أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أوزجان يشار - نباح مايك هاكابي وتحريضه: رسالة مهمة لفهم العدو الحقيقي














المزيد.....

نباح مايك هاكابي وتحريضه: رسالة مهمة لفهم العدو الحقيقي


أوزجان يشار
كاتب وباحث وروائي

(Ozjan Yeshar)


الحوار المتمدن-العدد: 8626 - 2026 / 2 / 22 - 14:41
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ليس أخطر ما في مايك هاكابي صوته المرتفع، ولا تصريحاته المتكررة، بل تلك القناعة الصلبة التي يتحدث منها، كمن يظن أن التاريخ يقف خلف كتفه، وأن الربّ نفسه يوقّع على كلماته. حين ينبح هذا الرجل في الإعلام، لا يفعل ذلك بوصفه سفيراً فحسب، بل بوصفه واعظاً سياسياً يرى في الخرائط نصوصاً مقدسة، وفي الجيوش أدوات تحقيق لنبوءة.

قد يظن البعض أن الأمر يتعلق بتطرفٍ شخصي، أو بلهجةٍ سياسية متشددة. لكن قراءةً أعمق تكشف أن هاكابي ليس شذوذاً في المشهد، بل هو التعبير الصريح عن تحالفٍ طويل بين الصهيونية السياسية في إسرائيل وبين تيارٍ إنجيلي بروتستانتي أمريكي واسع النفوذ. هذا التيار لا يرى إسرائيل دولةً عادية، بل مشروعاً لاهوتياً. ولا يرى المنطقة جغرافيا سياسية، بل مسرحاً لنهايةٍ كبرى يتخيلها في كتب النبوءات.

من هنا يمكن فهم لغته التي تبدو للبعض صادمة. حين يتحدث عن التوسع والضم، لا يتحدث بلغة المصالح فقط، بل بلغة “الوعد”. وحين يتغاضى عن الدم والدمار، لا يفعل ذلك لأن الكلفة الإنسانية لا تعنيه، بل لأن السردية التي يؤمن بها ترى أن الألم جزءٌ من الطريق إلى الخلاص. في هذا التصور، تتحول الحروب إلى مراحل، والضحايا إلى أرقامٍ داخل سيناريو مقدس.

إن أخطر ما يقدمه هاكابي هو إعادة تعريف الصراع. فهو لا يراه نزاعاً سياسياً يمكن تسويته، ولا مأساةً إنسانية تستدعي الحل، بل خطوةً ضرورية في مسارٍ إلهي. وهذا النوع من التفكير يجعل التهدئة بلا معنى، لأن التصعيد نفسه يصبح مطلوباً لتحقيق الغاية. وحين تُربط السياسة بنبوءةٍ أخروية، يتحول كل اتفاقٍ مؤقت إلى عائق، وكل سلامٍ إلى تأجيلٍ لما يعتقدون أنه قدر.

ليس سراً أن التيار الإنجيلي الصهيوني في الولايات المتحدة يمتلك نفوذاً إعلامياً وسياسياً ومالياً واسعاً. هذا التيار يموّل، ويضغط، ويصوّت، ويؤثر في القرار الأمريكي بعمق. بالنسبة له، دعم إسرائيل ليس ملفاً خارجياً، بل قضية إيمانية. والحديث عن “أرض الميعاد” ليس مجازاً، بل برنامج عمل. لذلك لا يمكن قراءة خطاب هاكابي خارج هذا السياق؛ فهو يتحدث من داخل عقيدة ترى أن تمكين إسرائيل خطوةٌ ضرورية لعودة المسيح، وأن الفوضى الكبرى في الشرق الأوسط قد تكون مقدمةً لمعركةٍ كونية.

هذا الفهم لا يعني تبني خطاب كراهيةٍ دينية مضادة، ولا يعني تحويل الصراع إلى مواجهةٍ بين أديان. لكنه يعني إدراك أن هناك خطاباً دينياً ـ سياسياً فاعلاً يعيد تشكيل السياسات الكبرى. إن تجاهل هذا البعد يتركنا نقرأ الأحداث بنصف وعي. فحين يتحدث رجلٌ بهذه اللغة من موقع دبلوماسي رسمي، فهذا مؤشر على أن الفكرة التي يحملها لم تعد هامشية.

التركيز على هاكابي وحده قد يريحنا نفسياً، لأنه يمنحنا وجهاً محدداً للغضب. لكن المشكلة أعمق من شخص. هناك شبكة أفكار ومؤسسات وإعلام وجماعات ضغط تدفع في الاتجاه نفسه. هناك رؤية ترى المنطقة مساحةً لتحقيق سردية دينية، لا فضاءً لشعوبٍ لها حق الحياة والكرامة. وهناك خطابٌ يبرر كل شيء باسم “الوعد”، حتى لو احترقت مدنٌ بأكملها.

العدو الحقيقي في مثل هذا السياق ليس شخصاً واحداً، بل فكرة. فكرة تمزج بين القوة والعقيدة، بين السياسة واللاهوت، بين النفوذ العسكري والتفسير الديني المغلق. فكرة ترى أن التاريخ يجب أن يُدفع نحو نهاية محددة، ولو على حساب حاضر الملايين. هذه الفكرة هي التي تمنح خطاب هاكابي معناه، وهي التي تجعل كلماته أخطر من مجرد رأيٍ سياسي.

إن فهم هذه البنية الفكرية لا يهدف إلى تأجيج الغضب بقدر ما يهدف إلى توسيع الوعي. لأن مواجهة خطابٍ يقوم على نبوءة لا تكون بالصراخ، بل بالفهم. ومواجهة تحالفٍ بين العقيدة والقوة تتطلب قراءةً أعمق من ردود الفعل اللحظية. فحين يتحول الإيمان إلى مشروع هيمنة، يصبح نقد المشروع ضرورة، لا عداءً للدين نفسه.

ما يقوله هاكابي اليوم قد يتغير في التفاصيل غداً، لكن الفكرة التي يمثلها باقية. فكرة أن هذه الأرض ليست لأهلها، بل لمخططٍ أكبر. فكرة أن الدم يمكن أن يكون وسيلةً لتحقيق وعدٍ غيبي. وفكرة أن السياسة يمكن أن تُدار من داخل نصوصٍ مغلقة لا ترى في الآخر شريكاً، بل عقبة.

لهذا، فإن قراءة تصريحاته ليست ترفاً فكرياً. إنها محاولة لفهم خطابٍ يتسلل إلى مراكز القرار، ويؤثر في مصائر شعوبٍ كاملة. وحين نفهم هذا الخطاب، ندرك أن المواجهة ليست مع نباح رجلٍ في منصبٍ دبلوماسي، بل مع منظومة فكرية كاملة ترى في الخراب طريقاً إلى الخلاص.

إن أخطر ما يمكن أن نفعله هو الاكتفاء بالغضب. لأن الغضب دون فهم يتحول إلى صدى للصوت نفسه. أما الفهم، فيكشف الجذور. وحين تُكشف الجذور، يصبح من الممكن قراءة المستقبل بوضوحٍ أكبر، بعيداً عن الضجيج، وأقرب إلى الحقيقة.

وهنا تبدأ الرسالة:
ليست المعركة مع شخصٍ يصرخ، بل مع فكرةٍ تبتسم وهي ترسم الخرائط بالدم.
وليست المواجهة مع تصريحٍ عابر، بل مع سرديةٍ تريد أن تعيد تعريف المنطقة ومصيرها.
ومن لا يفهم الفكرة التي تحرّك العدو، سيظل يقاتل الظلال، بينما الفكرة نفسها تواصل التمدد في العتمة.



#أوزجان_يشار (هاشتاغ)       Ozjan_Yeshar#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ظلّ أشجار الساكورا في أرض الشمس: من مجموعة قصص حول العالم
- معركة ليتل بيغ هورن: حين يكتب الذهب عقيدة الاستغلال عبر التا ...
- الأرملة والذئب الأسود: من مجموعة “قصص حول العالم”
- الإلهام والوحي في الكتابة بين العفاريت والجنّ… وطبائع البشر
- النمس والخنفساء القاذفة: رؤية ما لا يُرى في فن إدارة المخاطر
- صواميل العادة: حين يُقدَّس الخطأ وتُروَّض الكارثة
- ظلال الروح: حين يتحوّل الإنسان إلى مساحةٍ لعدوانه
- ومضات من حياة فراشة يوركشاير -إيميلي برونتي-
- تحت السرير وفوق العالم: تشريح صناعة الخوف للسيطرة على الوعي ...
- شمسٌ لا تنطفئ: كيف يصير الخذلان باباً للنور
- فن إعادة رسم التاريخ، وسلطة السرد، وإغراء التعاطف
- لقاء من الدهشة مع من يشبهنا
- ومضات من حياة كارِل تشابِك: سيرة الكلمة في زمن الآلة وما تبق ...
- صوفيا بارغيري: الطفلة الإيطالية التي عادت إلى ملوك مصر القدي ...
- كرة القدم: الوحش الذي أردنا ترويضه… فأطعمناه غضبنا وخيباتنا
- العقل الذي سبق الرصاصة: إيفاريست غالوا، أو كيف تموت الفكرة ق ...
- الحياة كفعل مقاومة: روث كيئيليكولاني، أميرة هاواي التي رفضت ...
- عُمَر بن سعيد: سيرةُ عالمٍ مسلمٍ كُسِرَت قيوده الجغرافية ولم ...
- نحو حلف إستراتيجي إقليمي: خياراتنا، مصيرنا، ومستقبل الشرق ال ...
- على حافة الزلزال الكبير: هل نحن أمام لحظة كسر النظام الإيران ...


المزيد.....




- انفجارات في غرب أوكرانيا والسلطات تعتبرها -هجوما إرهابيا-
- عودة الاحتجاجات المعارضة بجامعات طهران والنظام يحشد أنصاره
- لحظات من الدفء وسط النزوح.. مئات الفلسطينيين يجتمعون على مائ ...
- غضب عربي إسلامي من تصريحات هاكابي حول -حق إسرائيل التوراتي- ...
- العدّ التنازلي للضربة الأمريكية يبدأ: إيران تحشد صواريخها ول ...
- تنديد عربي حاد بتصريحات سفير أمريكا في تل أبيب بشأن -إسرائيل ...
- ردا على ترامب... الدانمارك تؤكد أن غرينلاند ليست بحاجة إلى س ...
- جهاز الخدمة السرية الأمريكي يقتل شخصا مسلحا حاول دخول مقر إق ...
- إيطاليا: رفات القديس فرنسيس الأسيزي تعرض للجمهور لأول مرة من ...
- تلويح روسي باستهداف إستونيا حال نشر أسلحة نووية على أراضيها ...


المزيد.....

- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أوزجان يشار - نباح مايك هاكابي وتحريضه: رسالة مهمة لفهم العدو الحقيقي