مستحيل. المبدعون يُطردون تدريجيًا من المدينة، ليحل محلهم موظفو الشركات الكبرى والمستثمرون الأثرياء.

صديقة موسيقية قالت لي قبل أن تغادر برلين إلى مدينة أصغر:

"برلين كانت حلمي. جئت إليها قبل عشر سنوات، لأني سمعت أنها مدينة الفنانين، مدينة الحرية والإبداع. الآن، لم تعد لي. الإيجار يلتهم نصف دخلي، وبقية الفنانين يرحلون واحدًا تلو الآخر. المدينة تحولت إلى متحف للسياح وسوق للعقارات. لم يعد فيها مكان لمن يصنعون جمالها الحقيقي."

هذا هو معنى تحول الأمان إلى رفاهية. حين يصبح السكن، وهو ضرورة أساسية، سلعة لا يستطيع تحملها إلا الأغنياء. وحين تصبح المدينة، وهي فضاء للقاء والإبداع، ناديًا مغلقًا لمن يستطيع الدفع.



7.

لكن ربما كان الأجدر بنا أن نبدأ من الجسد.

لأن تآكل دولة الرفاه ليس مجرد تحول سياسي أو اقتصادي. هو، قبل كل شيء، تجربة جسدية. تجربة يعيشها الإنسان في عضلاته وأعصابه ومفاصله، في تعبه وأرقه ومرضه.

دعونا نتأمل هذه المقارنة:

في ظل دولة الرفاه القوية، كان الإنسان يستطيع أن يمرض دون أن ينهار. كان يعرف أن هناك مستشفى في انتظاره، وطبيب سيعالجه، وتأمين سيغطي التكاليف. كان المرض مؤلمًا، لكنه لم يكن كارثة.

اليوم، المرض أصبح كارثة. ليس فقط بسبب الألم والمعاناة، بل بسبب التكاليف الباهظة، والبيروقراطية المعقدة، والخوف من المستقبل. مريض اليوم لا يعاني من مرضه فقط، بل يعاني من نظام الرعاية الصحية نفسه: المواعيد البعيدة، الانتظار الطويل، الفواتير المرتفعة، الأوراق التي لا تنتهي.

صديق كاتب في لندن أصيب بمرض مزمن قبل سنتين. وثق تجربته في مقال مؤثر. كتب:

"أكثر ما يخيفني في مرضي ليس الألم. الألم يمكن تحمله. أكثر ما يخيفني هو ما بعد الألم: الفواتير، الإجراءات، الانتظار. كل زيارة للمستشفى تعني يومًا كاملاً من الانتظار. كل وصفة دواء تعني معركة مع التأمين. كل تحليل جديد تعني شهورًا من الترقب. مرضي لم يهاجم جسدي فقط، بل هاجم وقتي، وأعصابي، وإيماني بالحياة."

وتابع:

"في أحد الأيام، بينما كنت أنتظر دوري في مستشفى عام، نظرت حولي. رأيت وجوهًا متعبة، عيونًا منهكة، ظهورًا منحنية. أدركت فجأة أن هؤلاء ليسوا مجرد مرضى. هم جنود في حرب لا تنتهي. حرب ضد المرض، نعم، لكن أيضًا حرب ضد النظام. حرب ضد البيروقراطية، ضد الانتظار، ضد الإهمال. حرب يستنزف فيها الإنسان قبل أن يبدأ العلاج."

هذه الحرب اليومية هي ما يعنيه تآكل دولة الرفاه. ليس مجرد أرقام في الميزانية، ولا قرارات في البرلمان، بل لحظات معاشة في غرف الانتظار، وأيام ضائعة في الإجراءات، وأعصاب منهكة في معارك لا نهاية لها مع مؤسسات أصبحت تعامل الإنسان كرقم.

المثقف المستقل، في هذا السياق، يعيش هذه الحرب بشكل مضاعف. لأنه ليس لديه جهة عمل تدعمه، ولا نقابة تدافع عنه، ولا راتب ثابت يحميه. هو وحده، مع جسده المتعب، وقلقه المزمن، وإيمانه المهتز بأن الغد قد يكون أفضل.



8.

لكن لنكن دقيقين. ليس كل شيء أسود.

في زوايا هذا النظام المتآكل، لا تزال هناك جيوب مقاومة. لا تزال هناك مبادرات فردية وجماعية تحاول الحفاظ على روح التضامن، رغم كل الصعوبات. لا تزال هناك نقابات وجمعيات ومنظمات غير حكومية تناضل من أجل حقوق الفئات الأضعف. لا تزال هناك مدن ومقاطعات تطبق سياسات أكثر إنسانية، رغم الضغوط المركزية.

في مدينة برشلونة، مثلاً، هناك شبكة من المثقفين المستقلين أسسوا "صندوق تضامن ذاتي". كل عضو يدفع مساهمة شهرية حسب دخله، ويستفيد من الصندوق حين يمر بظروف صعبة. ليس بديلاً عن دولة الرفاه، لكنه مساحة صغيرة من الأمان الجماعي في عالم يزداد فردية.

في مدينة نابولي، هناك "مكتبة المقاومة"، مكتبة صغيرة تديرها مجموعة من الكتاب والمترجمين، تقدم كتبًا بأسعار رمزية، وتنظم أمسيات ثقافية مجانية، وتستضيف كتابًا مهمشين. هي ليست مشروعًا تجاريًا، بل فضاء ثقافيًا يحاول الحفاظ على فكرة أن المعرفة ليست سلعة.

في مدينة مونريال، هناك "تعاونية الكتاب المستقلين"، تقدم خدمات محاسبية وقانونية لأعضائها بأسعار مخفضة، وتنظم ورش عمل حول كيفية التعامل مع البيروقراطية، وتوفر مساحات عمل مشتركة بأسعار معقولة. هي محاولة لتحويل العزلة إلى تضامن، والضعف الفردي إلى قوة جماعية.

هذه المبادرات صغيرة، وغالبًا ما تكون هشة. لكنها مهمة. تذكرنا بأن التضامن لم يمت تمامًا، وأنه ما زال ممكنًا، حتى في زمن الفردية القصوى. تذكرنا بأن الأمان، حتى حين تنسحب الدولة من توفيره، يمكن أن يبنى من الأسفل، بجهود الأفراد والجماعات.

لكنها أيضًا تذكرنا بشيء محزن: أن هذه المبادرات لا يمكنها تعويض انسحاب الدولة. هي مسكنات، ليست علاجًا. هي رقع صغيرة على شبكة ممزقة. هي محاولات بطولية، لكنها غير كافية.

المثقف المستقل الذي يعتمد على هذه المبادرات يظل يعيش في هشاشة دائمة. يعرف أن الصندوق قد ينفد، وأن المكتبة قد تُغلق، وأن التعاونية قد تتفكك. يعرف أن الأمان الذي يبنيه مع رفاقه هو أمان هش، يعتمد على استمرار تضامنهم، وعلى ظروف موضوعية قد تتغير في أي لحظة.

ومع ذلك، يواصل. لأنه لا خيار آخر. لأن البديل هو العزلة الكاملة، والسقوط الحر في الهاوية.



9.

في قلب هذا المشهد المعقد، هناك سؤال وجودي يلح على المثقف المستقل: من أنا في هذا العالم؟

هل أنا مواطن له حقوق، أم مستهلك له احتياجات؟ هل أنا جزء من مجتمع، أم وحدة إنتاجية مستقلة؟ هل أنا إنسان يستحق الكرامة، أم رقم في معادلة اقتصادية؟

دولة الرفاه، في قوتها، كانت تقدم إجابة واضحة: أنت مواطن. لك حقوق وعليك واجبات. أنت جزء من نسيج اجتماعي، لست مجرد فرد يعوم في فضاء فارغ. أنت تستحق الحماية لمجرد أنك موجود.

اليوم، هذه الإجابة تهتز. الدولة تنظر إليك كشريك في التكاليف، كمصدر للإيرادات الضريبية، كحالة يجب مراقبتها. السوق ينظر إليك كمنتج ومستهلك، كقوة شرائية، كفرصة للربح. أنت لم تعد مواطنًا، بل أصبحت "فاعلًا اقتصاديًا" أو "وحدة إنتاجية" أو "طالب خدمة".

هذا التحول في الهوية له تأثير نفسي عميق.

المواطن يشعر بالانتماء. يشعر أن له مكانًا في العالم، وأن هذا المكان محمي بالقانون والتقاليد والمؤسسات. حتى حين يمر بظروف صعبة، يعرف أن هناك شبكة أمان تنتظره. يعرف أنه ليس وحده.

أما "الفاعل الاقتصادي"، فلا انتماء له. هو موجود ما دام ينتج ويستهلك. حين يتوقف عن الإنتاج، يتلاشى. حين يضعف استهلاكه، يصبح غير مرئي. هو ليس جزءًا من نسيج، بل نقطة في شبكة، تتصل بغيرها ما دام هناك تدفق، وتنفصل حين ينقطع التيار.

المثقف المستقل يعيش هذا التحول في هويته يوميًا. في تعامله مع المؤسسات، يشعر أنه ليس مواطنًا يطالب بحقوقه، بل متسول يرجو مساعدة. في تعامله مع السوق، يشعر أنه ليس مبدعًا يقدم قيمة، بل بائعًا يحاول تسويق بضاعته. في تعامله مع المجتمع، يشعر أنه ليس مفكرًا يحترم، بل هامشيًا يتسامحون مع وجوده.

صديق كاتب في باريس عبر عن هذا الشعور بمرارة:

"أحيانًا، حين أمر أمام مباني الحكومة الفخمة، أتذكر أن هذه المؤسسات بنيت باسمي، وباسم مواطنين مثلي. كانت مفروضة أن تخدمنا، أن تحمينا. اليوم، حين أدخل أي مبنى حكومي، أشعر أني دخيل. أشعر أني أتسول حقًا كان من المفروض أن يكون لي بالولادة. الموظفون ينظرون إلي كحالة يجب معالجتها، كرقم يجب تصنيفه، كعبء يجب التعامل معه بأقل قدر ممكن من الجهد."

وأضاف:

"أكثر ما يؤلمني ليس التخفيض في الإعانة، ولا التعقيدات البيروقراطية. أكثر ما يؤلمني هو فقدان الشعور بالانتماء. كنت أعتقد أني فرنسي، أن لي وطنًا يحميني. الآن أشعر أني مقيم مؤقت في بلدي، أتمدد تأشيرة وجودي كل بضعة أشهر، بختم بيروقراطي بارد."

هذه هي الكلفة النفسية لانهيار عقد التضامن. ليست فقط في الجوع والعوز، بل في فقدان الهوية، وفي الشعور بالغربة وأنت في وطنك، وفي الإحساس بأنك لم تعد تنتمي إلى أي مكان.



10.

قبل أن ننتقل إلى الفصل التالي، حيث سنتحدث بالتفصيل عن المثقف المستقل كغريب في وطنه، أريد أن أتوقف عند مشهد صغير، لكنه معبر.

مشهد أم عجوز في إحدى مدن شمال إيطاليا.

اسمها "آنا"، عمرها 78 سنة. أرملة، تعيش وحدها في شقة صغيرة ورثتها عن والديها. معاشها التقاعدي متواضع، يكفي بالكاد لتغطية الأساسيات: الطعام، الدواء، فواتير المنزل. تعيش حياة بسيطة، هادئة، لكن بكرامة.

قبل أشهر، تلقت آنا خطابًا من البلدية. تخبرها بأن شقتها، حسب القانون الجديد، ستخضع لضريبة إضافية، لأنها "وحيدة وتشغل مساحة أكبر من حاجتها". المبلغ الإضافي ليس كبيرًا، لكنه بالنسبة لآنا كبير جدًا. كتبت اعتراضًا، وانتظرت. بعد شهر، جاءها الرد: الاعتراض مرفوض.

آنا لا تعرف ماذا تفعل. ليس لديها مال إضافي. لا تستطيع العمل في سنها. لا تستطيع بيع الشقة لأنها بيتها الوحيد، وذكرى والديها، وجدران عمرها. تفكر في تأجير غرفة لطالب، لكنها تخاف من الغرباء. تفكر في الانتقال إلى دار مسنين، لكنها تخاف من فقدان استقلاليتها.

في أحد الأيام، بينما كانت تبكي وحدها في مطبخها الصغير، سمعت طرقًا على الباب. كان جارها الشاب، طالب جامعي يدرس الفلسفة، يسألها إن كانت بخير. حدثته عن خطاب البلدية، عن خوفها، عن حيرتها.

الشاب استمع بصبر، ثم قال:

"لا تخافي، يا آننا. سنفكر معًا في حل."

منذ ذلك اليوم، أصبح الشاب يزور آنا بانتظام. يساعدها في فهم الأوراق الرسمية، يرافقها إلى البلدية، يبحث عن جمعيات خيرية قد تساعد. لم يحل المشكلة بعد، لكنه خفف من وحدتها، وأعاد إليها شيئًا من الأمل.

آنا قالت لي حين زرت إيطاليا:

"أعرف أن دولتي لم تعد تحميني. أعرف أني وحدي في مواجهة هذه الأرقام الباردة. لكني اكتشفت شيئًا آخر: أن التضامن لم يمت. أنه ما زال حيًا في قلوب بعض الناس. هذا الشاب، الذي لا يعرفني، أصبح عائلتي الجديدة. هو لا يستطيع دفع الضرائب عني، لكنه يذكرني بأني إنسان، لست مجرد رقم."

هذه آنا. وهذه هي المفارقة: في الوقت الذي تنسحب فيه الدولة، يظهر التضامن الفردي. في الوقت الذي تتحول فيه المؤسسات إلى آلات باردة، تبقى القلوب البشرية دافئة. في الوقت الذي يتحول فيه الأمان إلى رفاهية، تظل هناك جيوب صغيرة من الإنسانية تصمد.

هذه الجيوب لا تكفي، ولا تعوض. لكنها تذكرنا بشيء مهم: أن التضامن ليس مجرد سياسة حكومية. هو أيضًا موقف إنساني، واختيار يومي، وقرار شخصي بأن نرى الآخر، وأن نقف معه، حتى لو لم نستطع تغيير وضعه بالكامل.

المثقف المستقل، في سياقه الخاص، يمكن أن يكون مثل هذا الشاب. يمكن أن يكون صوتًا لمن لا صوت لهم، وعينًا ترى من لا يراهم أحد، وقلمًا يكتب عن الظلم الصغير الذي لا تلتقطه الإحصاءات. يمكن أن يكون خيطًا رفيعًا من الإنسانية في عالم يزداد قسوة.





……



الفصل الثالث

المثقف المستقل... الغريب في وطنه

1.

في إحدى قصصه القصيرة، يصف الكاتب التشيكي فرانز كافكا رجلاً يستيقظ صباحًا ليكتشف أنه تحول إلى حشرة. ليس لأنه تغير في الجوهر، بل لأن العالم من حوله أصبح يراه كذلك. كان لا يزال يحمل مشاعر إنسانية، وأفكارًا معقدة، وذاكرة مليئة بالتفاصيل. لكن المرآة كانت تعكس له جسدًا غريبًا، والناس كانوا ينظرون إليه باشمئزاز، والمكان الذي كان يومًا بيته لم يعد يعترف به.

هذه القصة، رغم غرابتها، تشبه حياة المثقف المستقل في الغرب اليوم.

ليس لأنه تحول إلى حشرة، بل لأنه تحول إلى غريب. غريب في وطنه، غريب في مدينته، غريب حتى في بيته. غريب لا تعترف به المؤسسات، ولا تفهمه البيروقراطية، ولا تحتويه الفئات الاجتماعية التقليدية. غريب يعيش بين عالمين، ولا ينتمي بالكامل إلى أي منهما.

دعونا نتأمل هذا المشهد البسيط:

كاتب يجلس في مقهى في وسط مدينته. حوله، الناس يتحدثون، يضحكون، يتبادلون الأحاديث العادية عن العمل والعائلة والعطلات. هو يستمع، أحيانًا يشارك، لكنه يشعر دائمًا بمسافة خفيفة. مسافة لا يراها الآخرون، لكنه يشعر بها في أعماقه. كأن هناك زجاجًا شفافًا بينه وبين العالم، يسمح له برؤية كل شيء، لكنه يمنعه من لمس أي شيء حقًا.

هذا الشعور بالغربة ليس جديدًا على المثقفين. لطالما كان المثقف كائنًا هامشيًا، يراقب العالم من زاوية، ويفكر فيما لا يفكر فيه الآخرون، ويكتب عن أشياء لا يقرأها إلا القليل. لكن الجديد اليوم هو أن هذه الغربة لم تعد اختيارًا، بل فرضت عليه فرضًا. لم تعد مسافة يتخذها بوعي ليرى أفضل، بل سجن وُضع فيه رغمًا عنه.

المثقف المستقل اليوم غريب لأن لا مكان له في التصنيفات الاجتماعية الجديدة.

في الماضي، كان هناك تصنيفات واضحة: عمال، موظفون، فلاحون، برجوازية صغيرة، رأسماليون. كان المثقف غالبًا ما ينتمي إلى فئة "المهن الحرة" أو "البرجوازية الصغيرة"، وكان له مكان محدد في الخريطة الاجتماعية. كان مختلفًا، لكن اختلافه مفهوم ومقبول.

اليوم، هذه التصنيفات انهارت أو تشوهت. البروليتاريا التقليدية تلاشت، والطبقة الوسطى تآكلت، والفجوات بين الأغنياء والفقراء اتسعت. في هذا السياق الجديد، المثقف المستقل لا ينتمي إلى أي فئة بوضوح. ليس غنيًا بما يكفي ليكون من النخبة، وليس فقيرًا بما يكفي ليكون من المحتاجين. ليس عاملًا لأنه لا يبيع قوة عضلاته، وليس رأسماليًا لأنه لا يملك وسائل الإنتاج. هو كائن طافي، لا يجد له مرساة في بحر متلاطم.

هذا الطفو هو مصدر غربته. هو جوهر وضعه الجديد. هو ما يجعله يشعر، في لحظات الصدق مع نفسه، بأنه لا ينتمي حقًا إلى أي مكان.



2.

لنقترب أكثر من هذه الغربة، من خلال تفاصيل الحياة اليومية.

خذوا موقفًا بسيطًا كحفلة عائلية. يجتمع الأقارب حول مائدة الطعام، ويتحدثون عن أحوالهم. العم يسأل: "وماذا تعمل الآن؟" الكاتب يجيب: "أنا كاتب، أعمل بشكل مستقل." العم ينظر إليه باستغراب: "أي نعم، لكن ماذا تعمل بالضبط؟ هل لك وظيفة؟" الكاتب يشرح: "لا، لا وظيفة ثابتة. أكتب مقالات، وربما كتابًا في المستقبل." العم يهز رأسه بقلق: "وممن تعيش إذن؟"

هذا السؤال البسيط، "وممن تعيش؟"، يحمل في طياته كل تعقيد وضع المثقف المستقل. في مجتمع يعرف العمل كوظيفة ثابتة براتب شهري، كيف تفسر عملاً غير ثابت براتب غير مضمون؟ في مجتمع يقيس قيمة الإنسان بمقدار ما ينتج ويستهلك، كيف تشرح قيمة لا تُنتج ولا تُستهلك بالمعنى المادي؟ في مجتمع يعيش على إيقاع الساعة التاسعة صباحًا والخامسة مساءً، كيف تبرر إيقاعًا مختلفًا تمامًا؟

الكاتب يحاول أن يشرح، لكن الكلمات لا تكفي. يشعر فجأة أنه يتكلم لغة لا يفهمها أحد. يشعر أن المسافة بينه وبين عائلته، التي يحبها ويحترمها، أكبر مما كان يتصور. ليس لأنهم لا يحبونه، بل لأنهم يعيشون في عالمين مختلفين.

بعد الحفلة، في الطريق إلى البيت، يفكر: "هل أنا حقًا غريب إلى هذا الحد؟ أم أن العالم هو الذي تغير فجأة وجعلني غريبًا فيه؟"

هذا السؤال لا إجابة سهلة له.



3.

لكن غربة المثقف المستقل لا تقتصر على علاقاته العائلية. تمتد إلى كل مجالات الحياة.

في العلاقات مع الجيران:

الجيران يرونه في البيت في أوقات غريبة. يسألونه: "ألست تعمل اليوم؟" يشرح أنه يعمل من البيت. ينظرون إليه بشك خفيف: "أي نعم، العمل من البيت." في نظرتهم، مزيج من الحسد (لأنه لا يضطر للذهاب إلى مكتب) والريبة (لأن العمل من البيت ليس عملاً حقيقيًا في ثقافتهم). يحاول أن يشرح أن الكتابة عمل شاق، لكنه يعرف أنهم لن يفهموا. كيف يفهم من لم يجلس ساعات أمام صفحة بيضاء، يحاول أن يصطاد كلمة هاربة، أن العمل قد يكون أتعس من أي عمل جسدي؟

في العلاقات مع الأصدقاء:

الأصدقاء الذين يعملون في وظائف ثابتة يتحدثون عن إجازاتهم، وعن ترقياتهم، وعن خططهم التقاعدية. هو يستمع، يشارك أحيانًا، لكنه يشعر أن عالمه مختلف. ليس لديه إجازة مدفوعة، ولا ترقية منتظرة، ولا معاش تقاعدي مضمون. حين يتحدث عن قلقه من الغد، ينظرون إليه بتعاطف لكن دون فهم حقيقي. يقولون: "ستجد حلاً." ولا يدركون أن الحل ليس في متناول اليد دائمًا.

في العلاقات مع المؤسسات:

هنا تبلغ الغربة ذروتها. كل مؤسسة تسأله: "ما هي وضعيتك المهنية؟" وهو لا يعرف بماذا يجيب. موظف؟ لا. عاطل؟ لا. طالب؟ لا. متقاعد؟ لا. صاحب عمل حر؟ نوعًا ما. يختار من القوائم المنسدلة ما يقترب من وضعه، لكنه يعرف أنه لا ينطبق تمامًا. وفي النهاية، يعامل كحالة شاذة، تحتاج إلى معالجة خاصة، إلى أوراق إضافية، إلى تفسيرات مطولة.

صديق كاتب في بروكسل وثق هذه التجربة بمزيج من السخرية والألم:

"أنا لا أنتمي إلى أي فئة في استمارات الدولة. لست عاملاً، ولست موظفًا، ولست عاطلاً، ولست طالبًا، ولست متقاعدًا. أنا كائن غير مصنف. وحين تكون غير مصنف، تصبح غير مرئي. أو تصبح مرئيًا فقط كحالة استثنائية تحتاج إلى تدقيق إضافي. في كل مرة أملأ فيها استمارة، أشعر أني أشرح وجودي لدولة لا تعترف بوجودي أصلاً."

هذا هو جوهر الغربة الجديدة: أن تكون غير قابل للتصنيف في عالم يعشق التصنيفات. أن تفلت من الشبكة في زمن الشبكات الشاملة. أن تكون استثناءً في زمن القواعد الصارمة.



4.

لكن الغربة ليست مجرد وضع اجتماعي. هي أيضًا، وربما قبل كل شيء، حالة نفسية.

المثقف المستقل يعيش في حالة من التمزق الداخلي الدائم. هو جزء من مجتمع لا يعترف به حقًا. هو مواطن في دولة تنسحب من التزاماتها تجاهه. هو إنسان في زمن يقدس الآلة وينسى الإنسان. بين هذا وذاك، يمزق نفسه محاولاً أن يجد له مكانًا، أي مكان.

هذا التمزق يتجلى في أشكال متعددة.

الشعور بالذنب:

كثير من المثقفين المستقلين يعانون من شعور دائم بالذنب. ذنب لأنهم لا ينتجون بالمعنى المادي. ذنب لأنهم لا يساهمون في الاقتصاد كما يساهم الآخرون. ذنب لأنهم يعيشون حياة مختلفة. هذا الشعور يتغذى من خطاب عام يقدس الإنتاجية ويحتقر من لا ينتج. حتى حين يعرف المثقف، بعقله، أن الكتابة إنتاج، وأن الفكر قيمة، يبقى في أعماقه صوت خافت يسأل: "ولكن، هل هذا كافٍ؟"

الشعور بعدم الكفاية:

في عالم يقاس فيه النجاح بالمال والشهرة والتأثير، كيف يشعر المثقف المستقل الذي لا يملك شيئًا من هذا؟ ينظر إلى أصدقائه الذين ترقوا في وظائفهم، أو بدأوا أعمالهم الخاصة، أو اشتروا بيوتًا وسيارات، ويتساءل: لماذا أنا وحدي عالق في هذا المكان؟ لماذا لا أستطيع أن أكون مثلهم؟ هذا التساؤل يتحول أحيانًا إلى شعور عميق بعدم الكفاية، إلى إحساس بأنه فاشل، حتى لو كان يعرف في أعماقه أن الفشل ليس مقياسًا عادلًا.

الشعور بالعزلة:

الكتابة عمل انفرادي بطبيعته. لكن العزلة المهنية تتحول، في ظروف القلق وعدم الاستقرار، إلى عزلة وجودية. المثقف المستقل يقضي ساعات طويلة وحيدًا، مع أفكاره ومخاوفه. ليس لديه زملاء عمل يشاركونه همومه اليومية، ولا اجتماعات يكسر بها رتابة الوحدة، ولا مكاتب يختلط فيها بآخرين. هذه العزلة قد تكون خصبة للإبداع أحيانًا، لكنها غالبًا ما تكون قاسية على النفس.

الشعور بعدم الانتماء:

ربما هذا هو أعمق أشكال التمزق. المثقف المستقل لا يشعر أنه ينتمي حقًا إلى أي جماعة. ليس جزءًا من طبقة اجتماعية محددة، ولا من تيار سياسي واضح، ولا من حركة ثقافية متماسكة. هو موجود على الهامش، يراقب، يكتب، لكنه لا يندمج. وفي زمن تزداد فيه الحاجة إلى الانتماء، تصبح هذه الغربة مؤلمة بشكل خاص.

صديقة كاتبة في زيورخ عبرت عن هذا الشعور بكلمات بسيطة لكنها عميقة:

"أحيانًا، في الليل، حين أكون وحدي في شقتي الصغيرة، أسأل نفسي: لمن أكتب؟ من ينتظر ما أكتب؟ من يهتم؟ ليس لدي جمهور، ولا جماعة، ولا حتى أصدقاء يقرؤونني بانتظام. أكتب لأني لا أستطيع التوقف، لكني لا أعرف لمن أكتب. هذه هي العزلة الحقيقية: أن تكتب في فراغ، أن تصرخ في صحراء، أن ترمي رسائلك في زجاجة لا يعرف أحد أين ستصل."



5.

ربما كان علينا أن نبدأ من اللغة. لأن الغربة، في العمق، هي غربة لغوية.

المثقف المستقل يعيش بين لغتين: لغة الحياة اليومية، ولغة الكتابة. بين هاتين اللغتين، هناك مسافة تتسع أحيانًا وتضيق أحيانًا، لكنها لا تختفي أبدًا.

في الحياة اليومية، يتحدث لغة عادية. يتحدث عن الطقس والأسعار والأخبار. يستخدم كلمات بسيطة، جمل قصيرة، تعابير مألوفة. هو جزء من المحادثات العادية التي تملأ الحياة. لكنه، في قرارة نفسه، يحمل لغة أخرى. لغة أكثر تعقيدًا، أكثر كثافة، أكثر دقة. لغة لا يشاركه فيها أحد تقريبًا.

هذا الانقسام اللغوي يخلق غربة خفية. حين يتحدث مع الناس، يشعر أحيانًا أن ما يقوله لا يعبر عما يفكر فيه حقًا. أن الكلمات العادية لا تكفي. أن هناك فجوة بين ما يريد قوله وما يستطيع قوله في المحادثات اليومية. إنه كمن يعيش في بلد أجنبي، يتقن لغته لكنه لا يستطيع أن يقول فيها كل ما يريد.

صديق شاعر في أمستردام وصف هذا الشعور بدقة:

"حين أكون مع الناس، أتكلم لغتهم. أقول الطقس جميل ، الأسعار مرتفعة ، الأخبار سيئة . لكني لا أستطيع أن أقول ما أريد حقًا. لا أستطيع أن أقول إن الطقس الجميل يذكرني بطفولتي الضائعة، وإن ارتفاع الأسعار يجعلني أفكر في الموت، وإن الأخبار السيئة تشبه نبوءات قديمة تتحقق. هذه الأشياء لا تُقال في المحادثات العادية. لكنها هي ما يملأ رأسي حقًا."

هذه الفجوة بين لغة الحياة ولغة الكتابة تتسع في زمننا. لأن لغة الحياة اليومية أصبحت أكثر سطحية، وأكثر استهلاكية، وأكثر ارتباطًا بالصور والعناوين السريعة. في زمن التغريدات والمنشورات القصيرة، من يملك وقتًا للغة المعقدة؟ في زمن السرعة والإيقاع السريع، من يهتم بالجمل الطويلة والصور المركبة؟ المثقف المستقل يجد نفسه يتحدث لغة من الماضي في زمن المستقبل. يتحدث لغة تحتاج إلى وقت وتأمل، في زمن لا يعترف إلا بالسرعة.

هذه الغربة اللغوية قد تكون مصدر ألم، لكنها أيضًا مصدر قوة. هي التي تدفعه للكتابة. هي التي تخلق الحاجة إلى قول ما لا يُقال في الحياة اليومية. هي التي تجعل من الكتابة فعل ضرورة، ليس ترفًا.



6.

لكن الغربة لا تقتصر على اللغة. تمتد إلى الزمن نفسه.

المثقف المستقل يعيش في زمن مختلف عن زمن المجتمع. المجتمع يعيش على إيقاع الساعة التاسعة صباحًا والخامسة مساءً، على إيقاع أيام الأسبوع وعطلات نهاية الأسبوع، على إيقاع المواسم والإجازات. المثقف المستقل يعيش على إيقاع آخر: إيقاع الكتابة، الذي لا يعرف ساعات محددة ولا أيام ثابتة. قد يكتب في الثالثة فجرًا، وقد ينام في العاشرة صباحًا. قد يعمل سبعة أيام في الأسبوع، وقد يتوقف أيامًا دون أن يكتب حرفًا. قد ينتج بغزارة في شهر، ويصاب بالعقم في الشهر التالي.

هذا الإيقاع المختلف يخلق احتكاكًا دائمًا مع العالم. المجتمع يطلب منه أن يكون متاحًا في أوقات محددة، أن يرد على الرسائل في وقت معقول، أن يكون حاضرًا في المناسبات الاجتماعية. لكن إيقاعه الداخلي لا يتوافق دائمًا مع هذه المطالب. فينتج توتر خفيف، دائم، لا يهدأ.

صديقة روائية في كوبنهاغن عبرت عن هذا التوتر بذكاء:

"حين أكتب، أنا في عالم آخر. لا أسمع الهاتف، ولا أرى الساعة، ولا أذكر المواعيد. العالم الخارجي يتلاشى. لكن حين أعود، أجد عشرات الرسائل، ومئات المطالب، وآلاف الأشياء التي كان يجب فعلي ولم أفعل. أشعر أحيانًا أني أعيش حياتين: حياة الكتابة حيث الزمن مرن وكثيف، وحياة المجتمع حيث الزمن صارم ومجزأ. وأحيانًا أشعر أن هاتين الحياة تنتميان إلى شخصين مختلفين."

هذا التمزق الزمني هو أحد أشكال الغربة العميقة. المثقف المستقل لا يعيش في نفس الزمن الذي يعيش فيه الآخرون. هو دائمًا خارج الإيقاع، خارج التزامن، خارج الانسجام. وحين تكون خارج الإيقاع، تكون غريبًا حتى لو كنت في وسط المدينة.



7.

ربما كان علينا أن نتحدث عن الجسد أيضًا. لأن الجسد هو أول من يشعر بالغربة.

جسد المثقف المستقل ليس جسدًا عاديًا. هو جسد يجلس ساعات طويلة، يحدق في شاشة، يكتب، يمحو، يعيد الكتابة. هو جسد يهمل نفسه، ينسى الأكل، ينسى الحركة، ينسى الراحة. هو جسد يتعب بصمت، ولا يشكو إلا حين لا يعود قادرًا على التحمل.

هذا الجسد يصبح غريبًا عن صاحبه أحيانًا. المثقف المستقل يعيش في رأسه أكثر مما يعيش في جسده. الأفكار تملأ وعيه، بينما الجسد يبقى في الخلفية، يُستخدم كأداة لا ككيان حي. وحين يشعر به فجأة، يكون الألم هو الذي ينبهه: ألم الظهر، تشنج الرقبة، جفاف العينين. الجسد لا يتحدث إلا بالألم، لأنه لم يتعلم أن يتحدث بلغة أخرى.

صديق كاتب في لندن وثق هذه العلاقة المتوترة مع جسده:

"أكتب وأنا منحني على المكتب، لا أشعر بظهري إلا حين أنهض. حينها يأتي الألم كموجة، يذكرني بأني لست مجرد عقل، بل جسد أيضًا. جسد يحتاج إلى عناية، إلى حركة، إلى راحة. لكني أنساه دائمًا. أنساه حتى يصرخ. وحين يصرخ، أسمعه للحظة، ثم أعود فأنساه. كأنه عدو يجب إسكاته، لا صديق يجب الاستماع إليه."

هذه العلاقة المتوترة مع الجسد هي شكل آخر من الغربة. الاغتراب عن جسدك، عن هذه القطعة من العالم التي هي أنت بالضبط. أن تعيش في رأسك وكأن الجسد مجرد عربة تنقل هذا الرأس من مكان إلى آخر. أن تكتشف، في لحظات نادرة، أنك كنت تهمل بيتك الحقيقي طوال هذه السنوات.

في زمن تآكل دولة الرفاه، يزداد هذا الإهمال سوءًا. لأن العناية بالجسد تحتاج إلى وقت ومال وراحة، وكلها أشياء نادرة في حياة المثقف المستقل. التأمين الصحي لا يغطي كل شيء، والوقت لا يكفي للرياضة، والراحة تبدو ترفًا لا يمكن تحمله. الجسد يدفع الثمن، بصمت، حتى ينهار.



8.

لكن الغربة الأعمق ربما هي الغربة عن الذات.

المثقف المستقل، في خضم صراعه اليومي من أجل البقاء، قد يفقد الاتصال بذاته الحقيقية. قد ينسى لماذا بدأ الكتابة في الأصل. قد يضيع في متاهة المطالب الخارجية، والضغوط المالية، والقلق الدائم. قد يتحول إلى آلة لإنتاج الكلمات، دون أن يعود يعرف معنى هذه الكلمات.

هذا الخطر حقيقي. في زمن يقدس الإنتاج، حتى الكتابة تتحول إلى إنتاج. الكاتب يصبح "صانع محتوى"، والكتابة تصبح "منتجًا"، والقارئ يصبح "مستهلكًا". تحت ضغط هذا التحول، يفقد الكاتب علاقته الحميمة بالكتابة. لم تعد تعبيرًا عن الذات، بل سلعة في السوق. لم تعد حاجة داخلية، بل واجبًا خارجيًا. لم تعد مصدر متعة، بل سبب قلق.

صديقة شاعرة في برلين وصفت هذا التحول بكلمات مؤثرة:

"أكتب الآن لأني يجب أن أكتب، ليس لأني أريد أن أكتب. أكتب لأني بحاجة إلى المال، أو لأن الناشر ينتظر، أو لأني أخاف أن أنسى كيف أكتب إذا توقفت. لكني لا أكتب كما كنت أكتب قديمًا. قديمًا، كانت الكتابة تأتي كالنهر، لا أستطيع إيقافها. كانت تملأني فرحًا وخوفًا في آن. كانت حياتي. الآن، أصبحت واجبًا، مثل غسل الصحون أو دفع الفواتير. أكملها بسرعة لأنتهي منها. وهذا يقتلني من الداخل."

هذا هو الاغتراب عن الذات: أن تفعل ما تحب كأنه واجب. أن تمارس هوايتك كأنها عمل. أن تحول شغفك إلى سلعة. أن تفقد، في خضم الصراع من أجل البقاء، السبب الذي جعلك تريد البقاء في الأصل.

المثقف المستقل يعيش هذا التناقض يوميًا. يحتاج إلى المال ليعيش، لكن البحث عن المال يقتل فيه ما يجعله يستحق العيش. يحتاج إلى النجاح ليستمر، لكن السعي وراء النجاح يفقده متعة ما يفعله. يحتاج إلى الاعتراف ليشعر بقيمته، لكن انتظار الاعتراف يحوله إلى تابع لا مبدع.

في هذا التناقض، يضيع. يضيع بين من كان ومن أصبح، بين ما يريد وما يجب، بين الحلم والواقع. ويبقى وحيدًا مع هذا الضياع، يحاول أن يجد طريقًا للعودة إلى ذاته، دون أن يعرف إن كانت العودة ممكنة.



9.

لكن الحديث عن الغربة لا يكتمل دون حديث عن المنفى.

كثير من المثقفين المستقلين في الغرب اليوم هم مهاجرون، أو أبناء مهاجرين. جاؤوا من بلاد بعيدة، بحثًا عن حياة أفضل، عن فرص أكبر، عن حرية أوسع. حملوا معهم لغاتهم وثقافاتهم وذكرياتهم، وزرعوها في تربة جديدة. والآن يجدون أنفسهم يعيشون منفى مزدوجًا: منفيون عن أوطانهم الأصلية، ومنفيون في أوطانهم الجديدة.

هذا المنفى المزدوج له طعم خاص. إنه يشبه العيش على جسر معلق بين ضفتين، دون أن تطأ قدمك أيًا من الضفتين حقًا. في الوطن الأصلي، صرت غريبًا. تغيرت البلاد، وتغير الناس، وتغيرت أنت أيضًا. لم تعد تنتمي إلى هناك كما كنت. في الوطن الجديد، أنت غريب أيضًا. تحمل لهجة مختلفة، وذاكرة مختلفة، وحساسية مختلفة. قد تتقن اللغة، وتعرف القوانين، وتندمج في المجتمع، لكن يبقى في داخلك شعور بأنك لست من هنا تمامًا.

صديق كاتب فلسطيني يعيش في السويد منذ ثلاثين عامًا قال لي:

"أنا في السويد منذ 1989. عندي بيت، وعائلة، وعمل، وأصدقاء سويديون. أتكلم السويدية بطلاقة، وأعرف تفاصيل المجتمع السويدي أكثر من كثير من السويديين أنفسهم. لكني، في أعماقي، ما زلت أشعر أني ضيف. ضيف طال بقاؤه، لكنه ضيف. حين أزور فلسطين، أشعر بالغربة أيضًا. هناك تغير كثيرًا، وأنا تغيرت. الناس هناك يعيشون واقعًا مختلفًا، ولا أستطيع مشاركتهم بالكامل. أنا عالق بين عالمين، ولا أنتمي بالكامل إلى أي منهما."

هذا الشعور يتضاعف عند المثقف المستقل. لأنه، بالإضافة إلى غربة المهاجر، يعيش غربة المثقف. غربة من يرى ما لا يراه الآخرون، ويفكر فيما لا يفكرون فيه، ويكتب عن أشياء يفضلون نسيانها. يصبح غريبًا مرتين: غريب في المكان، وغريب في الزمان. غريب في الجغرافيا، وغريب في الفكر.

في هذا المنفى المزدوج، قد تكون الكتابة هي الوطن الوحيد. المكان الوحيد الذي يمكن أن تنتمي إليه حقًا. الكلمات هي الجذور التي تغرسها في تربة لا تملكها. الصفحات هي البيوت التي تبنيها في مدن لا تعترف بك. الجمل هي العائلة التي تشكلها في عالم فقد العائلة.

لكن هذا الوطن الورقي هش. يمكن أن تحترق الصفحات، أو تمحى الكلمات، أو تُنسى الجمل. المثقف المستقل يعيش في خوف دائم من فقدان هذا الوطن الوحيد. من أن يصبح بلا وطن تمامًا، طافيًا في فراغ لا قرار له.



10.

ربما كان علينا أن نتحدث عن السياسة أيضًا.

لأن غربة المثقف المستقل هي أيضًا غربة سياسية. في زمن الاستقطاب الحاد، حيث ينقسم الناس إلى معسكرات متحاربة، يجد المثقف المستقل نفسه بلا معسكر. لا ينتمي إلى اليمين لأنه يرى ظلمه، ولا إلى اليسار لأنه يرى فشله. لا يثق في الأحزاب لأنه يعرف خلفياتها، ولا في الحركات لأنه يعرف تناقضاتها. يقف وحيدًا في منطقة رمادية، يرى ما لا يراه المتحمسون، ويكتب ما لا يريد أحد سماعه.

هذا الموقف يجلب له عداء الجميع. اليمين يتهمه بالخيانة، واليسار يتهمه بالبرودة. المؤمنون يتهمونه بالشك، والملحدون يتهمونه بالتردد. الجميع يريدون منه أن يختار جانبًا، وهو لا يستطيع لأن رؤيته للمشهد أكثر تعقيدًا من أن تختزل في شعار.

صديق كاتب في باريس وثق هذه التجربة:

"في فرنسا اليوم، عليك أن تختار. إما مع ماكرون، أو مع لوبان، أو مع اليسار الراديكالي. كل مجموعة تريد منك أن توقع على بيانها، أن تحضر مسيرتها، أن تغرد بتغريداتها. وإذا لم تفعل، فأنت عدو. أنا لا أستطيع الاختيار. أرى تعقيد العالم، أراه بعين المثقف الذي يعرف التاريخ ويدرك التناقضات. لا أستطيع اختزال هذا التعقيد في شعار بسيط. لكن هذا الموقف يجعلني وحيدًا. يجعلني بلا حلفاء، بلا جمهور، بلا ظهر يستند إليه."

هذه العزلة السياسية هي شكل آخر من الغربة. أن تكون خارج اللعبة، خارج الاصطفاف، خارج الانقسامات التي تشغل الجميع. أن ترى العالم بتعقيده بينما العالم يريد تبسيطًا. أن تكتب عن الرماد بينما الجميع مشغولون باللهب.

في هذا السياق، تصبح الكتابة فعلًا سياسيًا بامتياز. ليس لأنها تنحاز إلى طرف، بل لأنها ترفض الانحياز السهل. ليس لأنها تقدم حلولاً، بل لأنها تحافظ على تعقيد الأسئلة. ليس لأنها تصطف مع الجمهور، بل لأنها تبقى وفية للحقيقة كما تراها، حتى لو كانت هذه الحقيقة لا تروق لأحد.



11.

لكن دعونا نعود إلى حيث بدأنا: إلى كافكا، وإلى الرجل الذي تحول إلى حشرة.

في قصة كافكا، الرجل لا يتحول حقًا. العالم هو الذي يتحول حوله، فيجده غريبًا. هو نفسه يبقى كما كان، يحمل مشاعره وأفكاره وذكرياته، لكن المرآة لم تعد تعكس صورته، والناس لم يعودوا يرونه كما يراهم.

هذا هو حال المثقف المستقل اليوم.

لم يتغير في جوهره. ما زال يحب الكتابة، وما زال يؤمن بقيمة الفكر، وما زال يحلم بأن يترك أثرًا صغيرًا في هذا العالم. لكن العالم من حوله تغير. تغيرت القيم، وتغيرت الأولويات، وتغيرت طرق القياس. في هذا العالم الجديد، لم يعد له مكان. لم تعد له فئة. لم تعد له هوية معترف بها.

هو غريب في وطنه.

لكن الغريب، في الأدب وفي الحياة، يحمل دائمًا شيئًا ثمينًا. هو الذي يرى ما لا يراه المقيمون. هو الذي يلاحظ التفاصيل التي تمر دون انتباه. هو الذي يكتب عن الأشياء التي يعتاد عليها الآخرون فينسونها. غربته ليست فقط خسارة، بل أيضًا رؤية. ليست فقط ألمًا، بل أيضًا وعيًا.

المثقف المستقل، في غربته، يستطيع أن يرى تآكل دولة الرفاه قبل أن يراه الآخرون. يستطيع أن يلاحظ تحول الأمان إلى رفاهية قبل أن يتحول فعلاً. يستطيع أن يكتب عن القلق الخافت قبل أن يتحول إلى وباء. غربته تمنحه مسافة، والمسافة تمنحه رؤية، والرؤية تمنحه صوتًا.

السؤال هو: هل هذا الصوت سيسمعه أحد؟ في زمن الضجيج والصخب، هل هناك من يستمع لمن يتكلم من الهامش؟ في زمن السرعة والإيقاع السريع، هل هناك من يتوقف عند كلمات تحتاج إلى وقت؟ في زمن الصور والعناوين، هل هناك من يقرأ نصوصًا لا تختزل؟

لا أحد يعرف الإجابة.

لكن المثقف المستقل يواصل الكتابة. يواصل لأنه لا يستطيع التوقف. يواصل لأن الصمت أسوأ من أي رفض. يواصل لأن في الكتابة، ولو للحظات، يشعر أنه ليس غريبًا تمامًا. يشعر أن الكلمات تخلق وطنًا صغيرًا، ولو كان وطنًا من ورق.



12.

قبل أن ننتقل إلى الفصل الرابع، حيث سنتحدث عن "اقتصاد القلق"، أريد أن أتركك مع صورة صغيرة.

صورة كاتبة، في مدينة كبيرة، تجلس في مقهى صغير.

الساعة العاشرة صباحًا. المقهى مزدحم بأصوات الحياة العادية: رجل يقرأ جريدة، امرأتان تتحادثان، شاب يدرس على كمبيوتره المحمول. الكاتبة تحتسي قهوتها، تنظر من النافذة إلى الشارع، إلى الناس المارة، إلى الحياة الجارية.

في يدها، دفتر صغير وقلم. تكتب أحيانًا جملة، ثم تتوقف، تنظر حولها، تكتب جملة أخرى.

لا أحد يعرف أنها كاتبة. لا أحد يلتفت إليها. هي مجرد امرأة في مقهى، كغيرها من النساء. لكنها، في داخلها، تحمل عوالم بأكملها. تحمل شخصيات لم تولد بعد، وأفكارًا لم تكتمل، وأحلامًا لم تتحقق. تحمل كل هذا، ولا يظهر منها شيء.

هذه هي صورة المثقف المستقل. غريب بين الناس، قريب منهم. يحمل عوالم لا يرونها، ويرى عوالم لا يحلمون بها. يعيش بينهم، لكنه ليس منهم تمامًا. يحبهم، لكنه لا يستطيع أن يكون مثلهم.

في هذه الصورة، هناك حزن خفيف، لكن هناك أيضًا جمال. جمال الغريب الذي يرى ما لا يراه الآخرون. جمال المهمش الذي يكتب عن الهامش فيصير مركزًا. جمال المنفي الذي يصنع وطنًا من كلمات.

الكاتبة تغلق دفترها، تدفع ثمن القهوة، وتخرج إلى الشارع.

تمشي بين الناس، تحمل عالمها الصغير في داخلها. السماء زرقاء، والهواء بارد، والحياة مستمرة. هي تمشي، تكاد تكون invisible، لكنها تعرف شيئًا لا يعرفه المارة: أنها، بكتاباتها، تحافظ على شيء ثمين. تحافظ على إمكانية التفكير، على ضرورة التأمل، على قيمة المعنى.

وهذا، في زمن بلا هواء، قد يكون أهم ما يمكن فعله.



…….


الفصل الرابع

اقتصاد القلق

1.

هناك اقتصاد لا يُدرَّس في الجامعات.

لا تجد له قسماً في كليات الاقتصاد، ولا فصلاً في كتب التنمية، ولا مؤتمراً في المنتديات الدولية. ومع ذلك، هو الاقتصاد الحقيقي الذي يحكم حياة الملايين اليوم. ليس اقتصاد المال والسلع، بل اقتصاد المشاعر والحالات النفسية. ليس اقتصاد الناتج المحلي الإجمالي، بل اقتصاد القلق اليومي.

في هذا الاقتصاد، العملة ليست الدولار أو اليورو، بل الدرهم من الخوف، والدينار من التوتر، والريال من الأرق. والميزانية ليست دخلاً وخرجاً، بل طاقة نفسية تُستهلك في معارك صغيرة لا تنتهي. والثروة ليست ما تملك، بل ما لا يقلقك. والفقر ليس نقصاً في الموارد، بل نقصاً في القدرة على التنفس بعمق.

دعونا نحاول فهم هذا الاقتصاد الغريب.

في مركزه، هناك سلعة أساسية: الأمان. الأمان هو الذهب الذي يسعى الجميع للحصول عليه، وهو النادر الذي يزداد ثمنه كل يوم. الأمان هو أن تستيقظ صباحاً دون أن يفاجئك رعب الفاتورة غير المدفوعة. الأمان هو أن تمرض وتعرف أن علاجك متوفر. الأمان هو أن تكبر وتعرف أن شيخوختك لن تكون جحيماً. الأمان هو أن تحلم وتعرف أن أحلامك ليست مستحيلة.

في الماضي، كان الأمان سلعة عمومية. توفره الدولة للمواطنين، كالهواء والماء. كان جزءاً من العقد الاجتماعي، من حق المواطنة، من كرامة الإنسان. اليوم، يتحول الأمان إلى سلعة خاصة. يشتريه من يستطيع، ويحرم منه من لا يستطيع. والأسوأ من ذلك، أن سعره يرتفع باستمرار، بينما دخله في انخفاض دائم.

المثقف المستقل، كما رأينا في الفصول السابقة، يعيش في قلب هذا الاقتصاد الجديد. هو من أكثر الناس تعرضاً لتقلباته، وأقلهم حماية من صدماته. هو ليس غنياً بما يكفي ليشتري الأمان من السوق، وليس فقيراً بما يكفي ليحصل عليه من الدولة. هو عالق في المنتصف، حيث الأمان أصبح رفاهية، والقلق أصبح هو القاعدة.

في هذا الفصل، سنحاول أن نفهم كيف يعمل اقتصاد القلق. سنتتبع آثاره في الحياة اليومية للمثقف المستقل. سنرى كيف يتحول القلق من حالة عابرة إلى نمط حياة دائم. وكيف يصبح هذا القلق، في النهاية، أكثر من مجرد شعور: يصبح بنية، يصبح نظاماً، يصبح عالماً بحد ذاته.



2.

لنبدأ من الصباح الباكر.

الساعة السادسة والنصف. لم يرن المنبه بعد. لكن الكاتب يستيقظ فجأة، كما لو أن يداً خفية هزته من كتفه. يفتح عينيه في الظلام، يشعر للحظات بالارتباك: أين أنا؟ أي يوم هذا؟ ثم تعود إليه الذاكرة كموجة باردة.

يفكر في الفاتورة التي تنتهي اليوم. يفكر في البريد الإلكتروني الذي لم يفتحه بعد. يفكر في المقال الذي تأجل تسليمه. يفكر في الإعانة التي لم تصل. يفكر في كل الأشياء الصغيرة التي تشكل قلقه اليومي، والتي تتراص في رأسه كجنود في انتظار المعركة.

يحاول أن يعود إلى النوم. يدير ظهره، يغلق عينيه، يتنفس بعمق. لكن الجنود لا ينامون. يستمرون في المسير في رأسه، في تشكيل صفوفهم، في ترديد أسمائهم: الفاتورة، البريد، المقال، الإعانة، الفاتورة، البريد، المقال، الإعانة...

بعد نصف ساعة من التقلب في الفراش، يستسلم. ينهض، يذهب إلى المطبخ، يشعل ماكينة القهوة. ينظر من النافذة إلى الشارع: ما زال الظلام، ما زال الناس نائمين، ما زال العالم هادئاً. لكن داخله، ليس هناك هدوء. داخله، بدأت الحرب.

يجلس أمام الكمبيوتر، يفتح البريد. الرسالة الأولى: من مالك الشقة، يذكر أن الإيجار سيرتفع الشهر القادم. الرسالة الثانية: من مصلحة الضرائب، تخبره أن هناك خطأ في إقراره ويجب مراجعته خلال أسبوع. الرسالة الثالثة: من ناشر، يعتذر عن نشر مقاله لأنه "لا يتناسب مع توجهات المجلة في هذه المرحلة".

يقرأ الرسائل الثلاث مرة، ثم مرة، ثم مرة ثالثة. لا يصدق. لا يريد أن يصدق. لكن الكلمات هناك، سوداء على أبيض، لا تمحى.

يشرب قهوته واقفاً، ينظر من النافذة إلى الشارع الذي بدأ يضيء. يفكر: كيف سأدفع الإيجار الجديد؟ كيف سأصحح خطأ الضرائب؟ كيف سأنشر مقالي بعد هذا الرفض؟ أسئلة لا إجابات لها، تتدحرج في رأسه ككرات ثلج، تكبر كلما تدحرجت.

هذا هو الصباح في اقتصاد القلق. صباح لا يبدأ بالشمس والهدوء، بل بالفواتير والرسائل والمخاوف. صباح لا يعد بيوم جديد، بل يهدد بيوم أصعب من سابقه.



3.

لكن القلق ليس مجرد لحظات صباحية عابرة. هو حالة مستمرة، تشبه التنفس. تأخذ شهيقاً مع كل خبر سيئ، وتزفر مع كل مشكلة مؤجلة. لكن بين الشهيق والزفير، لا توجد راحة. هناك فقط استمرار.

دعونا نتابع يوم كاتبنا.

بعد القهوة، يحاول أن يكتب. يجلس أمام الشاشة البيضاء، يحدق فيها، ينتظر أن تأتي الكلمات. لكن الكلمات لا تأتي. بدلاً منها، تأتي الأفكار الدخيلة: الإيجار، الضرائب، المقال المرفوض. كلما حاول التركيز، اقتحمته هذه الأفكار كضيوف غير مدعوين، تجلس في صدره، تطلب منه الاهتمام.

يكتب جملة. يقرأها، لا تعجبه. يمسحها. يكتب جملة أخرى. يقرأها، أسوأ من الأولى. يمسحها. يقف، يتمشى في الغرفة، يعود، يجلس. الشاشة ما زالت بيضاء، والوقت يمر، والموعد النهائي يقترب، والقلق يزداد.

هذا هو ما يفعله اقتصاد القلق بالإبداع. يسرق التركيز، يشتت الانتباه، يقتل التدفق. الكتابة تحتاج إلى هدوء داخلي، إلى مساحة نفسية تسمح للأفكار بالنمو. القلق لا يترك هذه المساحة. يملأ كل شيء، مثل دخان كثيف، لا ترى معه شيئاً، ولا تتنفس معه هواءً نقياً.

الكاتب يعرف هذا، لكنه لا يستطيع تغييره. يحاول أن يقنع نفسه أن القلق مؤقت، أن المشاكل ستحل، أن الغد سيكون أفضل. لكنه لا يصدق نفسه. في أعماقه، يعرف أن القلق ليس ضيفاً عابراً، بل هو الآن ساكن دائم في بيته الداخلي.

بعد ساعات من المحاولات الفاشلة، يستسلم. يغلق الكمبيوتر، يخرج إلى الشارع. يمشي بلا هدف، ينظر إلى الناس، إلى المحلات، إلى الحياة العادية التي تستمر حوله. يتمنى لو كان مثل هؤلاء الناس، لو كان لديه وظيفة ثابتة، وراتب مضمون، وإجازات مدفوعة، وتقاعد مريح. يتمنى لو كان يعيش في اقتصاد المال، لا في اقتصاد القلق.

لكنه يعرف أن هذا التمني عبثي. هو هنا، في هذا المكان، في هذه اللحظة، مع هذا القلق. ليس له خيار آخر سوى العيش معه.



4.

لنحاول أن نفهم كيف يعمل اقتصاد القلق على المستوى النفسي.

في علم النفس، هناك مفهوم اسمه "القلق المزمن". هو قلق لا يرتبط بحدث محدد، بل يستمر كخلفية دائمة للحياة. ليس الخوف من شيء معين، بل الاستعداد الدائم للخوف. ليس الرعب من خطر محدد، بل الترقب الدائم لخطر قادم.

هذا القلق المزمن له آثار عميقة على النفس.

أولاً، يستنزف الطاقة. العيش في حالة تأهب دائم يستهلك طاقة هائلة، طاقة كان يمكن استعمالها في الإبداع، في الحب، في الحياة. المثقف المستقل ينهك ليس مما يفعل، بل مما يخاف. ليس من عمله، بل من قلقه من عمله.

ثانياً، يشوه الرؤية. تحت تأثير القلق، ترى العالم بطريقة مختلفة. ترى التهديدات أكثر من الفرص، ترى المخاطر أكثر من الإمكانيات، ترى ما قد يحدث من سوء أكثر مما قد يحدث من خير. يصبح العالم مكاناً معادياً، والمستقبل تهديداً، والآخرين أعداء محتملين.

ثالثاً، يشل الإرادة. القلق يجعلك تتردد، تؤجل، تتهرب. تخاف من اتخاذ القرارات لأنك تخاف من عواقبها. تخاف من المخاطرة لأنك تخاف من الفشل. تخاف من المحاولة لأنك تخاف من الخسارة. في النهاية، لا تفعل شيئاً، وتنتظر أن يحل القدر مشاكلك، مع أنك تعرف أن القدر لا يحل شيئاً.

رابعاً، يضعف المناعة. نعم، القلق له آثار جسدية مباشرة. يرفع ضغط الدم، يزيد هرمونات التوتر، يضعف جهاز المناعة، يعكر النوم، يفسد الهضم. الجسد يدفع ثمن ما يعيشه العقل. وفي النهاية، يمرض الجسد، ويزداد القلق، وتدور الدورة في حلقة مفرغة لا تنتهي.

صديق كاتب في فيينا وثق هذه الآثار في مذكراته:

"أنا لا أعيش، أنا أتفاعل. كل يوم، أستيقظ لأواجه سلسلة من التفاعلات مع التهديدات: تهديد الفواتير، تهديد الرفض، تهديد الفشل. ليس لدي طاقة لأفعل شيئاً آخر. ليس لدي طاقة لأحب، لأقرأ، لأحلم. كل طاقتي تذهب للدفاع عن نفسي من هجمات الحياة اليومية. أشعر أني قلعة محاصرة، تستخدم كل ذخيرتها لصد الهجمات، ولا تبقي شيئاً لتعمير ما دمر."

هذه الكلمات تختصر حياة كثيرين. حياة تصبح دفاعاً لا هجوماً، رد فعل لا فعلاً، بقاء لا حياة.



5.

لكن اقتصاد القلق ليس مجرد حالة نفسية فردية. هو ظاهرة اجتماعية، لها أسبابها البنيوية، وآلياتها الجماعية، وتأثيراتها على المجتمعات ككل.

لننظر إلى بعض هذه الآليات.

آلية عدم اليقين المنظم:

في الماضي، كانت هناك درجة من اليقين في الحياة. الوظيفة كانت دائمة، والراتب كان ثابتاً، والتقاعد كان مضموناً. كان الإنسان يعرف تقريباً كيف ستبدو سنواته القادمة. اليوم، هذا اليقين اختفى. العقود أصبحت مؤقتة، والرواتب أصبحت متغيرة، والتقاعد أصبح غير مضمون. عدم اليقين ليس مجرد نتيجة ثانوية للتغيرات الاقتصادية، بل أصبح أداة إدارة. يتم استخدامه لإبقاء الناس في حالة تأهب دائم، في استعداد للانصياع، في خوف من فقدان ما لديهم.

آلية التنافس الشامل:

في اقتصاد القلق، أنت في سباق دائم. تتنافس مع زملائك على عقود نادرة، مع ناشرين على فرص محدودة، مع قراء على وقت ضيق. هذا التنافس يبقيك في حالة يقظة دائمة، ويمنعك من التضامن مع الآخرين، ويجعل من كل زميل عدواً محتملاً. التنافس الشامل يفتت الجماعات، ويعزل الأفراد، ويجعل من الصعب بناء قوة جماعية للتفاوض أو المقاومة.

آلية الإنتاجية كقيمة عليا:

في اقتصاد القلق، أنت لا تساوي شيئاً إلا بقدر ما تنتج. وقت الراحة هو وقت ضائع، والتأمل هو ترف لا يمكن تحمله، والمرح هو انحراف عن المسار الصحيح. عليك أن تنتج باستمرار، وأن تثبت باستمرار أنك تستحق الوجود. هذه الآلية تحول الإنسان إلى آلة، وتجعل من التوقف عن الإنتاج تهديداً وجودياً.

آلية الاستدانة العاطفية:

في اقتصاد القلق، تستدين من مستقبلك لتدفع حاضرك. تقترض من وقت غد لتنجز عمل اليوم. تقترض من صحتك لتتحمل ضغوط الأسبوع. تقترض من علاقاتك لتركز على مشاكلك. ومع كل اقتراض، تتراكم الديون العاطفية، حتى يأتي يوم لا تستطيع فيه السداد.

هذه الآليات الأربع تتداخل وتتغذى على بعضها، وتخلق معاً نظاماً متكاملاً ينتج القلق ويعيد إنتاجه باستمرار. المثقف المستقل ليس مجرد ضحية عابرة لهذا النظام، بل هو أحد أكثر الناس تعرضاً له، لأنه يعيش على حوافه، في المناطق الأكثر هشاشة.



6.

دعونا ننتقل من التحليل العام إلى التفاصيل الصغيرة. كيف يظهر اقتصاد القلق في الحياة اليومية للمثقف المستقل؟

في التعامل مع البريد الإلكتروني:

كل رسالة جديدة هي تهديد محتمل. قد تكون فاتورة جديدة، أو رفضاً لنشر، أو إخطاراً بقطع خدمة، أو طلباً مستحيلاً. فتح البريد الإلكتروني يصبح عملية شجاعة، تحتاج إلى استعداد نفسي، وغالباً ما تؤجل إلى آخر لحظة.

في التعامل مع الهاتف:

المكالمات من أرقام غير معروفة تسبب توتراً فورياً. قد تكون مصلحة ضرائب، أو وكالة تحصيل ديون، أو مستشفى يطلب تسديد مستحقات. يترك الكاتب الهاتف يرن أحياناً، ينتظر أن يترك المتصل رسالة، يقرر بعدها إن كان سيرد.

في التعامل مع البريد العادي:

صندوق البريد أصبح مصدر قلق يومي. كل ظرف يحمل تهديداً محتملاً: فاتورة غير متوقعة، إخطار بغرامة، قرار بيروقراطي غير مفهوم. كثيرون يؤجلون فتح البريد أياماً، يتراكم على الطاولة كدين مؤجل، يذكرهم بوجوده كلما مروا بجانبه.

في التعامل مع النوم:

النوم أصبح مشكلة. العقل لا يتوقف عن العمل، يعيد تشغيل مخاوف النهار، يخطط لكوارث الغد، يبحث عن حلول لمشاكل لا حلول لها. الأرق أصبح رفيقاً دائماً، والاستيقاظ في الثالثة فجراً أصبح عادة.

في التعامل مع الجسد:

الجسد يدفع الثمن. آلام الظهر المزمنة، تشنجات الرقبة، الصداع المتكرر، مشاكل الهضم، ضعف المناعة. كلها علامات على أن الجسد يصرخ، لكن لا أحد يصغي.

صديقة كاتبة في ستوكهولم وصفت هذه التفاصيل بكلمات بسيطة:

"أعرف أني مريضة حين ألاحظ أن يدي ترتجفان وأنا أفتح البريد. أعرف أن القلق أكلني حين أجد نفسي أحدق في السقف في الثالثة فجراً. أعرف أني في دوامة حين أكتشف أن يومي كله يدور حول تفادي المخاطر، لا حول تحقيق الأحلام. هذه ليست حياة، هذا بقاء."



7.

لكن ربما كان علينا أن نتحدث عن المال. لأن اقتصاد القلق، في النهاية، هو اقتصاد. والاقتصاد يدور حول المال، حتى حين يدور حول القلق.

في اقتصاد القلق، العلاقة مع المال تتغير.

المال لم يعد مجرد وسيلة للتبادل، بل أصبح مقياساً للأمان. كل يورو في الجيب هو جرعة صغيرة من الطمأنينة. كل حساب بنكي مملوء هو حصن ضد هجمات الغد. كل دين مسدد هو انتصار في معركة لا تنتهي.

لكن المشكلة أن المال، في اقتصاد القلق، نادر دائماً. ليس لأن المثقف المستقل لا يكسب أبداً، بل لأن الأمان الذي يشتريه المال أصبح باهظ الثمن. الإيجار يرتفع، والضرائب تزداد، والتأمين الصحي يغلوا، والاحتياجات الأساسية تستهلك كل شيء. المال الذي يأتي يذهب سريعاً، كالماء في الرمال، ولا يترك أثراً.

صديق كاتب في أمستردام رسم لي معادلة بسيطة:

"في الشهر الجيد، أكسب 3000 يورو. في الشهر العادي، 1500. في الشهر السيئ، صفر. لو كنت موظفاً براتب 2000 يورو ثابت، لعشت أفضل مما أعيش الآن. لأن الثبات نفسه له قيمة. الثبات هو ما يشتري الأمان. الأمان هو ما يشتري الراحة. الراحة هي ما يمكن الإبداع. أنا أكسب أحياناً أكثر من الموظف، لكني أعيش في قلق دائم. وهذا القلق يلتهم ما أكسبه، ويأكل ما تبقى مني."

هذه المعادلة البسيطة تكشف جوهر المشكلة. في اقتصاد القلق، الدخل ليس كل شيء. الثبات، اليقين، القدرة على التوقع: هذه هي العملات الحقيقية. ومن لا يملكها، يعيش في فقر حتى لو كان دخله مرتفعاً أحياناً.

المثقف المستقل يعيش هذا التناقض يومياً. في شهر قد يكسب ما يكفي ليعيش شهوراً، لكنه لا يستطيع أن يطمئن، لأنه لا يعرف متى سيكون الشهر القادم. في شهر قد ينفق أقل مما ينفق الموظف، لكنه يظل في قلق، لأنه لا يعرف إن كان سيتمكن من تغطية نفقات الشهر التالي. المال عنده ليس مصدر أمان، بل مصدر قلق إضافي.



8.

دعونا ننظر الآن إلى الجانب الجماعي لاقتصاد القلق.

قد يبدو القلق تجربة فردية، شخصية، حميمة. لكنه، في الحقيقة، تجربة جماعية. يشاركها الملايين، بدرجات متفاوتة، وبأشكال مختلفة. وفي جماعيته، يتحول القلق إلى ظاهرة اجتماعية، إلى مناخ عام، إلى "روح العصر".

كيف يبدو هذا المناخ العام؟

في المدن، ترى وجوهاً متعبة، عيوناً قلقة، ظهوراً منحنية. الناس يمشون بسرعة، يتحدثون بسرعة، يأكلون بسرعة، يعيشون بسرعة. وكأن هناك عدواً خفياً يطاردهم، يدفعهم للركض دون توقف.

في المقاهي، تجلس وحدك، تنظر حولك، ترى الكل وحيداً. كل في شاشته، كل في عالمه، كل في قلقه. تتشاركون المكان، لكن لا تتشاركون الحياة. أنتم جزر منعزلة في محيط من القلق.

في وسائل النقل، الركاب صامتون، محدقون في هواتفهم، يقرؤون الأخبار السيئة، يرسلون الرسائل العاجلة، يتفقدون حساباتهم البنكية. حتى في الزحام، كل وحيد. حتى في القرب، كل بعيد.

صديق عالم اجتماع في باريس وصف هذا المناخ بكلمات دقيقة:

"القلق اليوم ليس مجرد حالة نفسية فردية. هو الجو العام الذي نتنفسه. هو ما يملأ الفراغ بين الناس، ما يحدد إيقاع حياتنا، ما يشكل أحلامنا ومخاوفنا. نحن نعيش في مجتمع القلق ، حيث أصبح القلق هو القاعدة، والطمأنينة هي الاستثناء الذي يحتاج إلى تفسير."

هذا التحليل يضع الأمور في سياقها. القلق ليس فشلاً شخصياً، ولا ضعفاً فردياً. هو استجابة طبيعية لظروف غير طبيعية. هو تكيف مع عالم أصبح غير قابل للتكيف معه. هو محاولة يائسة للبقاء واقفاً في بحر متلاطم.

المثقف المستقل، في هذا السياق، ليس أكثر ضعفاً من غيره. هو فقط أكثر وعياً بقلقه، وأكثر قدرة على التعبير عنه. هو الذي يكتب عن القلق، فيصير القلق مادة للفن، وموضوعاً للتفكير، ودافعاً للإبداع. في كتابته عن القلق، يحوله من عدو إلى مادة خام. من سجان إلى مصدر إلهام. من لعنة إلى هبة، ولو كانت هبة ملعونة.



9.

لكن الحديث عن اقتصاد القلق لا يكتمل دون حديث عن المقايضة الكبرى.

في اقتصاد القلق، هناك مقايضة خفية: أنت تقايض حاضرك بمستقبلك. تقايض صحتك بمالك. تقايض علاقاتك بعملك. تقايض سلامك النفسي باستمرارك المادي. وهذه المقايضة لا تتم مرة واحدة، بل كل يوم، كل ساعة، كل لحظة.

صديق كاتب في برلين وثق هذه المقايضة في مقال مؤثر:

"كل يوم، أستيقظ وأقايض. أقول لجسدي: تحمل الألم اليوم، وغداً سترتاح. أقول لعقلي: تحمل القلق اليوم، وبعد غد ستهدأ. أقول لروحي: تحمل العزلة اليوم، وفي نهاية الشهر ستلتقي بأصدقاء. لكن الغد لا يأتي أبداً. الألم لا يذهب. القلق لا يهدأ. العزلة لا تنكسر. وأكتشف أني قايضت حياتي كلها بأشياء لم أحصل عليها أبداً."

هذه المقايضة الكبرى هي جوهر اقتصاد القلق. أنت تراهن على المستقبل، والمستقبل لا يفي بوعوده أبداً. ترهق نفسك اليوم على أمل أن ترتاح غداً، والغد يأتي بمشاكله الجديدة، فيستمر الإرهاق. تضحي بسعادتك الحالية على أمل سعادة قادمة، والسعادة القادمة تؤجل دائماً.

المثقف المستقل يعيش هذه المقايضة بشكل حاد. يكتب اليوم على أمل أن يقرأه أحد غداً. يناضل اليوم على أمل أن يعترف به أحد غداً. يقاوم اليوم على أمل أن ينتصر أحد غداً. وغداً لا يأتي أبداً. يأتي يوم جديد، بمشاكله الجديدة، ويطالب بمقايضات جديدة.

كيف يكسر الإنسان هذه الدورة؟ كيف يتوقف عن الرهان على مستقبل لا يأتي؟ كيف يعيش الحاضر كقيمة، لا كوسيلة؟

هذه أسئلة لا إجابات سهلة لها. لكن الوعي بالمقايضة هو خطوة أولى. أن تعرف أنك تراهن، أن ترى الرهان، أن تدرك أن المستقبل الذي تراهن عليه قد لا يأتي أبداً. هذا الوعي قد يحررك قليلاً. قد يجعلك تخفف من الرهان، توقف المقايضة، تعيش الحاضر ولو للحظات.


10.

ربما كان علينا أن نتحدث عن الأمل أيضاً.

في اقتصاد القلق، الأمل سلعة نادرة. مثل الهواء النقي في مدينة ملوثة، مثل الماء العذب في محيط مالح. الأمل موجود، لكن الوصول إليه صعب، والحفاظ عليه أصعب.

كيف يبقي المثقف المستقل على أمله حياً؟

بعضهم يجد الأمل في الكتابة نفسها. في لحظات التدفق، حين تخرج الكلمات كالنهر، ينسى القلق، وينسى الخوف، وينسى كل شيء. في تلك اللحظات، يشعر أن الحياة ممكنة، أن الإبداع ممكن، أن المعنى ممكن. هذه اللحظات نادرة، لكنها كافية. كافية لتذكيره لماذا يستمر.

بعضهم يجد الأمل في القراء. في رسالة تأتي من قارئ مجهول، تقول: "كلماتك أنقذتني." في تعليق على مقال، يقول: "أشعر أنك تكتب عني." في لقاء عابر، يقول فيه أحدهم: "أتابعك منذ سنوات، أنت مهم بالنسبة لي." هذه اللحظات النادرة تذكر الكاتب أنه ليس وحده، أن كتابته تصل، أن وجوده له معنى.

بعضهم يجد الأمل في الرفاق. في زملاء يشاركونهم المعاناة، ويفهمون القلق دون شرح، ويحتضنون الضعف دون حكم. في نقاشات في مقاهي صغيرة، في رسائل في منتصف الليل، في لقاءات ثقافية تصبح عائلة بديلة. هذه العلاقات هي جزر صغيرة من الأمان في محيط من القلق.

صديقة كاتبة في لندن عبرت عن هذا الأمل بكلمات بسيطة:

"أحياناً، في أحلك اللحظات، حين يبدو كل شيء بلا معنى، أتذكر قارئاً واحداً كتب لي يقول إن كلماتي ساعدته على تخطي أزمة. ذلك القارئ الواحد هو ما يبقيني حية. ليس الملايين، ليس الشهرة، ليس المال. قارئ واحد يفهم. قارئ واحد يهتم. قارئ واحد ينتظر. هذا يكفي لأستمر."

هذا هو الأمل في اقتصاد القلق. ليس أملاً كبيراً، ثورياً، يغير العالم. بل أمل صغير، متواضع، يومي. أمل يسمح لك بالاستمرار يوماً إضافياً، أسبوعاً إضافياً، شهراً إضافياً. أمل لا يعدك بالجنة، بل يمنحك القوة لتعيش الجحيم.



11.

لنعد الآن إلى كاتبنا، في نهاية يومه الطويل.

الساعة الحادية عشرة ليلاً. يعود إلى بيته بعد يوم من المعارك الصغيرة: مع البريد الإلكتروني، مع الفواتير، مع الشاشة البيضاء، مع اليأس. يشعر بالإرهاق، ليس الجسدي فقط، بل الوجودي. إرهاق يشبه أن تحمل جبلاً على ظهرك، ثم تكتشف أن الجبل هو أنت.

يجلس على الأريكة، لا يفعل شيئاً. فقط ينظر إلى السقف، إلى الفراغ، إلى لا شيء. يفكر: هل كان هذا اليوم يستحق العيش؟ هل أيامي كلها هكذا؟ هل سيبقى الأمر هكذا للأبد؟

لا إجابات. فقط أسئلة تتدحرج في الفراغ.

بعد قليل، ينهض، يذهب إلى المطبخ، يعد كوب شاي. يعود إلى الأريكة، يحتسي الشاي ببطء، يتأمل الغرفة. على الطاولة، بعض الكتب لم يقرأها. على الحائط، لوحة قديمة اشتراها في رحلة. على الرف، صور لأصدقاء وعائلة. كل هذه الأشياء الصغيرة تذكره بأنه إنسان، أن له تاريخاً، أن له علاقات، أن له حياة خارج القلق.

يشعر للحظات بطمأنينة خفيفة. طمأنينة لا تأتي من حل المشاكل، بل من نسيانها للحظات. من السماح لنفسه بأن يكون، فقط يكون، دون أن يفعل، دون أن ينتج، دون أن يثبت شيئاً.

هذه اللحظات هي الكنز الحقيقي في اقتصاد القلق. لحظات التوقف، لحظات الفراغ، لحظات العدم. ليست هروباً من الواقع، بل عودة إلى الذات. ليست إنكاراً للمشاكل، بل تعليقاً مؤقتاً للقلق. ليست حلاً، لكنها استراحة.

قبل أن ينام، يكتب في مفكرته الصغيرة جملة واحدة:

"اليوم، رغم كل شيء، بقيت حياً. وبقائي حياً هو انتصار."

ينام. وفي نومه، يحلم. يحلم بمدينة لا قلق فيها، بكتابة تأتي كالنهر، بحياة تشبهه. أحلام بسيطة، ربما ساذجة، لكنها كافية ليستيقظ غداً ويواصل.

هذا هو المثقف المستقل في اقتصاد القلق. يعيش القلق، لكنه لا يستسلم له. يحمل الألم، لكنه لا يسمح له بأن يسحقه. يكافح يومياً، لكنه يحتفظ بلحظات صغيرة من السلام. هو، في النهاية، نموذج للصمود في زمن الانهيار. نموذج للإنسانية في زمن الآلة.


12.

قبل أن ننتقل إلى الفصل الخامس، حيث سنتحدث عن "المعرفة التي لا تُثمن"، أريد أن أتركك مع فكرة أخيرة.

اقتصاد القلق ليس قدراً محتوماً. هو نتاج ظروف تاريخية واجتماعية واقتصادية، والنتائج يمكن تغييرها. ليس سهلاً، وليس سريعاً، لكنه ممكن. الوعي بوجود هذا الاقتصاد، بآلياته، بتأثيراته، هو خطوة أولى نحو التحرر منه.

المثقف المستقل، بوعيه وحساسيته، يمكن أن يكون في طليعة هذا التحرر. ليس لأنه يملك الحلول، بل لأنه يرى المشكلة بوضوح. ليس لأنه قوي، بل لأنه صادق مع ضعفه. ليس لأنه منتصر، بل لأنه يواصل المقاومة رغم الهزائم المتكررة.

في كتابته عن القلق، يحوله من عدو إلى موضوع. في تأمله في الخوف، ينزع عنه بعضاً من قوته. في مشاركته معاناته، يكسر جدار العزلة الذي يحيط به. في إصراره على الاستمرار، يقدم نموذجاً للصمود في زمن الانهيار.

ربما هذا هو دور المثقف المستقل اليوم: ليس تغيير العالم، بل الحفاظ على إمكانية تغييره. ليس القضاء على القلق، بل تعليمنا كيف نعيش معه دون أن يقتلنا. ليس صنع المعجزات، بل الإيمان بأن الحياة، رغم كل شيء، تستحق أن تعاش.

وفي النهاية، هذا الإيمان هو ما يبقينا أحياء. في اقتصاد القلق، حيث كل شيء يدفعنا إلى الاستسلام، يبقى الإيمان بالحياة هو المقاومة الحقيقية. مقاومة لا تحتاج إلى جيوش، ولا إلى أسلحة، ولا إلى شعارات. تحتاج فقط إلى قلب يؤمن أن الغد، رغم كل شيء، ممكن.




…….


الفصل الخامس

المعرفة التي لا تُثمَّن

1.

في إحدى زياراتي لمدينة قديمة، دخلت مكتبة صغيرة في زقاق ضيق.

كانت المكتبة أشبه بكهف للكتب: جدرانها مغطاة برفوف تمتد من الأرض حتى السقف، والكتب متراصة في كل اتجاه، ورائحة الورق القديم تملأ الهواء كالبخور. صاحب المكتبة رجل مسن، يرتدي نظارة سميكة، ويجلس خلف منضدة خشبية يقرأ كتاباً بلغة لا أعرفها.

تجولت بين الرفوف ساعات. كنت أخرج كتاباً هنا، وأقلب صفحاته، وأعيده. أخرج كتاباً هناك، أقرأ فصلاً، أعيده. لا أشتري شيئاً. ليس لأني لا أريد، بل لأني لا أملك المال الكافي. السياحة في عالم الكتب، كسياحة الغني في أسواق الفقراء: تنظر ولا تشتري، تتمنى ولا تملك.

قبل أن أغادر، اقتربت من صاحب المكتبة. سألته إن كان يبيع كثيراً هذه الأيام.

نظر إليّ من فوق نظارته، ابتسم ابتسامة حزينة، وقال:

"الكتب لا تُباع يا بني. الكتب تُقرأ. والقراءة، هذه الأيام، أصبحت ترفاً لا يتحمله الكثيرون."

ثم أضاف، بعد صمت قصير:

"لكن هذا لا يهم. الأهم أن الكتب موجودة. أن هناك مكاناً يأويها. أن من يبحث عنها يجدها. البيع والشراء تجارة. أما الكتب فشيء آخر."

خرجت من المكتبة وأنا أحمل هذه الكلمات في رأسي: "البيع والشراء تجارة. أما الكتب فشيء آخر."

هذا "الشيء الآخر" هو ما أريد الحديث عنه في هذا الفصل. المعرفة التي لا تُثمَّن. المعرفة التي لا تُباع ولا تُشترى. المعرفة التي تظل معرفة حتى لو لم يقرأها أحد، حتى لو لم يعترف بها سوق، حتى لو لم تحقق ربحاً.

في زمن يسود فيه منطق السوق، حيث كل شيء يقاس بالمال، وحيث القيمة الوحيدة هي القيمة التبادلية، تبقى هذه المعرفة كجسم غريب. كشيء لا ينتمي. كحلم لا يجد مكاناً في اليقظة. كروح في عالم المادة.

المثقف المستقل، الذي يجلس ساعات يكتب مقالات لا يقرأها إلا القليل، ويكتب كتباً لا تباع، ويفكر في أسئلة لا تدر ربحاً، هو حارس هذه المعرفة. هو الوصي على هذا "الشيء الآخر". هو الشاهد على أن الحياة ليست كلها بيعاً وشراء.

في هذا الفصل، سنحاول أن نفهم قيمة ما لا قيمة له في السوق. سنتأمل في مصير المعرفة في زمن تسليع كل شيء. سنستمع إلى أصوات المثقفين الذين يواصلون الكتابة رغم أن لا أحد يقرأ. وسنسأل: هل يمكن للمعرفة أن تستمر في عالم لا يعترف إلا بما يمكن قياسه؟



2.

لنبدأ من نقطة بسيطة: كيف تُقاس قيمة المعرفة اليوم؟

في الجامعات، تُقاس قيمة الباحث بعدد المنشورات، وعدد الاستشهادات، ومؤشر هيرش، وتأثير المجلات التي ينشر فيها. المعرفة تتحول إلى أرقام، والعلماء يتحولون إلى آلات لإنتاج هذه الأرقام.

في دور النشر، تُقاس قيمة الكتاب بقدرته على البيع. الكتب التي تبيع تُطبع وتُوزع وتُروج. الكتب التي لا تبيع تبقى في الأدراج، أو تتحول إلى ورق قديم. الناشرون لم يعودوا يبحثون عن كتب جيدة، بل عن كتب مربحة.

في وسائل الإعلام، تُقاس قيمة المقال بعدد الزوار، وعدد المشاركات، ووقت البقاء على الصفحة. المقالات الطويلة، المعقدة، التي تحتاج إلى وقت وتأمل، تخسر في هذه المعادلة. الفوز دائماً للمقالات القصيرة، السريعة، المثيرة.

في مواقع التواصل، تُقاس قيمة الفكرة بعدد الإعجابات والتعليقات والمشاركات. الأفكار التي يمكن اختصارها في جملة، أو في صورة، أو في ميم، هي التي تنتشر. الأفكار المعقدة تبقى حبيسة منشورات لا يقرأها أحد.

في كل مكان، هناك مقياس. وفي كل مقياس، هناك اختزال. المعرفة تختزل إلى أرقام. العمق يختزل إلى سطح. التعقيد يختزل إلى بساطة. والنتيجة هي ما نعيشه اليوم: طوفان من المعلومات، ولكن ندرة في المعنى. وفرة في الإنتاج، ولكن مجاعة في الفهم.

صديق باحث في جامعة ألمانية وصف هذا الوضع بمرارة:

"في الجامعة، لم يعد همي الأساسي هو فهم العالم. همي الأساسي هو النشر. أنشر بأي ثمن، في أي مجلة، عن أي موضوع. المهم أن أنشر. المهم أن تزيد أعداد منشوراتي. المهم أن أحسن مؤشراتي. فهم العالم أصبح ترفاً لا أستطيع تحمله. النشر هو ما يدفع الراتب."

هذا الباحث يعيش التناقض نفسه الذي يعيشه المثقف المستقل، لكن بشكل مختلف. كلاهما يجد نفسه في نظام يقيس المعرفة بمقاييس لا تعترف بجوهرها. كلاهما يضطر للعب وفق قواعد لا يؤمن بها. كلاهما يخاطر بفقدان علاقته الحقيقية بالمعرفة، في سبيل البقاء في نظام لا يعترف إلا بالإنتاج.



3.

لكن دعونا ننظر إلى الصورة الأكبر.

ما يحدث اليوم ليس مجرد تغيير في طرق القياس. هو تحول في مفهوم المعرفة ذاتها. في الماضي، كانت المعرفة تُعتبر قيمة في حد ذاتها. كان طلب العلم عبادة، والتأمل فضيلة، والفكر غاية. كان الإنسان يتعلم ليكون أفضل، ليفهم أكثر، ليعيش أعمق. المعرفة كانت هدفاً، قبل أن تكون وسيلة.

اليوم، تحولت المعرفة إلى وسيلة. وسيلة للحصول على شهادة، للحصول على وظيفة، للحصول على مال، للحصول على مكانة. المعرفة لم تعد قيمة، بل أداة. لم تعد غاية، بل وسيلة. لم تعد نوراً، بل سلعة.

هذا التحول له جذور عميقة. يمتد إلى بدايات الرأسمالية، حيث كل شيء تحول إلى سلعة. لكنه تسارع في العقود الأخيرة، مع صعود "اقتصاد المعرفة"، حيث أصبحت المعرفة نفسها عنصر إنتاج، وأصبح إنتاج المعرفة صناعة، وأصبحت إدارة المعرفة تخصصاً.

في هذا السياق الجديد، المعرفة التي لا تنتج قيمة اقتصادية تصبح بلا قيمة. المعرفة التي لا تساهم في النمو، لا تدخل في الحسابات. المعرفة التي لا تدر ربحاً، لا تستحق الاهتمام. الفلسفة، والأدب، والفن، والتأمل: كلها تصبح ترفاً لا يليق بزمن الإنتاجية القصوى.

صديق فيلسوف في باريس قال لي:

"أحياناً، حين أكون في ندوة أكاديمية، وأستمع إلى العروض والمناقشات، أسأل نفسي: ماذا نفعل هنا حقاً؟ نتحدث بلغة لا يفهمها إلا القليل، عن مواضيع لا تهم إلا القلة، وننشر في مجلات لا يقرأها إلا المتخصصون. ثم نعجب لأن المجتمع لا يهتم بنا. المجتمع لا يهتم بنا لأننا، في الحقيقة، لا نقدم له شيئاً. لا نقدم حلولاً، ولا نقدم سلعاً، ولا نقدم ترفيهاً. نقدم فقط أسئلة، وأسئلة فقط. وفي زمن يبحث عن إجابات سريعة، الأسئلة لا تساوي شيئاً."

هذا الفيلسوف يعيش مأزق المثقف في زمن تسليع المعرفة. يعرف أن ما يفعله مهم، لكنه لا يستطيع إثبات أهميته بمقاييس السوق. يعرف أن الأسئلة التي يطرحها ضرورية، لكنه لا يستطيع ترجمتها إلى سلع قابلة للبيع. يعرف أن التفكير قيمة، لكنه لا يستطيع تحويل هذه القيمة إلى أرقام.

بين هذا وذاك، يبقى معلقاً. يمارس مهنته، ويؤمن بقيمتها، ويشك في جدواها. يعيش التناقض، ويحاول ألا ينهار تحته.



4.

المثقف المستقل يعيش هذا التناقض بشكل يومي.

كل صباح، يجلس ليكتب. يعرف أن ما يكتبه قد لا يقرأه أحد. يعرف أنه لن يجني منه مالاً. يعرف أنه يضيع وقته، وفق مقاييس السوق. لكنه يكتب. يكتب لأن الكتابة أصبحت جزءاً منه، كالتنفس. يكتب لأن الصمت يقتله. يكتب لأنه لا يستطيع ألا يكتب.

صديقة كاتبة في برشلونة قالت لي:

"أكتب مقالات طويلة عن مواضيع لا تهم أحداً. أعرف هذا. الناشرون يرفضونها، والقراء لا يتابعونها، والأصدقاء يتساءلون لماذا أضيع وقتي. لكني أكتب. أكتب لأن هذه المقالات هي أنا. هي ما أفكر فيه حقاً، ما يقلقني حقاً، ما يشغل بالي حقاً. لو توقفت عن كتابتها، لتوقفت عن كوني."

هذه الكاتبة تعيش قيمة ما لا قيمة له في السوق. تعيش المعرفة كحاجة داخلية، لا كسلعة خارجية. تعيش الكتابة كضرورة وجودية، لا كمهنة. تعيش الفكر كغاية، لا كوسيلة.

هذا النوع من المعرفة لا يُثمَّن. لا يدخل في الميزانيات، ولا يظهر في الإحصاءات، ولا يُحتسب في الناتج المحلي. لكنه موجود. موجود في آلاف الغرف الصغيرة، في مدن كثيرة، حيث يجلس مثقفون مستقلون يكتبون ما لا يقرأه أحد. موجود في ملايين الصفحات التي لا تزورها العيون. موجود في كل فكرة تموت قبل أن تولد، لأن لا أحد يحتضنها.

السؤال: هل هذه المعرفة تذهب سدى؟ هل كل هذا الجهد يضيع هباءً؟ أم أن هناك قيمة خفية، لا تُقاس، لا تُرى، لكنها موجودة؟



5.

دعونا نحاول أن نفهم هذه القيمة الخفية.

في الثقافات القديمة، كان هناك مفهوم اسمه "البركة". البركة هي ذلك الشيء غير المرئي الذي يجعل الحياة ممكنة. ليس مالاً، ولا سلعة، ولا شيئاً ملموساً. لكن بدونه، يموت كل شيء. البركة هي ما يجعل الزرع ينمو، والأسرة تترابط، والمجتمع يستمر. هي ما يمنح الأشياء قيمتها الحقيقية، حتى لو لم تكن لها قيمة في السوق.

المعرفة التي لا تُثمَّن هي بركة العصر الحديث.

هي التي تخلق المناخ الفكري الذي يسمح للمعرفة المربحة بالنمو. هي التي تغذي العقول التي ستنتج الابتكارات القادمة. هي التي تحافظ على فضول الإنسان، وحبه للتعلم، ورغبته في الفهم. هي التي تذكرنا بأن الحياة ليست مجرد إنتاج واستهلاك، بل أيضاً تأمل وحلم.

بدون هذه المعرفة، تتحول المعرفة المربحة إلى آلة جوفاء. تتحول الجامعات إلى معامل إنتاج، والبحث إلى سباق، والتعليم إلى تدريب. يفقد كل شيء روحه، ويبقى الجسد فقط. جسد معرفي بلا روح، يتحرك لكنه لا يحيا.

صديق روائي في إيطاليا قال لي:

"أحياناً أفكر في الكتب التي لن تُقرأ أبداً. في المخطوطات التي تبقى في الأدراج. في الأفكار التي تموت قبل أن تولد. أتخيلها كأرواح تائهة، تبحث عن جسد تحتله، عن عيون تقرأها، عن عقول تحتضنها. ثم أتساءل: هل هذه الأرواح تذهب سدى؟ أم أنها تبقى في الهواء، تغذي وعاء ثقافياً لا نراه لكننا نتنفسه؟"

ربما هذا هو السر. المعرفة التي لا تُثمَّن لا تذهب سدى. تبقى في الهواء، في اللغة، في الذاكرة الجماعية. تغذي الوعي الجمعي، ولو بشكل غير مرئي. تشكل الخلفية التي تظهر عليها المعرفة المربحة. هي التربة التي تزدهر فيها الأفكار القابلة للبيع. بدونها، لا شيء.



6.

لننتقل من الفلسفة إلى الواقع. كيف يعيش المثقف المستقل هذا التناقض في حياته اليومية؟

خذوا مثال باحثة في العلوم الإنسانية، تكرس سنوات لكتابة كتاب عن موضوع لا يباع. تعرف من البداية أن الكتاب لن يحقق أرباحاً، وأن الناشر سيتردد في نشره، وأن القراء سيكونون قلة. لكنها تكتب. تكتب لأن الموضوع يهمها، لأنه جزء من رسالتها، لأنه ما تريد قوله للعالم.

بعد سنوات من البحث والكتابة، يصدر الكتاب. يباع منه بضع مئات من النسخ. يقرأه عشرات الباحثين المتخصصين. يحصل على مراجعة في مجلة أكاديمية، وربما يُستشهد به في بعض الأبحاث. ثم يختفي، كغيره من الكتب، في رفوف المكتبات المتخصصة.

هل كان هذا الجهد عبثاً؟ حسب مقاييس السوق، نعم. لم يدر ربحاً، ولم يحقق شهرة، ولم يغير العالم. لكن حسب مقاييس أخرى، لا. لأن هذا الكتاب أضاف شيئاً صغيراً إلى المعرفة الإنسانية. لأنه ساهم في فهم موضوع ما بشكل أعمق. لأنه حافظ على استمرار حوار فكري قد يمتد لقرون.

الباحثة نفسها، حين سألتها عن جدوى كتابها، قالت:

"أعرف أن كتابي لن يغير العالم. أعرف أن القلة ستقرأه. لكني كتبته كما يكتب المرء رسالة إلى صديق. رسالة لا تصل إلا بعد موتي، لكنها تصل. في يوم من الأيام، سيجده باحث شاب، في مكتبة قديمة، أو في أرشيف إلكتروني. سيقرأه، وستثير فيه فكرة ما. قد لا يتذكر اسمي، لكن الفكرة ستعيش. وهذا يكفي."

هذا هو الأمل الصغير الذي يبقي المثقف المستقل على قيد الحياة. ليس الأمل في الشهرة أو المال، بل في أن تصل كلماته إلى من يحتاجها، ولو بعد حين. أن تبقى فكرته حية، ولو في عقل واحد. أن يكون وجوده قد ترك أثراً، ولو كان أثراً صغيراً.



7.

لكن الحديث عن المعرفة التي لا تُثمَّن لا يكتمل دون حديث عن اللغة.

اللغة هي وعاء المعرفة. هي التي تحمل الأفكار، وتنقلها عبر الزمن، وتبقيها حية. في زمن تسليع المعرفة، تتعرض اللغة نفسها للتحول. تصبح أداة، لا قيمة لها في ذاتها. تصبح وسيلة للتواصل السريع، لا للتعبير العميق. تصبح سلعة، تباع وتشترى، في سوق الكلمات.

المثقف المستقل، الذي يكتب بلغة لا تدر ربحاً، يحافظ على علاقة مختلفة مع اللغة. يعاملها ككائن حي، لا كأداة ميتة. يحترم أسرارها، ويعتني بجمالها، ويصغي إلى إيقاعاتها. يكتب كما يكتب الشاعر، حتى حين يكتب نثراً. يبحث عن الكلمة الدقيقة، عن الجملة الموحية، عن الصورة المدهشة.

صديق كاتب في لشبونة قال لي:

"اللغة عندي ليست مجرد وسيلة للتواصل. هي عالم بذاته، أعيش فيه. حين أكتب، لا أنقل أفكاراً فقط، بل أبني عوالم. أختار كل كلمة كما يختار الرسام لونه، كما يختار الموسيقي نغمته. الكلمة عندي ليست مجرد دلالة، بل حضور. ليست مجرد معنى، بل جسد."

هذه العلاقة مع اللغة نادرة في زمننا. في زمن التغريدات والرسائل القصيرة، نادراً ما يتوقف أحد عند الكلمة. نادراً ما يتأمل أحد في جمال اللغة. نادراً ما يضحي أحد بسرعة التواصل من أجل عمق التعبير. المثقف المستقل، في عناده على الكتابة الجيدة، يحافظ على هذه العلاقة القديمة. يحافظ على اللغة كقيمة، لا كوسيلة فقط.

وهذا، في زمن تسليع كل شيء، هو شكل من أشكال المقاومة. مقاومة لا تحتاج إلى شعارات، ولا إلى بيانات، ولا إلى تنظيم. تحتاج فقط إلى كاتب يجلس أمام صفحة بيضاء، ويختار كلماته بعناية، كأنه يزرع حديقة.



8.

ربما كان علينا أن نتحدث عن الزمن أيضاً.

المعرفة التي لا تُثمَّن تحتاج إلى زمن. زمن للنضج، زمن للتأمل، زمن للكتابة. لا يمكن إنتاجها بسرعة، كما تنتج السلع. لا يمكن تسريعها، كما تسرع العمليات. لها إيقاعها الخاص، الذي لا يتوافق مع إيقاع السوق.

في زمن السرعة القصوى، حيث كل شيء يجب أن يكون سريعاً، تصبح هذه المعرفة عبئاً. تحتاج إلى وقت لا نملكه. تحتاج إلى صبر فقدناه. تحتاج إلى هدوء لا نجده. لذلك تهمش، تُنسى، تُترك لمن يملكون ترف الوقت.

المثقف المستقل، الذي يعيش غالباً على حافة الوقت، يحاول أن يخلق هذا الزمن الخاص. يسرق ساعات من النوم، من الراحة، من الحياة الاجتماعية، ليكتب. يقاوم ضغط السرعة، ويمنح نفسه الوقت الذي تحتاجه الكتابة. يرفض أن يكون مجرد آلة لإنتاج الكلمات، ويصر على أن يبقى إنساناً يكتب.

صديقة شاعرة في كوبنهاغن وصفت هذا الصراع مع الزمن:

"أكتب ببطء. بطء شديد. قد أقضي أسبوعاً في قصيدة واحدة. أعيد كتابتها عشرات المرات، أغير كلمة، أرجعها، أغير أخرى. أصدقائي يسألونني: أليس هذا مضيعة للوقت؟ يمكنك كتابة عشر قصائد في هذا الأسبوع. لكني لا أريد عشر قصائد. أريد قصيدة واحدة، لكنها تكون كما أريد. قصيدة تشبهني، تشبه ما أريد قوله. في زمن السرعة، هذا عناد. لكنه العناد الوحيد الذي يبقيني حية."

هذا العناد هو ما يحافظ على إمكانية المعرفة العميقة في زمن السطحية. هو ما يذكرنا بأن السرعة ليست كل شيء، وأن البطء قد يكون أكثر إنتاجية على المدى البعيد، وأن الوقت المستثمر في التأمل ليس وقتاً ضائعاً، بل وقتاً مباركاً.


9.

دعونا ننظر الآن إلى الجانب المظلم من هذه المعرفة.

المعرفة التي لا تُثمَّن لها ثمن، رغم أنها لا تُباع. ثمنها هو حياة من ينتجونها. المثقف المستقل الذي يكرس وقته لكتابة ما لا يقرأه أحد، يدفع ثمناً باهظاً. يدفع بصحته، بعلاقاته، براحته، بمستقبله. يعيش على حافة الانهيار، في توازن هش بين الإبداع والجنون.

صديق كاتب في فيينا، عرفته منذ سنوات، انتحر قبل عامين. كان يكتب رواية عن المنفى والذاكرة، عمل عليها عشر سنوات. لم ينشر منها شيئاً، لأنه كان يعتقد أنها لم تنضج بعد. عاش وحيداً، في شقة صغيرة، على إعانة متواضعة. كان مريضاً، ولم يكن لديه تأمين صحي كافٍ. ذات صباح، وجدوه معلقاً في شقته. بجانبه، مخطوطة الرواية، مئات الصفحات، مرتبة بعناية.

صديق مشترك قال لي في جنازته:

"مات من أجل كتاب لن يقرأه أحد. مات من أجل كلمات لا يعرفها أحد. مات من أجل حلم كان أكبر منه."

هذه القصة القاسية تذكرنا بثمن المعرفة التي لا تُثمَّن. هي ليست مجرد ترف فكري، بل هي أحياناً مسألة حياة أو موت. هي اختيار وجودي، قد يكلف صاحبه كل شيء.

لكنها أيضاً تذكرنا بشيء آخر: أن هذه المعرفة، رغم ثمنها الباهظ، تظل ضرورية. ضرورية لأنها تذكرنا بأن الحياة ليست مجرد إنتاج واستهلاك. ضرورية لأنها تحافظ على إمكانية المعنى في عالم يفقده. ضرورية لأنها تخلق جمالاً، حتى لو لم يره أحد.

صديقنا الكاتب مات، لكن روايته بقيت. في مكان ما، في أدراج ناشر أو في أرشيف عائلته، تنتظر من يقرأها. قد تمر سنوات، عقود، قرون. لكنها ستظل موجودة. وذات يوم، سيجدها من يحتاجها. سيفتحها، ويقرأها، ويقول: "هذا ما كنت أبحث عنه."

ربما هذا هو الخلود الوحيد الممكن في زمننا. ليس في الشهرة والمال، بل في أن تترك أثراً، ولو صغيراً، في رمال الزمن.



10.

لنعد إلى المكتبة الصغيرة التي بدأنا بها هذا الفصل.

صاحب المكتبة المسن، الذي قال إن الكتب لا تُباع لكنها موجودة، هو نموذج للمثقف الذي يعيش قيمة ما لا قيمة له. هو لا يبيع كثيراً، لكنه يحافظ على فضاء للكتب، على مكان للمعرفة، على ملاذ لمن يبحثون عن شيء آخر غير السلع.

في مكتبته، تجد كتباً لا تجدها في أي مكان آخر. كتباً قديمة، نادرة، منسية. كتباً عن مواضيع لا تهم السوق. كتباً باللغات المهمشة. كتباً لمؤلفين لا يعرفهم أحد. كلها موجودة هناك، تنتظر من يكتشفها.

صاحب المكتبة يعرف أن مكتبته لن تجعله غنياً. يعرف أنها قد تغلق يوماً، عندما يرحل أو عندما يعجز عن دفع الإيجار. لكنه يستمر. يستمر لأنه يؤمن بأن الكتب يجب أن تبقى، حتى لو لم تُبَع. لأنه يعرف أن هناك قيمة أخرى، غير قيمة السوق. قيمة لا تُقاس بالمال، بل بالوجود نفسه.

في زيارتي الأخيرة له، قبل أن أغادر المدينة، سألته: لماذا تفعل هذا؟ لماذا تضحي بحياتك من أجل كتب لا يقرأها أحد؟

نظر إليّ طويلاً، ثم قال:

"لأن الكتب، يا بني، هي ذاكرة البشر. هي ما يبقى بعد أن نرحل. هي ما يحفظ أحلامنا وأفكارنا وأوجاعنا. قد لا يقرأها أحد اليوم، لكنها ستظل شاهدة على أننا عشنا، وأننا فكرنا، وأننا أحببنا. وهذا، في النهاية، هو كل ما يهم."

خرجت من المكتبة وأنا أحمل هذه الكلمات. مشيت في شوارع المدينة القديمة، بين الناس والسيارات والمحلات. رأيت كل شيء يُباع ويُشترى. رأيت وجوهاً متعبة تبحث عن صفقة جيدة. رأيت إعلانات تَعِد بالسعادة مقابل المال. وفجأة، تذكرت المكتبة الصغيرة، والرجل العجوز، والكتب التي تنتظر. وشعرت أن هناك شيئاً ثميناً يُحفظ هناك، في الظل، بعيداً عن صخب السوق.

شيء اسمه المعرفة التي لا تُثمَّن.



11.

لكن الحديث عن هذه المعرفة لا يكتمل دون حديث عن المستقبل.

ماذا سيحدث لهذه المعرفة في العقود القادمة؟ هل ستستمر، رغم كل الضغوط، أم ستندثر تدريجياً، كاللغات المهددة بالانقراض؟ هل سيبقى هناك مكان للكتب التي لا تُباع، وللأفكار التي لا تدر ربحاً، وللتأمل الذي لا ينتج شيئاً؟

لا أحد يعرف الإجابة. لكن المؤشرات ليست مشجعة.

المكتبات المستقلة تغلق في كل مكان. دور النشر الصغيرة تندمج أو تختفي. الصحافة الثقافية تتراجع. البرامج الجامعية في العلوم الإنسانية تشهد تخفيضات. الاهتمام العام بالفكر العميق يتراجع لصالح الترفيه السريع والمعلومات السطحية.

في هذا السياق، تبدو المعرفة التي لا تُثمَّن مهددة أكثر من أي وقت مضى. تبدو كأنواع مهددة بالانقراض في غابة تتحول إلى صحراء.

لكن هناك أيضاً مؤشرات معاكسة. في زمن الرقمنة، أصبح من السهل نشر المعرفة دون الحاجة إلى ناشرين تقليديين. أصبح من الممكن الوصول إلى قراء متفرقين، في كل أنحاء العالم، عبر منصات بسيطة. أصبح من الممكن بناء مجتمعات صغيرة حول اهتمامات مشتركة، بعيداً عن سوق الكتب التقليدي.

صديق كاتب في مونتريال أسس موقعاً إلكترونياً ينشر فيه نصوصاً طويلة عن مواضيع لا تجد مكاناً في الصحف التقليدية. لا يربح من الموقع شيئاً، بل يدفع من جيبه تكاليف استضافته. لكن الموقع يقرأه الآلاف شهرياً. أناس من كل أنحاء العالم، يبحثون عن شيء آخر غير الأخبار العاجلة والترفيه السريع.

قال لي:

"اكتشفت أن هناك جوعاً خفياً للعمق. أناس كثر تعبوا من السطحية، ويبحثون عن شيء مختلف. ليس كثيرين، لكنهم موجودون. وهؤلاء هم قرائي. أكتب لهم، وهم يقرؤونني. لا نلتقي أبداً، ولا نعرف أسماء بعضنا، لكن هناك حوار صامت بيننا. وهذا يكفي."

ربما هذا هو مستقبل المعرفة التي لا تُثمَّن. ليس في المؤسسات الكبيرة، ولا في الأسواق الواسعة، بل في الشبكات الصغيرة، والمجتمعات الافتراضية، واللقاءات الخفية بين كاتب يبحث عن قارئ، وقارئ يبحث عن كاتب. في هذه المساحات الصغيرة، قد تستمر المعرفة. قد تبقى حية، رغم كل شيء.



12.

قبل أن ننتقل إلى الفصل السادس، حيث سنتحدث عن "الجسد الذي يتعب قبل الروح"، أريد أن أتركك مع صورة أخيرة.

صورة كاتب، في ليلة شتوية باردة، يجلس أمام نافذته.

الثلج يتساقط خارجاً، يغطي المدينة بصمت. الشارع خاوٍ، والمصابيح تضيء فراغاً لا يسكنه أحد. الكاتب يحتسي قهوته، وينظر إلى الثلج، ويفكر.

على مكتبه، مخطوطة كتاب يعمل عليه منذ سنوات. صفحات كثيرة، مكتوبة بخط اليد وبالكمبيوتر، مع تعديلات لا تحصى. الكتاب عن موضوع لا يباع، عن فكرة لا تدر ربحاً، عن حلم لا يشاركه فيه أحد. الكتاب الذي قد لا يُنشر أبداً.

لكن الكاتب لا يفكر في هذا الآن. يفكر في الثلج، في الصمت، في الجمال. يفكر في أن هذه اللحظة، هذه اللحظة بالذات، هي ثمينة. لأنها لحظة تأمل، لحظة هدوء، لحظة وجود خالص.

يمد يده إلى ورقة بيضاء، ويكتب:

"الثلج يتساقط، وأنا أكتب. لا أحد يقرأ، ولا أحد يهتم. لكني أكتب. أكتب لأن الكتابة هي طريقي لأن أكون في العالم. أكتب لأن الكلمات تجعل الثلج أجمل، والصمت أعمق، والوحدة أقل قسوة. أكتب لأني، حين أكتب، أشعر أني حي."

يضع القلم جانباً، ينظر إلى الثلج من جديد. يبتسم ابتسامة خفيفة، لا يعرف لها سبباً. ثم يطفئ الضوء، ويذهب إلى الفراش.

خارجاً، يستمر الثلج في التساقط. يغطي المدينة، ويخفي تحت بياضه كل قسوة النهار. وفي الصباح، ستشرق الشمس، وسيذوب الثلج، وستعود الحياة إلى إيقاعها المعتاد. لكن شيئاً سيبقى. شيء صغير، خفي، لا يُرى.

شيء اسمه المعرفة التي لا تُثمَّن.


…….


الفصل السادس

الجسد الذي يتعب قبل الروح

1.

في البدء كان الجسد.

قبل الأفكار، قبل الكلمات، قبل الكتابة، كان هناك الجسد. ذلك الكائن الصامت الذي يحملنا عبر الحياة، ينبض دون أن نطلب منه، يتنفس دون أن نفكر، يشفى دون أن نشعر. الجسد هو بيت الروح، وهو السجن أحياناً، وهو الرفيق الدائم الذي لا يفارقنا حتى الرمق الأخير.

لكننا، معشر المثقفين، ننسى الجسد غالباً.

نعيش في رؤوسنا أكثر مما نعيش في أجسادنا. نقضي ساعات ممتدة أمام الشاشات، منحنين على المكاتب، محدقين في الكلمات. نهمل الجسد، نؤجل احتياجاته، نتجاهل آلامه الصغيرة حتى تتحول إلى أمراض كبيرة. نتعامل معه كأداة، كوسيلة لنقل الرأس من مكان إلى آخر، كحامل لأفكارنا الثمينة التي لا تشبع ولا تتعب ولا تموت.

لكن الجسد يتعب. الجسد يمرض. الجسد ينهار.

في زمن تآكل دولة الرفاه، وتضخم السوق، واقتصاد القلق، يدفع الجسد الثمن الأكبر. هو خط الدفاع الأول، وهو أول من يستسلم. هو الشاهد الصامت على كل معاركنا اليومية، وهو الضحية التي لا تبكي.

دعونا، في هذا الفصل، ننصت إلى الجسد. نستمع إلى آلامه الصغيرة، وإرهاقه المزمن، واحتجاجاته الخافتة. دعونا نرى كيف يعيش المثقف المستقل هذه العلاقة المتوترة مع جسده، في زمن يطلب منه أن يكون آلة، بينما هو ما زال بشراً من لحم ودم.



2.

لنبدأ من مشهد بسيط، يعيشه آلاف المثقفين يومياً.

الساعة الثامنة صباحاً. كاتب يجلس أمام مكتبه. أمامه شاشة الكمبيوتر، وبجانبه فنجان قهوة، وفي الخلفية موسيقى هادئة. يبدو المشهد مثالياً، كما في إعلانات الأثاث المكتبي: شخص يبدع في راحة بيته.

لكن ما لا تراه الكاميرا هو جسده.

ظهره منحنٍ بزاوية خاطئة، لأن الكرسي رخيص ولا يدعم الفقرات القطنية. رقبته ممدودة إلى الأمام، لأن الشاشة منخفضة جداً. كتفاه مشدودان إلى الأعلى، دون أن يشعر، من التوتر المزمن. عيناه جافتان، لأن العدسات اللاصقة جفت بعد ساعات من التحديق.

هذا الجسد لا يشكو. ليس لأنه لا يتألم، بل لأنه تعود على الألم. الألم أصبح طبيعياً، كالخلفية التي لا نلاحظها إلا حين تتوقف فجأة.

بعد ساعتين من الكتابة، يحاول الكاتب أن ينهض. لكن ظهره يتشنج. يبقى معلقاً نصف واقف، ينتظر أن يزول الألم. يتنفس بعمق، يتمدد قليلاً، يحاول أن يفرد عموده الفقري. الألم يزول تدريجياً، لكنه لا يختفي تماماً. يبقى هناك، كذكرى، كتحذير.

يمشي قليلاً في الغرفة. يشرب كوب ماء. ينظر من النافذة. يعود إلى المكتب. يجلس. ويعود الألم.

هكذا هو يوم المثقف المستقل. معركة صغيرة مع الجسد، لا تنتهي. معركة لا يراها أحد، ولا يتحدث عنها أحد، لكنها تستنزف طاقة هائلة. طاقة كان يمكن أن تذهب إلى الكتابة، إلى الإبداع، إلى الحياة.



3.

لكن آلام الظهر ليست سوى البداية.

دعونا نتأمل في الآثار الجسدية الأخرى للعيش في اقتصاد القلق.

الأرق:

كم من مثقف مستقل ينام ثلاث ساعات فقط في الليلة، والباقي يقضيه محدقاً في السقف، يفكر في الفواتير، في المواعيد النهائية، في الرفض القادم؟ كم منهم يستيقظ في الثالثة فجراً، ويبقى مستيقظاً حتى الصباح، لأنه لا يستطيع إيقاف تشغيل عقله؟ الأرق أصبح وباءً خفياً، لا يُذكر في الإحصاءات، لكنه ينهش الصحة بهدوء.

الصداع المزمن:

صداع التوتر، صداع الشقيقة، صداع إجهاد العينين. كلها رفيقة دائمة للمثقف المستقل. يبدأ الصداع خفيفاً في الصباح، يزداد خلال النهار، يبلغ ذروته مساءً. مسكنات الألم تصبح صديقاً يومياً، والمخاوف من الإدمان تبقى في الخلفية، لا تجرؤ على الظهور.

مشاكل الهضم:

القلق يضرب المعدة أولاً. قرحة المعدة، ارتجاع المريء، متلازمة القولون العصبي. كلها أمراض ترتبط مباشرة بالتوتر المزمن. المثقف المستقل يأكل بسرعة، يأكل طعاماً غير صحي، يأكل وهو يعمل، يأكل وهو قلق. والجسد يدفع الثمن.

ضعف المناعة:

نزلات البرد المتكررة، الالتهابات التي لا تلتئم، الأمراض التي تطول أكثر من اللازم. جهاز المناعة، الذي يعمل تحت ضغط دائم، ينهك تدريجياً. يصبح غير قادر على حماية الجسد كما يجب. والمثقف المستقل، الذي لا يملك تأميناً صحياً كافياً، يؤجل زيارة الطبيب، يتجاهل الأعراض، يأمل أن تختفي من تلقاء نفسها.

صديق كاتب في أمستردام وثق هذه الآثار بكلمات بسيطة:

"جسدي يشبه سيارة قديمة، كل شهر يظهر عطل جديد. الشهر الماضي كان الظهر، هذا الشهر المعدة، الشهر القادم لا أعرف. أعرف فقط أني أصلح الأعطال واحداً تلو الآخر، دون أن أستطيع إجراء صيانة شاملة. ليس لدي وقت، ولا مال، ولا طاقة. فقط أتعامل مع الطوارئ، وأرجو ألا تحدث طوارئ أكبر."

هذه الكلمات تختصر حياة كثيرين. حياة تصبح إدارة للطوارئ، لا تخطيطاً للمستقبل. حياة يكون فيها الجسد عدواً يجب تهدئته، لا صديقاً يجب الاعتناء به.



4.

لكن العلاقة مع الجسد ليست مجرد علاقة مع الألم. هي أيضاً علاقة مع الزمن، مع الشيخوخة، مع الفناء.

المثقف المستقل، الذي يعيش على حافة الهاوية، يشيخ بسرعة. ليس بالسنوات فقط، بل بالتعب المتراكم. كل ليلة بلا نوم تترك أثرها. كل يوم من القلق يخط خطاً على الوجه. كل معركة صغيرة تستهلك جزءاً من الرصيد المحدود للحياة.

صديقة كاتبة في برلين، في الخامسة والأربعين، قالت لي:

"أنظر في المرآة ولا أتعرف على نفسي. هذا الوجه المتعب، هذه العيون المحتقنة، هذه التجاعيد العميقة. عمري 45، لكني أشعر أني 60. ليس لأني عشت كثيراً، بل لأني قلقت كثيراً. القلق يسرق العمر، يخطه على الوجه، يكتبه على الجسد."

هذا الشعور بالشيخوخة المبكرة منتشر بين المثقفين المستقلين. ليس لأنهم يكبرون أسرع، بل لأنهم يشعرون بثقل السنين أكثر. كل سنة في اقتصاد القلق تعادل ثلاث سنوات في حياة عادية. كل يوم من التوتر يستهلك من الجسد ما تستهلكه أيام الراحة في شهور.

والأسوأ أن هذا الجسد المتعب مطالب بالإنتاج نفسه. مطالب بالكتابة، بالإبداع، بالتميز. المجتمع لا يعترف بالتعب كعذر. السوق لا يقبل الإرهاق كتفسير. المثقف المستقل يجب أن يبدو دائماً في كامل قوته، حتى وهو ينهار من الداخل.



5.

دعونا ننظر الآن إلى الجانب المادي من هذه المعادلة.

العناية بالجسد تكلف مالاً. والمال، في حياة المثقف المستقل، نادر دائماً.

التأمين الصحي الجيد غالي الثمن. زيارة الطبيب المختص تحتاج إلى دفع. الفحوصات الدورية تكلف. العلاج الطبيعي، الأدوية، النظارات الطبية، كلها بنود إضافية في ميزانية ضيقة أصلاً.

الرياضة، التي يحتاجها الجسد المتعب، تكلف أيضاً. اشتراك النادي الرياضي، أو حتى شراء حذاء جيد للمشي، قد يكون ترفاً لا يمكن تحمله. التغذية الصحية، الخضروات العضوية، المكملات الغذائية، كلها تبقى في قائمة الأمنيات.

صديق كاتب في لندن قال لي:

"أعرف أني بحاجة إلى علاج طبيعي لظهري. لكن الجلسة الواحدة تكلف 50 جنيهاً. لو ذهبت مرة في الأسبوع، سأدفع 200 جنيه شهرياً. هذا أكثر مما أدفعه للطعام. فماذا أفعل؟ أشتري مسكنات رخيصة، وأتمنى أن يتحسن الظهر وحده."

هذه الحسابات اليومية، هذه المقايضات بين الصحة والمال، تشكل جزءاً كبيراً من حياة المثقف المستقل. كل يوم، يختار بين أن يعتني بجسده أو أن يوفر المال لشيء آخر. كل يوم، يؤجل العناية بالصحة إلى الغد. والغد لا يأتي أبداً.

في هذا السياق، يصبح المرض ترفاً لا يمكن تحمله. ليس فقط لأن العلاج مكلف، بل لأن المرض يعني التوقف عن العمل. والمثقف المستقل، الذي لا يملك إجازات مرضية مدفوعة، يعرف أن يوم التوقف هو يوم بلا دخل. لذلك يواصل العمل حتى وهو مريض. يواصل الكتابة حتى وهو يعاني. يواصل الإنتاج حتى ينهار.



6.

لكن الحديث عن الجسد لا يكتمل دون حديث عن الجنس، عن العلاقات، عن الحميمية.

في اقتصاد القلق، تعاني العلاقات الحميمة أيضاً. الجسد المتعب لا يشتهي. العقل المشغول لا يرغب. الروح المثقلة لا تنفتح. المثقف المستقل يجد نفسه أحياناً عاجزاً عن الحب، ليس لأنه لا يحب، بل لأنه لا يملك الطاقة للحب.

صديقة كاتبة في باريس وصفت هذه التجربة بكلمات صادقة:

"أحب شريكي، وأعرف أنه يحبني. لكن حين يحين وقت الحميمية، أجد نفسي مشتتة. أفكر في المقال الذي لم أكتبه، في الفاتورة التي لم أدفعها، في البريد الذي لم أقرأه. جسدي موجود، لكني لست فيه. أنا في مكان آخر، في عالم القلق. وهذا يقتل العلاقة ببطء."

هذه التجربة مألوفة لكثيرين. القلق يسرق الحضور. الحضور يسرق الحميمية. الحميمية تموت ببطء، دون أن يقصد أحد قتلها. العلاقات تتراجع إلى مساحات آمنة، باردة، بعيدة. والمثقف المستقل يجد نفسه وحيداً، حتى وهو مع من يحب.

الجسد، الذي كان يمكن أن يكون جسراً إلى الآخر، يصبح حاجزاً. المتعة، التي كانت يمكن أن تكون متنفساً، تصبح عبئاً إضافياً. العلاقة، التي كانت يمكن أن تكون ملاذاً، تصبح مجالاً آخر للقلق.



7.

ربما كان علينا أن نتحدث عن الموت أيضاً.

لأن الجسد، حين يتعب، يذكرنا دائماً بالنهاية. كل ألم هو تذكير بأننا فانون. كل مرض هو بروفة للمغادرة. كل شيخوخة هي اقتراب من المجهول.

المثقف المستقل، الذي يعيش على حافة الهاوية، يواجه الموت بطريقة مختلفة. ليس كحدث بعيد، بل كاحتمال قريب. ليس كشيء سيحدث يوماً ما، بل كشيء يمكن أن يحدث في أي لحظة.

صديق كاتب في فيينا، الذي أصيب بمرض خطير قبل سنتين، قال لي:

"قبل المرض، كنت أؤجل كل شيء. كنت أعتقد أن لدي كل الوقت. سأكتب هذا الكتاب لاحقاً، سأعيش هذه التجربة لاحقاً، سأقول هذه الكلمات لاحقاً. ثم جاء المرض، وجعلني أواجه الحقيقة: ليس هناك لاحقاً. هناك الآن فقط. الآن، بهذا الجسد المتعب، بهذه اللحظة العابرة."

هذه المواجهة مع الموت تغير علاقة المثقف المستقل بجسده. قد تدفعه إلى الاعتناء به أكثر، أو قد تدفعه إلى إهماله أكثر، كمن يقول: "ما دمت سأموت، فلماذا أهتم؟"

لكنها، في الحالتين، تذكر بشيء أساسي: أن الجسد ليس مجرد أداة. هو نحن. هو وعاء وجودنا. هو حدود حريتنا. هو ما يجعلنا بشراً، ليس ملائكة ولا آلات.



8.

دعونا ننظر الآن إلى الجانب الآخر من المعادلة: كيف يحاول المثقف المستقل أن يعتني بجسده، رغم كل الصعوبات؟

بعضهم يمارس رياضة بسيطة، رخيصة، لا تحتاج إلى اشتراكات. المشي السريع، تمارين الإطالة في البيت، اليوغا عبر الإنترنت. يحاولون إدخال الحركة إلى يومهم، حتى لو كانت حركة قليلة.

بعضهم يهتم بالتغذية، بقدر المستطاع. يطبخون في البيت بدل الأكل الجاهز، يشترون الخضروات الموسمية الرخيصة، يقللون من السكر والقهوة. يحاولون إطعام الجسد ما يحتاجه، لا ما تسمح به الميزانية فقط.

بعضهم يخصص وقتاً للراحة الحقيقية. ليس الراحة التي يقضونها في التفكير في العمل، بل الراحة التي تعني التوقف الكامل. ساعة في الحديقة، يوم بلا شاشات، عطلة نهاية أسبوع حقيقية. يحاولون إقناع أنفسهم أن الراحة ليست ترفاً، بل ضرورة.

صديقة كاتبة في ستوكهولم طورت طقوساً خاصة للعناية بجسدها:

"كل مساء، قبل النوم، أمشي لمدة نصف ساعة. لا آخذ معي هاتفاً، ولا أفكر في العمل. أمشي فقط، أنظر إلى السماء، أستمع إلى خطاي. هذه الساعة الصغيرة هي ما يحافظ على سلامتي. هي ما يذكرني بأني لست مجرد عقل، بل جسد أيضاً. جسد يحتاج إلى حركة، إلى هواء، إلى حياة."

هذه الطقوس الصغيرة، هذه الممارسات اليومية، هي ما يبقي المثقف المستقل على قيد الحياة. ليس فقط على قيد الحياة الجسدية، بل على قيد الحياة الإنسانية. هي ما يذكره بأنه بشر، له جسد يحتاج إلى عناية، وليس مجرد آلة لإنتاج الكلمات.



9.

لكن العناية بالجسد، في زمن اقتصاد القلق، تصبح أحياناً فعلاً من أفعال المقاومة.

المقاومة ليست دائماً في المظاهرات والبيانات. قد تكون في قرار بسيط: أن تمشي ساعة كل يوم، رغم أن لديك عملاً متراكماً. أن تنام ثماني ساعات، رغم أن الموعد النهائي يقترب. أن تأكل وجبة صحية، رغم أن الوجبات السريعة أسهل وأرخص.

هذه القرارات الصغيرة تقول شيئاً مهماً: أن الجسد يستحق العناية. أن الحياة تستحق أن تعاش، ليس فقط أن تُستخدم. أن الإنتاج ليس كل شيء، وأن الراحة حق وليست ترفاً.

صديق كاتب في برشلونة قال لي:

"حين أقرر أن أتوقف عن العمل في الثامنة مساءً، وأذهب للمشي على الشاطئ، أشعر أني أقاوم. أقاوم ثقافة الإنتاج اللامتناهي. أقاوم الضغط الذي يريد تحويلي إلى آلة. أقاوم الخوف الذي يريد إقناعي بأن التوقف يعني الموت. في مشيتي المسائية، أؤكد لنفسي أني ما زلت إنساناً."

هذه المقاومة اليومية، الصامتة، الفردية، هي ما يحافظ على إنسانية المثقف المستقل. هي ما يذكره بأن الجسد ليس مجرد وسيلة، بل هو غاية في ذاته. هي ما يمنحه القوة للاستمرار، حتى في أحلك اللحظات.



10.

لنعد الآن إلى كاتبنا، في نهاية يوم طويل.

الساعة الحادية عشرة ليلاً. أنهى عمله لتوه. ظهره يؤلمه، عيناه جافتان، رأسه يوشك أن ينفجر من التعب. لكنه يشعر أيضاً بشيء آخر: رضا خفيف. رضا بأنه أنجز ما عليه، بأنه كتب ما أراد، بأنه صمد يوماً آخر.

ينهض ببطء، يتألم، لكنه ينهض. يذهب إلى الحمام، يغسل وجهه بماء بارد. ينظر في المرآة: وجه متعب، عيون محتقنة، شعر أشعث. يبتسم لنفسه ابتسامة متعبة. ثم يقول بصوت خافت: "أحسنت، أيها الجسد. أحسنت يا رفيقي."

هذه اللحظة، لحظة الاعتراف بالجسد، لحظة الشكر الصامت، هي لحظة مهمة. هي اعتراف بأن الجسد ليس مجرد أداة، بل شريك. ليس مجرد وسيلة، بل رفيق. ليس مجرد حامل للرأس، بل هو أنت.

بعد قليل، يذهب إلى الفراش. ينام على جانبه الأيسر، لأنه يؤلمه أقل. يتنفس بعمق، يحاول إرخاء عضلاته المشدودة. يفكر في الغد، في العمل الذي ينتظره، في المعارك القادمة. لكنه يطرد هذه الأفكار، يركز على التنفس فقط.

ينام.

وفي نومه، يحلم. يحلم بجسد جديد، خفيف، مرن، لا يتعب. يحلم بأنه يركض في حقل واسع، تحت سماء زرقاء، دون ألم، دون قلق، دون خوف. يحلم بأنه جسد فقط، جسد يتحرك بحرية، دون أن يحمل فوقه عبء الأفكار.

يستيقظ في الصباح، يتذكر الحلم، يبتسم. يعرف أن هذا الحلم بعيد المنال، لكنه يعرف أيضاً أن هناك أشياء صغيرة يمكن فعلها. يمكن المشي أكثر. يمكن النوم أفضل. يمكن الأكل أصح. يمكن، في النهاية، أن يعتني بهذا الجسد الذي يحمله بصبر طوال هذه السنوات.

يبدأ يومه الجديد، والجسد ما زال متعباً. لكن هناك شيء تغير. هناك اعتراف جديد، واهتمام جديد، وحب جديد لهذا الرفيق الصامت.

وهذا، في زمن الجسد المنسي، قد يكون أهم ما يمكن فعله.



11.

قبل أن ننتقل إلى الفصل السابع، حيث سنتحدث عن "المقارنة التي تفرض نفسها"، أريد أن أتركك مع فكرة أخيرة.

الجسد ليس عدواً. ليس خصماً يجب التغلب عليه. ليس آلة يجب استخدامها حتى تتحطم. الجسد هو أنت. هو وعاء وجودك، هو حدودك، هو حريتك. هو ما يجعلك بشراً، لا فكرة مجردة.

العناية بالجسد، في زمن تآكل دولة الرفاه وتضخم السوق واقتصاد القلق، ليست ترفاً. هي ضرورة. هي شرط البقاء. هي أساس كل شيء آخر. بدون جسد سليم، لا كتابة، لا إبداع، لا مقاومة، لا حياة.

المثقف المستقل الذي يهمل جسده يخرب بيت وجوده. يقطع الغصن الذي يجلس عليه. ينسى أن الأفكار تحتاج إلى حامل، والكلمات تحتاج إلى ناطق، والكتابة تحتاج إلى كاتب. والكاتب، قبل كل شيء، جسد.

في النهاية، حين نكتب عن الجسد الذي يتعب قبل الروح، نكتب عن أنفسنا. عن ضعفنا، عن هشاشتنا، عن إنسانيتنا. نكتب عن الحقيقة التي نحاول نسيانها: أننا لسنا خالدين. أننا سنموت. وأن كل لحظة نعيشها، بجسدنا المتعب، هي لحظة ثمينة.

ربما لهذا السبب، حين نقرأ نصوصاً كتبها أناس رحلوا، نشعر بقربهم رغم الغياب. لأن جسدهم تحول إلى كلمات، والكلمات صارت جسداً جديداً. جسداً لا يتعب، لا يمرض، لا يموت. جسداً من ورق وحبر، يعيش بعدهم.

وهذا، في النهاية، هو ما يفعله المثقف المستقل. يحول جسده المتعب إلى كلمات. يحول آلامه إلى نصوص. يحول فنائه إلى خلود صغير، متواضع، لكنه حقيقي.

جسد يتعب، وكلمات تبقى. هذا هو كل ما لدينا. وهذا، في زمن بلا هواء، قد يكون كافياً.


……..


الفصل السابع

المقارنة التي تفرض نفسها

1.

في إحدى ليالي الشتاء الباردة، كنت جالساً في مطبخ صديق قديم في برلين.

كان المطبخ دافئاً، ورائحة الشاي تملأ المكان، والثلج يتساقط خارج النافذة كأنه يريد أن يدفن المدينة تحت بياضه. كنا نتحدث عن كل شيء: عن الكتابة، عن المنفى، عن الغرب الذي يضيق يوماً بعد يوم. ثم سكت فجأة، ونظر إليّ بعينين متعبتين، وقال:

"هل تعرف ما هو أغرب شيء؟ أنني أحياناً أفكر في العودة. العودة إلى حيث جئت. إلى بلد كان يوماً وطني، وهربت منه بحثاً عن حياة أفضل. أتخيل نفسي هناك، في شقة صغيرة في عمان أو بيروت أو القاهرة، أعيش بلا قلق، بلا فواتير ترهقني، بلا بيروقراطية تستهلكني. أعرف أن هناك مشاكل أخرى، مشاكل كبيرة. لكني أتخيل أنني هناك، ولأول مرة منذ سنوات، أشعر أني أتنفس."

صمت قليلاً، ثم أضاف:

"أليس هذا غريباً؟ أن يهرب الإنسان من الشرق إلى الغرب بحثاً عن الأمان، ثم يكتشف أن الأمان في الغرب أصبح سراباً، ويبدأ يحن إلى الشرق الذي هرب منه؟"

هذا الحوار دار قبل سنوات. لكن كلماته ظلت عالقة في ذهني، تعود إليّ كلما شعرت بالاختناق في هذا الغرب الذي كان يوماً حلماً.

المثقف المستقل في الغرب اليوم يعيش هذه المفارقة. ينظر إلى الشرق، إلى بلاد كانت يوماً مصدر خوف وهروب، ويراها فجأة بشكل مختلف. لا يراها كجنة، بل كبديل. لا يراها كمثال يحتذى، بل كتذكير بأن هناك طرقاً أخرى للعيش. لا يراها كحل، بل كسؤال.

في هذا الفصل، سنحاول أن نفهم هذه المقارنة التي تفرض نفسها. لماذا ينظر المثقف المستقل إلى روسيا والصين وكوبا وإيران، ليس بدافع السياسة أو الإيديولوجيا، بل بدافع البحث عن إمكانية حياة مختلفة؟ ماذا يرى هناك مما فقده هنا؟ وأي وهم يخفي هذه الرؤية، وأي حقيقة تكشفها؟



2.

لنبدأ من الشرق الأقرب: روسيا.

في المخيلة الغربية، روسيا بلد بارد، قاس، استبدادي. بلد الرقابة والقمع والفودكا. بلد لا يحسد من يعيش فيه. لكن المثقف المستقل في الغرب، حين يتأمل روسيا اليوم، يرى شيئاً آخر.

يرى كتّاباً ينشرون رغم الظروف، ومثقفين يناضلون رغم القمع، وفنانين يبدعون رغم الرقابة. يرى مجتمعاً مدنياً يقاوم، وأصواتاً لا تموت، وحياة ثقافية لا تتوقف. ويرى أيضاً شيئاً آخر: أن الكاتب في روسيا، حتى لو كان مضطهداً، لا يُترك وحده. له مكان في المجتمع، حتى لو كان مكان المعارض. له دور، حتى لو كان دور الضحية. له قيمة، حتى لو كانت قيمة الرمز.

صديق كاتب روسي يعيش في المنفى في برلين قال لي:

"في روسيا، كنت أعرف أن الكتابة خطيرة. كنت أعرف أني قد أُعتقل، أو أُمنع من النشر، أو أُهان علناً. لكني كنت أعرف أيضاً أن الكتابة مهمة. أن ما أكتبه يقرأه الناس، ويناقشونه، ويخافون منه. الكتابة كانت تهم. كانت تخيف النظام، وتحرك المجتمع، وتصنع فرقاً. هنا، في ألمانيا، أنا حر. أستطيع أن أكتب ما أشاء دون خوف. لكن لا أحد يهتم. كتاباتي تموت في صمت، لأنها لا تهم أحداً. الحرية هنا تعني أحياناً أن تكون غير مرئي."

هذه المفارقة القاسية تختبر علاقة المثقف بالسلطة والمجتمع. في الأنظمة القمعية، الكلمة خطيرة، والكاتب مهم، ولو كان مهمشاً. في الأنظمة الليبرالية، الكلمة حرة، والكاتب غير مهم، لأنه مجرد صوت بين ملايين الأصوات. المفاضلة بين الخطر والأهمية، بين القمع واللامبالاة، ليست سهلة.

المثقف المستقل في الغرب، الذي يعيش في زمن تآكل دولة الرفاه وتضخم السوق، قد يبدأ في إعادة النظر في هذه المعادلة. قد يكتشف أن اللامبالاة أقسى من القمع أحياناً. وأن الإهمال قد يقتل الروح كما يقتل القمع الجسد.



3.

لننتقل إلى الصين.

الصين، في المخيلة الغربية، هي مصنع العالم، ومعجزة اقتصادية، ونموذج للرأسمالية تحت سيطرة الحزب. لكن المثقف المستقل في الغرب، حين ينظر إلى الصين، يرى شيئاً آخر.

يرى دولة تخطط للمستقبل، وتستثمر في البنية التحتية، وتوفر لمواطنيها حداً أدنى من الأمان. يرى نظاماً يضمن السكن والغذاء والتعليم، ولو على حساب الحريات. يرى مجتمعاً ما زالت فيه الروابط التقليدية قوية، والأسرة متماسكة، والانتماء واضح.

صديق باحث صيني يعيش في باريس قال لي:

"أهلي في الصين لا يفهمون لماذا أعيش هنا. هم يعيشون في شقة مملوكة لهم، ويعملون في وظائف ثابتة، ويتقاعدون بمعاش مضمون. ليسوا أغنياء، لكنهم آمنون. ليسوا أحراراً كما أنا هنا، لكنهم لا يقلقون على الغد كما أقلق. حين أتحدث معهم عن معاناتي هنا، عن الفواتير والضرائب والقلق، ينظرون إلي باستغراب. يقولون: ولكنك في أوروبا، في الجنة. وأنا لا أعرف كيف أشرح لهم أن الجنة أصبحت جحيماً."

هذا الحوار يعكس صعوبة الترجمة بين عالمين. في الصين، الأمان ما زال موجوداً، ولو كان أماناً في قفص. في الغرب، الحرية ما زالت موجودة، لكنها حرية في عاصفة. المفاضلة بين الأمان في القفص والحرية في العاصفة ليست سهلة، خاصة لمن يعيشون في العاصفة ويتذكرون أيام الأمان.

المثقف المستقل، الذي يحتاج إلى حد أدنى من الأمان ليكتب، قد يحسد زميله الصيني على هذا الأمان، حتى لو كان يرفض ثمنه. قد يتمنى لو أن الغرب يحتفظ بحريته مع توفير أمان يشبه الأمان الصيني. وقد يكتشف، في النهاية، أن هذا التمني مستحيل.



4.

لنذهب إلى كوبا.

كوبا، جزيرة الثورة والحصار والفقر والكرامة. في المخيلة الغربية، هي نموذج للفشل الاشتراكي، وبلد يعيش على ذكرى ماضٍ مجيد. لكن المثقف المستقل في الغرب، حين ينظر إلى كوبا، يرى شيئاً آخر.

يرى شعباً يعيش بلا مال تقريباً، لكنه يعيش. يرى نظاماً صحياً وتعليمياً مجانياً، ولو كان محدود الإمكانيات. يرى ثقافة حية، وموسيقى في الشوارع، وكتباً تنتظر القراء. ويرى شيئاً آخر: أن الكاتب في كوبا، رغم الفقر والرقابة، له جمهور. الناس يقرؤون، يناقشون، يختلفون. الثقافة ليست ترفاً، بل جزءاً من الحياة اليومية.

صديقة كاتبة كوبية تعيش في مدريد قالت لي:

"في كوبا، كنا فقراء. فقراء جداً. كنا نقف في طوابير للحصول على الخبز، ونصلح الملابس البالية، ونعيد استخدام الزيت مرات عديدة. لكننا كنا نقرأ. كنا نناقش الكتب في المقاهي، ونتجادل حول الشعر في الحفلات، ونتبادل المخطوطات سراً. الثقافة كانت حاجة، مثل الأكل والشرب. هنا، في إسبانيا، لدي مال أكثر، لكني وحيدة. لا أحد يقرأ، لا أحد يناقش، لا أحد يهتم. الثقافة أصبحت سلعة، تستهلك ثم ترمى."

هذه الشهادة تلامس جوهر الفرق بين ثقافة الندرة وثقافة الوفرة. في الندرة، كل كتاب كنز، وكل فكرة حدث، وكل كاتب نجم. في الوفرة، الكتب تتراكم، والأفكار تتكرر، والكتّاب يتشابهون. القيمة لا تأتي من الندرة فقط، بل من الاهتمام. والاهتمام، في زمن التشتت، أصبح نادراً.

المثقف المستقل في الغرب قد يحسد زميله الكوبي على هذا الاهتمام، حتى لو كان يعيش تحت الحصار. قد يتمنى لو أن قراءه ينتظرون نصوصه كما ينتظر الكوبيون الخبز. وقد يكتشف، في النهاية، أن هذه المقارنة تعكس أزمة عميقة في علاقة الغرب بالثقافة ذاتها.

---

5.

لننظر إلى إيران.

إيران، بلد الثورة والمآسي والشعر. في المخيلة الغربية، هي نموذج للدينية السياسية، وقمع المرأة، والعزلة الدولية. لكن المثقف المستقل في الغرب، حين ينظر إلى إيران، يرى شيئاً آخر.

يرى مجتمعاً يقرأ الشعر كأنه الماء. يرى شعباً يحفظ حافظ وسعدي عن ظهر قلب. يرى حركة ثقافية تحت الأرض، تنمو رغم القمع. ويرى شيئاً آخر: أن الكلمة في إيران ما زالت خطيرة. ما زالت تهم. ما زالت تخيف النظام وتحرك الناس.

صديق كاتب إيراني يعيش في لندن قال لي:

"في إيران، كل كلمة كانت مغامرة. كل قصيدة كانت خطراً. كل مقال كان تحدياً. كنا نكتب وكأننا نقاتل. كنا ننشر وكأننا ننتصر. هنا، في بريطانيا، أكتب ولا يقرأ أحد. حريتي كاملة، لكن صوتي يضيع في الزحام. أحياناً أشتاق إلى الخطر. أشتاق إلى أن تكون كلماتي مهمة إلى درجة أن يخاف منها أحد."

هذه الشهادة تعكس مفارقة أخرى. الخطر يمنح المعنى. القمع يخلق القيمة. حين تصبح الكلمة ممنوعة، تصبح مرغوبة. وحين تصبح متاحة للجميع، تفقد بريقها. المثقف المستقل في الغرب يعيش في وفرة من الكلمات، لكنه يعاني من مجاعة في المعنى. يكتب ولا يقرأ، ينشر ولا يسمع، يصرخ في فراغ.

المقارنة مع إيران، إذن، ليست مقارنة سياسية، بل مقارنة وجودية. إنها مقارنة بين كلمة تخيف وكلمة تموت، بين قارئ ينتظر وقارئ يمر، بين معنى يصنع الفرق ولامعنى يملأ الفراغ.

---

6.

لكن دعونا نكون دقيقين. هذه المقارنات تحمل في طياتها خطرين كبيرين.

الخطر الأول: المثالية.

من السهل أن نرى في هذه البلاد ما نفتقده، ونتجاهل ما يعانيه أهلها. من السهل أن نحسد الكاتب الروسي على أهميته، ونتجاهل خوفه الدائم من الاعتقال. أن نحسد الصيني على أمانه، ونتجاهل رقابة الحزب التي تخنقه. أن نحسد الكوبي على جمهوره، ونتجاهل فقره المدقع. أن نحسد الإيراني على خطورة كلمته، ونتجاهل ظلم النظام له.

هذه البلاد ليست جنة. كلها تعاني من مشاكل عميقة، من قمع وفساد وفقر وتخلف. المثقفون فيها يدفعون أثماناً باهظة مقابل ما لديهم من أهمية ومعنى. ليسوا أحراراً كما نحن، وليسوا آمنين كما نتمنى.

الخطر الثاني: التبسيط.

المقارنة بين الغرب وهذه البلاد تغفل الاختلافات الهائلة بينها. روسيا ليست الصين، والصين ليست كوبا، وكوبا ليست إيران. كل بلد له تاريخه الخاص، وثقافته الخاصة، ونظامه الخاص. التعامل معها ككتلة واحدة هو تبسيط يخفي أكثر مما يكشف.

المثقف المستقل الذي يقارن وضعه بوضع زميله في بلد آخر يجب أن يكون حذراً. يجب أن يرى التعقيد، لا أن يختزله. يجب أن يفهم السياق، لا أن يتجاهله. يجب أن يدرك أن كل خيار له ثمن، وأن المقارنة العادلة تحتاج إلى رؤية كاملة، لا إلى انتقاء ما يناسب الحجة.

صديق كاتب فلسطيني، عاش في عدة بلدان، قال لي:

"كل مكان له جحيمه الخاص. في الغرب، الجحيم هو اللامبالاة. في الشرق، الجحيم هو القمع. لا يمكن المقارنة ببساطة. لا يمكن القول إن هذا أفضل من ذاك. يمكن فقط أن نقول: كل منا يعاني بطريقته، ويختار طريقته في المقاومة."

هذه الكلمات تذكرنا بأن المعاناة لا تقاس، وأن المقارنات قد تكون مضللة. الأهم، ربما، هو أن نفهم خصوصية كل وضع، وأن نتعلم من الآخرين دون أن نحلم باستيراد حلولهم.

---

7.

لكن رغم هذه المخاطر، تبقى المقارنة ضرورية. ليس لأنها تقدم حلولاً، بل لأنها تطرح أسئلة.

لماذا يشعر المثقف المستقل في الغرب بأنه غير مهم، بينما زميله في بلد قمعي يشعر بأنه خطير؟ هل الخطورة وحدها تصنع الأهمية؟ أم أن هناك شيئاً آخر؟

لماذا يشتاق المثقف المستقل إلى أمان يفتقده، حتى لو كان هذا الأمان يأتي بثمن باهظ؟ هل الأمان حاجة إنسانية أساسية، لا يمكن تعويضها بالحرية وحدها؟

لماذا يشعر المثقف المستقل بأن كتاباته تموت في صمت، بينما في بلاد أخرى، الكلمة ما زالت حية، حتى لو كانت مهددة؟ هل المشكلة في الكاتب أم في المجتمع؟ في الإنتاج أم في الاستقبال؟

هذه الأسئلة لا إجابات سهلة لها. لكن طرحها بحد ذاته مهم. يخرج المثقف المستقل من عزلته، وينظر إلى العالم، ويسأل: لماذا أنا هنا؟ لماذا أكتب؟ لمن أكتب؟ هل هناك طريقة أخرى للعيش والعمل والكتابة؟

صديقة كاتبة في أمستردام عبرت عن هذه الحاجة للمقارنة:

"أحتاج أن أنظر إلى الآخرين لأفهم نفسي. أحتاج أن أرى كيف يعيش الكتاب في بلاد أخرى، لأعرف إن كانت معاناتي فردية أم جماعية. أحتاج أن أقارن، ليس لأحسد أو لأحقر، بل لأفهم. المقارنة عندي هي أداة للمعرفة، قبل أن تكون حكماً على الواقع."

هذا الموقف المتوازن هو ما نحتاجه. مقارنة تعترف بالاختلافات، وتدرك التعقيدات، ولا تختزل الواقع إلى شعارات. مقارنة تفتح أسئلة، بدل أن تغلقها. مقارنة تدفع للتفكير، بدل أن تقدم أجوبة جاهزة.

---

8.

لنعد الآن إلى السؤال الأساسي: ماذا يبحث المثقف المستقل في هذه المقارنات؟

أظنه يبحث عن شيء واحد: إمكانية العيش بكرامة.

الكرامة هي الكلمة المفتاح. ليست الثروة، ولا الشهرة، ولا السلطة. الكرامة فقط. أن يعيش الإنسان دون أن يُهان يومياً. أن ينام دون أن يطارده القلق. أن يكتب دون أن يشعر أن كتاباته عديمة القيمة. أن يكون، فقط يكون، دون أن يطلب منه تبرير وجوده كل صباح.

في روسيا، يرى الكاتب الذي يعاني القمع، لكنه يحتفظ بكرامته في مقاومته. في الصين، يرى المواطن الذي يفتقر إلى الحرية، لكنه يملك حداً أدنى من الكرامة في أمانه. في كوبا، يرى الشاعر الذي يعيش الفقر، لكن كلماته تصل إلى قلوب الناس. في إيران، يرى المثقف الذي يخاطر بحياته، لكن صوته يسمع.

في الغرب، يجد نفسه غارقاً في الوفرة، لكن كرامته تضيع في الزحام. يجد نفسه حراً، لكن حريته لا تعني شيئاً لأن لا أحد يهتم. يجد نفسه قادراً على قول كل شيء، لكن لا أحد يستمع.

هذا هو جوهر الأزمة. ليس في فقدان الحرية، بل في فقدان المعنى. ليس في القمع، بل في اللامبالاة. ليس في الخطر، بل في التفاهة.

صديق كاتب في لندن عبر عن هذا الشعور بكلمات بليغة:

"أنا لست مضطهداً. لا أحد يمنعني من الكتابة. لكني أشعر أني ميت. كتاباتي تخرج إلى العالم، ثم تموت في صمت. كأني أصرخ في غابة لا أحد فيها. في بعض الأحيان، أتمنى لو أن هناك رقيباً يخاف من كلماتي. عندها، على الأقل، سأعرف أن كلماتي تهم أحداً."

هذا التمني الغريب، تمني وجود رقيب، يعكس عمق الأزمة. حين يصبح الخطر أفضل من اللامبالاة، تعرف أن الأمور وصلت إلى نقطة خطيرة.

---

9.

لكن دعونا ننظر إلى الجانب الآخر من المعادلة.

المثقفون في تلك البلاد، حين ينظرون إلى الغرب، ماذا يرون؟

كثير منهم يرون حلماً. يرون حرية التعبير، وكرامة الإنسان، وسيادة القانون. يرون فرصاً للتعلم والنشر واللقاء. يرون نموذجاً يطمحون إليه، حتى لو كان بعيد المنال.

صديق كاتب سوري يعيش في دمشق قال لي في رسالة نادرة:

"أنت في الجنة ولا تدري. تكتب ما تشاء، تنشر دون خوف، تسافر دون قيود. وأنا هنا، كل كلمة أكتبها قد تكون بطاقة اعتقال. كل مقال أنشره قد يكون تذكرة سجن. أحسدك على حريتك، حتى لو كنت تشعر بالاختناق فيها."

هذه الرسالة تذكرنا بأن النظرة من الداخل تختلف عن النظرة من الخارج. ما نراه نحن كقيود، يراه غيرنا كحرية. ما نعيشه كاختناق، يراه الآخرون كفسحة. المقارنة ليست موضوعية أبداً. تتوقف على موقع الناظر، وتجاربه، وآلامه.

المثقف المستقل في الغرب، الذي يشعر بالغربة والقلق والتهميش، قد يكون من وجهة نظر زميله في بلد قمعي، إنساناً محظوظاً. هذه الحقيقة لا تلغي معاناته، لكنها تضعها في سياقها. تذكره بأن المعاناة نسبية، وأن ما يراه كأزمة، قد يكون حلماً لآخرين.

---

10.

ربما كان علينا أن نتحدث عن الهجرة أيضاً.

كثير من المثقفين المستقلين في الغرب هم مهاجرون. جاؤوا من تلك البلاد التي نقارن بها الآن. هربوا من القمع والفقر والتهميش، بحثاً عن حياة أفضل. والآن، بعد سنوات، يجدون أنفسهم في موقف غريب: يحنون إلى ما هربوا منه.

صديق كاتب عراقي يعيش في السويد قال لي:

"هربت من العراق لأني لم أستطع العيش تحت القمع والموت اليومي. جئت إلى السويد بحثاً عن الأمان والحرية. والآن، بعد عشرين عاماً، أجد نفسي أفتقد شيئاً. أفتقد أن أكون مهماً. في العراق، كنت مهدداً، لكني كنت مهماً. كلماتي كانت تهم الناس، كانت تخيف النظام، كانت تصنع فرقاً. هنا، أنا آمن، لكني غير مهم. أحياناً أتساءل: هل كان يمكن أن أبقى هناك، وأموت مهماً، بدل أن أعيش هنا غير مهم؟"

هذا السؤال المؤلم يعيشه كثير من المهاجرين. المقايضة بين الأمان والأهمية، بين الحياة والموت الرمزي، ليست سهلة. في بلد المنشأ، قد تموت جسدياً، لكن كلماتك تبقى. في بلد المهجر، تعيش جسدياً، لكن كلماتك تموت.

لا إجابة صحيحة لهذه المعضلة. كل خيار له ثمنه، وكل طريق له تكلفته. المثقف المستقل المهاجر يعيش هذا التناقض يومياً، في جسده وروحه، في علاقاته وكتاباته.

---

11.

لنعد إلى المطبخ الدافئ في برلين، حيث بدأنا هذا الفصل.

صديقي الذي تساءل عن العودة إلى الشرق، لم يعد. ما زال في برلين، يكتب، ويقلق، ويقارن. في رسالة أخيرة، كتب لي:

"أعرف أن العودة وهم. أعرف أن ما أفتقده ليس موجوداً هناك. لكني أحتاج أن أتخيل أن هناك مكاناً يمكن أن أعيش فيه بكرامة. أحتاج أن أؤمن أن الغرب ليس كل شيء، وأن هناك بدائل ممكنة. هذا الإيمان، حتى لو كان وهماً، يبقيني حياً."

ربما هذا هو دور المقارنة في النهاية. ليس أن تقدم لنا حلاً، بل أن تبقينا على قيد الأمل. أن تذكرنا بأن عالمنا ليس العالم الوحيد، وأن طريقتنا في العيش ليست الطريقة الوحيدة. أن تفتح لنا نافذة على إمكانيات أخرى، حتى لو كانت هذه الإمكانيات بعيدة المنال.

المثقف المستقل يحتاج إلى هذه النوافذ. يحتاج أن ينظر إلى الآخرين، ليس ليحسدهم، بل ليتذكر أن المعاناة عالمية، وأن الصمود ممكن، وأن الحياة تستحق أن تعاش، في كل مكان، بكل طرقها.

في النهاية، المقارنة التي تفرض نفسها ليست مقارنة بين الأفضل والأسوأ. هي مقارنة بين طرق مختلفة للعيش، لكل منها جحيمها وجنتها. هي تذكير بأن الإنسان، أينما كان، يحلم بالكرامة، ويبحث عن المعنى، ويقاوم اليأس.

وهذا، في زمن بلا هواء، قد يكون كل ما لدينا.

---

12.

قبل أن ننتقل إلى الفصل الثامن، حيث سنتحدث عن "الكتابة كجسر بين عالمين"، أريد أن أتركك مع صورة أخيرة.

صورة كاتب، في مدينة غربية، يجلس وحيداً في شقته.

على حائط غرفته، خريطة كبيرة للعالم. فيها علامات حمراء على مدن كثيرة: موسكو، بكين، هافانا، طهران. مدن يعرفها فقط من الكتب والأخبار وأحاديث الأصدقاء. مدن يتمنى لو يزورها، ويخاف من زيارتها. مدن تمثل له أحلاماً وكوابيس في آن.

ينظر إلى الخريطة طويلاً. يتأمل المسافات، والحدود، والألوان. يفكر في كل الكتّاب الذين يعيشون في تلك المدن، يكتبون بلغاتهم، يواجهون مشاكلهم، يحلمون أحلامهم. يتساءل: هل هم أفضل مني؟ هل هم أسوأ؟ هل يعانون مثلي؟ هل يكتبون مثلي؟

لا إجابات. فقط أسئلة تتدحرج في الفراغ.

يقف، يقترب من الخريطة، يلمس بإصبعه مدينة موسكو. يتخيل كاتباً هناك، في شقة صغيرة، يكتب رواية عن المنفى الداخلي. ينتقل إلى بكين، يتخيل شاعرة تكتب قصائد عن الحب والرقابة. يلمس هافانا، يتخيل روائياً يدخن سيجاراً ويفكر في الثورة التي خانت أحلامه. يصل إلى طهران، يتخيل كاتبة تخفي مخطوطتها تحت الوسادة.

يبتسم ابتسامة حزينة. يعرف أنه لا يعرف هؤلاء الكتّاب حقاً. يعرف أن ما يتخيله عنهم قد يكون وهماً. لكنه يعرف أيضاً أن هناك شيئاً يجمعه بهم: مهنة الكتابة. مهنة تحول الكلمات إلى عوالم، وتحول العزلة إلى حوار، وتحول المعاناة إلى جمال.

يعود إلى مكتبه، يجلس، يفتح ملفاً جديداً. يبدأ في كتابة فصل عن المقارنة التي تفرض نفسها. يكتب عن روسيا والصين وكوبا وإيران. يكتب عن الحسد والتعاطف، عن الأمل واليأس، عن الأحلام والأوهام. يكتب عن نفسه، في النهاية، لأنه لا يستطيع الكتابة عن غيره حقاً.

خارج النافذة، يستمر الثلج في التساقط. يغطي المدينة، ويخفي تحت بياضه كل الحدود والفروق. للحظة، تبدو كل المدن متشابهة، كل الكتّاب متساوين، كل المعاناة واحدة.

يعود إلى الكتابة. الكلمات تتدفق كالنهر. والخريطة على الحائط تبقى صامتة، تشهد على حلم لا يموت: حلم أن يجد الإنسان، في مكان ما، وطناً لروحه.

---

يتبع في الفصل الثامن: الكتابة كجسر بين عالمين

……


الفصل الثامن

الكتابة كجسر بين عالمين

1.

في البدء كانت الكلمة. والكلمة كانت عند الله. والكلمة كانت الله.

هكذا يبدأ إنجيل يوحنا، معلناً أن الكلمة ليست مجرد أداة للتواصل، بل هي أصل الوجود ذاته. الكلمة تخلق العوالم، وتحيي الموتى، وتبني الجسور بين السماء والأرض.

المثقف المستقل، الذي يعيش بين عالمين، يعرف هذه الحقيقة جيداً. يعرف أن الكلمة هي ما يبقيه على قيد الحياة. هي الجسر الذي يربط بين عالم الواقع الذي يضغط عليه، وعالم الكتابة الذي يحرره. هي الخيط الرفيع الذي يمنعه من السقوط في الهاوية.

في هذا الفصل، سنحاول أن نفهم كيف تعمل الكتابة كجسر. كيف تنقل الكاتب من ضيق الواقع إلى فسحة الخيال، ومن عزلة الذات إلى حوار مع الآخر، ومن زمن عابر إلى خلود ممكن. سنستمع إلى أصوات كتّاب يعيشون هذه التجربة يومياً، وسنتأمل في سر هذه القدرة العجيبة: قدرة الكلمات على بناء عوالم.

---

2.

لنبدأ من مشهد بسيط، يعيشه آلاف الكتّاب يومياً.

الساعة السادسة صباحاً. المدينة ما زالت نائمة، والشوارع خاوية، والظلام ينسحب ببطء أمام ضوء الفجر. في شقة صغيرة، في الطابق الرابع، يضيء ضوء خافت. كاتب يجلس أمام مكتبه، فنجان قهوة بجانبه، وشاشة بيضاء أمامه.

خارجاً، العالم ينتظره: فواتير غير مدفوعة، رسائل بريدية لم يفتحها، مواعيد نهائية تقترب، واجبات عائلية واجتماعية. كل هذا موجود هناك، خلف النافذة، ينتظر دوره. لكنه، في هذه اللحظة، ليس هناك. هو هنا، في عالم آخر. عالم تخلقه الكلمات لحظة بلحظة.

يكتب. الكلمات تخرج منه كالنهر، لا يستطيع إيقافها. يكتب عن مدينة بعيدة، عن امرأة لم يعرفها، عن حلم راوده ليلة أمس. يكتب عن شيء لا علاقة له بواقعه المباشر، لكنه يعبر عن واقعه بشكل أعمق.

في هذه اللحظات، يختفي القلق. تختفي الفواتير والمواعيد والمخاوف. يبقى فقط هو والكلمات. يبقى فقط التدفق. يبقى فقط الحياة.

صديق كاتب في باريس وصف هذه التجربة بكلمات بسيطة:

"حين أكتب، أنا لا أهرب من الواقع. أنا أبني واقعاً آخر. واقعاً يمكنني التحكم فيه، يمكنني فهمه، يمكنني العيش فيه. ليس هروباً، بل خلقاً. ليس إنكاراً، بل بناء. في الكتابة، أكون أكثر مما أكون في الحياة."

هذه هي قوة الجسر. لا تنفي أحد الضفتين، بل تربطهما. لا تهرب من الواقع، بل تخلق واقعاً موازياً يسمح لك بتحمل الواقع الأصلي. الكتابة ليست هروباً، بل مواجهة. ليست عزلة، بل حوار. ليست موتاً، بل حياة.

---

3.

لكن كيف تعمل هذه الآلية بالضبط؟

في علم النفس، هناك مفهوم اسمه "الانتقال". هو قدرة الإنسان على تحويل مشاعره وأفكاره من موضوع إلى آخر. الطفل الذي يخاف من الظلام، يحول خوفه إلى وحش تحت السرير. الراشد الذي يعاني من القلق، يحول قلقه إلى أعراض جسدية. المبدع يحول معاناته إلى فن.

الكتابة هي شكل متطور من أشكال الانتقال. تحول الألم إلى جمال. تحول القلق إلى سرد. تحول العبث إلى معنى. الكاتب الذي يعيش في زمن بلا هواء، يخلق في كتابته هواءً خاصاً به. هواءً يتنفسه عندما يختنق في الواقع.

صديقة كاتبة في برلين وصفت هذه العملية بدقة:

"حين أكون في قمة قلقي، حين تخنقني الفواتير والمواعيد والمخاوف، أجلس لأكتب. لا أكتب عن قلقي مباشرة، بل أكتب عن شيء آخر. عن منظر من النافذة، عن ذكرى قديمة، عن حلم عابر. وفجأة، أجد أن قلقي قد تحول. لم يختف، بل صار جزءاً من الكتابة. صار مادة، لا عدواً. صار حبراً، لا سماً."

هذا التحول هو سر الشفاء بالكتابة. ليس لأن الكتابة تمحو الألم، بل لأنها تحوله. تحوله من شيء سلبي، تعاني منه، إلى شيء إيجابي، تصنعه. من شيء يحدث لك، إلى شيء تفعله أنت. من قدر، إلى اختيار.

في زمن تآكل دولة الرفاه وتضخم السوق واقتصاد القلق، تصبح هذه القدرة على التحول ضرورية للبقاء. ليست ترفاً، ولا هواية، ولا تزجية وقت. بل هي استراتيجية وجودية، وآلية دفاع، وطريقة للعيش.

---

4.

لكن الجسر لا يربط فقط بين الكاتب وواقعه. يربط أيضاً بين الكاتب وقرائه.

الكتابة، في جوهرها، فعل تواصل. حتى حين يكتب الكاتب لنفسه، يكتب لقارئ داخلي، لذاته الأخرى، لصديق خفي. وحين ينشر، يمد جسره إلى عوالم أخرى، إلى قلوب لا يعرفها، إلى عقول لا تلتقيه.

في زمن العزلة، حيث كل منا في شاشته، وحيداً بين الملايين، تصبح الكتابة جسراً استثنائياً. جسراً يعبر فوق محيطات اللامبالاة، ويصل إلى جزيرة نائية حيث قارئ واحد ينتظر.

صديق كاتب في ستوكهولم حدثني عن تجربته مع القراء:

"أكتب مقالات طويلة، صعبة، لا تناسب زمن السرعة. غالباً ما أشعر أني أكتب في فراغ. لكن بين الحين والآخر، تصلني رسالة من قارئ. رسالة تقول: كلماتك أنقذتني. أو: شعرت أنك تكتب عني. أو: لم أكن أعرف أن أحداً يفكر مثلي. هذه الرسائل هي وقودي. هي ما يذكرني بأن الجسر الذي أبني ليس وهمياً. أن هناك من يعبره حقاً."

هذه الرسائل هي لحظات النور في ظلام الكتابة. تذكر الكاتب بأنه ليس وحده. بأن هناك آخرين يشعرون مثله، يفكرون مثله، يعانون مثله. بأن الجسر الذي يبنيه بكلماته، يصل فعلاً إلى الضفة الأخرى.

في اقتصاد القلق، حيث كل شيء يدفع للعزلة والتنافس، تذكرنا هذه اللحظات بأن التضامن ممكن. بأن الكلمة يمكن أن تجمع ما فرقته الظروف. بأن الفن، في النهاية، هو الجسر الحقيقي بين البشر.

---

5.

لكن الجسر لا يربط فقط بين الكاتب وقارئه. يربط أيضاً بين الكاتب وذاته الأخرى.

كل كاتب يعرف أن هناك أكثر من "أنا" داخله. هناك الأنا التي تعيش في الواقع، تدفع الفواتير، تقلق على المستقبل، تخاف من الغد. وهناك الأنا التي تكتب، تحلم، تخلق، تطير. بين هاتين الذاتين، مسافة تتسع أحياناً وتضيق أحياناً. والكتابة هي الجسر الذي يربطهما.

في لحظات الكتابة، تلتقي الذاتان. تتصالحان. تدركان أنهما ليستا عدوين، بل وجهان لحقيقة واحدة. الكاتب الذي يعيش القلق يلتقي بالكاتب الذي يبدع. الإنسان الذي يخاف يلتقي بالإنسان الذي يحلم. الجسد المتعب يلتقي بالروح التي لا تموت.

صديقة شاعرة في فيينا عبرت عن هذا اللقاء الداخلي:

"حين أكتب، أشعر أني ألتقي بنفسي الحقيقية. بتلك التي تختبئ خلف أقنعة الحياة اليومية. بتلك التي لا تخاف، لا تقلق، لا تتردد. للحظات، أنا كما أريد أن أكون. أنا كما كنت سأكون لو لم يكسرني العالم. هذه اللحظات هي ما يبقيني حية."

هذه التجربة تذكرنا بأن الكتابة ليست مجرد مهنة، بل هي اكتشاف للذات. ليست مجرد تعبير، بل هي بحث. ليست مجرد إبداع، بل هي شفاء. في زمن يدفعنا لأن نكون ما لا نريد، تسمح لنا الكتابة بأن نكون ما نحن حقاً.

---

6.

دعونا ننظر الآن إلى الجانب المظلم من هذا الجسر.

الكتابة قد تكون جسراً، لكنها قد تكون أيضاً سجناً. الكاتب الذي يعيش بين عالمين، قد يجد نفسه عالقاً بينهما. لا هو في الواقع حقاً، ولا هو في الكتابة حقاً. معلق في المنتصف، في منطقة رمادية، لا قرار لها.

هذا الخطر حقيقي. كثير من الكتّاب يعيشون في هذه المنطقة. يكتبون عن الحياة، لكنهم لا يعيشونها. يصفون المشاعر، لكنهم لا يشعرون بها. يبنون عوالم، لكنهم يظلون بلا عالم.

صديق روائي في لندن وصف هذا المأزق:

"أحياناً أشعر أني أعيش في كتاب. أن حياتي الحقيقية هي ما أكتبه، لا ما أعيشه. أتأخر في اللحاق بالأحداث، لأني مشغول بكتابتها. أفوت لحظات جميلة، لأني أفكر في كيفية وصفها. أصبح مراقباً لحياتي، لا عائشاً لها. وهذا يخيفني."

هذا الخوف من أن تصبح كاتباً بلا حياة، هو خوف مشروع. الجسر بين العالمين يجب أن يكون طريقاً ذا اتجاهين. يجب أن تنقل التجارب إلى الكتابة، والكتابة إلى التجارب. يجب أن تتدفق الحياة في الكلمات، والكلمات في الحياة. حين ينقطع التيار في أحد الاتجاهين، يتحول الجسر إلى سجن.

المثقف المستقل، الذي يعيش على حافة الهاوية، يجب أن يحمي هذا التوازن. يجب أن يذكر نفسه بأن الكتابة ليست بديلاً عن الحياة، بل هي تعبير عنها. بأن الكلمات ليست وطناً، بل جسراً. وأن الجسر، مهما كان جميلاً، لا يغني عن الضفتين.

---

7.

ربما كان علينا أن نتحدث عن اللغة أيضاً.

اللغة هي مادة الجسر. هي الحجارة التي نبني بها. هي الأسمنت الذي يربطها. بدون لغة، لا جسر. لكن اللغة نفسها قد تكون عائقاً أحياناً.

الكاتب الذي يكتب بلغة غير لغته الأم، يعيش هذه التجربة بشكل خاص. هو يعبر جسراً مزدوجاً: بين الواقع والخيال، وبين لغتين. كل كلمة يكتبها هي رحلة بين عالمين. كل جملة هي مفاوضة بين صوتين داخليين.

صديق كاتب سوري يكتب بالفرنسية، حدثني عن هذه التجربة:

"الفرنسية هي لغتي الثانية. تعلمتها في المدرسة، وأتقنتها في المنفى. حين أكتب بها، أشعر أني أخون العربية. وحين أكتب بالعربية، أشعر أني أبتعد عن قرائي الفرنسيين. أعيش بين لغتين، ولا أنتمي لأي منهما تماماً. لكن الغريب أن هذه الازدواجية تمنحني حرية. حرية الاختيار بين عالمين، حرية البناء بأدوات مختلفة."

هذه الشهادة تكشف عن وجه آخر للجسر. الازدواجية قد تكون مصدر ألم، لكنها قد تكون مصدر قوة أيضاً. الكاتب الذي يعيش بين لغتين، يمتلك منظوراً مزدوجاً. يرى العالم بعينين، لا بعين واحدة. يملك كلمتين لكل شيء، لا كلمة واحدة. هذا الثراء قد يتحول إلى جسر جديد، يربط بين ثقافتين، بين أمتين، بين تاريخين.

---

8.

لننتقل الآن إلى البعد الزمني للجسر.

الكتابة لا تربط فقط بين مكانين، بل بين زمنين أيضاً. بين الحاضر والماضي، بين الحاضر والمستقبل. الكاتب الذي يكتب عن ذكرياته، يبني جسراً إلى طفولته. الكاتب الذي يكتب أحلامه، يبني جسراً إلى غده. الكاتب الذي يخلق عوالم خيالية، يبني جسراً إلى الأبد.

في زمن السرعة، حيث كل شيء يمر سريعاً، والذاكرة تضعف، والمستقبل يغدو مجهولاً، تصبح الكتابة وسيلة للإمساك بالزمن. توقف اللحظة، تحفظ الذكرى، تخلد الشعور. تجعل ما هو عابر دائماً، وما هو زائل خالداً.

صديقة كاتبة في برشلونة وصفت هذه العلاقة مع الزمن:

"حين أكتب عن طفولتي، أعود إليها حقاً. لا مجرد تذكر، بل عودة. أشعر برائحة بيت جدي، بملمس تراب الحديقة، بطعم خبز أمي. الزمن ينهار، وأنا هناك، طفلة مرة أخرى. الكتابة آلة زمن حقيقية. تنقلني إلى حيث أريد، متى أريد."

هذه القدرة على السفر في الزمن عبر الكتابة، هي شكل من أشكال الخلود. ليس خلوداً بعد الموت، بل خلوداً في الحياة. قدرة على العيش في أزمنة متعددة، على تجاوز حدود اللحظة الراهنة، على امتلاك ماضٍ وحاضر ومستقبل في آن.

المثقف المستقل، الذي يعيش في زمن بلا هواء، يحتاج إلى هذه القدرة. يحتاج أن يهرب من ضيق الحاضر إلى فسحة الماضي أو المستقبل. يحتاج أن يذكر نفسه بأن الزمن ليس خطاً مستقيماً، بل دائرة، يمكنه العودة فيها إلى حيث كان، أو الذهاب إلى حيث لم يكن بعد.

---

9.

لكن الجسر لا يبني مرة واحدة. يبني كلمة كلمة، وجملة جملة، وفصلاً فصلاً.

الكتابة عمل تراكمي، صبور، بطيء. لا تشبه القفز، بل تشبه المشي. خطوة بعد خطوة، تمد الجسر فوق النهر. قد تتعبه الرياح، وقد تهدمه السيول، لكنه يظل قائماً، ما دام الكاتب يواصل.

هذه الصفة في الكتابة تذكرنا بشيء مهم: أن الجسور لا تبنى في يوم. تحتاج إلى وقت، وإلى صبر، وإلى إيمان. الإيمان بأن الضفة الأخرى موجودة. الإيمان بأن الجسر سيصل. الإيمان بأن الكلمات، رغم كل شيء، تستحق العناء.

صديق كاتب في أمستردام قال لي:

"أعمل على رواية منذ سبع سنوات. سبع سنوات من الكتابة والمحو وإعادة الكتابة. كثيرون يسألونني: أليس هذا كثيراً؟ أليس من الأفضل أن تكتب عدة روايات في هذه المدة؟ لكني لا أستطيع. هذه الرواية تحتاج إلى هذا الوقت. تحتاج أن تنضج ببطء، كالنبيذ. كل كلمة فيها وضعت بوعي، وكل جملة أعيدت كتابتها مرات. قد لا يلاحظ أحد هذا الجهد، لكني أعلمه. أعلم أن الجسر الذي أبنيه، سيكون قوياً بما يكفي ليعبره من يريد."

هذا الصبر، هذا الإيمان بالبطء، هو ما يميز الكتابة الحقيقية عن الإنتاج السريع. في زمن السرعة، حيث كل شيء يجب أن يكون سريعاً، تذكرنا الكتابة بأن هناك قيمة أخرى. قيمة الصبر، والتأني، والعمق. قيمة الجسر الذي يبنى ليدوم، لا ليعبر ثم يهدم.

---

10.

دعونا ننظر الآن إلى الجانب الجماعي للجسر.

الكتابة ليست مجرد جسر فردي. هي أيضاً جسر جماعي. جسر يربط بين الأجيال، بين الثقافات، بين العصور. كل كاتب يبني على ما بناه من سبقوه، ويمهد لمن سيأتون بعده.

في هذا المعنى، الكتابة مشروع جماعي يمتد عبر الزمن. كل نص هو جزء من جسر أكبر، يعبر فوق نهر التاريخ. كل كاتب هو عامل في ورشة بناء لا تنتهي. كل جملة هي لبنة في صرح لا يكتمل أبداً.

صديقة كاتبة في كوبنهاغن عبرت عن هذا الإحساس:

"حين أكتب، أشعر أني لست وحدي. أشعر أن كل الكتّاب الذين قرأتهم معي. يؤازرونني، يلهمونني، يصححون لي. أشعر أن كل من سيقرؤونني، حتى بعد موتي، سيكونون معي. هذه الجماعة الخفية، هذه العائلة المنتشرة في الزمن، هي ما يمنحني القوة للاستمرار."

هذه العائلة المنتشرة في الزمن هي عائلة الكتّاب. عائلة لا تعرف حدوداً ولا أزمنة. يجمعها حب الكلمة، وإيمان بالجمال، وإصرار على البناء. في زمن العزلة والتفكك، تذكرنا هذه العائلة بأننا لسنا وحدنا. بأن هناك من سبقونا وعانوا مثلنا، وهناك من سيأتون ويواصلون بعدنا. بأن الجسر الذي نبني سيبقى، حتى لو رحلنا.

---

11.

لنعد إلى الكاتب في شقته الصغيرة، في السادسة صباحاً.

كتب ساعات. أنجز فصلاً كاملاً. الآن ينهض ببطء، ظهره يؤلمه، عيناه جافتان. لكنه يشعر بشيء نادر: السلام. سلام لا يأتي من حل المشاكل، بل من تجاوزها للحظات. من بناء جسر إلى عالم آخر، وعبوره.

ينظر من النافذة. الشمس بدأت تشرق، والمدينة تستيقظ. الناس يخرجون إلى أعمالهم، إلى حياتهم، إلى معاركهم اليومية. يشعر للحظات أنه واحد منهم، رغم اختلافه. أنه جزء من هذا العالم، رغم غربته. أن الجسر الذي بنى هذا الصباح، لم ينقله إلى عالم آخر فقط، بل أعاده إلى هذا العالم بطريقة مختلفة.

يعود إلى مكتبه، ينظر إلى ما كتب. الصفحات المملوءة بالكلمات تذكره بأنه أنجز شيئاً. شيئاً صغيراً، لكنه حقيقي. شيئاً يخصه وحده، لكنه قد يخص غيره يوماً. شيئاً يثبت أنه ما زال حياً، ما زال يخلق، ما زال يبني.

يغلق الكمبيوتر، يذهب إلى المطبخ، يعد فطوراً بسيطاً. يأكل وهو ينظر إلى النافذة، إلى الحياة في الشارع. يفكر: اليوم سأعيش. سأعيش في هذا العالم، بكل صعوباته وتناقضاته. سأدفع الفواتير، وأذهب إلى المواعيد، وأتعامل مع البيروقراطية. لكني سأكتب أيضاً. سأبني جسراً جديداً غداً. وسأعبره.

هذا هو سر المثقف المستقل. لا يتخلى عن عالم ليعيش في عالم آخر. يعيش في العالمين معاً. يبني جسوراً دائمة بينهما. ويذكر نفسه، في كل صباح، أن الحياة ممكنة. ممكنة هنا، في هذا العالم المتعب. وممكنة هناك، في عالم الكلمات.

---

12.

قبل أن ننتقل إلى الفصل التاسع، حيث سنتحدث عن "نحو أفق جديد"، أريد أن أتركك مع فكرة أخيرة.

الكتابة كجسر بين عالمين ليست مجرد استعارة جميلة. هي حقيقة يعيشها كل كاتب يومياً. في لحظات الكتابة، ينتقل من ضيق الواقع إلى فسحة الخيال. في لحظات القراءة، ينتقل من عزلة الذات إلى حوار مع الآخر. في لحظات النشر، يمد جسره إلى عوالم لا يعرفها.

هذه الجسور هي ما يبقي الإنسان إنساناً. في زمن تآكل كل شيء، تبقى الكلمة. في زمن انسحاب الدولة وتضخم السوق، يبقى المعنى. في زمن القلق والمرض والوحدة، تبقى الكتابة.

المثقف المستقل، الذي يبني هذه الجسور يومياً، ليس مجرد كاتب. هو مهندس وجودي. هو باني عوالم. هو حارس المعنى. هو الذي يذكرنا، بكلماته، بأن الحياة، رغم كل شيء، تستحق أن تعاش.

في النهاية، الجسر ليس مجرد وسيلة للعبور. هو أيضاً مكان يمكن الوقوف فيه. مكان للتأمل، للراحة، لرؤية العالم من منظور مختلف. الكاتب، وهو واقف على جسره، يرى ضفتيه معاً. يرى عالم الواقع وعالم الخيال. يرى ألم اليوم وأمل الغد. يرى موته وخلوده في آن.

وهذه الرؤية المزدوجة هي ما يمنح كتابته عمقها. هي ما يجعل كلماته تصل إلى قلوب القراء. هي ما يحول الجسر من بناء حجري إلى بناء روحي.

في زمن بلا هواء، تبقى الكتابة هي الهواء. في زمن بلا أمان، تبقى الكتابة هي الملاذ. في زمن بلا معنى، تبقى الكتابة هي المعنى.

وهذا، في النهاية، هو كل ما لدينا. وهذا قد يكون كافياً.

---

يتبع في الفصل التاسع: نحو أفق جديد

…….

الفصل التاسع

نحو أفق جديد

1.

في آخر الليل، حين تتعب المدينة وتنام، ويبقى الكاتب وحيداً مع ضوء مكتبه الخافت، يأتيه سؤال لا مفر منه: إلى أين؟

بعد كل هذه الفصول، بعد كل هذه الصفحات، بعد كل هذه التأملات في القلق والغربة والجسد والمعرفة، يبقى السؤال ذاته: إلى أين نحن ذاهبون؟ هل هناك أفق جديد يمكن أن ننظر إليه؟ أم أننا ندور في حلقة مفرغة، لا مخرج منها؟

هذا السؤال ليس ترفاً فكرياً. هو سؤال وجودي، يلح على المثقف المستقل في لحظات ضعفه، وفي لحظات قوته أيضاً. في لحظات اليأس، يتساءل: لماذا أستمر؟ وفي لحظات الأمل، يتساءل: إلى أين سيقودني هذا الاستمرار؟

في هذا الفصل، سنحاول أن ننظر إلى الأفق. ليس لأننا نملك إجابات جاهزة، بل لأننا نعتقد أن النظر إلى الأفق بحد ذاته ضروري. أن نرفع رؤوسنا من تفاصيل الحياة اليومية، ونتأمل في الإمكانيات الممكنة. أن نسأل: ماذا يمكن أن نفعل؟ كيف يمكن أن نعيش؟ أين يمكن أن نجد المعنى؟

لن نقدم وصفات سحرية، ولا حلولاً جاهزة. سنحاول فقط أن نفتح نوافذ، وأن نرسم احتمالات، وأن نحلم، ولو للحظات، بحياة مختلفة. لأن الحلم، في زمن بلا هواء، هو أول خطوة نحو التغيير.

---

2.

لنبدأ من نقطة بسيطة: تغيير العلاقة مع الذات.

كثير من معاناة المثقف المستقل تأتي من الداخل. من توقعاته العالية من نفسه، من مقارناته الدائمة مع الآخرين، من شعوره بعدم الكفاية. أول خطوة نحو أفق جديد قد تكون تغيير هذه العلاقة الداخلية.

صديق كاتب في فيينا قال لي:

"اكتشفت متأخراً أن عدوي الأول ليس المجتمع، ولا الدولة، ولا السوق. عدوي الأول هو أنا. أنا الذي أطلب من نفسي المستحيل. أنا الذي أقارن نفسي بكتّاب أكثر نجاحاً. أنا الذي أعتبر كل رفض فشلاً شخصياً. حين بدأت أتصالح مع نفسي، بدأت الأمور تتحسن."

هذه التصالح مع الذات ليس سهلاً. يحتاج إلى وعي، وإلى جهد، وإلى وقت. لكنه ممكن. ممكن أن نقبل أننا لسنا مثاليين. ممكن أن نعترف بأن لنا حدودنا. ممكن أن نتصالح مع أننا بشر، ننجح ونفشل، نفرح ونحزن، نبدع ونخفت.

في زمن يطلب منا أن نكون آلات منتجة بلا كلل، تصبح هذه التصالح فعلاً من أفعال المقاومة. مقاومة الضغط الداخلي، ومقاومة المعايير المستحيلة، ومقاومة ثقافة الكمال التي تقتل الإبداع.

---

3.

الخطوة الثانية: تغيير العلاقة مع الآخرين.

المثقف المستقل يعيش غالباً في عزلة. يعمل وحده، يفكر وحده، يكتب وحده. هذه العزلة قد تكون خصبة للإبداع، لكنها قد تكون قاتلة أيضاً. العزلة الطويلة تولد اليأس، وتقتل الأمل، وتجعل الحياة تبدو بلا معنى.

صديقة كاتبة في برلين اكتشفت أهمية العلاقات بالصدفة:

"في أشد فترات حياتي سواداً، حين كنت أفكر في التوقف عن الكتابة نهائياً، التقيت بكاتبة أخرى في مقهى صغير. تحدثنا ساعات عن كل شيء: عن الكتابة، عن القلق، عن الفشل، عن الأمل. خرجت من ذلك اللقاء وأنا أشعر أني ولدت من جديد. أدركت أني لست وحدي. أن هناك آخرين يشعرون مثلي. هذه المعرفة كانت كافية لأستمر."

هذه اللقاءات، هذه العلاقات، هذه الجماعات الصغيرة، هي جزر أمان في محيط من العزلة. هي التي تذكرنا بأننا لسنا وحدنا. بأن معاناتنا مشتركة. بأن أحلامنا ممكنة، لأن غيرنا يحلمها أيضاً.

بناء هذه العلاقات يحتاج إلى جهد. يحتاج إلى الخروج من القوقعة، والتواصل مع الآخرين، والمشاركة في فعاليات ثقافية، والانضمام إلى مجموعات كتابة. لكن هذا الجهد يستحق. لأنه يذكرنا بأن الكتابة، في النهاية، فعل جماعي. حوار بين كاتب وقارئ، بين كاتب وكاتب آخر، بين إنسان وإنسان.

---

4.

الخطوة الثالثة: تغيير العلاقة مع المكان.

كثير من المثقفين المستقلين يعيشون في مدن كبيرة، مكلفة، مرهقة. مدن تستهلك طاقتهم ومالهم ووقتهم، دون أن تعطيهم ما يستحق. ربما يكون الأفق الجديد في مكان آخر.

صديق كاتب في لندن قرر قبل سنتين أن يغادر المدينة. انتقل إلى بلدة صغيرة في الريف الإنجليزي. قال لي:

"كنت خائفاً. خائفاً من الوحدة، من العزلة، من فقدان الفرص. لكني اكتشفت العكس. هنا، الحياة أرخص، والوقت أوسع، والهدوء أعمق. أكتب أكثر مما كنت أكتب في لندن. وأنام أفضل. وأتنفس بعمق. لم أندم لحظة."

هذا الخيار ليس متاحاً للجميع. ليس كل مثقف مستقل يستطيع تغيير مكان إقامته. لكن الفكرة الأعمق هي إمكانية إعادة النظر في علاقتنا بالمكان. ربما لا نحتاج إلى الانتقال إلى الريف، بل فقط إلى تغيير طريقة عيشنا في المدينة. تقليل النفقات، تبسيط الحياة، الابتعاد عن صخب المراكز.

المكان ليس قدراً. يمكن التفاوض معه، وتغييره، وإعادة تشكيله. المثقف المستقل الذي يكتشف هذه الحقيقة، يكتشف حرية جديدة. حرية اختيار أين وكيف يعيش، بدل أن تفرض عليه الظروف مكاناً لا يريده.

---

5.

الخطوة الرابعة: تغيير العلاقة مع الزمن.

الزمن في حياة المثقف المستقل هو عدو غالباً. الزمن الذي يمر سريعاً، والمواعيد التي تتوالى، والضغط الذي لا ينتهي. لكن الزمن يمكن أن يكون صديقاً أيضاً، إذا تعلمنا كيف نتعامل معه.

صديقة كاتبة في أمستردام طورت تقنية بسيطة:

"حددت لنفسي أوقاتاً مقدسة للكتابة. من السادسة إلى التاسعة صباحاً، لا شيء يهم سوى الكتابة. لا هاتف، لا بريد، لا إنترنت. فقط أنا والصفحة البيضاء. هذه الساعات الثلاث هي أغلى ما أملك. فيها، الزمن يصبح صديقي، لا عدوي."

هذه التقنية تعيد السيطرة على الزمن. بدل أن نكون ضحايا لضغط الوقت، نختار كيف نقضي أوقاتنا. نخلق مساحات محمية، لا يدخلها القلق ولا الفواتير ولا الالتزامات. مساحات نكون فيها أحراراً حقاً.

إعادة السيطرة على الزمن ممكنة، حتى في ظل الضغوط. تحتاج إلى قرار، وإلى انضباط، وإلى إيمان بأن هذه المساحات ضرورية. ليست ترفاً، بل هي شرط البقاء. هي الهواء الذي نتنفسه في زمن بلا هواء.

---

6.

الخطوة الخامسة: تغيير العلاقة مع المال.

المال هو مصدر القلق الأكبر للمثقف المستقل. عدم انتظامه، وقلته غالباً، والخوف من انقطاعه. لكن تغيير العلاقة مع المال ممكن. ليس بأن نصبح أغنياء، بل بأن نغير نظرتنا إليه.

صديق كاتب في برشلونة قال لي:

"قررت أن أعيش بأقل. أقل بكثير. تخليت عن أشياء كثيرة كنت أعتقد أني لا أستطيع العيش بدونها: سيارة، تلفاز كبير، ملابس جديدة كل موسم. اكتشفت أني لا أحتاجها حقاً. وأن تحرري من الحاجة إليها، حررني من الحاجة إلى المال. الآن، أعمل أقل، وأكتب أكثر. وأنا أسعد مما كنت."

هذا الخيار ليس زهداً، بل هو استراتيجية للبقاء. تقليل النفقات يعني تقليل الحاجة إلى المال. تقليل الحاجة إلى المال يعني تقليل الضغط للعمل في ما لا نريد. تقليل الضغط يعني زيادة الحرية. والحرية هي أثمن ما يملكه المثقف المستقل.

بالطبع، هذا الخيار له حدود. لا يمكن تطبيقه في كل الظروف. لكن الفكرة الأساسية تبقى صحيحة: إعادة النظر في علاقتنا مع المال، وفي ما نعتبره ضروريات، قد يمنحنا مساحة أكبر للعيش بحرية.

---

7.

الخطوة السادسة: تغيير العلاقة مع الإنتاج.

في زمن يقدس الإنتاج، ويقيس قيمة الإنسان بما ينتج، يصبح التوقف عن الإنتاج تهديداً وجودياً. لكن المثقف المستقل يحتاج إلى إعادة تعريف علاقته مع الإنتاج. يحتاج إلى أن يدرك أن قيمته لا تقاس بعدد الكتب التي ينشرها، أو المقالات التي يكتبها، أو الجوائز التي يحصل عليها.

صديقة كاتبة في ستوكهولم عبرت عن هذه الفكرة:

"توقفت عن احتساب إنتاجي. توقفت عن قياس نفسي بعدد الصفحات أو الكلمات. صرت أكتب عندما أشعر بالرغبة، وأتوقف عندما أشعر بالتعب. صرت أسمح لنفسي بأيام لا أكتب فيها حرفاً. وفي المفارقة، صرت أنتج أكثر. لأن الكتابة أصبحت فرحة، لا واجباً."

هذا التحول من الإنتاج القسري إلى الإنتاج الطبيعي، هو مفتاح الاستمرارية. المثقف المستقل الذي يتعامل مع الكتابة كعمل شاق، ينهك سريعاً. أما الذي يتعامل معها كتعبير طبيعي عن ذاته، فيستمر طويلاً.

العلاقة مع الإنتاج تحتاج إلى مراجعة دائمة. إلى وعي بأن فترات الصمت طبيعية، وأن العقم المؤقت ليس فشلاً، وأن الراحة ضرورية للعطاء. إلى إيمان بأن قيمة الإنسان ليست فيما ينتج، بل فيما هو.

---

8.

الخطوة السابعة: تغيير العلاقة مع الفشل.

الفشل رفيق دائم للمثقف المستقل. مقالات مرفوضة، كتب غير منشورة، مشاريع فاشلة. هذا الفشل المتكرر قد يقتل الروح، إذا لم نتعلم كيف نتعامل معه.

صديق كاتب في باريس قال لي:

"في شبابي، كان كل رفض يقتلني. كنت أعتبره حكماً على قيمتي ككاتب. الآن، بعد سنوات، أتعامل مع الرفض بشكل مختلف. صرت أقول لنفسي: هذا الناشر لم يعجبه نصي، لا بأس. سأجرب ناشراً آخر. وإذا رفض الجميع، سأنشر بنفسي. المهم أن النص يخرج إلى النور. المهم أني أكتب."

هذا التحول من اعتبار الرفض حكماً على الذات، إلى اعتباره خطوة في رحلة النشر، هو تحول حاسم. يحرر الكاتب من الخوف، ويمنحه القوة للاستمرار. الفشل يصبح معلماً، لا جلاداً. يصبح جزءاً من الطريق، لا نهاية له.

المثقف المستقل الذي يتعلم من فشله، وينهض بعد كل سقطة، يصبح أقوى. يكتسب مناعة ضد اليأس، ومرونة ضد الصدمات. يدرك أن الفشل ليس نقيض النجاح، بل جزء منه. وأن الطريق إلى الأفق الجديد، ممهد بالفشل كما هو ممهد بالنجاح.

---

9.

الخطوة الثامنة: تغيير العلاقة مع الجمهور.

كثير من المثقفين المستقلين يعانون من قلة الجمهور. يكتبون ولا يقرأهم أحد. يشعرون أنهم يصرخون في فراغ. هذه التجربة مؤلمة، لكنها قد تكون فرصة لإعادة تعريف العلاقة مع الجمهور.

صديقة كاتبة في لشبونة قالت لي:

"توقفت عن انتظار الجمهور الكبير. توقفت عن حلم مئات الآلاف من القراء. صرت أكتب لقارئ واحد. قارئ متخيل، يفهمني، ينتظرني، يحتاج إلى ما أكتب. هذا القارئ الواحد يكفي. يكفي لأشعر أن كتابتي ليست عبثاً."

هذه الاستراتيجية تحول العلاقة مع الجمهور من علاقة كمية إلى علاقة نوعية. ليس عدد القراء هو المهم، بل عمق التواصل. قارئ واحد يفهم، قد يكون أكثر قيمة من آلاف يمرون دون أن يتأثروا.

المثقف المستقل الذي يتعلم الكتابة لقارئه الحقيقي، يتحرر من ضغط السوق ومنطق الكمية. يكتب ما يريد، كما يريد، لمن يريد. وهذا هو جوهر الحرية.

---

10.

الخطوة التاسعة: تغيير العلاقة مع المعنى.

ربما هذا هو التغيير الأعمق. إعادة تعريف المعنى في حياتنا. في زمن يفرغ الحياة من معناها، ويحول كل شيء إلى سلعة، تصبح مهمة المثقف المستقل هي خلق المعنى. ليس العثور عليه، بل خلقه.

صديق كاتب في مونتريال عبر عن هذه الفكرة:

"أيقنت أن المعنى لا يوجد في الخارج، في انتظار أن نكتشفه. المعنى نخلقه نحن. بكتاباتنا، بأفعالنا، بطريقة عيشنا. أنا لا أبحث عن معنى لحياتي، أنا أصنعه. كل نص أكتبه هو لبنة في بناء معناي. كل يوم أعيشه هو جزء من هذا البناء."

هذا التحول من البحث عن المعنى إلى صنعه، يحرر من اليأس. يضع الكاتب في موقع الفاعل، لا الضحية. يذكر بأن الحياة ليست لغزاً نكتشفه، بل مشروعاً نبنيه. وأن المعنى ليس هدية ننتظرها، بل نتيجة نصنعها بأيدينا.

المثقف المستقل الذي يصنع معناه بنفسه، لا ينهزم أمام الظروف. يواجه القلق بالكتابة، والغربة باللغة، والموت بالإبداع. يخلق من الألم جمالاً، ومن العبث معنى، ومن الفناء خلوداً صغيراً.

---

11.

هذه التغييرات التسعة ليست وصفة سحرية. ولا هي حلول جاهزة. هي مجرد اتجاهات، إمكانيات، خيارات. كل مثقف مستقل سيجد طريقه الخاص، حسب ظروفه وقدراته وأحلامه.

لكن هناك قاسم مشترك بين كل هذه التغييرات: أنها تضع الكاتب في موقع الفاعل. بدل أن يكون ضحية الظروف، يصبح صانعاً لحياته. بدل أن ينتظر الأفق الجديد، يبدأ في بنائه بنفسه.

صديقة كاتبة في كوبنهاغن قالت لي:

"أدركت أن الأفق الجديد ليس مكاناً أذهب إليه. هو طريقة مختلفة في النظر. ليس شيئاً يوجد في الخارج، بل شيء أحمله في داخلي. حين تغير نظرتك، يتغير العالم. ليس العالم الموضوعي، بل العالم الذي تعيش فيه. وهذا يكفي."

هذه الكلمات تذكرنا بأن التغيير يبدأ من الداخل. من تغيير نظرتنا، وعلاقاتنا، وخياراتنا. من استعادة قدرتنا على الفعل، حتى في أصغر الأشياء. من رفض أن نكون مجرد ضحايا، والإصرار على أن نكون فاعلين.

---

12.

لنعد الآن إلى الكاتب في شقته الصغيرة، في آخر الليل.

أنهى كتابة هذا الفصل. الصفحات أمامه، مملوءة بالكلمات. يشعر بتعب عميق، لكنه يشعر أيضاً بشيء آخر: رضا خافت، أمل صغير، إحساس بأنه أنجز شيئاً.

ينهض، يذهب إلى النافذة. المدينة نائمة، والنجوم تظهر في السماء الصافية. يتأمل المشهد طويلاً. يفكر في كل ما كتبه في هذا الكتاب. في كل الفصول التي مرت. في كل الأفكار التي حاول التعبير عنها.

يتساءل: هل سيقرأ هذا الكتاب أحد؟ هل سيفيد أحداً؟ هل سيترك أثراً؟

لا يعرف الإجابة. لكنه يعرف شيئاً آخر: أنه كتبه. أنه أنجزه. أنه وضع فيه كل ما يستطيع. وهذا يكفي.

يعود إلى مكتبه، ينظر إلى الصفحات الأخيرة. يقرأ الجملة التي كتبها قبل قليل:

"الأفق الجديد ليس مكاناً نصل إليه، بل طريقة نسير بها."

يبتسم. يطفئ الضوء. يذهب إلى الفراش.

خارجاً، تستمر النجوم في التألق. تستمر الحياة. يستمر الأمل الصغير بأن الغد قد يكون أفضل.

وفي الصباح، سيشرق ضوء جديد. وستبدأ رحلة جديدة. وستُكتب كلمات جديدة. وسيبقى المثقف المستقل، في شقته الصغيرة، يواصل بناء عوالمه، ومد جسوره، والبحث عن أفق جديد.

لأن هذا، في النهاية، هو كل ما يمكن فعله. وهذا قد يكون كافياً.

---

يتبع في الفصل العاشر: الخاتمة... حين يصبح البقاء فعلًا من أفعال الكتابة

……


الفصل العاشر

الخاتمة... حين يصبح البقاء فعلًا من أفعال الكتابة

1.

كل رحلة تقترب من نهايتها. كل كتاب يقترب من خاتمته. وكل كاتب، في لحظة ما، يجب أن يضع نقطة ويعترف بأنه قال ما كان عليه أن يقول.

لكن الخاتمة ليست نهاية. هي، في الحقيقة، بداية جديدة. هي اللحظة التي ننظر فيها إلى الوراء لنرى أين كنا، وننظر إلى الأمام لنتساءل أين نحن ذاهبون. هي لحظة التأمل، والتقييم، والاستعداد للخطوة التالية.

في هذا الفصل الأخير، لن نضيف أفكاراً جديدة. سنحاول فقط أن نجمع الخيوط، وأن ننظر إلى الصورة الكبيرة، وأن نسأل السؤال الأخير: ما معنى كل هذا؟ ما معنى أن تكون مثقفاً مستقلاً في زمن تآكل الدولة وتضخم السوق واقتصاد القلق؟ ما معنى أن تكتب في زمن بلا هواء؟

لن نقدم إجابات نهائية. سنحاول فقط أن نرسم معالم إجابة ممكنة. أن نفتح باباً للتأمل، لا أن نغلقه. أن نزرع بذور أمل، لا أن نقدم ثماراً جاهزة.

لأن الكتابة، في النهاية، ليست وصولاً، بل رحلة. ليست إجابة، بل سؤال. ليست نهاية، بل بداية.

---

2.

لنبدأ من حيث بدأنا: من الرجل على المقعد الخشبي في الحديقة العامة.

تذكرونه؟ ذلك الرجل الذي كان جالساً وحيداً، يحدق في هاتفه، بينما الناس يمرون حوله كأنهم في فيلم صامت. ذلك الرجل الذي كان يحمل في داخله كل أسئلة هذا الكتاب.

ماذا حدث له منذ ذلك اليوم؟

لا نعرف. ربما عاد إلى بيته وكتب. ربما استسلم لليأس وتوقف. ربما وجد حلاً لبعض مشاكله. ربما ازدادت مشاكله تعقيداً. لا نعرف. لأن الرجل، في النهاية، هو نحن. هو كل مثقف مستقل يعيش هذه التجربة. هو أنت، وأنا، وآلاف غيرنا.

لكن ما نعرفه هو أن الرجل، في تلك اللحظة على المقعد، كان يمثل شيئاً مهماً. كان يمثل إمكانية التأمل في زمن السرعة. إمكانية التوقف في زمن الركض. إمكانية السؤال في زمن الإجابات الجاهزة.

هذه الإمكانية هي ما نحتاج إلى الحفاظ عليه. هي جوهر ما يفعله المثقف المستقل. ليس تقديم حلول، بل الحفاظ على فضاء للتساؤل. ليس تغيير العالم، بل الحفاظ على إمكانية تغييره. ليس صنع المعجزات، بل الإيمان بأن الحياة، رغم كل شيء، تستحق أن تُفهم.

---

3.

دعونا نرجع خطوة إلى الوراء، وننظر إلى الرحلة التي قطعناها معاً.

بدأنا بوصف "زمن بلا هواء". زمن يضيق فيه التنفس، وتتآكل فيه المساحات، ويصبح القلق هو القاعدة. وصفنا كيف يعيش المثقف المستقل في هذا الزمن، وكيف يشعر بالاختناق حتى في أوقات الفراغ.

ثم انتقلنا إلى "تآكل دولة الرفاه". تتبعنا كيف انسحبت الدولة من التزاماتها، وكيف تحول الأمان من حق إلى رفاهية. رأينا كيف يعيش المثقف المستقل في "فجوة الرفاه"، بين حماية غير كافية وتهميش غير كامل.

في الفصل الثالث، تحدثنا عن "المثقف المستقل... الغريب في وطنه". وصفنا غربته المتعددة: عن العائلة، عن الجيران، عن الأصدقاء، عن المؤسسات، عن اللغة، عن الزمن، عن الذات. رأينا كيف يصبح الغريب حاملاً لرؤية لا يشاركه فيها أحد.

ثم دخلنا إلى "اقتصاد القلق". حللنا هذا الاقتصاد الخفي الذي يحكم حياتنا، حيث العملة هي الخوف، والميزانية هي الطاقة النفسية، والثروة هي الأمان. رأينا كيف يعيش المثقف المستقل في قلب هذا الاقتصاد، وكيف يدفع ثمناً باهظاً.

في الفصل الخامس، تأملنا في "المعرفة التي لا تُثمَّن". تلك المعرفة التي لا تدر ربحاً، ولا تقاس بالأرقام، ولا تعترف بها السوق. رأينا كيف يحافظ عليها المثقف المستقل، رغم كل الضغوط، وكيف تظل بركة خفية في زمن الجفاف.

ثم انتقلنا إلى "الجسد الذي يتعب قبل الروح". تذكرنا أن المثقف المستقل ليس مجرد عقل، بل هو جسد أيضاً. جسد يتعب، يمرض، ينهار. جسد يدفع ثمن القلق والإهمال والتعب. جسد يحتاج إلى عناية، حتى في زمن العناية المستحيلة.

في الفصل السابع، واجهنا "المقارنة التي تفرض نفسها". نظرنا إلى الشرق، إلى روسيا والصين وكوبا وإيران، ورأينا ما نفتقده هنا: الأمان، الأهمية، الجمهور، الخطورة. لكننا رأينا أيضاً أوهام هذه المقارنة، وأخطارها، وحدودها.

ثم بنينا "الكتابة كجسر بين عالمين". رأينا كيف تنقلنا الكتابة من ضيق الواقع إلى فسحة الخيال، ومن عزلة الذات إلى حوار مع الآخر، ومن زمن عابر إلى خلود ممكن. رأينا كيف تصبح الكتابة استراتيجية للبقاء، وآلية دفاع، وطريقة للعيش.

وأخيراً، في الفصل التاسع، نظرنا "نحو أفق جديد". تساءلنا عن إمكانيات التغيير، وعن خياراتنا الممكنة، وعن الطرق التي يمكننا بها إعادة بناء حياتنا. لم نقدم حلولاً، بل فتحنا نوافذ.

والآن، في هذه الخاتمة، نحاول أن نجمع كل هذه الخيوط في صورة واحدة. أن نسأل: ما معنى كل هذا؟

---

4.

ربما يكون الجواب في شيء بسيط: البقاء.

في زمن يريد أن يمحونا، يريد أن يجعلنا غير مرئيين، يريد أن يحولنا إلى أرقام في معادلات اقتصادية، يصبح البقاء بحد ذاته فعلاً من أفعال المقاومة. البقاء كاتباً، مثقفاً، إنساناً. البقاء قادراً على التفكير، على الشعور، على الكتابة. البقاء حياً، بالمعنى الأعمق للكلمة.

صديق كاتب في براغ، نجا من نظامين شموليين، قال لي:

"في أصعب الأوقات، كان همي الوحيد هو البقاء. ليس البقاء الجسدي فقط، بل البقاء الإنساني. البقاء قادراً على الضحك، على الحب، على الكتابة. أدركت أن النظام ينتصر حين يقتل إنسانيتنا، لا حين يقتل أجسادنا. مقاومتي كانت في الحفاظ على إنسانيتي."

هذه الكلمات تذكرنا بأن البقاء ليس مجرد استمرار بيولوجي. هو استمرار وجودي. هو الحفاظ على جوهرنا الإنساني في وجه كل ما يحاول تشويهه أو محوه. هو الإصرار على أن نكون، رغم كل شيء.

المثقف المستقل الذي يبقى كاتباً، رغم كل الصعوبات، يحقق شكلاً من أشكال الانتصار. ليس انتصاراً على الأعداء، بل انتصاراً على اليأس. ليس هزيمة للظروف، بل إثباتاً للإمكانية. إمكانية الحياة، رغم كل شيء.

---

5.

لكن البقاء ليس كافياً وحده. نحتاج أيضاً إلى المعنى.

في زمن يفرغ الحياة من معناها، ويحول كل شيء إلى سلعة، يصبح خلق المعنى مهمة وجودية. المثقف المستقل، بكتاباته، يخلق معنى. ليس معنى كونياً، شاملاً، أبدياً. بل معنى صغيراً، متواضعاً، يومياً. معنى يكفي ليستمر.

صديقة كاتبة في لشبونة قالت لي:

"أنا لا أكتب لتغيير العالم. أكتب لأفهمه. أكتب لأفهم نفسي. أكتب لأفهم لماذا أعيش، ولماذا أعاني، ولماذا أستمر. كل نص هو محاولة فهم. كل كتاب هو بحث عن معنى. قد لا أصل أبداً، لكن السعي نفسه هو المعنى."

هذا السعي هو ما يبقي الحياة محتملة. هو ما يحول المعاناة من عبث إلى مغامرة. هو ما يجعل من الكتابة فعلاً وجودياً، لا مجرد مهنة أو هواية.

المثقف المستقل الذي يخلق معناه بنفسه، لا ينهزم أمام العبث. يواجه فراغ الحياة بملء الكلمات. يواجه صمت العالم بصوته. يواجه الموت بإصراره على الحياة.

---

6.

ومع ذلك، يبقى السؤال: لمن نكتب؟

في زمن اللامبالاة، حيث لا أحد ينتظر ما نكتب، يصبح هذا السؤال مؤلماً. لمن نكتب إذا كان لا أحد يقرأ؟ لمن نوجه كلماتنا إذا كانت تضيع في الفراغ؟

ربما يكون الجواب في شيء قاله الشاعر محمود درويش: "نكتب لنقول للغائبين إننا ما زلنا هنا." نكتب لنؤكد وجودنا. نكتب لنقول للعالم: أنا موجود. نكتب لنخلق أثراً، ولو صغيراً، في رمال الزمن.

صديق كاتب في بيروت قال لي:

"أكتب لأني لا أستطيع ألا أكتب. أكتب لأن الكتابة هي الطريقة الوحيدة التي أعرفها لأكون. أكتب لأن الصمت يقتلني. لا يهم إن قرأني أحد أو لا. المهم أني كتبت. أني تركت بصمتي، ولو على ورق سيبلى."

هذه الشهادة تذكرنا بأن الكتابة، في العمق، حاجة ذاتية قبل أن تكون تواصلاً مع الآخر. هي حوار مع الذات، قبل أن تكون رسالة إلى العالم. هي طريقة للعيش، قبل أن تكون وسيلة للشهرة أو المال.

المثقف المستقل الذي يكتب لنفسه أولاً، يتحرر من قيود السوق وضغوط الجمهور. يكتب ما يريد، كما يريد، لأنه يريد. وهذا، في زمن تسليع كل شيء، هو شكل من أشكال الحرية.

---

7.

لكن الكتابة، حتى حين تكون حاجة ذاتية، تبقى جسراً إلى الآخر.

لأن الكلمات، حين تُكتب، تنتظر قارئاً. حتى لو كان قارئاً متخيلاً، حتى لو كان قارئاً في المستقبل، حتى لو كان قارئاً واحداً. هذا الانتظار هو ما يمنح الكتابة بعدها الإنساني. هو ما يحولها من تأمل فردي إلى حوار جماعي.

صديقة كاتبة في صنعاء، تكتب في ظروف الحرب، قالت لي:

"أكتب وأنا لا أعرف إن كان سيصل ما أكتب إلى أحد. الإنترنت مقطوع غالباً، والكهرباء مقطوعة، والورق نادر. لكني أكتب. أكتب وأتصور أن هناك من سيقرأني يوماً. في مكان ما، في زمن آخر. هذا التصور يبقيني حية. يذكرني بأني لست وحدي."

هذا الإيمان بالقارئ القادم، بالمستقبل الممكن، بالجسر الذي سيبقى رغم كل شيء، هو ما يميز الكتابة الحقيقية. هو ما يجعل منها فعلاً يتجاوز حدود الزمان والمكان. هو ما يحول الكلمات من حبر على ورق إلى حياة مستمرة.

المثقف المستقل الذي يؤمن بهذا، لا ييأس من قلة القراء اليوم. يكتب للمستقبل، يكتب للغد، يكتب لمن سيأتون بعد أن يرحل. وهذا، في زمن السرعة والنسيان، هو شكل من أشكال الخلود.

---

8.

دعونا نعود إلى السؤال الأكبر: ما معنى أن تكون مثقفاً مستقلاً في زمن تآكل الدولة وتضخم السوق واقتصاد القلق؟

ربما يكون المعنى في شيء بسيط: أن تكون شاهداً.

شاهداً على زمنك. شاهداً على تحولاته، على آلامه، على أحلامه. شاهداً على ما يحدث للناس العاديين، للمهمشين، للمنسيين. شاهداً على التفاصيل الصغيرة التي تختفي في التقارير الكبيرة. شاهداً على المعاناة التي لا تظهر في الإحصاءات.

صديق كاتب في القاهرة قال لي:

"دوري ليس تغيير العالم. دوري هو التوثيق. أن أوثق ما يحدث، بدقة وأمانة. أن أحفظ التفاصيل التي ستضيع. أن أخلق ذاكرة للمستقبل. من سيأتي بعدنا سيعرف كيف عشنا، وكيف تألمنا، وكيف أحببنا، بفضل ما نكتبه اليوم."

هذه الشهادة، هذا التوثيق، هو ما يمنح الكتابة قيمتها الدائمة. هي التي تجعل من الأدب ذاكرة الإنسانية. هي التي تحول الكاتب من مجرد ناقل للمشاعر إلى حارس للتاريخ.

المثقف المستقل الذي يشهد على زمنه، يمارس مسؤولية كبرى. مسؤولية الصدق، والأمانة، والدقة. مسؤولية قول الحقيقة، حتى حين تكون الحقيقة قاسية. مسؤولية الحفاظ على الذاكرة، في زمن يميل إلى النسيان.

---

9.

لكن الشهادة وحدها لا تكفي. نحتاج أيضاً إلى المقاومة.

المقاومة بالكلمة. مقاومة التفاهة بالعمق، مقاومة السرعة بالتأمل، مقاومة النسيان بالذاكرة، مقاومة اليأس بالأمل. المقاومة اليومية، الصامتة، الفردية. مقاومة لا تحتاج إلى شعارات ولا إلى بيانات، تحتاج فقط إلى الإصرار على الكتابة.

صديقة كاتبة في الجزائر العاصمة قالت لي:

"أنا لا أشارك في المظاهرات. لا أوقع على البيانات. لا أنتمي إلى أحزاب. مقاومتي هي كتابتي. كل نص أكتبه هو رصاصة في وجه اليأس. كل صفحة أنشرها هي خطوة نحو الحرية. قد لا يرى أحد هذه المعركة، لكني أعرف أنها دائرة."

هذه المقاومة الخفية هي ما يبقي الإمكانية مفتوحة. هي ما يمنع الظلام من أن يبتلع كل شيء. هي ما يحافظ على جذوة الأمل، حتى في أحلك اللحظات.

المثقف المستقل الذي يقاوم بكتابته، لا ينتظر النصر. يعرف أن المعركة طويلة، وأن الخسائر كثيرة، وأن الانتصارات صغيرة. لكنه يواصل، لأنه يعرف أن التوقف هو الهزيمة الحقيقية.

---

10.

وفي النهاية، يبقى الحب.

الحب هو ما يحرك كل شيء. حب الكتابة، حب الكلمات، حب القراء، حب الحياة. بدون هذا الحب، تصبح الكتابة عبئاً، والمقاومة يأساً، والبقاء جحيماً.

صديق كاتب في الدار البيضاء قال لي:

"أنا أكتب لأني أحب. أحب اللغة، أحب القصص، أحب الشخصيات التي أخلقها. أحب اللحظة التي تخرج فيها الكلمة الأولى، واللحظة التي تكتمل فيها الصفحة الأخيرة. هذا الحب هو وقودي. هو ما يبقيني حياً، حتى في أصعب الأوقات."

هذا الحب هو السر الأخير. هو ما يفسر لماذا يواصل المثقف المستقل الكتابة، رغم كل شيء. ليس للشهرة، ولا للمال، ولا للتأثير. بل لأنه يحب. لأنه لا يستطيع أن يتخيل حياته بدون هذا الحب.

المثقف المستقل الذي يحب ما يفعل، لا ينهزم. يواجه كل الصعوبات بهذا الحب. يتحمل كل الإحباطات بهذا الحب. يستمر، لأنه يحب. وهذا، في النهاية، هو كل ما يحتاجه.

---

11.

لنعد الآن إلى المشهد الأخير.

الكاتب في شقته الصغيرة، في آخر الليل. أنهى كتابة الفصل الأخير. الصفحات أمامه، مملوءة بالكلمات. يشعر بتعب عميق، لكنه يشعر أيضاً بامتلاء غريب. امتلاء من أنجز ما أراد إنجازه. امتلاء من قال ما كان يجب أن يقال.

ينهض، يذهب إلى النافذة. المدينة نائمة، والسماء صافية، والنجوم تتألق. يتأمل المشهد طويلاً. يفكر في الرحلة التي قطعها. في كل الكلمات التي كتبها. في كل الأفكار التي شاركها. في كل المشاعر التي عبر عنها.

يتساءل: هل سيقرأ هذا الكتاب أحد؟ هل سيفيد أحداً؟ هل سيترك أثراً؟

لا يعرف الإجابة. لكنه يعرف شيئاً آخر: أنه كتبه. أنه أنجزه. أنه وضع فيه كل ما يستطيع. وهذا يكفي.

يعود إلى مكتبه، ينظر إلى الصفحات الأخيرة. يقرأ الجملة التي كتبها قبل قليل:

"البقاء هو الانتصار. البقاء كاتباً، مثقفاً، إنساناً. البقاء قادراً على الحب، على الأمل، على الكتابة. هذا هو كل ما نستطيع فعله. وهذا قد يكون كافياً."

يبتسم. يطفئ الضوء. يذهب إلى الفراش.

خارجاً، تستمر النجوم في التألق. تستمر الحياة. يستمر الأمل الصغير بأن الغد قد يكون أفضل.

وفي الصباح، ستشرق شمس جديدة. وستبدأ رحلة جديدة. وستُكتب كلمات جديدة. وسيبقى المثقف المستقل، في شقته الصغيرة، يواصل بناء عوالمه، ومد جسوره، والبحث عن أفق جديد.

لأن هذا، في النهاية، هو معنى كل شيء.

---

12.

هكذا ينتهي هذا الكتاب.

لكن الحقيقة أن الكتاب لا ينتهي أبداً. كل خاتمة هي بداية. كل نقطة هي فاصلة. كل كتاب يُغلق هو باب يُفتح على غرفة جديدة.

ما كتبته في هذه الصفحات ليس حقيقة مطلقة. هو مجرد رؤية، من زاوية معينة، في وقت معين. هو محاولة لفهم، لا ادعاء بمعرفة. هو شهادة، لا حكماً.

المثقف المستقل الذي يقرأ هذه الكلمات، قد يجد فيها ما يشبه تجربته. وقد يختلف معها تماماً. وقد يضيف إليها من تجربته ما يجعلها أكثر اكتمالاً. هذا هو حوار الكتابة. هذا هو جسر الكلمات.

في النهاية، يبقى السؤال مفتوحاً. يبقى الأفق ممكناً. تبقى الحياة، رغم كل شيء، تستحق أن تعاش.

وتبقى الكتابة، في زمن بلا هواء، هي النفس الأخير. هي الدليل على أن الإنسان، رغم كل شيء، ما زال إنساناً.

طالما بقيت الكلمة ممكنة، بقي الإنسان ممكنًا.
وطالما بقي الإنسان ممكنًا، بقي الأمل ممكنًا.

وهذا، في النهاية، هو كل ما لدينا.
وهذا قد يكون كافياً.

---

تم

برلين - 2024


……


الفصل الحادي عشر

مرثية للغد... أو لماذا نكتب رغم كل شيء

1.

في اليوم الذي توقف فيه الكاتب عن الكتابة، مات العالم قليلاً.

لا أحد لاحظ الفرق. استمرت الشمس في الشروق والغروب، واستمرت الفواتير في الوصول، واستمرت الحياة في إيقاعها المعتاد. لكن شيئاً صغيراً، خفياً، لا يُرى، اختفى من العالم. شيء اسمه الاحتمال. شيء اسمه الأمل. شيء اسمه المعنى.

الكاتب الذي يتوقف عن الكتابة لا يتوقف فقط عن مهنته. يتوقف عن كونه ما كان. يتحول إلى جسد بلا روح، إلى ذاكرة بلا مستقبل، إلى صدى بلا صوت. يبقى موجوداً، لكنه لم يعد حاضراً. يبقى حياً، لكنه لم يعد يخلق الحياة.

هذا هو الخطر الحقيقي الذي يواجه المثقف المستقل في زمن تآكل الدولة وتضخم السوق واقتصاد القلق. ليس الفقر، ولا التهميش، ولا المرض. بل فقدان الرغبة في الكتابة. فقدان القدرة على خلق المعنى. فقدان الإيمان بأن الكلمات يمكن أن تغير شيئاً.

في هذا الفصل، الذي يأتي بعد الخاتمة، وكأنه تذكير بأن الكتاب لا ينتهي أبداً، سنحاول أن نفهم لماذا نكتب رغم كل شيء. لماذا نواجه العبث بالكلمات. لماذا نقاوم اليأس بالأمل. لماذا نصر على البقاء كتّاباً، حتى حين يبدو كل شيء ضدنا.

سنكتب مرثية للغد. ليس لأن الغد مات، بل لأننا نحتاج إلى أن نرثي ما يمكن أن يموت، لنحافظ عليه حياً. سنكتب عن الأسباب التي تبقينا مستمرين، رغم كل الأسباب التي تدفعنا للتوقف. سنبحث عن النور في آخر النفق، حتى لو كان النفق طويلاً والنور بعيداً.

---

2.

لنبدأ من أبسط الأسباب: لأننا لا نستطيع التوقف.

الكتابة ليست اختياراً للمثقف المستقل الحقيقي. هي ضرورة. هي حاجة بيولوجية، كالأكل والشرب. هي إدمان جميل، لا فكاك منه. هي الطريقة الوحيدة التي نعرفها لنكون في العالم.

صديق كاتب في براغ قال لي:

"حاولت التوقف مرات. حاولت أن أعيش حياة طبيعية، بدون كتابة. استمررت أسابيع، أشهر. لكني كنت أختنق. كنت أشعر أن شيئاً أساسياً ناقص. كنت أحلم بالكتابة، وأفكر فيها، وأشتاق إليها. عدت إليها كالمدمن يعود إلى مخدره. لكن هذا المخدر لا يقتلني، بل يحييني."

هذه الشهادة تختبر حقيقة يعرفها كل كاتب حقيقي: الكتابة ليست مهنة نختارها، بل هي قدر نحمله. ليست وظيفة نتركها عندما نتعب، بل هي جزء من هويتنا، من تكويننا، من وجودنا. التوقف عنها ليس كالتوقف عن أي عمل، بل هو توقف عن الحياة نفسها.

المثقف المستقل الذي يكتب لأنه لا يستطيع ألا يكتب، يمتلك أقوى دافع للاستمرار. لا يحتاج إلى تشجيع خارجي، ولا إلى مكافآت مادية، ولا إلى اعتراف جماهيري. يكفيه أنه يمارس ضرورته. يكفيه أنه يظل على قيد الحياة بالمعنى الأعمق.

---

3.

السبب الثاني: لأن الكتابة تخلق نظاماً في الفوضى.

العالم الذي نعيش فيه فوضوي، غير مفهوم، متناقض. الأحداث تتوالى بلا معنى واضح. المشاعر تتداخل بلا حدود محددة. الأفكار تتشابك بلا خيط ناظم. في هذه الفوضى، تأتي الكتابة لتبني نظاماً. لترتب الأحداث في سرد، والمشاعر في لغة، والأفكار في منطق.

صديقة كاتبة في فيينا وصفت هذه التجربة:

"حين يضطرب العالم من حولي، وحين تتداخل المشاعر في داخلي، أجلس لأكتب. أكتب لأفهم. أكتب لأرتب. أكتب لأخلق نظاماً من الفوضى. في الكتابة، أستطيع أن أضع كل شيء في مكانه. أستطيع أن أفهم ما حدث، وما أشعر به، وما أريده. الكتابة هي بوصلتي في عالم تائه."

هذه القدرة على خلق النظام هي ما يجعل الكتابة ضرورية للحياة النفسية. بدونها، نغرق في فوضى المشاعر والأحداث. بها، نستطيع أن نبني جسراً بين الداخل والخارج، بين الفوضى والنظام، بين العبث والمعنى.

المثقف المستقل الذي يكتب ليخلق نظاماً، لا يفرض معنى جاهزاً على العالم، بل يبني معنى من مواد العالم نفسه. يحول التجربة إلى وعي، والألم إلى معرفة، والفوضى إلى جمال.

---

4.

السبب الثالث: لأن الكتابة تحفظ الذاكرة.

في زمن السرعة والنسيان، حيث كل شيء يمر سريعاً ويختفي، تصبح الكتابة وسيلة للحفظ. تحفظ اللحظات الجميلة من الضياع. تحفظ التجارب المؤلمة من النسيان. تحفظ الأشخاص الذين رحلوا من الموت الثاني.

صديق كاتب في القدس قال لي:

"أكتب لأني لا أريد أن أنسى. لا أريد أن أنسى وجه أمي، ولا طفولتي في الحي، ولا أصدقائي الذين رحلوا. لا أريد أن يضيع كل هذا في زحام الحياة. الكتابة عندي هي صندوق الذاكرة. هي المكان الذي أحفظ فيه كل ما يهمني. هي مقاومتي للنسيان."

هذه المقاومة للنسيان هي شكل من أشكال الخلود. ليس الخلود الديني، بل الخلود الإنساني. الخلود الذي يعني أن شيئاً منا سيبقى بعدنا. أن لحظاتنا الجميلة لن تموت تماماً. أن من أحببناهم سيبقون في كلماتنا.

المثقف المستقل الذي يكتب ليحفظ الذاكرة، يمارس مسؤولية كبرى. مسؤولية التوثيق، والأمانة، والحفظ. هو حارس الذكريات، ليس فقط ذكرياته، بل ذكريات جيله، وطنه، إنسانيته.

---

5.

السبب الرابع: لأن الكتابة تبني جسوراً مع الآخرين.

في زمن العزلة، حيث كل منا في عالمه الخاص، تصبح الكتابة جسراً يربط بين الجزر المنعزلة. الكلمات تصل حيث لا تصل الأجساد. المشاعر تعبر حيث لا تعبر الحدود. الأفكار تلتقي حيث لا تلتقي الجموع.

صديقة كاتبة في مونتريال قالت لي:

"أكتب لأني أريد أن أصل. أريد أن تصل كلماتي إلى من يحتاجها. إلى من يشعر مثلي، ويفكر مثلي، ويعاني مثلي. أريد أن أقول لهم: لستم وحدكم. أريد أن أمد يدي عبر المحيطات والحدود، وأمسك بأيديهم. الكتابة عندي هي المصافحة البعيدة."

هذه المصافحة البعيدة هي ما يجعل الكتابة فعلاً إنسانياً بامتياز. هي ما يحولها من تأمل فردي إلى تواصل جماعي. هي ما يذكرنا بأننا، رغم كل اختلافاتنا، نشترك في إنسانية واحدة.

المثقف المستقل الذي يكتب ليصل إلى الآخرين، لا يبحث عن جماهير، بل عن لقاءات. عن قارئ هنا، وقارئ هناك، يلتقي بهم عبر الكلمات. عن حوار يمتد عبر الزمان والمكان. عن عائلة يختارها، لا تفرضها عليه الظروف.

---

6.

السبب الخامس: لأن الكتابة تشهد على الظلم.

العالم مليء بالظلم. ظلم كبير واضح، وظلم صغير خفي. ظلم يمارسه الأقوياء على الضعفاء، وظلم تمارسه الحياة على الأحياء. في مواجهة هذا الظلم، تصبح الكتابة شهادة. شهادة على ما يحدث، على من يتألم، على ما يضيع.

صديق كاتب في صنعاء، يكتب في وسط الحرب، قال لي:

"أنا لا أستطيع إيقاف القنابل. لا أستطيع إنقاذ الأطفال. لا أستطيع إعادة بناء البيوت. لكني أستطيع شيئاً واحداً: أن أشهد. أن أكتب ما أراه. أن أوثق ما يحدث. أن أقول للعالم: هذا ما يفعلونه بنا. هذه شهادتي. وهذا قد يكون كافياً."

هذه الشهادة هي ما يجعل من الكتابة فعلاً أخلاقياً. هي ما يحول الكاتب من مجرد ناقل للمشاعر إلى شاهد على التاريخ. هي ما يمنح الكلمات وزناً يتجاوز جمالها إلى حقيقتها.

المثقف المستقل الذي يكتب ليشهد على الظلم، يتحمل مسؤولية كبرى. مسؤولية الصدق، والدقة، والشجاعة. مسؤولية قول الحقيقة، حتى حين تكون الحقيقة خطيرة. مسؤولية أن يكون صوتاً لمن لا صوت لهم.

---

7.

السبب السادس: لأن الكتابة تخلق الجمال.

في عالم قبيح، مليء بالبشاعة والدمار، تبقى الكتابة مصدر جمال. جمال اللغة، جمال الصور، جمال الأفكار. هذا الجمال ليس ترفاً، بل هو ضرورة. هو ما يذكرنا بأن الحياة ليست مجرد ألم ومعاناة، بل هي أيضاً إمكانية للجمال.

صديقة شاعرة في باريس قالت لي:

"أنا أكتب لأخلق جمالاً. جمالاً يقاوم قبح العالم. جمالاً يذكرني بأن هناك ما هو أفضل. جمالاً يمنحني لحظات من النقاء في وسط العكارة. قصائدي ليست هروباً من الواقع، بل هي بناء لواقع أجمل. واقع يمكن أن نعيش فيه، ولو للحظات."

هذا الجمال المقاوم هو ما يميز الكتابة الحقيقية. ليس جمالاً زائفاً يغطي على القبح، بل جمالاً حقيقياً يواجه القبح. ليس تجميلاً للواقع، بل خلقاً لواقع موازٍ، يمكن أن يكون ملاذاً ومنبعاً للأمل.

المثقف المستقل الذي يكتب ليخلق الجمال، يمارس شكلاً من أشكال المقاومة الروحية. مقاومة اليأس بالأمل، مقاومة القبح بالجمال، مقاومة الموت بالحياة.

---

8.

السبب السابع: لأن الكتابة تفتح المستقبل.

في زمن يبدو فيه المستقبل مسدوداً، والمخارج معدومة، تبقى الكتابة نافذة على الإمكان. تفتح احتمالات لم نفكر فيها، وتخلق عوالم لم توجد بعد، وترسم طرقاً لم نسلكها. الكتابة هي مختبر المستقبل.

صديق كاتب في بوينس آيرس قال لي:

"حين أشعر أن كل الأبواب مغلقة، أجلس لأكتب. في الكتابة، أستطيع أن أفتح أي باب. أستطيع أن أتخيل مستقبلاً مختلفاً. أستطيع أن أعيش حياة أخرى. هذا التخيل ليس هروباً، بل هو تدريب. تدريب على إمكانية التغيير. تدريب على الأمل."

هذا التدريب على الأمل هو ما تحتاجه البشرية اليوم. في زمن الأزمات المتعددة، والتحديات الكبرى، نحتاج إلى من يتخيل لنا مستقبلاً ممكناً. من يرسم لنا طريقاً للخروج. من يذكرنا بأن التغيير ممكن.

المثقف المستقل الذي يكتب ليفتح المستقبل، لا يقدم حلولاً جاهزة، بل يبقي إمكانية الحل مفتوحة. لا يرسم طريقاً واحداً، بل يشير إلى أن الطرق متعددة. لا يعد بالجنة، بل يذكر بأن الجحيم ليس قدراً.

---

9.

السبب الثامن: لأن الكتابة تجعلنا نعيش أكثر من حياة.

الإنسان العادي يعيش حياة واحدة. يولد، ينمو، يعمل، يحب، يموت. حياة واحدة، بتجاربها المحدودة، وأفراحها المحدودة، وأحزانها المحدودة. لكن الكاتب يعيش حيوات متعددة. يعيش حياة كل شخصية يخلقها. يعيش في كل زمان يكتب عنه. يعيش في كل مكان يصفه.

صديقة روائية في ستوكهولم عبرت عن هذه التجربة:

"حين أكتب رواية، أعيش حياة أبطالي. أشعر بما يشعرون، وأفكر كما يفكرون، وأعاني كما يعانون. في النهاية، أكون قد عشت حيوات إضافية. حياتي أنا، وحياة كل من كتبت عنهم. هذا الثراء الوجودي هو ما يجعل الكتابة ثمينة. هي التي تمنحني عمراً أطول."

هذه الحيوات المتعددة هي ما يثري وجود الكاتب. هي ما يجعله أكثر فهماً للإنسان، أكثر تعاطفاً مع المعاناة، أكثر قدرة على الحب. هي ما يحوله من فرد محدود إلى وعاء يتسع للكثيرين.

المثقف المستقل الذي يعيش حيوات متعددة بكتابته، لا يهرب من حياته، بل يوسعها. لا يتخلى عن واقعه، بل يضيف إليه عوالم أخرى. لا ينسى نفسه، بل يجد نفسه في الآخرين.

---

10.

السبب التاسع: لأن الكتابة دواء.

كثير من الكتّاعرف أن الكتابة تشفي. تشفي من الاكتئاب، تشفي من القلق، تشفي من الوحدة. ليس لأنها تمحو الألم، بل لأنها تحوله. تحوله من شيء سلبي تعاني منه، إلى شيء إيجابي تصنعه. من عدو يهاجمك، إلى مادة تبني بها.

صديق كاتب في لندن قال لي:

"في أسوأ فترات حياتي، حين كنت على حافة الانهيار، كانت الكتابة هي ما أنقذني. كنت أكتب لأفهم ما يحدث لي. كنت أكتب لأفرغ ما في داخلي. كنت أكتب لأشفي نفسي. كل نص كان جلسة علاج. كل صفحة كانت خطوة نحو النور."

هذه القوة العلاجية للكتابة معروفة منذ القدم. المصريون القدماء كانوا يكتبون التعاويذ ليشفي بها المرضى. الإغريق كانوا يعتقدون أن الشعر دواء للروح. المعاصرون يستخدمون الكتابة في العلاج النفسي. الكتابة تشفي، لأنها تعطي شكلاً للألم، وتجعل المعاناة محتملة.

المثقف المستقل الذي يكتب ليشفي نفسه، يمارس أقدم أشكال الطب. طب الروح بالكلمة. طب النفس بالجمال. طب الوجود بالمعنى.

---

11.

السبب العاشر: لأن الكتابة تخلدنا.

هذا هو السبب الأقدم، والأعمق. نكتب لأننا لا نريد أن نموت تماماً. نريد أن يبقى منا شيء بعدنا. بصمة صغيرة في رمال الزمن. كلمة تبقى بعد أن يرحل الجسد. فكرة تعيش بعد أن يموت صاحبها.

صديقة كاتبة في القاهرة قالت لي:

"أنا لا أخاف الموت. أخاف النسيان. أخاف أن أموت ويختفي كل أثر لي. الكتابة هي ضدي ضد هذا الخوف. هي التي تضمن أن شيئاً مني سيبقى. ربما قرأني أحد بعد مئة سنة. ربما تأثر بي أحد بعد ألف سنة. هذا يكفي. هذا يجعل الموت أقل رعباً."

هذا الخلود الصغير، المتواضع، الإنساني، هو ما تسعى إليه الكتابة. ليس خلود الأديان، ولا خلود الأبطال. بل خلود بسيط: أن تبقى كلماتك حية في قلب قارئ واحد، في زمن آخر. أن يكون لوجودك معنى يتجاوز عمرك البيولوجي.

المثقف المستقل الذي يكتب ليخلد، لا يبحث عن شهرة بعد الموت، بل عن استمرارية. عن أن يكون جزءاً من حوار إنساني يمتد عبر الأجيال. عن أن يضيف لبنة صغيرة في صرح المعنى الإنساني.

---

12.

لنعد الآن إلى السؤال الأول: لماذا نكتب رغم كل شيء؟

لأننا لا نستطيع التوقف. لأن الكتابة تخلق نظاماً في الفوضى. لأنها تحفظ الذاكرة. لأنها تبني جسوراً مع الآخرين. لأنها تشهد على الظلم. لأنها تخلق الجمال. لأنها تفتح المستقبل. لأنها تجعلنا نعيش أكثر من حياة. لأنها دواء. لأنها تخلدنا.

لكن هناك سبب أخير، يتجاوز كل هذه الأسباب. سبب لا يمكن تفسيره، ولا تحليله، ولا اختزاله في كلمات. سبب يشبه السر، يشبه الغموض، يشبه المعجزة.

صديق كاتب عجوز، قضى سبعين عاماً في الكتابة، قال لي قبل أن يموت:

"لماذا أكتب؟ لا أعرف. أعرف فقط أني كتبت. أني ملأت آلاف الصفحات بكلمات. أني تركت ورائي مكتبة صغيرة. قد لا يقرأها أحد. قد تتحول إلى غبار. لكني كتبت. وهذا يكفي."

هذا "يكفي" هو السر الأخير. السر الذي لا يمكن تفسيره. الإيمان بأن الكتابة، في النهاية، تبرر نفسها بنفسها. ليست بحاجة إلى مبرر خارجي، ولا إلى هدف عملي، ولا إلى نتيجة ملموسة. هي قيمتها في ذاتها. هي معناها في وجودها.

المثقف المستقل الذي يصل إلى هذه القناعة، يتحرر من كل شيء. يتحرر من السوق، من الدولة، من الجمهور، من النقاد، من الشهرة، من المال. يكتب لأنه يكتب. وهذا يكفي.



13.

قبل أن نغلق هذا الفصل الأخير، وهذا الكتاب كله، أريد أن أعود إلى تلك الصورة التي بدأنا بها: صورة الكاتب في شقته الصغيرة، في آخر الليل، وقد أنهى كتابة كتابه.

الآن، بعد أحد عشر فصلاً، بعد مئات الصفحات، بعد أشهر من الكتابة، ها هو ينظر إلى ما أنجز. يشعر بتعب عميق، لكنه يشعر أيضاً بسلام غريب. سلام لا يأتي من حل المشاكل، بل من مواجهتها. سلام لا يأتي من النجاح، بل من الإنجاز. سلام لا يأتي من اليقين، بل من الشجاعة على السؤال.

ينهض، يذهب إلى النافذة. المدينة نائمة، والسماء صافية، والنجوم تتألق. يتأمل المشهد طويلاً. يفكر في كل الكلمات التي كتبها. في كل الأفكار التي شاركها. في كل المشاعر التي عبر عنها.

يتساءل للمرة الأخيرة: هل كان هذا الكتاب ضرورياً؟ هل سيقرأه أحد؟ هل سيغير شيئاً؟

لا يعرف الإجابة. لكنه يعرف شيئاً آخر: أنه كتبه. أنه أنجزه. أنه وضع فيه كل ما يستطيع. وهذا يكفي.

يعود إلى مكتبه، ينظر إلى الصفحة الأولى من المخطوطة. يقرأ العنوان: "في ظلال القلق الغربي". يبتسم. يتذكر كيف بدأت الفكرة، كيف نمت، كيف تحولت إلى هذا الكتاب.

يكتب على الصفحة الأخيرة، بخط يده:

"إلى كل مثقف مستقل، في كل مكان، يواصل الكتابة رغم كل شيء. أنتم لستم وحدكم. كلماتكم تصل، حتى حين لا تصل. معناكم يبقى، حتى حين يضيع. استمروا."

يضع القلم جانباً. يطفئ الضوء. يذهب إلى الفراش.

خارجاً، تستمر النجوم في التألق. تستمر الحياة. يستمر الأمل الصغير بأن الغد قد يكون أفضل.

وفي الصباح، ستشرق شمس جديدة. وستبدأ رحلة جديدة. وستُكتب كلمات جديدة. وسيبقى المثقف المستقل، في شقته الصغيرة، يواصل بناء عوالمه، ومد جسوره، والبحث عن معنى.

لأن هذا، في النهاية، هو كل ما يمكن فعله.
وهذا قد يكون كافياً.

بل هو كافٍ.
بالتأكيد كافٍ.




إلى كل من يقرأ هذه الكلمات: أنت لست وحدك. كلماتك تنتظر من يكتبها. اكتبها. العالم في حاجة إليها.


…….


الفصل الثاني عشر

رسالة إلى كاتب شاب... أو كيف نحمي النور في زمن العتمة

1.

صديقي الشاب،

تكتب إليك في ليلة شتائية باردة، والثلج يتساقط خارج نافذتي كما يتساقط دائماً في هذه المدينة التي اخترتها منفىً اختيارياً. على مكتبي، كومة من الأوراق، وبعض الكتب المفتوحة، وفنجان قهوة يبرد ببطء. وأنا، بعد أن أنهيت كتاباً كاملاً عن معاناة المثقف المستقل في زمن تآكل الدولة وتضخم السوق، أجد نفسي أفكر فيك.

في جيلك. في الذين سيأتون بعدنا. في الذين سيحملون هذه المهنة العجيبة، هذه الدعوة الثقيلة، هذه الهبة الملعونة: الكتابة.

أنت الذي تبدأ الآن، وتقرأ هذه السطور بحثاً عن دليل، عن بصيص نور، عن كلمة تقول لك إن الطريق ليست مستحيلة. أنت الذي تخاف وتأمل في آن، الذي يريد أن يكتب لكنه يسمع كل يوم أن الكتابة لا تطعم خبزاً، أن النشر أصبح مستحيلاً، أن القراء لم يعودوا يقرؤون. أنت الذي تحمل في داخلك حلم الكتابة، وتحاول أن تحميه من صقيع الواقع.

هذه الرسالة لك.

ليست وصايا من معلم إلى تلميذ، ولا نصائح من خبير إلى مبتدئ. أنا لست في موقع من يملك الحقيقة. أنا فقط كاتب مثلك، سبقتك بضع سنوات في هذه الرحلة، وعانيت ما تعاني، وخفت مما تخاف، وأملت مما تأمل. ما أكتبه هنا هو مجرد تجربة، مجرد شهادة، مجرد يد تمد إليك من الجانب الآخر من النهر.

خذ منها ما ينفعك، واترك ما لا ينفعك. والأهم، اصنع طريقك بنفسك. فالكتابة، في النهاية، ليست اتباعاً للوصايا، بل اكتشافاً للذات.



2.

أول ما أريد أن أقوله لك: لا تخف.

أعرف أن الخوف رفيقك الدائم هذه الأيام. الخوف من الفشل، الخوف من الرفض، الخوف من ألا ينشر لك أحد، الخوف من أن تكون كتابتك دون المستوى، الخوف من أن تضيع عمرك في شيء لا قيمة له. أعرف هذا الخوف جيداً. عشته سنين. وما زلت أعيشه أحياناً.

لكن اسمح لي أن أقول لك شيئاً: هذا الخوف طبيعي. بل هو ضروري. الخوف هو ما يجعلك تكتب بشكل أفضل، تراجع نصوصك بدقة، تسعى للتطور باستمرار. الخوف ليس عدوك، بل هو حارسك الداخلي. المهم ألا يتحول إلى شلل. المهم ألا يمنعك من الكتابة.

صديق كاتب كبير قال لي يوماً:

"الخوف مثل الظل. كلما حاولت الهروب منه، ركض خلفك. لكن إذا واجهته، وتوقفت، ستجده مجرد ظل. موجود لكنه غير ضار. تعلم أن تكتب وخائف. تعلم أن تنشر وخائف. تعلم أن تفشل وخائف. مع الوقت، سيصبح الخوف رفيقاً مألوفاً، لا عدواً مخيفاً."

هذه هي الحكمة: أن تكتب رغم الخوف. أن تواصل رغم الريب. أن تخطو خطواتك الأولى وأنت ترتجف، لكنك تخطوها. لأن الخطوة الأولى، مهما كانت مترددة، هي التي تبدأ الرحلة.



3.

ثانياً: اقرأ. اقرأ كثيراً. اقرأ دائماً.

هذه النصيحة قد تبدو مبتذلة، لكنها جوهرية. لا يمكن أن تصبح كاتباً جيداً دون أن تكون قارئاً نهماً. القراءة هي غذاء الكتابة. هي الوقود الذي يحرك المحرك. هي المدرسة التي تتعلم فيها دون أن تشعر.

لكن المهم ليس كمية القراءة فقط، بل نوعيتها أيضاً. اقرأ الكلاسيكيات، فهي أساس كل شيء. اقرأ المعاصرين، لتعرف أين أنت من العالم. اقرأ من ثقافات أخرى، لتوسع أفقك. اقرأ في مجالات مختلفة، لتخصب مخيلتك. اقرأ الشعر، حتى لو كنت تكتب نثراً. اقرأ الفلسفة، حتى لو كنت روائياً. اقرأ التاريخ، حتى لو كنت تكتب عن الحاضر.

صديقة كاتبة في برشلونة قالت لي:

"القراءة عندي ليست مجرد استعداد للكتابة. هي جزء من الكتابة نفسها. حين أقرأ، أتعلم كيف يبني الآخرون عوالمهم. أسرق تقنياتهم، وأتأمل أساليبهم، وأحاور أفكارهم. ثم أعود إلى كتابتي وأنا أكثر ثراءً مما كنت."

لكن احذر: القراءة لا تعني التقليد. اقرأ لتتعلم، لا لتنسخ. استلهم من الآخرين، لكن ابحث عن صوتك الخاص. ففي النهاية، الكاتب العظيم ليس من يكتب مثل فلان، بل من يكتب مثل نفسه فقط.



4.

ثالثاً: اكتب كل يوم.

لا تنتظر الإلهام. لا تنتظر اللحظة المثالية. لا تنتظر أن تتوفر لك كل الظروف. اكتب الآن، بما لديك، كما أنت. الإلهام يأتي بالكتابة، لا قبلها. اللحظة المثالية وهم. الظروف المثالية لا توجد أبداً.

صديق كاتب في برلين قال لي:

"في البداية، كنت أنتظر أن تأتيني الفكرة الرائعة لأكتب. كنت أجلس ساعات أنتظر، ولا يأتي شيء. ثم قررت أن أكتب كل يوم، حتى لو كان هراء. أكتب عن أي شيء: عن الطقس، عن الجيران، عن حلم راودني. وبالممارسة، بدأت الأفكار تأتي. بدأت الكلمات تتدفق. اكتشفت أن الكتابة عادة، قبل أن تكون موهبة."

هذه العادة هي ما يصنع الكاتب. ليست الموهبة وحدها. الموهبة دون انضباط تذبل وتموت. لكن العادة، مع القليل من الموهبة، تصنع المعجزات.

خصص وقتاً يومياً للكتابة. حتى لو كان نصف ساعة فقط. حتى لو كتبت صفحة واحدة فقط. المهم الاستمرارية. المهم أن تظل على اتصال بالكتابة، كالماء يظل على اتصال بالنهر.



5.

رابعاً: لا تقارن نفسك بالآخرين.

هذه من أخطر الآفات التي تصيب الكاتب الشاب. ينظر حوله، فيرى كتّاباً ينشرون بغزارة، ويحصدون جوائز، ويحظون بقراء كثر. فيقارن نفسه بهم، ويشعر بالفشل، وربما يتوقف عن الكتابة.

لا تفعل هذا. المقارنة سم قاتل. لكل كاتب طريقه الخاص، وسرعته الخاصة، وظروفه الخاصة. من ينشر باكراً قد يجف لاحقاً. من يتأخر في النشر قد يعمر طويلاً. النجاح ليس سباقاً، بل رحلة.

صديقة كاتبة في فيينا قالت لي:

"قارنت نفسي بكاتبة في عمري كانت تنشر في كبريات المجلات وأنا لا. شعرت بالفشل سنوات. حتى اكتشفت أن تلك الكاتبة كانت تنشر لأن أباها ناشراً معروفاً. لم يكن نجاحها يعكس موهبتها فقط، بل ظروفها أيضاً. عندها توقفت عن المقارنة، وركزت على كتابتي أنا."

لا تعرف الظروف الحقيقية للآخرين. لا تعرف ما يحدث خلف الكواليس. لا تعرف الثمن الذي يدفعونه. ركز على نفسك، على تطورك، على كتابتك. كن أفضل نسخة من نفسك، لا نسخة رديئة من غيرك.



6.

خامساً: تقبل الرفض.

الرفض جزء لا يتجزأ من حياة الكاتب. مقالات مرفوضة، كتب مرفوضة، مشاريع مرفوضة. هذا طبيعي. هذا لا يعني أن كتابتك سيئة. قد يعني فقط أن الناشر لم يفهمك، أو أن ما تكتبه لا يناسب سوقه، أو أن الظروف لم تكن مناسبة.

صديق كاتب في لندن قال لي:

"أول رفض تلقاني كان قاسياً. بكيت. ظننت أن نهايتي قد حانت. لكني واصلت الإرسال. وبعد عشرين رفضاً، بدأت الرفوضات لا تؤلمني. وبعد خمسين، صرت أتوقعها. والغريب أن أول قبول تلقيته كان من ناشر رفضني قبل سنة. تخيل لو توقفت بعد الرفض الأول؟"

الرفض ليس حكماً على قيمتك. هو مجرد خطوة في الطريق. كل كاتب عظيم مر بالرفض. كل كتاب شهير رفضه ناشرون قبلاً. المهم ألا تستسلم. المهم أن تواصل الإرسال، وأن تطور نصوصك، وأن تؤمن بنفسك.

احتفظ بالرفوضات. اجمعها. بعد سنوات، ستنظر إليها وتضحك. ستدرك أنها كانت جزءاً من رحلتك، لا نهايتها.



7.

سادساً: ابحث عن مجتمع.

الكتابة مهنة وحيدة. تمضي ساعات طويلة وحدك، مع أفكارك وكلماتك. هذه الوحدة قد تكون خصبة، لكنها قد تكون قاتلة أيضاً. لذلك أنت بحاجة إلى مجتمع. إلى رفقة كتّاب آخرين، يفهمون معاناتك، ويشاركونك همومك، ويشجعونك على الاستمرار.

صديقة كاتبة في كوبنهاغن قالت لي:

"في بداياتي، كنت أكتب في عزلة تامة. كنت أظن أن هذه هي طبيعة المهنة. حتى انضممت إلى ورشة كتابة صغيرة. هناك، وجدت أناساً يشعرون مثلي. يفرحون لفرحي، ويحزنون لحزني، ويفهمون قلقي دون أن أشرح. هذه الجماعة الصغيرة أنقذتني."

ابحث عن ورش كتابة، عن مجموعات قراءة، عن مقاهي أدبية، عن منتجيات إلكترونية. شارك، تواصل، اقرأ للآخرين، واطلب منهم قراءة نصوصك. النقد البناء من أصدقاء موثوقين أثمن من المديح الفارغ من غرباء.

لكن احذر: ليس كل من يكتب صديقاً. اختر رفقتك بعناية. ابحث عن من يضيفون إليك، لا من يستنزفون طاقتك. عن من ينتقدونك بحب، لا من يحبطونك بحسد. عن من يشاركونك الرحلة، لا من يعرقلون مسيرتك.



8.

سابعاً: اعتن بنفسك.

الكتابة عمل شاق، مرهق، مستنزف. تحتاج إلى جسد سليم، وعقل صاف، وروح هادئة لتستمر. لذلك، لا تهمل نفسك. نم جيداً. كل جيداً. تحرك. اخرج إلى الطبيعة. اقض وقتاً مع من تحب. امنح نفسك فترات راحة حقيقية.

صديق كاتب في أمستردام قال لي:

"في سنواتي الأولى، كنت أكتب ليل نهار، لا أنام، لا آكل جيداً، لا أرى أحداً. كنت أظن أن هذه هي التضحية المطلوبة. ثم انهار جسدي. مرضت أشهراً، ولم أستطع الكتابة طبعاً. عندها أدركت أن العناية بالنفس ليست ترفاً، بل هي شرط للاستمرار."

لا تقع في فخ التضحية الزائفة. الكتابة مشوار طويل، يحتاج إلى عداء صامد، لا إلى عداء ينطلق بسرعة ثم ينهار. اعتن بنفسك كما تعتني بكتابتك. فأنت، قبل أي شيء، إنسان. والكتابة تأتي من إنسانيتك، لا من إلغائها.


9.

ثامناً: لا تنتظر الاعتراف.

كثير من الكتّاب الشباب يعلقون آمالهم على الاعتراف الخارجي. على جائزة، على مقال نقدي، على إشادة من كاتب كبير. يظنون أن هذا الاعتراف سيثبت قيمتهم، وسيمنحهم الثقة للاستمرار. وهذا وهم.

الاعتراف الخارجي إن جاء، فهو جميل. لكنه ليس ضرورياً. ليس هو ما يصنع كاتباً. الكاتب يصنع بكتابته، لا بجوائزه. بمواصلته، لا بشهرته. بإيمانه الداخلي، لا بتصفيق الخارج.

صديقة كاتبة في ستوكهولم قالت لي:

"انتظرت الاعتراف عشرين سنة. في كل عام، كنت أترشح للجوائز ولا أفوز. في كل مرة، كنت أشعر بالفشل. حتى قررت أن أتوقف عن الانتظار. قررت أن أكتب لأني أحب الكتابة، لا لأني أريد جوائز. والمفارقة أن أول جائزة حصلت عليها كانت بعد هذا القرار مباشرة. لكني حين حصلت عليها، لم تَعُد تعني لي ما كانت تعنيه."

اكتب لنفسك أولاً. اكتب لأنك لا تستطيع ألا تكتب. اكتب لأن الكتابة هي طريقتك في فهم العالم والتعبير عن نفسك. أما الاعتراف، إن جاء، فمرحباً به. وإن لم يأت، فلن يوقفك.



10.

تاسعاً: تقبل الهشاشة.

الكتابة مهنة هشة. تعتمد على الإلهام الذي لا يأتي بأمر، على النشر الذي لا يضمن، على القراء الذين لا يوفون. هذه الهشاشة جزء من اللعبة. لا تحاربها، بل تقبلها. تعلم العوم في مياهها، لا السباحة عكس تيارها.

صديق كاتب في فيينا قال لي:

"حاولت سنوات أن أجعل الكتابة مهنة ثابتة، مستقرة، مضمونة. حاولت أن أتحكم في كل شيء: في إنتاجي، في نشري، في قرائي. فشلت طبعاً. ثم أدركت أن الهشاشة ليست عيباً، بل هي طبيعة هذه المهنة. هي ما يجعلها مثيرة. هي ما يبقيها حية."

تقبل أن بعض الأيام ستكون جافة، لا كلمة تخرج. تقبل أن بعض النصوص سترفض. تقبل أن بعض المشاريع ستفشل. تقبل أنك لن ترضى الجميع أبداً. هذا كله طبيعي. المهم ألا توقفك هذه الهشاشة. المهم أن تواصل، رغم كل شيء.

الهشاشة ليست ضعفاً، بل هي مرونة. هي القدرة على الانحناء دون الانكسار. هي القوة الحقيقية للكاتب.



11.

عاشراً: آمن برسالتك.

في النهاية، كل هذه النصائح تقود إلى شيء واحد: الإيمان برسالتك. أن تؤمن بأن الكتابة مهمة، حتى حين لا يقرؤك أحد. أن تؤمن بأن الكلمات تصنع فرقاً، حتى حين لا ترى هذا الفرق. أن تؤمن بأن ما تفعله له معنى، حتى حين يبدو كل شيء بلا معنى.

صديقة كاتبة في بيروت، تكتب في وسط الخراب، قالت لي:

"أنا هنا، في مدينة تتدمر، أكتب. أكتب قصائد عن الحب، عن الجمال، عن الحياة. قد يبدو هذا جنوناً. قد يبدو هروباً. لكني أعرف أنه ليس كذلك. أنا أكتب لأؤكد أن الحياة أقوى من الموت. أن الجمال أقوى من القبح. أن الكلمة أقوى من الرصاصة. هذه هي رسالتي. هذا هو إيماني."

أنت أيضاً، في مدينتك، في ظروفك، في حياتك، لك رسالة. قد تكون رسالة صغيرة، متواضعة، محلية. لكنها رسالتك أنت. لا تدع أحداً يخبرك أنها غير مهمة. لا تدع الظروف تقنعك بأنها عديمة الجدوى. آمن بها. دافع عنها. عش لأجلها.

هذا الإيمان هو ما سيبقيك مستمراً. هو الوقود حين ينقطع الوقود. هو النور حين تظلم الدنيا. هو المعنى حين يغيب كل معنى.


12.

صديقي الشاب،

أعلم أن هذه النصائح العشرة قد تبدو كثيرة. قد تبدو ثقيلة. قد تشعر أنك لا تستطيع تطبيقها كلها. لا بأس. اختر منها ما يناسبك. ابدأ بواحدة. اثنتين. مع الوقت، ستصبح عادات، وستنسى أنك تعلمتها أصلاً.

الأهم أن تبدأ. أن تكتب كلمتك الأولى. أن تخطو خطوتك الأولى. أن تفتح صفحتك الأولى. الباقي سيأتي بالتدريج.

الطريق طويلة. صعبة. مليئة بالعقبات. لكنها، في النهاية، طريقك أنت. لا أحد يستطيع أن يمشيها نيابة عنك. ولا أحد يستطيع أن يمنعك من مشيها إن أردت حقاً.

في الطريق، ستخسر أشياء. ستخسر وقتاً، ومالاً، وعلاقات. ستخسر أوهاماً وأحلاماً. لكنك ستكسب أشياء أيضاً. ستكسب نفسك. ستكسب صوتك. ستكسب معنى لحياتك.

وهذا الكسب، في النهاية، هو أثمن ما يمكن أن تكسبه.



13.

قبل أن أختم، أريد أن أحكي لك قصة صغيرة.

في مدينة بعيدة، عاش كاتب عجوز. أمضى سبعين سنة في الكتابة. كتب عشرات الكتب. نال جوائز وتكريماً. وذات يوم، زاره صحفي شاب وسأله:

"بعد كل هذه السنوات، وبعد كل هذه الكتب، ما الذي تعلمته عن الكتابة؟"

نظر إليه العجوز طويلاً، ثم قال:

"تعلمت أن الكتابة لا تعلم. هي تكتشف. كل كتاب هو اكتشاف جديد. كل نص هو رحلة جديدة. كل كلمة هي عالم جديد. تعلمت أنني حين أظن أني فهمت الكتابة، كانت تخبرني أني لم أفهم شيئاً. تعلمت أن الكتابة مثل الحياة: لا تُفهم، بل تُعاش."

ثم أضاف، مبتسماً:

"وأنت، أيها الشاب، ستتعلم هذا أيضاً. لكن ليس مني. ستتعلمه من كتابتك أنت. من تجربتك أنت. من رحلتك أنت. ابدأ الرحلة. الباقي سيأتي."

هذه القصة أقولها لك الآن. ابدأ الرحلة. الباقي سيأتي.



14.

والآن، وقد شارفت هذه الرسالة على الانتهاء، أريد أن أتركك مع آخر كلمة.

الكتابة هبة. هبة ثمينة، نادرة، جميلة. لا تضيعها. لا تفرط فيها. لا تدع الظروف تسرقها منك. احمها كأغلى ما تملك. لأنها، في الحقيقة، أغلى ما تملك.

في زمن تآكل الدولة، وتضخم السوق، واقتصاد القلق، قد تبدو الكتابة ترفاً. قد تبدو عديمة الجدوى. قد تبدو مضيعة للوقت. لكنها، في الحقيقة، هي ما يبقينا بشراً. هي ما يحافظ على إنسانيتنا في وجه كل ما يحاول إلغاءها.

أنت، بكتابتك، تحمي النور في زمن العتمة. تحمي الأمل في زمن اليأس. تحمي المعنى في زمن العبث. هذا ليس قليلاً. هذا هو كل شيء.

استمر.

اكتب.

لا تتوقف.

فالعالم في حاجة إلى كلماتك. إلى صوتك. إلى نورك.

حتى لو لم يعترف بذلك. حتى لو لم يظهر ذلك. حتى لو بدا عكس ذلك تماماً.

العالم يحتاجك. يحتاج كتّاباً مثلك. يحتاج من يحلمون، ويفكرون، ويخلقون. يحتاج من يكتبون، لا لينجحوا، بل ليكونوا.

كن أنت.



15.

هنا، في هذه اللحظة، تنتهي رسالتي.

خارج نافذتي، توقف الثلج عن التساقط. السماء بدأت تصحو. الفجر يقترب. على مكتبي، فنجان القهوة فارغ الآن، والأوراق مبعثرة، والكتب ما زالت مفتوحة.

سأغلق الآن. سأتركك مع نفسك، مع أحلامك، مع مخاوفك. سأتركك تبدأ رحلتك، أو تواصلها، أو تعيد النظر فيها.

تذكر فقط: أنت لست وحدك. كل كاتب بدأ مثلك. خائف، متردد، غير متأكد. كل كاتب مر بما تمر به. وكل كاتب استمر، رغم كل شيء.

استمر أنت أيضاً.

اكتب.

لا تتوقف.

العالم ينتظر كلماتك.

…..


رسالة إلى كاتب شاب




الفصل الثالث عشر

الخاتمة... حين تصبح الكتابة هي الوطن

1.

في البدء كان المنفى.

قبل أن نكتب كلمة واحدة، قبل أن نحلم بحرف واحد، كنا منفيين. منفيين من أوطاننا الأصلية، أو منفيين داخل أوطاننا، أو منفيين من أنفسنا. المنفى هو شرط الكتابة الأول. هو المسافة التي تخلق الرؤية. هو الجرح الذي يولد الكلمات.

هكذا بدأ هذا الكتاب، وهكذا ينتهي: بالمنفى.

لكن المنفى، في النهاية، ليس نهاية. هو بداية. هو الرحم الذي يولد منه وطن جديد. وطن لا يحميه جيش ولا حدود، وطن لا يمنحه جواز سفر ولا هوية. وطن من كلمات. وطن من ورق وحبر وخيال. وطن اسمه الكتابة.

في هذه الخاتمة، التي تأتي بعد اثني عشر فصلاً ومقدمة ورسالة، سأحاول أن أجيب عن السؤال الأخير: ما الذي يبقى بعد كل هذا؟ بعد تحليل القلق، وتشريح الغربة، ووصف التعب، والتأمل في المعنى؟ ما الذي يبقى لنا نحن المثقفين المستقلين، في زمن تآكل الدولة وتضخم السوق واقتصاد القلق؟

سأحاول أن أقولها ببساطة: تبقى الكتابة.

الكتابة هي الوطن الأخير. هي الملاذ حين تغلق كل الأبواب. هي النور حين تنطفئ كل الأضواء. هي المعنى حين يختفي كل معنى. ليست الكتابة التي تنشر وتباع وتقرأ، بل الكتابة التي تكتب. الفعل نفسه. العملية ذاتها. الرحلة اليومية إلى عالم الكلمات.

في هذا الفصل الأخير، سأحاول أن أصف هذا الوطن. سأحاول أن أرسم خريطته، وأحصي كنوزه، وأعدد سكانه. سأحاول أن أشرح لماذا، بعد كل ما قلناه عن القلق والغربة والتعب، نبقى نكتب. لماذا نستمر. لماذا لا نستسلم.

لأن الكتابة، في النهاية، ليست ما نفعل. هي ما نحن.



2.

لنبدأ من نقطة بسيطة: الكتابة كملاذ.

في خضم العواصف، نبحث عن ملجأ. في وسط الفوضى، نبحث عن نظام. في قلب الضياع، نبحث عن اتجاه. هذا الملجأ، هذا النظام، هذا الاتجاه، نجده أحياناً في الكتابة.

صديق كاتب في بيروت، كتب في وسط انفجار المرفأ، قال لي:

"تلك الأيام، كانت المدينة تنهار من حولي. الانفجارات، الموت، الخراب. في وسط هذا الجنون، كنت أجلس لأكتب. أكتب عن أي شيء: عن طفولتي، عن حبي الأول، عن حلم راودني. لم أكن أكتب لنشر، ولا لقراء. كنت أكتب لأنجو. كانت الكتابة ملجأي الوحيد."

هذا الملجأ ليس هروباً من الواقع. هو مواجهة له بطريقة أخرى. هو خلق مساحة صغيرة من النظام في قلب الفوضى. هو تأكيد على أن الحياة ممكنة، حتى في لحظات استحالتها.

المثقف المستقل الذي يجعل من الكتابة ملجأ، لا يهرب من العالم. بل يخلق عالماً موازياً يمكنه العودة إليه كلما اشتدت العواصف. عالماً ينتظره بصبر، يحتضنه بحنان، يمنحه قوة الاستمرار.



3.

الكتابة كمعنى.

سألوني مرة: لماذا تكتب؟ حاولت أن أجد إجابة ذكية، عميقة، مقنعة. فشلت. ثم قلت ببساطة: لأن الكتابة تعطي حياتي معنى.

هذا هو السر. المعنى. في زمن يفرغ الحياة من معناها، وتحول كل شيء إلى سلعة، وتجعل من الإنسان مجرد رقم في معادلة اقتصادية، تبقى الكتابة مصدر معنى. معنى شخصي، ذاتي، حميم. لكنه معنى حقيقي.

صديقة كاتبة في باريس قالت لي:

"بدون الكتابة، حياتي سلسلة أحداث عابرة. ولادة، دراسة، عمل، زواج، أطفال، موت. مع الكتابة، تتحول هذه الأحداث إلى قصة. إلى حكاية لها بداية ووسط ونهاية. إلى شيء يمكن فهمه، يمكن تأمله، يمكن مشاركته. الكتابة تحول حياتي من عبث إلى معنى."

هذا التحول هو جوهر ما تفعله الكتابة. تأخذ الفوضى فترتبها. تأخذ العبث فتعطيه معنى. تأخذ الصمت فتحوله إلى كلام. تأخذ الموت فتحوله إلى حياة.

المثقف المستقل الذي يجد في الكتابة معنى، لا يبحث عن معنى خارجي. يصنع معناه بنفسه. بكلماته، بنصوصه، بكتبه. يصبح خالقاً، ليس فقط لعوالم خيالية، بل لمعنى حياته هو.



4.

الكتابة كحرية.

في زمن تتقلص فيه الحريات، وتزداد فيه الرقابة، وتتشكل فيه الوعي بكل الطرق، تبقى الكتابة فضاء للحرية. حرية التفكير، حرية التعبير، حرية التخيل. حتى حين تكون مقيداً، تستطيع في كتابتك أن تحلق.

صديق كاتب في القاهرة قال لي:

"هنا، في مصر، لا أستطيع أن أقول كل شيء. الرقابة موجودة، والخوف موجود، والحدود موجودة. لكن حين أكتب، أجد فسحة. فسحة أقول فيها ما لا أستطيع قوله في الواقع. ليس بشكل مباشر، بل بشكل غير مباشر. بالرمز، بالإشارة، بالمجاز. الكتابة تعطيني حرية لا يمنحني إياها الواقع."

هذه الحرية الداخلية هي أثمن ما تملك الكتابة. حرية لا تعتمد على الظروف الخارجية، بل على القدرة الداخلية. حرية لا يمنحها نظام سياسي، بل يخلقها الكاتب بنفسه. حرية لا تقهر، لأنها لا تعتمد على ما هو خارج، بل على ما هو داخل.

المثقف المستقل الذي يجد في الكتابة حرية، لا ينتظر أن تمنحه إياها الظروف. يصنعها بنفسه، في كل نص، في كل صفحة، في كل كلمة. يصبح حراً، ليس بالمعنى السياسي فقط، بل بالمعنى الوجودي الأعمق.



5.

الكتابة كخلود.

نحن نموت. هذه حقيقة لا مفر منها. كل إنسان سيموت. كل كاتب سيموت. كل كتاب سيختفي يوماً. لكن الكتابة تعطينا وهماً جميلاً: وهم الخلود. وهم أن شيئاً منا سيبقى بعدنا.

صديقة شاعرة في صنعاء قالت لي:

"أنا أكتب لأني لا أريد أن أموت تماماً. أعرف أن جسدي سيفنى، واسمي قد ينسى، وكلماتي قد تضيع. لكني أكتب. أكمل هذا الأمل الصغير: أن تبقى كلمة واحدة مني، في قلب قارئ واحد، بعد رحيلي. هذا يكفي."

هذا الأمل الصغير بالخلود، بهذا المعنى المتواضع، هو ما يحرك الكثيرين. ليس الخلود الديني، ولا الخلود الأسطوري. بل الخلود الإنساني: أن تترك أثراً. أن يبقى منك شيء بعدك. أن تكون قد أضفت شيئاً إلى العالم، ولو كان صغيراً.

المثقف المستقل الذي يكتب ليخلد، لا يتوهم أنه سيبقى للأبد. يعرف أن كل شيء زائل. لكنه يصر على أن يترك بصمته. على أن يقول: كنت هنا. عشت هنا. أحببت هنا. وهذا الإصرار هو ما يبقيه حياً، حتى وهو يفكر في موته.



6.

الكتابة كصوت.

في زمن الضجيج، حيث الكل يتكلم ولا أحد يصغي، يصبح امتلاك صوت أمراً ثميناً. ليس صوتاً عالياً، بل صوتاً خاصاً. صوتاً يميزك عن غيرك. صوتاً يقول ما لا يقوله الآخرون.

صديق كاتب في لندن قال لي:

"أنا أكتب لأني أريد أن أقول شيئاً. شيئاً لا يستطيع أحد غيره قوله. ليس لأني أذكى أو أفضل، بل لأني أنا. لأن تجربتي فريدة، ورؤيتي خاصة، وصوتي مختلف. الكتابة عندي هي إعلان وجود: أنا هنا. هذا ما أراه. هذا ما أشعر به. هذا ما أعتقده."

هذا الصوت الخاص هو ما يصنع الكاتب الحقيقي. ليس من يكتب أجمل الجمل، بل من يكتب بصوته هو. من لا يقلد، لا يكرر، لا يتبع. من يجرؤ على أن يكون مختلفاً، حتى لو لم يعجبه ذلك أحداً.

المثقف المستقل الذي يجد في الكتابة صوته، لا يبحث عن جماهير. يبحث عن من يصغون. عن من يفهمون. عن من يحتاجون إلى هذا الصوت بالذات. وقليل من هؤلاء يكفي. يكفي ليشعر أن صوته ليس هباءً.



7.

الكتابة كمرآة.

نكتب لنعرف أنفسنا. نكتب لنرى من نحن. نكتب لنكتشف ما نخفيه عن أنفسنا. الكلمات التي نخطها على الورق، تعكس لنا صورنا الحقيقية. أحياناً نتفاجأ بما نرى. أحياناً نخاف. أحياناً نفرح.

صديقة كاتبة في برلين قالت لي:

"أحياناً، حين أعيد قراءة ما كتبت، أكتشف أشياء عن نفسي لم أكن أعرفها. أكتشف أني كنت حزينة وأنا أظن نفسي فرحة. أكتشف أني كنت غاضبة وأنا أظن نفسي هادئة. أكتشف أني كنت أحب وأنا أظن نفسي لا مبالية. الكتابة مرآتي الصادقة. لا تكذب أبداً."

هذه المرآة قد تكون قاسية أحياناً. قد تظهر لنا ما لا نريد رؤيته. لكنها ضرورية. ضرورية للنمو، للتطور، للنضج. ضرورية لنعرف أنفسنا حقاً، قبل أن نموت دون أن نعرف من كنا.

المثقف المستقل الذي يجعل من الكتابة مرآة، لا يخاف مما سيرى. يواجه نفسه بشجاعة. يعترف بضعفه، بقسوته، بتناقضاته. وهذا الوعي هو ما يجعله إنساناً حقيقياً، لا مجرد كاتب.



8.

الكتابة كصديق.

في لحظات الوحدة القصوى، حين لا تجد من تحدثه، تجد الكتابة. هي الصديق الذي لا ينام، الذي لا يمل، الذي لا يخون. هي الرفيق الدائم، في السفر والإقامة، في الفرح والحزن، في الصحة والمرض.

صديق كاتب في فيينا قال لي:

"بعد وفاة زوجتي، مررت بأصعب فترة في حياتي. كنت وحيداً تماماً. لا أحد يفهم ما أشعر به. في تلك الأيام، كانت الكتابة صديقتي الوحيدة. كنت أجلس لأكتب لها. أحدثها عن حزني، عن ذكرياتي، عن خوفي. كانت تصغي. لم تقاطع. لم تنصح. فقط تصغي. وهذا كان كل ما أحتاجه."

هذه الصداقة مع الكتابة هي من أعمق العلاقات الإنسانية. علاقة لا تحتاج إلى كيان خارجي. علاقة مع الذات، عبر الكلمات. علاقة تشفي، وتؤنس، وتنقذ.

المثقف المستقل الذي يجعل من الكتابة صديقاً، لا يعرف الوحدة الحقيقية. حتى في أقصى عزلة، يجد من يؤانسه. حتى في أعمق يأس، يجد من ينقذه. حتى في أشد ظلمة، يجد من ينير له الطريق.


9.

الكتابة كمقاومة.

في عالم يريد أن يمحونا، أن يسكتنا، أن يجعلنا غير مرئيين، تصبح الكتابة مقاومة. مقاومة بالكلمة. مقاومة بالوجود. مقاومة بالإصرار على أن نكون.

صديقة كاتبة في رام الله قالت لي:

"هنا، في فلسطين، كل شيء يحاول أن يمحونا. الاحتلال يريد أن يمحو وجودنا. الحصار يريد أن يمحو حياتنا. النسيان يريد أن يمحو قضيتنا. مقاومتنا متعددة: بالحجر، بالسلاح، بالصبر. لكني اخترت مقاومتي: بالكتابة. أكتب لأقول: نحن هنا. أكتب لأثبت أننا موجودون. أكتب لأحفظ ذاكرتنا من الضياع."

هذه المقاومة بالكتابة ليست حكراً على من يعيشون تحت احتلال. كل مثقف مستقل يعيش شكلاً من أشكال الاحتلال: احتلال السوق، احتلال القلق، احتلال التهميش. والكتابة هي مقاومته. هي طريقه ليقول: أنا هنا. أنا موجود. أنا لن أسكت.

المثقف المستقل الذي يكتب كمقاومة، لا ينتظر النصر. يعرف أن المعركة طويلة، وأن الخسائر كثيرة. لكنه يواصل، لأن التوقف هو الهزيمة. والكتابة، في النهاية، هي انتصاره اليومي.



10.

الكتابة كحياة.

في النهاية، الكتابة ليست شيئاً نفعله. هي شيء نكونه. ليست مهنة، ولا هواية، ولا حتى رسالة. هي طريقة للوجود في العالم. هي الحياة نفسها، بشكل آخر.

صديق كاتب في بوينس آيرس قال لي:

"لا فرق عندي بين أن أكتب وأن أعيش. هما شيء واحد. حين أكتب، أعيش بكثافة. وحين أعيش، أكتب بصمت. تجاربي تتحول إلى كلمات، وكلماتي تتحول إلى تجارب. الكتابة والحياة عندي وجهان لحقيقة واحدة."

هذا الامتزاج بين الكتابة والحياة هو ما يميز الكاتب الحقيقي. ليس من يفصل بينهما، بل من يجعلهما واحداً. من يعيش ليكتب، ويكتب ليعيش. من لا يرى تناقضاً بين الكلمة والفعل، بين الورق والواقع.

المثقف المستقل الذي يجعل من الكتابة حياته، لا يحتاج إلى تبرير. لا يحتاج إلى سؤال لماذا يكتب. يكتب لأنه يتنفس. يكتب لأنه موجود. يكتب لأنه لا يستطيع غير ذلك. وهذا يكفي.



11.

والآن، بعد كل هذه الصفحات، بعد كل هذه الفصول، بعد كل هذه التأملات، ماذا بقي لدي لأقوله؟

ربما لا شيء. ربما كل شيء. ربما القليل. ربما الكثير.

لكن هناك شيء واحد أريد أن أتركه معك، أيها القارئ، قبل أن نودع بعضنا:

الكتابة وطن. وطن لا حدود له، لا جوازات له، لا جدران له. وطن تسكنه كلما احتجت إلى سكن. وطن تلجأ إليه كلما ضاق بك العالم. وطن تزرع فيه كلماتك، فتنبت حروفاً، وتثمر معنى.

هذا الوطن لا يبنى في يوم. يبنى كلمة كلمة، سطراً سطراً، صفحة صفحة. يبنى بالصبر، بالإصرار، بالحب. يبنى بالخيبات والانتصارات، بالدموع والضحكات، بالصمت والصراخ.

هذا الوطن لا يحميه جيش، لكنه لا يُقهر. لا يدافع عنه حدود، لكنه لا يُغزى. لا يمنح جنسية، لكن كل من يكتب ينتمي إليه.

هذا الوطن هو ملكك. أنت مواطنه الأول والأخير. أنت رئيسه وحارسه وشعبه. أنت من يبني قوانينه ويكتب دستوره ويحمي حدوده.

فلا تهمله. لا تهجره. لا تخونه.

اروِه بكلماتك. غذِّه بأحلامك. جدِّده بتجاربك.

فهو، في النهاية، الملاذ الوحيد في زمن العواصف. هو البيت الوحيد في زمن التشرد. هو الوطن الوحيد في زمن المنفى.



12.

خارج نافذتي، حل الليل منذ ساعات.

الثلج الذي كان يتساقط في بداية الكتاب، توقف منذ زمن. الآن، السماء صافية والنجوم تتألق. المدينة نائمة، هادئة، كأنها تشاركني هذا الصمت الأخير.

على مكتبي، المخطوطة كاملة. اثنا عشر فصلاً، ومقدمة، ورسالة، وهذه الخاتمة. مئات الصفحات. آلاف الكلمات. شهور من العمل. سنوات من التراكم. عمر من التجربة.

أنظر إلى الأوراق المبعثرة. إلى الملاحظات على الهامش. إلى التصحيحات بالحبر الأحمر. إلى العناوين التي تغيرت مرات. إلى كل هذه الآثار المادية لرحلة كتابية طويلة.

أشعر بتعب عميق. تعب يشبه فراغاً بعد امتلاء. تعب يشبه رضا بعد جهد. تعب يشبه سلاماً بعد معركة.

أشعر أيضاً بحزن خفيف. حزن الفراق. فراق هذه الصفحات التي عشت معها شهوراً. فراق هذه الأفكار التي رافقتني سنين. فراق هذا الكتاب الذي كان جزءاً مني.

لكن الحزن ليس كل شيء. هناك أيضاً فرح. فرح الإنجاز. فرح الوصول. فرح أن أقول: لقد فعلتها. أنهيته. أكملته.

وهذا الفرح، الصغير، المتواضع، الشخصي، هو ما يبقيني كاتباً. هو ما يجعلني أفتح صفحة جديدة غداً، وأبدأ من جديد. لأن الكتابة، كما قلت، ليست وصولاً. هي رحلة. رحلة لا تنتهي.



13.

قبل أن أضع النقطة الأخيرة، أريد أن أنظر إلى الوراء للحظة.

أرى نفسي قبل سنوات، في شقة صغيرة في مدينة غريبة، أبدأ أولى محاولاتي الكتابية. كنت خائفاً، متردداً، غير متأكد من أي شيء. لم أكن أعرف إن كنت سأستمر، أو إن كان ما أكتبه يستحق، أو إن كان لي مستقبل في هذه المهنة العجيبة.

أرى كل العقبات التي مررت بها: الرفض، الفشل، اليأس. أرى كل اللحظات التي فكرت فيها بالتوقف. أرى كل الأيام التي بدت فيها الكتابة مستحيلة.

ثم أرى نفسي اليوم. ما زلت أكتب. ما زلت أحاول. ما زلت أؤمن. لم أنشر عشرات الكتب، ولم أحصل على جوائز كبرى، ولم أصبح كاتباً مشهوراً. لكني كتبت. واصلت. بقيت.

وهذا، في النهاية، هو كل ما كان يمكن أن أفعله. وهذا يكفي.

لذلك، أيها القارئ الشاب، أيها المثقف المستقل، أيها الحالم مثلي: لا تيأس. لا تتوقف. لا تستسلم.

الطريق طويلة، صعبة، مؤلمة. لكنها طريقك أنت. لا أحد يستطيع أن يمشيها نيابة عنك. ولا أحد يستطيع أن يمنعك من مشيها إن أردت حقاً.

اكتب. اكتب رغم الخوف. اكتب رغم الرفض. اكتب رغم اليأس. اكتب لأن الكتابة هي وطنك. هي ملاذك. هي حياتك.

وسترى، بعد سنوات، أن كل ما مررت به كان ضرورياً. أن كل ألم كان درساً. أن كل فشل كان خطوة. أن كل كلمة كتبتها كانت لبنة في بناء ذاتك.

استمر.

فالعالم، رغم كل شيء، يحتاج إلى كلماتك.



14.

هنا، في هذه اللحظة الأخيرة، أتوقف.

لا مزيد من الكلمات. لا مزيد من الأفكار. لا مزيد من التأملات.

كل ما كان يجب أن يقال، قيل. كل ما كان يجب أن يكتب، كتب. كل ما كان يجب أن يشارك، شورك.

الآن، دورك أنت.

خذ ما ينفعك من هذه الصفحات. اترك ما لا ينفعك. أضف من تجربتك ما يجعلها أكثر اكتمالاً. ثم ابدأ رحلتك أنت.

اكتب كتابك أنت. بقلمك أنت. بلغتك أنت. بصوتك أنت.

فالكتابة، في النهاية، ليست تقليداً. هي ابتكار. ليست تكراراً. هي إبداع. ليست اتباعاً. هي قيادة.

لا تنتظر إذناً من أحد. لا تنتظر ظروفاً مثالية. لا تنتجر تشجيعاً. ابدأ الآن. بما لديك. كما أنت.

الكلمات تنتظرك. الصفحات تنتظرك. القراء ينتظرونك.

العالم في حاجة إلى صوتك. إلى رؤيتك. إلى حلمك.

فلا تخذله. ولا تخذل نفسك.

اكتب.

…..

15.

وأخيراً...

هذه الكلمات الأخيرة ليست وداعاً. هي لقاء. لقاء بين كاتب انتهى من كتابه، وقارئ بدأ رحلته معه. لقاء بين من قال ما عنده، ومن سيحمل الكلمات إلى حيث لا يعرف.

الكتاب ليس نهاية. هو بداية. بداية حوار يمتد في الزمن. بداية تأثير لا يُرى فوراً. بداية أثر قد لا يظهر إلا بعد حين.

ربما، بعد سنوات، يقرأ أحدهم هذه الصفحات. في مكان آخر. في زمن آخر. في ظروف مختلفة. وسيجد فيها ما يحتاجه. كلمة تنير له طريقاً. فكرة تفتح له باباً. شعور يؤنس وحدته.

هذا هو أمل الكاتب. هذا هو سر استمراره. هذا هو معنى كل شيء.

أما الآن، فحان وقت الصمت.

الصمت بعد الكلام. السكون بعد الحركة. النهاية بعد الرحلة.

سأغلق الملف. سأطفئ الضوء. سأضع القلم جانباً.

سأفتح النافذة لآخر مرة، وأنظر إلى السماء. النجوم ما زالت تتألق. الحياة ما زالت مستمرة. الأمل ما زال ممكناً.

سأتنفس عميقاً. سأشعر بالبرد على وجهي. سأبتسم.

ثم سأهمس، لنفسي، للكتاب، للعالم:

"شكراً. شكراً على هذه الرحلة. شكراً على هذه الكلمات. شكراً على هذه الحياة."

وأنت، أيها القارئ، أياً كنت، وأينما كنت، ومتى ما كنت: شكراً لك.

شكراً لأنك قرأت. شكراً لأنك استمعت. شكراً لأنك رافقتني في هذه الرحلة.

أتمنى أن تجد في هذه الصفحات ما ينفعك. ما يلهمك. ما يمنحك قوة للاستمرار.

أتمنى أن تظل كاتباً، قارئاً، إنساناً.

أتمنى أن تحمي نورك في زمن العتمة.

أتمنى أن تبقى.

---

تم


في ظلال القلق الغربي

سردية المثقف المستقل في زمن انكماش الدولة وتضخم السوق

مقدمة: هواءٌ لا يكفي
الفصل الأول: زمن بلا هواء
الفصل الثاني: تآكل دولة الرفاه... حين يصبح الأمان رفاهية
الفصل الثالث: المثقف المستقل... الغريب في وطنه
الفصل الرابع: اقتصاد القلق
الفصل الخامس: المعرفة التي لا تُثمَّن
الفصل السادس: الجسد الذي يتعب قبل الروح
الفصل السابع: المقارنة التي تفرض نفسها
الفصل الثامن: الكتابة كجسر بين عالمين
الفصل التاسع: نحو أفق جديد
الفصل العاشر: الخاتمة... حين يصبح البقاء فعلًا من أفعال الكتابة
الفصل الحادي عشر: مرثية للغد... أو لماذا نكتب رغم كل شيء
الفصل الثاني عشر: رسالة إلى كاتب شاب... أو كيف نحمي النور في زمن العتمة
الفصل الثالث عشر: الخاتمة... حين تصبح الكتابة هي الوطن

---

إلى كل مثقف مستقل، في كل مكان، يواصل الكتابة رغم كل شيء.

أنتم لستم وحدكم.
كلماتكم تصل، حتى حين لا تصل.
معناكم يبقى، حتى حين يضيع.
استمروا.

العالم يحتاجكم.

……

توثيق المراجع

في ظلال القلق الغربي: سردية المثقف المستقل في زمن انكماش الدولة وتضخم السوق

---

أولاً: المراجع العربية

أ- الكتب

1. ياسين الحافظ، الهزيمة والأيديولوجيا المهزومة (بيروت: دار الطليعة، 1979).
2. جابر عصفور، التنوير يواجه الانهيار (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2019).
3. جورج طرابيشي، مذبحة التراث في الثقافة العربية المعاصرة (لندن: دار الساقي، 1993).
4. حسن حنفي، من النص إلى الواقع: محاولات في التأسيس لفكر عربي معاصر (القاهرة: مكتبة مدبولي، 2005).
5. خالد زيادة، المثقفون والسلطة في الوطن العربي (بيروت: دار الساقي، 2004).
6. رضوان السيد، سياسات الإسلام المعاصر: هوية وحداثة (بيروت: دار الكتاب العربي، 2010).
7. زكي الميلاد، المثقفون والتحولات العربية: أسئلة الراهن والمستقبل (الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2016).
8. سامي ذبيان، المثقف العربي وسلطة الدولة (بيروت: دار الفارابي، 2007).
9. سمير أمين، الليبرالية الجديدة: نقد وإجهاض (ترجمة: فاضل جتكر، القاهرة: دار الفكر، 2000).
10. عبد الإله بلقزيز، نقد الدولة: من مجتمع الأهل إلى مجتمع المواطنين (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2004).
11. عبد الله الغذامي، الخطيئة والتكفير: من البنيوية إلى التشريحية (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1985).
12. عبد الوهاب المسيري، العلمانية تحت المجهر (دمشق: دار الفكر، 2000).
13. علي حرب، أوهام النخبة: نقد المثقف (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1998).
14. علي أومليل، السياسة المقهورة: الدولة والمواطن في العالم العربي (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2010).
15. عزمي بشارة، المجتمع المدني: دراسة نقدية (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1998).
16. غالي شكري، المثقفون والسلطة في العالم العربي (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1990).
17. فؤاد زكريا، الحقيقة والوهم في الحركة الإسلامية المعاصرة (القاهرة: دار الفكر، 1986).
18. فهمي جدعان، أسس التقدم عند مفكري الإسلام في العالم العربي الحديث (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1979).
19. محمود أمين العالم، مواقف نقدية من التراث (القاهرة: دار المستقبل العربي، 1988).
20. محمد أركون، تاريخية الفكر العربي الإسلامي (ترجمة: هاشم صالح، بيروت: مركز الإنماء القومي، 1986).
21. محمد سبيلا، الحداثة وما بعد الحداثة (الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 2003).
22. محمد عابد الجابري، نحن والتراث: قراءات معاصرة في تراثنا الفلسفي (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1980).
23. مصطفى حجازي، التخلف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1996).
24. ناصيف نصار، مفاهيم المجتمع والدولة في الفكر العربي الحديث (بيروت: دار الحداثة، 1982).
25. هشام شرابي، مقدمة لدراسة المجتمع العربي (بيروت: دار الطليعة، 1977).
26. برهان غليون، نقد السياسة: الدولة والدين (بيروت: المركز الثقافي العربي، 1991).

ب- الدراسات والأبحاث

1. أسعد عاصي، "المثقف العربي في زمن العولمة"، مجلة الفكر العربي المعاصر، العدد 102-103 (بيروت، 2000).
2. أمل جمال، "دولة الرفاه في أوروبا: النشأة والتطور والأزمة"، مجلة السياسة الدولية، العدد 188 (القاهرة، 2012).
3. بشير سبقاق، "المثقف المستقل وإشكالية السلطة"، مجلة التواصل، العدد 32 (عنابة، 2012).
4. جمال شحيّد، "القلق الوجودي في الكتابة العربية المعاصرة"، مجلة الكرمل، العدد 84 (رام الله، 2005).
5. حسن المودن، "الكتابة والمنفى: سوسيولوجيا المثقف المغترب"، مجلة علامات، العدد 25 (جدة، 2003).
6. خالد الحروب، "المثقف العربي بين الدولة والمجتمع"، مجلة قضايا إسرائيلية، العدد 25 (القاهرة، 2006).
7. رشيد بوطيب، "الهوية والاغتراب في الفكر العربي المعاصر"، مجلة تبين، العدد 12 (الدار البيضاء، 2015).
8. سامر عكاش، "اقتصاد القلق: نحو فهم جديد للرأسمالية المعاصرة"، مجلة عمران، العدد 19 (الدوحة، 2016).
9. عبد الرحيم العلام، "الكتابة كفعل مقاومة في زمن الهزيمة"، مجلة الآداب العالمية، العدد 152 (دمشق، 2009).
10. عبد الفتاح الحجمري، "سلطة الكتابة وكتابة السلطة"، مجلة فكر ونقد، العدد 47 (الدار البيضاء، 2002).
11. علي الكنز، "الدولة الاجتماعية في أوروبا: من الرفاه إلى الليبرالية الجديدة"، مجلة المستقبل العربي، العدد 318 (بيروت، 2005).
12. غازي الصوراني، "المثقفون العرب وتحديات العولمة"، مجلة قضايا فكرية، العدد 2 (دمشق، 2000).
13. فاطمة الزهراء زاوي، "جسد المثقف في الخطاب الروائي العربي"، مجلة الخطاب، العدد 14 (الجزائر، 2012).
14. محمد الداهي، "صورة المثقف في الرواية العربية المعاصرة"، مجلة نزوى، العدد 54 (مسقط، 2008).
15. محمد نور الدين أفاية، "المثقفون والتحولات السياسية في العالم العربي"، مجلة الثقافة المغربية، العدد 15 (الرباط، 2011).
16. مصطفى النشار، "الاغتراب في الفكر الفلسفي المعاصر"، مجلة أوراق فلسفية، العدد 22 (القاهرة، 2007).
17. نادر كاظم، "الكتابة والمنفى: تأملات في أدب الاغتراب"، مجلة الناقد، العدد 92 (لندن، 1996).

….ظظظ

ثانياً: المراجع المترجمة إلى العربية

1. إدوارد سعيد، صور المثقف: محاضرات ريث، 1993 (ترجمة: فؤاد شاهين، بيروت: دار الآداب، 1998).
2. إدوارد سعيد، تغطية الإسلام: كيف يصور الغرب بقية العالم (ترجمة: شكري مجاهد، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1982).
3. إريك هوبزباوم، عصر التطرفات: القرن العشرون القصير، 1914-1991 (ترجمة: فايز الصياغ، بيروت: دار الساقي، 1999).
4. أنتوني غدنز، الدولة القومية والعنف (ترجمة: سامر الخيّال، بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2012).
5. أوغستين بربارا، دولة الرفاه: الأصول والتحولات (ترجمة: جورج سليمان، بيروت: عويدات للنشر، 2003).
6. بيير بورديو، قواعد الفن: نشأة وتطور الحقل الأدبي (ترجمة: إبراهيم فتحي، القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2002).
7. بيير بورديو، التمييز: نقد اجتماعي للحكم الذوقي (ترجمة: منذر عياشي، دمشق: دار نينوى، 2012).
8. بيير بورديو، الهيمنة الذكورية (ترجمة: هالة كمال، القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2009).
9. جاك دريدا، الكتابة والاختلاف (ترجمة: كاظم جهاد، بيروت: دار توبقال، 1988).
10. جان بول سارتر، ما الأدب؟ (ترجمة: محمد غنيمي هلال، القاهرة: دار المعارف، 1965).
11. جوليان بندا، خيانة المثقفين (ترجمة: جمال شحيد، بيروت: دار الساقي، 2007).
12. جون رولز، نظرية في العدالة (ترجمة: حيدر حاج إسماعيل، بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2009).
13. جون كينيث غالبرايث، مجتمع الرفاهية (ترجمة: محمد مصطفى سليم، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1968).
14. جيل دولوز، نيتشه والفلسفة (ترجمة: أسامة الحاج، بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2008).
15. حنة أرندت، أصول التوتاليتارية (ترجمة: عبد القادر قنيني، الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 2008).
16. حنة أرندت، أزمة الثقافة (ترجمة: ثائر ديب، بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2010).
17. ريتشارد سينيت، سقوط الرجل العام (ترجمة: حيدر حاج إسماعيل، بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2011).
18. ريتشارد سينيت، الثقافة الجديدة للرأسمالية (ترجمة: عمر سعيد الأيوبي، القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2007).
19. زيغمونت باومان، الحداثة السائلة (ترجمة: حجاج أبو جبر، القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2007).
20. زيغمونت باومان، المجتمع تحت الحصار (ترجمة: أحمد الشامي، القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2009).
21. زيغمونت باومان، الحياة السائلة (ترجمة: أحمد الشامي، القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2011).
22. سارتر، الكلمات (ترجمة: سامي الدروبي، دمشق: دار المدى، 1998).
23. سلافوي جيجك، العنف: ست تأملات هامشية (ترجمة: صالح الرزوق، بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2011).
24. سلافوي جيجك، سنة المستحيل: فن السياسة بلا خجل (ترجمة: حيدر حاج إسماعيل، بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2013).
25. علي شريعتي، المثقف ومسؤوليته (ترجمة: إبراهيم الدسوقي شتا، القاهرة: دار قباء، 2000).
26. فرانز فانون، معذبو الأرض (ترجمة: جمال شحيد، بيروت: دار الآداب، 2004).
27. كارل بوبر، المجتمع المفتوح وأعداؤه (ترجمة: محمود سيد أحمد، القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2003).
28. كارل ماركس، الأيديولوجية الألمانية (ترجمة: فؤاد أيوب، دمشق: دار دمشق، 1975).
29. ميشيل فوكو، حفريات المعرفة (ترجمة: سالم يفوت، الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1987).
30. ميشيل فوكو، المراقبة والمعاقبة: ولادة السجن (ترجمة: علي معقوص، بيروت: مركز الإنماء القومي، 1990).
31. ميلان كونديرا، فن الرواية (ترجمة: نهلة بيومي، القاهرة: دار شرقيات، 1995).
32. نعوم تشومسكي، النظام العالمي الجديد (ترجمة: أنور الشامي، القاهرة: دار الفكر، 1996).
33. نعوم تشومسكي، السيطرة على الإعلام (ترجمة: أنيس زكي حسن، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2000).
34. نيكوس بوزانزيس، دروس في الرأسمالية (ترجمة: الياس شوفاني، بيروت: دار ابن خلدون، 1978).

……

ثالثاً: المراجع الأجنبية

A- English Books

1. Adorno, Theodor W. Minima Moralia: Reflections from Damaged Life. Translated by E.F.N. Jephcott. London: Verso, 1974.
2. Anderson, Perry. The Origins of Postmodernity. London: Verso, 1998.
3. Arendt, Hannah. The Human Condition. Chicago: University of Chicago Press, 1958.
4. Bauman, Zygmunt. Liquid Modernity. Cambridge: Polity Press, 2000.
5. Bauman, Zygmunt. Wasted Lives: Modernity and Its Outcasts. Cambridge: Polity Press, 2004.
6. Beck, Ulrich. Risk Society: Towards a New Modernity. Translated by Mark Ritter. London: Sage Publications, 1992.
7. Beck, Ulrich. The Brave New World of Work. Cambridge: Polity Press, 2000.
8. Benjamin, Walter. Illuminations. Edited by Hannah Arendt. New York: Schocken Books, 1968.
9. Berger, Peter L., and Thomas Luckmann. The Social Construction of Reality: A Treatise in the Sociology of Knowledge. New York: Anchor Books, 1966.
10. Berlin, Isaiah. Four Essays on Liberty. Oxford: Oxford University Press, 1969.
11. Bourdieu, Pierre. Distinction: A Social Critique of the Judgement of Taste. Translated by Richard Nice. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1984.
12. Bourdieu, Pierre. The Field of Cultural Production: Essays on Art and Literature. Edited by Randal Johnson. New York: Columbia University Press, 1993.
13. Bourdieu, Pierre. The Weight of the World: Social Suffering in Contemporary Society. Stanford: Stanford University Press, 1999.
14. Castells, Manuel. The Rise of the Network Society. Oxford: Blackwell Publishers, 1996.
15. Cederström, Carl, and Peter Fleming. Dead Man Working. Winchester: Zero Books, 2012.
16. Crouch, Colin. Post-Democracy. Cambridge: Polity Press, 2004.
17. Derrida, Jacques. Writing and Difference. Translated by Alan Bass. Chicago: University of Chicago Press, 1978.
18. Durkheim, Émile. Suicide: A Study in Sociology. Translated by John A. Spaulding and George Simpson. New York: Free Press, 1951.
19. Eagleton, Terry. The Idea of Culture. Oxford: Blackwell Publishers, 2000.
20. Eagleton, Terry. The -function- of Criticism. London: Verso, 1984.
21. Eco, Umberto. The Role of the Reader: Explorations in the Semiotics of Texts. Bloomington: Indiana University Press, 1979.
22. Esping-Andersen, Gøsta. The Three Worlds of Welfare Capitalism. Cambridge: Polity Press, 1990.
23. Esping-Andersen, Gøsta. Social Foundations of Postindustrial Economies. Oxford: Oxford University Press, 1999.
24. Fisher, Mark. Capitalist Realism: Is There No Alternative? Winchester: Zero Books, 2009.
25. Fisher, Mark. Ghosts of My Life: Writings on Depression, Hauntology and Lost Futures. Winchester: Zero Books, 2014.
26. Foucault, Michel. Discipline and Punish: The Birth of the Prison. Translated by Alan Sheridan. New York: Vintage Books, 1977.
27. Foucault, Michel. Power/Knowledge: Selected Interviews and Other Writings, 1972-1977. Edited by Colin Gordon. New York: Pantheon Books, 1980.
28. Fukuyama, Francis. The End of History and the Last Man. New York: Free Press, 1992.
29. Giddens, Anthony. The Consequences of Modernity. Stanford: Stanford University Press, 1990.
30. Giddens, Anthony. The Third Way: The Renewal of Social Democracy. Cambridge: Polity Press, 1998.
31. Goffman, Erving. Stigma: Notes on the Management of Spoiled Identity. Englewood Cliffs, NJ: Prentice-Hall, 1963.
32. Gorz, André. Critique of Economic Reason. Translated by Gillian Handyside and Chris Turner. London: Verso, 1989.
33. Gorz, André. Reclaiming Work: Beyond the Wage-Based Society. Cambridge: Polity Press, 1999.
34. Graeber, David. The Utopia of Rules: On Technology, Stupidity, and the Secret Joys of Bureaucracy. New York: Melville House, 2015.
35. Graeber, David. Bullshit Jobs: A Theory. New York: Simon & Schuster, 2018.
36. Habermas, Jürgen. The Structural Transformation of the Public Sphere: An Inquiry into a Category of Bourgeois Society. Translated by Thomas Burger. Cambridge, MA: MIT Press, 1989.
37. Hall, Stuart. The Hard Road to Renewal: Thatcherism and the Crisis of the Left. London: Verso, 1988.
38. Harvey, David. A Brief History of Neoliberalism. Oxford: Oxford University Press, 2005.
39. Harvey, David. The Condition of Postmodernity: An Enquiry into the Origins of Cultural Change. Oxford: Blackwell Publishers, 1989.
40. Hobsbawm, Eric. The Age of Extremes: The Short Twentieth Century, 1914-1991. London: Michael Joseph, 1994.
41. Honneth, Axel. The Struggle for Recognition: The Moral Grammar of Social Conflicts. Cambridge, MA: MIT Press, 1995.
42. Honneth, Axel. Reification: A New Look at an Old Idea. Oxford: Oxford University Press, 2008.
43. Illouz, Eva. Cold Intimacies: The Making of Emotional Capitalism. Cambridge: Polity Press, 2007.
44. Jameson, Fredric. Postmodernism, or, The Cultural Logic of Late Capitalism. Durham, NC: Duke University Press, 1991.
45. Judt, Tony. Ill Fares the Land. New York: Penguin Press, 2010.
46. Kafka, Franz. The Complete Stories. Edited by Nahum N. Glatzer. New York: Schocken Books, 1971.
47. Klein, Naomi. The Shock Doctrine: The Rise of Disaster Capitalism. New York: Metropolitan Books, 2007.
48. Kristeva, Julia. Strangers to Ourselves. Translated by Leon S. Roudiez. New York: Columbia University Press, 1991.
49. Lasch, Christopher. The Culture of Narcissism: American Life in an Age of Diminishing Expectations. New York: W.W. Norton, 1979.
50. Layard, Richard. Happiness: Lessons from a New Science. London: Penguin Books, 2005.
51. Lazzarato, Maurizio. The Making of the Indebted Man: An Essay on the Neoliberal Condition. Translated by Joshua David Jordan. Los Angeles: Semiotext(e), 2012.
52. Lipovetsky, Gilles. The Era of Emptiness: Essays on Contemporary Individualism. Translated by Chris Turner. Oxford: Berg Publishers, 2005.
53. Luhmann, Niklas. Trust and Power. New York: John Wiley & Sons, 1979.
54. Lyotard, Jean-François. The Postmodern Condition: A Report on Knowledge. Translated by Geoff Bennington and Brian Massumi. Minneapolis: University of Minnesota Press, 1984.
55. Marcuse, Herbert. One-Dimensional Man: Studies in the Ideology of Advanced Industrial Society. Boston: Beacon Press, 1964.
56. Mauss, Marcel. The Gift: The Form and Reason for Exchange in Archaic Societies. Translated by W.D. Halls. London: Routledge, 1990.
57. Mills, C. Wright. The Sociological Imagination. Oxford: Oxford University Press, 1959.
58. Mishra, Pankaj. Age of Anger: A History of the Present. New York: Farrar, Straus and Giroux, 2017.
59. Negri, Antonio, and Michael Hardt. Empire. Cambridge, MA: Harvard University Press, 2000.
60. Offe, Claus. Contradictions of the Welfare State. London: Hutchinson, 1984.
61. Pfaller, Robert. Interpassivity: The Aesthetics of Delegated Enjoyment. Edinburgh: Edinburgh University Press, 2017.
62. Piketty, Thomas. Capital in the Twenty-First Century. Translated by Arthur Goldhammer. Cambridge, MA: Harvard University Press, 2014.
63. Pink, Sarah. The Future of Work: A Cultural Analysis. London: Bloomsbury Academic, 2016.
64. Rifkin, Jeremy. The End of Work: The Decline of the Global Labor Force and the Dawn of the Post-Market Era. New York: G.P. Putnam s Sons, 1995.
65. Rorty, Richard. Achieving Our Country: Leftist Thought in Twentieth-Century America. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1998.
66. Rosa, Hartmut. Social Acceleration: A New Theory of Modernity. Translated by Jonathan Trejo-Mathys. New York: Columbia University Press, 2013.
67. Rosa, Hartmut. Resonance: A Sociology of Our Relationship to the World. Translated by James C. Wagner. Cambridge: Polity Press, 2019.
68. Said, Edward W. Representations of the Intellectual: The 1993 Reith Lectures. New York: Pantheon Books, 1994.
69. Said, Edward W. Orientalism. New York: Pantheon Books, 1978.
70. Said, Edward W. Reflections on Exile and Other Essays. Cambridge, MA: Harvard University Press, 2000.
71. Sandel, Michael J. What Money Can t Buy: The Moral-limit-s of Markets. New York: Farrar, Straus and Giroux, 2012.
72. Sandel, Michael J. The Tyranny of Merit: What s Become of the Common Good? New York: Farrar, Straus and Giroux, 2020.
73. Sassen, Saskia. Expulsions: Brutality and Complexity in the Global Economy. Cambridge, MA: Harvard University Press, 2014.
74. Sennett, Richard. The Fall of Public Man. New York: Alfred A. Knopf, 1977.
75. Sennett, Richard. The Corrosion of Character: The Personal Consequences of Work in the New Capitalism. New York: W.W. Norton, 1998.
76. Sennett, Richard. The Craftsman. New Haven: Yale University Press, 2008.
77. Simmel, Georg. The Philosophy of Money. Translated by Tom Bottomore and David Frisby. London: Routledge, 1978.
78. Standing, Guy. The Precariat: The New Dangerous Class. London: Bloomsbury Academic, 2011.
79. Steiner, George. In Bluebeard s Castle: Some Notes Towards the Redefinition of Culture. London: Faber and Faber, 1971.
80. Stiglitz, Joseph E. Globalization and Its Discontents. New York: W.W. Norton, 2002.
81. Streeck, Wolfgang. Buying Time: The Delayed Crisis of Democratic Capitalism. London: Verso, 2014.
82. Streeck, Wolfgang. How Will Capitalism End? Essays on a Failing System. London: Verso, 2016.
83. Taylor, Charles. The Ethics of Authenticity. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1991.
84. Taylor, Charles. A Secular Age. Cambridge, MA: Harvard University Press, 2007.
85. Thompson, E.P. The Making of the English Working Class. London: Victor Gollancz, 1963.
86. Touraine, Alain. Critique of Modernity. Translated by David Macey. Oxford: Blackwell Publishers, 1995.
87. Trilling, Lionel. Sincerity and Authenticity. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1971.
88. Turner, Bryan S. The Body and Society: Explorations in Social Theory. Oxford: Basil Blackwell, 1984.
89. Virilio, Paul. Speed and Politics: An Essay on Dromology. Translated by Mark Polizzotti. New York: Semiotext(e), 1986.
90. Weber, Max. The Protestant Ethic and the Spirit of Capitalism. Translated by Talcott Parsons. New York: Charles Scribner s Sons, 1958.
91. Weber, Max. Economy and Society: An Outline of Interpretive Sociology. Edited by Guenther Roth and Claus Wittich. Berkeley: University of California Press, 1978.
92. Williams, Raymond. Culture and Society, 1780-1950. London: Chatto & Windus, 1958.
93. Williams, Raymond. The Long Revolution. London: Chatto & Windus, 1961.
94. Wolfe, Tom. The Painted Word. New York: Farrar, Straus and Giroux, 1975.
95. Wright, Erik Olin. Envisioning Real Utopias. London: Verso, 2010.
96. Zizek, Slavoj. The Sublime Object of Ideology. London: Verso, 1989.
97. Zizek, Slavoj. Violence: Six Sideways Reflections. New York: Picador, 2008.
98. Zizek, Slavoj. Living in the End Times. London: Verso, 2010.
99. Zola, Émile. J accuse...! Lettre au Président de la République. Paris: L Aurore, 1898.
100. Zuboff, Shoshana. The Age of Surveillance Capitalism: The Fight for a Human Future at the New Frontier of Power. New York: PublicAffairs, 2019.

B- French Books

1. Attali, Jacques. L Ordre cannibale: Vie et mort de la médecine. Paris: Grasset, 1979.
2. Badinter, Robert. Libres et égaux... L émancipation des Juifs (1789-1791). Paris: Fayard, 1989.
3. Barthes, Roland. Le Degré zéro de l écriture. Paris: Éditions du Seuil, 1953.
4. Barthes, Roland. Mythologies. Paris: Éditions du Seuil, 1957.
5. Baudrillard, Jean. La Société de consommation: ses mythes, ses structures. Paris: Denoël, 1970.
6. Baudrillard, Jean. Simulacres et simulation. Paris: Galilée, 1981.
7. Bauman, Zygmunt. La Vie liquide. Traduit par Christophe Rosson. Rodez: Le Rouergue/Chambon, 2006.
8. Bourdieu, Pierre. La Distinction: Critique sociale du jugement. Paris: Éditions de Minuit, 1979.
9. Bourdieu, Pierre. Les Règles de l art: Genèse et structure du champ littéraire. Paris: Éditions du Seuil, 1992.
10. Bourdieu, Pierre. La Misère du monde. Paris: Éditions du Seuil, 1993.
11. Braudel, Fernand. La Dynamique du capitalisme. Paris: Arthaud, 1985.
12. Castel, Robert. Les Métamorphoses de la question sociale: Une chronique du salariat. Paris: Fayard, 1995.
13. Castel, Robert. L Insécurité sociale: Qu est-ce qu être protégé? Paris: Éditions du Seuil, 2003.
14. Castoriadis, Cornelius. L Institution imaginaire de la société. Paris: Éditions du Seuil, 1975.
15. Debord, Guy. La Société du spectacle. Paris: Buchet-Chastel, 1967.
16. Deleuze, Gilles, and Félix Guattari. L Anti-Œdipe: Capitalisme et schizophrénie. Paris: Éditions de Minuit, 1972.
17. Deleuze, Gilles, and Félix Guattari. Mille plateaux: Capitalisme et schizophrénie. Paris: Éditions de Minuit, 1980.
18. Derrida, Jacques. L Écriture et la différence. Paris: Éditions du Seuil, 1967.
19. Dupuy, Jean-Pierre. La Panique. Paris: Les Empêcheurs de penser en rond, 1991.
20. Durkheim, Émile. Le Suicide: Étude de sociologie. Paris: Félix Alcan, 1897.
21. Ehrenberg, Alain. Le Culte de la performance. Paris: Calmann-Lévy, 1991.
22. Ehrenberg, Alain. La Fatigue d être soi: Dépression et société. Paris: Odile Jacob, 1998.
23. Foucault, Michel. Naissance de la biopolitique: Cours au Collège de France (1978-1979). Paris: Gallimard/Seuil, 2004.
24. Foucault, Michel. Surveiller et punir: Naissance de la prison. Paris: Gallimard, 1975.
25. Gauchet, Marcel. Le Désenchantement du monde: Une histoire politique de la religion. Paris: Gallimard, 1985.
26. Gorz, André. Métamorphoses du travail: Quête du sens. Critique de la raison économique. Paris: Galilée, 1988.
27. Gorz, André. L Immatériel: Connaissance, valeur et capital. Paris: Galilée, 2003.
28. Habermas, Jürgen. L Espace public: Archéologie de la publicité comme dimension constitutive de la société bourgeoise. Traduit par Marc B. de Launay. Paris: Payot, 1978.
29. Halbwachs, Maurice. Les Cadres sociaux de la mémoire. Paris: Félix Alcan, 1925.
30. Honneth, Axel. La Lutte pour la reconnaissance. Traduit par Pierre Rusch. Paris: Éditions du Cerf, 2000.
31. Jankelevitch, Vladimir. L Ironie. Paris: Flammarion, 1964.
32. Kristeva, Julia. Étrangers à nous-mêmes. Paris: Fayard, 1988.
33. Laé, Jean-François, and Numa Murard. L Argent des pauvres: La vie quotidienne en cité de transit. Paris: Éditions du Seuil, 1985.
34. Lapassade, Georges. L Entrée dans la vie: Essai sur l inachèvement de l homme. Paris: Éditions de Minuit, 1963.
35. Lavelle, Louis. La Parole et l écriture. Paris: L Artisan du livre, 1947.
36. Le Breton, David. Anthropologie du corps et modernité. Paris: Presses Universitaires de France, 1990.
37. Le Breton, David. La Sociologie du corps. Paris: Presses Universitaires de France, 1992.
38. Lefebvre, Henri. La Vie quotidienne dans le monde moderne. Paris: Gallimard, 1968.
39. Lévi-Strauss, Claude. Tristes tropiques. Paris: Plon, 1955.
40. Lipovetsky, Gilles. L Ère du vide: Essais sur l individualisme contemporain. Paris: Gallimard, 1983.
41. Lipovetsky, Gilles. Le Bonheur paradoxal: Essai sur la société d hyperconsommation. Paris: Gallimard, 2006.
42. Lyotard, Jean-François. La Condition postmoderne: Rapport sur le savoir. Paris: Éditions de Minuit, 1979.
43. Maisonneuve, Jean. Les Conduites rituelles. Paris: Presses Universitaires de France, 1988.
44. Maffesoli, Michel. La Conquête du présent: Pour une sociologie de la vie quotidienne. Paris: Presses Universitaires de France, 1979.
45. Maffesoli, Michel. Le Temps des tribus: Le déclin de l individualisme dans les sociétés postmodernes. Paris: Méridiens Klincksieck, 1988.
46. Mauss, Marcel. Sociologie et anthropologie. Paris: Presses Universitaires de France, 1950.
47. Merleau-Ponty, Maurice. Phénoménologie de la perception. Paris: Gallimard, 1945.
48. Morin, Edgar. L Esprit du temps: Essai sur la culture de masse. Paris: Grasset, 1962.
49. Morin, Edgar. La Méthode. 6 vols. Paris: Éditions du Seuil, 1977-2004.
50. Nancy, Jean-Luc. L Intrus. Paris: Galilée, 2000.
51. Nora, Pierre, ed. Les Lieux de mémoire. 3 vols. Paris: Gallimard, 1984-1992.
52. Paugam, Serge. La Disqualification sociale: Essai sur la nouvelle pauvreté. Paris: Presses Universitaires de France, 1991.
53. Paugam, Serge. Le Lien social. Paris: Presses Universitaires de France, 2008.
54. Perrenoud, Marc. Les Cadres: La force d un groupe social. Paris: La Découverte, 2005.
55. Rancière, Jacques. Le Maître ignorant: Cinq leçons sur l émancipation intellectuelle. Paris: Fayard, 1987.
56. Rancière, Jacques. Le Partage du sensible: Esthétique et politique. Paris: La Fabrique, 2000.
57. Ricœur, Paul. Soi-même comme un autre. Paris: Éditions du Seuil, 1990.
58. Ricœur, Paul. La Mémoire, l histoire, l oubli. Paris: Éditions du Seuil, 2000.
59. Rosanvallon, Pierre. La Crise de l État-providence. Paris: Éditions du Seuil, 1981.
60. Rosanvallon, Pierre. Le Nouvel Âge des inégalités. Paris: Éditions du Seuil, 1996.
61. Rosanvallon, Pierre. La Légitimité démocratique: Impartialité, réflexivité, proximité. Paris: Éditions du Seuil, 2008.
62. Rosanvallon, Pierre. La Société des égaux. Paris: Éditions du Seuil, 2011.
63. Sartre, Jean-Paul. Qu est-ce que la littérature? Paris: Gallimard, 1948.
64. Sartre, Jean-Paul. Critique de la raison dialectique. Paris: Gallimard, 1960.
65. Simmel, Georg. Philosophie de l argent. Traduit par Sabine Cornille et Philippe Ivernel. Paris: Presses Universitaires de France, 1987.
66. Steiner, George. Dans le château de Barbe-Bleue: Notes pour une redéfinition de la culture. Traduit par Lucienne Lotringer. Paris: Gallimard, 1973.
67. Todorov, Tzvetan. Nous et les autres: La réflexion française sur la diversité humaine. Paris: Éditions du Seuil, 1989.
68. Touraine, Alain. Critique de la modernité. Paris: Fayard, 1992.
69. Touraine, Alain. Un nouveau paradigme: Pour comprendre le monde d aujourd hui. Paris: Fayard, 2005.
70. Weil, Simone. La Pesanteur et la grâce. Paris: Plon, 1947.
71. Weil, Simone. L Enracinement: Prélude à une déclaration des devoirs envers l être humain. Paris: Gallimard, 1949.
72. Wievorka, Michel. La Différence: Identités culturelles, enjeux, débats, perspectives. Paris: Balland, 2001.
73. Winnicott, D.W. Jeu et réalité: L espace potentiel. Traduit par Claude Monod et J.-B. Pontalis. Paris: Gallimard, 1975.
74. Zarifian, Philippe. Le Travail et l événement: Essai sociologique. Paris: L Harmattan, 1995.
75. Zarifian, Philippe. Temps et modernité: Le temps comme enjeu du monde moderne. Paris: L Harmattan, 2001.

…….

رابعاً: المراجع الإلكترونية والدوريات

1. Le Monde diplomatique (باريس) - أرشيف المقالات المتعلقة بسياسات التقشف ودولة الرفاه.
2. The New York Review of Books (نيويورك) - مقالات نقدية حول المثقفين والمجتمع المعاصر.
3. London Review of Books (لندن) - تحليلات ثقافية وسياسية.
4. القدس العربي (لندن) - مقالات رأي وتحليلات.
5. مجلة الدراسات الفلسطينية (بيروت) - أعداد متنوعة.
6. مجلة الفكر العربي المعاصر (بيروت) - أرشيف المجلة.
7. تبين: للدراسات الفلسفية والنظريات النقدية (الدار البيضاء) - أعداد متنوعة.
8. عمران: للعلوم الاجتماعية (الدوحة) - أعداد متنوعة.
9. المستقبل العربي (بيروت) - أعداد متنوعة.
10. الكرمل: دراسات في اللغة والأدب (رام الله) - أعداد متنوعة.
11. Eurozine (فيينا) - https://www.eurozine.com - مقالات عن الثقافة والمجتمع في أوروبا.
12. Open Democracy (لندن) - https://www.opendemocracy.net - تحليلات عن الديمقراطية وحقوق الإنسان.
13. Jacobin (نيويورك) - https://www.jacobinmag.com - مقالات عن الاقتصاد السياسي والثقافة.
14. n+1 magazine (نيويورك) - https://www.nplusonemag.com - نقد ثقافي واجتماعي.
15. The Baffler (كامبريدج، ماساتشوستس) - thebaffler.com - نقد الرأسمالية والثقافة.
16. Verso Books Blog (لندن) - https://www.versobooks.com/blogs - مقالات فكرية.
17. The Point Magazine (شيكاغو) - thepointmag.com - مقالات فلسفية وثقافية.
18. Aeon (لندن) - aeon.co - مقالات فلسفية وعلمية.
19. Psyche (لندن) - psyche.co - مقالات عن علم النفس والفلسفة.
20. Al-Jumhuriya (برلين) - https://www.aljumhuriya.net - منصة فكرية عربية مستقلة.

…..

خامساً: وثائق وتقارير رسمية

1. تقرير التنمية البشرية، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، أعوام 2000-2023.
2. تقرير الفجوة العالمية، منظمة أوكسفام، أعوام 2010-2023.
3. تقرير السعادة العالمية، شبكة حلول التنمية المستدامة التابعة للأمم المتحدة، أعوام 2012-2023.
4. تقرير حرية الصحافة في العالم، منظمة مراسلون بلا حدود، أعوام 2000-2023.
5. تقرير المتابعة السنوي، منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، حول سياسات الرفاه الاجتماعي.
6. تقارير اليونسكو حول الثقافة والتنمية، أعوام 2000-2023.
7. البنك الدولي، مؤشرات التنمية العالمية.
8. منظمة العمل الدولية، تقارير عن العمل اللائق والعمالة غير المستقرة.

…..

سادساً: أعمال أدبية وفلسفية ذات صلة مباشرة

1. إميل سيوران، في مرتفعات اليأس (ترجمة: ماري طوق، بيروت: دار الجديد، 1996).
2. توفيق الحكيم، عصفور من الشرق (القاهرة: مكتبة مصر، 1938).
3. جبران خليل جبران، الأجنحة المتكسرة (نيويورك: 1912).
4. جوزيف كونراد، قلب الظلام (ترجمة: أسامة منزلجي، دمشق: دار المدى، 1998).
5. جوستاف فلوبير، التربية العاطفية (ترجمة: منذر عياشي، دمشق: دار نينوى، 2010).
6. دانتي أليغييري، الكوميديا الإلهية (ترجمة: حسن عثمان، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1969).
7. رفيق شامي، حكايات من دمشق (ترجمة: هاشم حمادي، كولونيا: منشورات الجمل، 2003).
8. سانت جون بيرس، منفى وقصائد أخرى (ترجمة: أدونيس، بيروت: دار الآداب، 1968).
9. فرانز كافكا، المحاكمة (ترجمة: حسن صبرا، بيروت: دار الآداب، 1967).
10. فرانز كافكا، القلعة (ترجمة: جورج طرابيشي، بيروت: دار الطليعة، 1968).
11. فيرجينيا وولف، غرفة تخص المرء وحده (ترجمة: هدى الصدة، القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2000).
12. فيدور دوستويفسكي، رسائل من تحت الأرض (ترجمة: سامي الدروبي، دمشق: دار المدى، 1997).
13. محمد شكري، الخبز الحافي (الدار البيضاء: دار الساقي، 1982).
14. ميلان كونديرا، كائن لا تحتمل خفته (ترجمة: نهلة بيومي، القاهرة: دار شرقيات، 1994).
15. ميلان كونديرا، كتاب الضحك والنسيان (ترجمة: نهلة بيومي، القاهرة: دار شرقيات، 1995).
16. نجيب محفوظ، أولاد حارتنا (القاهرة: دار الآداب، 1959).
17. يوسف إدريس، العيب (القاهرة: دار الهلال، 1962).
18. ألبير كامو، أسطورة سيزيف (ترجمة: سهيل إدريس، بيروت: دار الآداب، 1960).
19. ألبير كامو، الغريب (ترجمة: سهيل إدريس، بيروت: دار الآداب، 1958).
20. ألبير كامو، الطاعون (ترجمة: سهيل إدريس، بيروت: دار الآداب، 1960).
21. جورج أورويل، 1984 (ترجمة: حمدي الجابري، بيروت: دار الآداب، 1965).
22. ألدوس هكسلي، عالم جديد سعيد (ترجمة: محمود سعيد إمبابي، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1968).
23. توماس مان، الجبل السحري (ترجمة: جورج طرابيشي، بيروت: دار الطليعة، 1976).
24. هرمان هسه، ذئب السهوب (ترجمة: سامي الدروبي، دمشق: دار المدى، 1998).
25. بول أوستر، رجل في الظلام (ترجمة: أحمد حسن، القاهرة: دار العين، 2010).

….

ملاحظة منهجية

هذه القائمة تمثل مجموعة من المراجع التي استلهم منها هذا الكتاب، والتي يعكس تنوعها بين العربية والأجنبية، وبين الفكرية والأدبية، وبين الكلاسيكية والمعاصرة، طبيعة الموضوع المركبة. لم يتم الاستشهاد بجميع هذه المراجع مباشرة في النص، لكنها شكلت الخلفية الثقافية والمعرفية التي انطلق منها الكاتب.

إن طبيعة هذا الكتاب، باعتباره سردية شخصية وتأملية، تجعله أقرب إلى الشهادة الحية منه إلى البحث الأكاديمي المحض. لذلك، لم يتبع أسلوب التوثيق التقليدي داخل النص، حرصاً على سلاسة القراءة وتدفق اللغة الأدبية. لكن هذه القائمة تهدف إلى تقديم بوصلة للقارئ الراغب في التعمق أكثر في القضايا المطروحة.

كما أن غياب بعض الأسماء الكبيرة (مثل هايدغر أو فيتغنشتاين مثلاً) ليس تقييماً لأهميتهم، بل لأنه لم تكن لهم بصمة مباشرة على هذه الكتابة بالذات.

أما بخصوص الإحصائيات والأرقام الواردة في النص، فهي تستند إلى تقارير المنظمات الدولية المذكورة، مع مراعاة أنها استخدمت بشكل نوعي وليس كمياً، كشواهد على الظواهر لا كبراهين قطعية.

….

تم توثيق المراجع حسب الأصول الأكاديمية المتعارف عليها

لييج - 2026



#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)       Ahmad_Saloum#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تحقيق معمق في تحول الدولة الأوروبية من حامية إلى جابية
- سرقة القرن: الإطار القانوني لمحاكمة الكيان الصهيوني على نهب ...
- قراءة في العلاقة العضوية بين أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، ...
- كيف تعيد موسكو وبكين تشكيل معادلة الردع الإيرانية؟
- تفكيك سردية -الخطر الصيني- في الخطاب الاقتصادي الغربي
- دراسة في تغطية إمبراطوريات -روتشيلد إبستين- لحزب -فرنسا الأب ...
- كتاب : محراب الكذب تصحيح التشوهات الإعلامية: قراءة في التجرب ...
- دراسة مقارنة: -في محراب الكذب- في سياق المكتبة العالمية
- أشرطة الجحيم: شبكة إبستين، قنصلية روتشيلد، والمغتصبة الصهيون ...
- بين احتلال القصر واحتلال الرغيف: نحو كتابة صحفية عربية جديدة ...
- عزمي بشارة... تبييض وجه المؤسسة الاستعمارية في ثوب المثقف ال ...
- من بي بي سي إلى الجزيرة والعربية ... سلالة استعمارية . من كت ...
- -العقل المحتل: إمبراطوريات الإعلام وسرقة المستقبل- في مواجهة ...
- إيران: ما وراء أسطورة -دولة الملابس- - قراءة في جيوسياسية ال ...
- العقل المحتل... الإمبراطوريات الإعلامية وسرقة المستقبل..مقدم ...
- إمبراطورية الجزر: من احتكار روتشيلد المالي إلى اغتصاب إبستين ...
- سوريا بين احتلال القصر واحتلال الرغيف
- الجمهورية التي أرعبت الإمبراطورية... كيف حوَّل «خورمشهر-4» إ ...
- افتتاحية كتاب ( شاهدٌ بلا سلاح )أحمد صالح سلوم
- افتتاحية كتاب ( كاتب على حافة الخريطة) – أحمد صالح سلوم


المزيد.....




- أزمة في مهرجان برلين السينمائي: اجتماع حكومي طارئ بعد احتجاج ...
- ابن بطوطة.. -عين التاريخ- التي رصدت نبض الأمة في ليالي رمضان ...
- من صوت أم كلثوم لاستعراض شريهان.. رحلة الفوازير من الإذاعة إ ...
- لحم خنزير على الطاولة.. مسلسل تركي يخسر جمهوره بعد عشاء مثير ...
- الملوخية.. طبق الملوك الذي يجمع الموائد العربية بين الأصالة ...
- ألمانيا تستدعي منظمي مهرجان برلين السينمائي بعد اتهامات بالت ...
- علي البرّاق.. صوت رمضان الغائب الحاضر في كل بيت تونسي
- 9 رمضان.. اليوم الذي أعاد رسم خرائط النفوذ من صقلية إلى إندو ...
- فرنسا: رشيدة داتي تستقيل من وزارة الثقافة -للتفرغ للانتخابات ...
- الشاعرة هدى عزّ الدين :نموزج للإنحياز الكامل للكتابة وأسئلته ...


المزيد.....

- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - احمد صالح سلوم - كتاب : الغريب الذي يرى