|
|
ظلّ أشجار الساكورا في أرض الشمس: من مجموعة قصص حول العالم
أوزجان يشار
كاتب وباحث وروائي
(Ozjan Yeshar)
الحوار المتمدن-العدد: 8625 - 2026 / 2 / 21 - 19:18
المحور:
الادب والفن
لم أصل إلى هذه الحكاية عبر راوي أو مقصوصة، بل عبر كيف فهمت اليابان نفسها. ففي اليابان، لا تبدأ القصص من مقاهي أو من هايكو نساء الغيشا أو من فرسان الساموراي كما يتخيلها الغرب، بل تبدأ من الأزمنة التي تتراكم مثل طبقات الورق في المخطوطات القديمة. ومن الأشجار التي تُعامل ككائنات ذات ذاكرة. ومن حقول الأرز التي تعكس السماء وتحوّل الفصول إلى مرآة. ومن الكبرياء والحب والشعر واليأس. ومن الطقوس التي تبدو صغيرة لكنها تحمل نظام العالم كله داخل فنجان شاي، كما لو أن الكون يمكن ترتيبه عبر حركة يد هادئة.
هناك، حيث يُقاس مرور السنة بتفتح زهور الساكورا ثم تساقطها، وحيث يصبح الربيع نفسه حدثًا فلسفيًا لا مجرد فصل، يتعلم المرء أن كل شيء جميل مؤقت، وأن الزوال جزء من الجمال لا نقيضه. في اللغة اليابانية، لا يُنظر إلى سقوط الزهرة بوصفه موتًا، بل اكتمالًا للدورة. وهذا الإحساس — الذي يسميه اليابانيون مونو نو أواري — هو الحزن الرقيق الذي يرافق إدراك أن الأشياء لا تدوم، وأن اللحظة أجمل لأنها ستزول.
أكتب لكم عن قصة كما تخيلتها، عن عصر تماهي فيه صليل سيوف الساموراي مع رقة نساء لم يُسمح لهنّ إلا أن يكنّ ظلًا للبيت، حارسات للصمت، ومُتقنات لفنون خفية: الخط، وترتيب الزهور، وصب الشاي. كان الرجل يُربّى على أن السيف امتداد لروحه، وأن الساكي رفيق وحدته، وأن الصمت أعلى من الاعتراف. وكانت المرأة تُربّى على أن الجمال فضيلة، والطاعة واجب، والحنين شيء يُخفى داخل الأكمام الواسعة للكيمونو.
وهنا أفتح أرشيفًا من خيال قديم عن حادثة تعود إلى اليوم العاشر من شهر الربيع الرابع لعصر كايي، الموافق تقريبًا لعام 1851. كان ذلك زمنًا تعيش فيه اليابان داخل نظام مغلق على ذاته، في فترة تُعرف بعصر إيدو، حيث كانت البلاد محكومة بالشوغونية التوكوغاوية التي أغلقت أبوابها تقريبًا أمام العالم الخارجي. كانت السفن الأجنبية تُمنع من الرسو إلا في موانئ محدودة، وكانت الأفكار تُراقب كما تُراقب الأسلحة، وكان الداخل الياباني عالمًا مكتفيًا بذاته، كثيف الطقوس، دقيق الطبقات، حذرًا من كل ما يهدد الانسجام.
كان الانسجام — أو وا — قيمة مركزية في المجتمع. ليس المقصود به السلام فقط، بل التوازن بين الأفراد والطبقات والطبيعة. كل شخص يعرف مكانه. كل حركة لها شكلها الصحيح. حتى الانحناءة لها زاوية محددة تعكس مكانة المنحني والمنحنى له.
في ذلك اليوم، غادر السيد تاكيشي أوكاموتو، ساموراي من رتبة متوسطة، مقر إقامته متجهًا إلى مدينة إيدو، العاصمة السياسية آنذاك، في مهمة رسمية. كانت الرحلة إلى إيدو أكثر من انتقال جغرافي؛ كانت دخولًا إلى قلب السلطة، حيث تقام مواكب الساموراي، وتُرفع الرايات، وتُدار البلاد وفق نظام دقيق يشبه رقصة بطيئة لا يجوز فيها الخطأ.
ولكي نفهم ما سيحدث لاحقًا، علينا أن نتوقف قليلًا عند كلمة ساموراي نفسها. الساموراي لم يكن مجرد محارب يحمل سيف الكاتانا. كان طبقة اجتماعية كاملة، قائمة على الشرف المطلق، والانضباط، وفلسفة تعرف باسم “بوشيدو” — طريق المحارب. هذا الطريق لم يكن يعلّم القتال فقط، بل يعلّم كيفية الجلوس، وكيفية الصمت، وكيفية السير في الممرات الخشبية دون إحداث صوت، وكيفية كتابة القصيدة قبل المعركة. فالساموراي، على عكس الصورة الخشنة الشائعة، كان يتعلم الشعر والخط كما يتعلم السيف. وكان يُتوقع منه أن يكون رقيقًا في لحظة، وقاسيًا في أخرى.
في عالم كهذا، كان الشرف أثقل من الحياة نفسها. وقد يقود خدشٌ فيه إلى انتحار طقسي يعرف بالسيبوكو، حيث يختار المحارب الموت بيده بدل أن يعيش في عار. لم يكن ذلك فعل يأس بقدر ما كان فعل حفاظ على الاسم، فالاسم في اليابان الإقطاعية امتداد للعائلة وللأسلاف وللأرض.
والزواج، مثل معظم العلاقات، كان جزءًا من هذا النظام: تحالفًا يحفظ التوازن الاجتماعي أكثر مما يحفظ القلب، واتفاقًا بين العائلات أكثر مما هو لقاء بين روحين. كانت الزيجات تُرتب عبر وسطاء يعرفون باسم ناكودو، وتُبنى على الاعتبار الاجتماعي والمكانة. أما الحب، إن حدث، فكان غالبًا ضيفًا صامتًا، يُخفى في النظرات، أو في قصيدة هايكو قصيرة تُكتب على ورق الأرز ثم تُحرق.
في تلك البيوت الخشبية ذات الأبواب المنزلقة، حيث تنفذ رائحة الخيزران والبخور، كانت الحياة تبدو هادئة من الخارج. لكن تحت هذا الهدوء، كانت المشاعر تتراكم مثل مياه تحت جليد رقيق، تنتظر لحظة انكسار.
في تلك الليلة، هطلت أمطار موسمية غزيرة. في اليابان، حتى المطر يُسجَّل. لم يكن ذلك بدافع الفضول فقط، بل لأن الفصول نفسها كانت تُعد جزءًا من تاريخ البيت. كانت لدى القصور سجلات دقيقة تُدوّن فيها الرياح واتجاهها، ومواسم المطر، وأيام الضباب، لأن الطبيعة في اليابان ليست خلفية للأحداث بل شريكًا في صياغتها. المطر الذي يهطل على سقف خشبي لا يشبه المطر على حجر؛ صوته أكثر نعومة، لكنه أعمق. كان صوت المطر تلك الليلة ينقر على ألواح القرميد وعلى أسقف البيوت الورقية كما لو أنه يكتب شيئًا لا يريد أحد قراءته بعد. الرائحة التي تملأ الهواء في مثل تلك الليالي ليست رائحة الماء فقط، بل رائحة الخشب الرطب، والتاتامي المصنوع من القش المضغوط، والبخور الخفيف الذي يُترك عادةً في زوايا الغرف. في ثقافة اليابان القديمة، يُعتقد أن المطر يوقظ الذاكرة، وأن الليالي الممطرة تجعل القلوب أكثر قابلية للاعتراف. هذا المطر لم يكن مجرد طقس، بل كان لحظة من لحظات “مونو نو أواري” — ذلك الإحساس الياباني الرقيق بزوال الأشياء. فكما تتفتح الساكورا في ذروة جمالها ثم تتساقط، كذلك تتفتح بعض القرارات في لحظة قصيرة ثم تغيّر مسار حياة كاملة.
شهد رئيس الخدم أن السيدة ميوكو أوكاموتو طلبت الشاي الأخضر من غرفة الكتب عند ما يسمى بساعة الخنزير — أي حوالي الثامنة مساءً. لكن “ساعة الخنزير” لم تكن مجرد توقيت. في اليابان القديمة، كان اليوم يُقسَّم وفق نظام الأبراج الحيوانية، وكانت الساعات تتحرك مع الفصول. ساعة الخنزير هي ساعة ما بعد انطفاء الضوضاء اليومية. ساعة تُطفأ فيها الأحاديث الرسمية. ساعة لا يبقى فيها سوى أصوات خفيفة: صوت المطر، صوت خطوات على أرضية التاتامي، وصوت الماء حين يبدأ بالغليان.
كان طلب الشاي في ذلك الوقت تحديدًا يحمل معنى. فطقس الشاي في اليابان — المعروف بـ“تشانويو” أو “سادو” أي طريق الشاي — لم يكن مجرد تحضير شراب دافئ، بل كان طقسًا شبه روحي، تشكّل عبر قرون من التأمل الزنّي، وصار نوعًا من المسرح الصامت الذي تُمارس فيه البساطة كفنّ.
غرفة الشاي التقليدية لا تُبنى مثل باقي الغرف. بابها منخفض بحيث يضطر الداخل إلى الانحناء، حتى الساموراي. وهذا الانحناء ليس مجرد حركة جسدية، بل تذكير بأن الداخل يترك مكانته الاجتماعية خارج الباب. كان السيف يُترك في الخارج. والألقاب تُترك في الخارج. وما يدخل إلى الغرفة هو الإنسان فقط.
الأرضية مغطاة بحصير التاتامي، الذي له رائحة خاصة تشبه رائحة العشب المجفف. الجدران ليست جدرانًا صلبة، بل ألواح ورقية منزلقة تسمى “شوجي”، تسمح للضوء بأن يدخل ناعمًا، بلا ظلال حادة. في زاوية الغرفة يوجد ما يسمى بـ“التوكو نوما” — تجويف صغير يُعرض فيه لفافة خطّ أو غصن مزهر أو قطعة فخار. هذا الركن ليس للزينة فقط، بل لتذكير الحاضرين بموسم السنة أو بفكرة فلسفية قصيرة. قد تكون هناك قصيدة هايكو مكتوبة بخط أسود على ورق أبيض، تذكّر الجالسين بأن اللحظة التي يعيشونها لن تتكرر.
تحضير الشاي نفسه طقس بطيء. يُغسل الوعاء الخزفي بقطعة قماش حريرية. تُمسك الملعقة الخشبية بطريقة محددة. يُسكب الماء الساخن من إبريق حديدي يصدر صوتًا خافتًا يشبه التنفس. ثم يُضاف مسحوق الشاي الأخضر — الماتشا — ويُخفق بخفاقة من الخيزران حتى تتشكل رغوة خفيفة على السطح. كل حركة لها زمنها. كل حركة لها معنى. ليس الهدف السرعة، بل الحضور الكامل في اللحظة.
في فلسفة الزن، يُقال إن الشاي ليس شرابًا بل حالة وعي. حين يرفع الشخص الكأس إلى شفتيه، يُطلب منه أن يديرها قليلًا احترامًا لمن أعدّها، ثم يشرب ببطء، وكأنه يتذوق الزمن نفسه. الضيوف لا يتحدثون كثيرًا. الصمت ليس فراغًا هنا، بل مساحة تُسمع فيها الأفكار.
كان طلب ميوكو للشاي في تلك الليلة — وسط المطر، وفي ساعة الخنزير — أشبه بطلب لحظة أخيرة من التوازن داخل عالم على وشك الاختلال. ربما كانت تجلس على ركبتيها فوق التاتامي، يديها مخفيتان داخل أكمام الكيمونو الطويلة، تنظر إلى بخار الشاي المتصاعد كما لو أنه يحمل معها أفكارًا لا تستطيع قولها بصوت عالٍ. في مثل تلك اللحظات، يصبح فنجان الشاي أكثر من فنجان. يصبح مساحة بين قرارين. بين حياة تُعرف جيدًا، وحياة لا تُعرف. بين الصمت، والخطوة الأولى نحو كسر ذلك الصمت.
كانت ميوكو امرأة ذات جمال هادئ. ليس الجمال الذي يلفت الأنظار في القاعات العامة، بل ذلك الجمال الذي يُرى في الضوء الخافت، حين تنحني امرأة لتسكب الشاي، أو حين ترفع عينيها ثم تخفضهما سريعًا. في المجتمع السامورائي، لم تكن المرأة تُربّى لتكون صاخبة أو مرئية، بل لتكون متقنة للحضور الصامت. كانت تتعلم منذ الصغر كيف تجلس على ركبتيها فوق حصير التاتامي دون أن يصدر صوت، كيف تمشي بخطوات قصيرة لا تكشف مزاجها، كيف تنحني بزاوية دقيقة تعكس احترامها لمكانة الرجل. حتى الضحك كان يجب أن يُخفى داخل الأكمام الواسعة للكيمونو، كأن الفرح نفسه يحتاج إلى تهذيب.
التعليم الذي تتلقاه نساء الساموراي لم يكن موجّهًا لحرية الذات، بل لانسجام البيت. كنّ يتعلمن الأدب الكلاسيكي، والخط بالحبر الأسود، والعزف على الآلات الوترية الهادئة، وفن ترتيب الزهور — الإيكيبانا — الذي يقوم على مبدأ أن الفراغ بين الأغصان لا يقل أهمية عن الأغصان نفسها. كان هذا الفن يعلّم الصبر، والتوازن، والقبول بأن الجمال لا يكون في الامتلاء بل في المساحة التي تُترك للصمت. وكانت تلك الفلسفة تُسقط على حياتهنّ: أن يكنّ مثل الغصن المنحني، لا مثل الريح.
في البيوت السامورائية، كان الرجل سيد الفضاء الخارجي، والمرأة حارسة الفضاء الداخلي. الرجل يخرج إلى الحرب أو إلى البلاط، يحمل سيفه ولقبه. والمرأة تبقى داخل الجدران الورقية، تحرس شرف الاسم العائلي، وتحافظ على النظام، وتلد الورثة. لم يكن يُنتظر منها أن تحب، بل أن تنسجم. وإذا شعرت بشيء يتجاوز هذا الدور، فذلك الشعور يُدفن مثل رسالة لا تُرسل.
كانت الحياة بالنسبة لامرأة مثل ميوكو تشبه أزهار الساكورا: تتفتح فجأة، في ربيع قصير، ثم تُترك لتسقط بهدوء. جمالها معترف به، لكنه مؤقت. وصوتها مسموع، لكنه منخفض. وحياتها مرسومة سلفًا داخل نظام طويل لا يسمح بالانحراف.
لكن اليابان، رغم انضباطها، لم تكن خالية من التصدعات. تحت السطح الهادئ، كانت هناك دائمًا توترات صامتة، رغبات لا تُقال، ونظرات تُخفى. وفي بعض البيوت، كان الصمت نفسه يصبح ثقيلًا، كأنه ينتظر كسرًا.
وبحلول الفجر، اختفت ميوكو. ومعها اختفى كازوهيرو، الخادم الشخصي لزوجها — الذي كان من طبقة الهينين، طبقة لا يُفترض بها أن تتقاطع مع حياة امرأة ساموراي إلا في حدود الخدمة الصامتة. كان وجوده في البيت ضروريًا، لكن غير مرئي. يتحرك في الظلال، ينحني، يؤدي مهامه، ثم يختفي. في المجتمع الهرمي، كان الفارق بينهما ليس فارق طبقة فقط، بل فارق عالمين لا يُسمح لهما بالالتقاء.
اختفاؤهما معًا لم يكن مجرد غياب شخصين. كان فعلًا يضرب في صميم البنية الاجتماعية. امرأة ساموراي — زوجة رجل يحمل اسمًا وسيفًا — تختفي مع رجل منبوذ. هذا لم يكن يُقرأ كقصة حب، بل كخيانة للنظام نفسه. خيانة للشرف. وخيانة لفكرة الرجولة التي تقوم على الامتلاك والحماية والسيطرة.
في ثقافة تقدّس السيد الرجل، كانت المرأة جزءًا من هيبته. وجودها المنضبط يعكس قوته. وطاعتها دليل على مكانته. لذلك، فإن اختفاءها لم يُفسَّر أولًا كفعل إرادة، بل كجريمة ارتُكبت ضد الرجل. لم يسأل أحد في البداية: لماذا رحلت؟ بل: كيف تجرأ أحد على أخذها؟
لكن تحت هذه الرواية الرسمية، كان هناك احتمال آخر، أكثر خطورة: أن تكون قد غادرت بإرادتها. أن تكون قد اختارت أن تخرج من الدور المرسوم لها. أن تكون قد رأت في ذلك الخادم — الذي يعيش خارج الاعتراف — مرآةً لحريتها الممكنة.
في عالم كهذا، لا يكون اختفاء امرأة ساموراي مع رجل من هذه الطبقة مجرد حادثة. بل زلزالًا يمسّ أساس النظام الاجتماعي نفسه. كأن حجرًا سقط في بركة ساكنة ظلّت هادئة قرونًا. تموّجات هذا الحجر لا تُرى فورًا، لكنها تمتد في الدوائر الهادئة: في همسات الخدم، في صمت الزوج، في سجلات الشرطة، وفي الذاكرة التي تحاول أن تمحو ما لا يمكن محوه.
كان ذلك الاختفاء بداية تصدّع صغير في جدار كبير. تصدّع لا يُعلن نفسه بصوت عالٍ، بل يظهر في الفراغ الذي تركته امرأة خلفها، وفي السؤال الذي لم يُطرح علنًا: ماذا لو لم تكن ضحية… بل صاحبة قرار؟
في عالم كهذا، لا يكون اختفاء امرأة ساموراي مع رجل من هذه الطبقة مجرد حادثة. بل زلزالًا يمسّ أساس النظام الاجتماعي نفسه، كأن حجرًا سقط في بركة ساكنة.
كان غضب السيد أوكاموتو عاصفًا. ليس بوصفه زوجًا مجروحًا فقط، بل بوصفه ساموراي أُهين شرفه.
في ثقافة المحاربين، لا يُقاس الألم بما يشعر به القلب، بل بما يقال عن الاسم. والاسم عند الساموراي ليس ملكًا للرجل وحده، بل إرثٌ يحمله عن أسلافه ويسلّمه لمن بعده. أن تختفي زوجته من داخل بيته، وتحت سقف حمايته، كان يعني أن خللًا قد حدث في توازن العالم الصغير الذي يديره. وليس ثمة ما هو أخطر على ساموراي من اختلال النظام داخل جدران بيته.
لم يصرخ. الساموراي لا يصرخون حين تُصاب كرامتهم. الغضب عندهم يتحول إلى صمت ثقيل، صمت يمكن أن يملأ الفناء كله.
مع أول خيط من الضوء الرمادي للفجر، جُمِع الخدم في الساحة الداخلية. كان المطر لا يزال يتساقط بخفة، قطراته تتجمع على الحصى وتلمع كأنها عيون صغيرة تراقب المشهد. وقف الخدم صفًا واحدًا، رؤوسهم منحنية، أكمامهم مبللة، وأيديهم على الأرض في وضعية اعتذار كاملة تُعرف بـ“دوغي زا”، حيث يلامس الجبين الأرض اعترافًا بالمسؤولية، حتى لو لم يكن الذنب مباشرًا. في بيوت الساموراي، الخطأ الجماعي يُقابل باعتذار جماعي.
وقف أوكاموتو على عتبة الرواق الخشبي، مرتديًا كيمونو رسميًا داكن اللون، وسيفاه عند خاصرته: الكاتانا الطويل والواكيزاشي القصير. لم يضع يده على السيف، لكن وجود السيف كان كافيًا. كان السيف في مثل هذه اللحظات رمزًا للنظام، لا للعنف.
لم يتكلم أحد. في الصمت الياباني، يُفهم الكثير دون كلمات.
تقدم رئيس الخدم أولًا. كان رجلًا مسنًا خدم البيت لسنوات طويلة. ركع ببطء، ثم انحنى حتى لامس جبينه الأرض المبللة. قال بصوت منخفض، بالكاد يُسمع: “الذنب ذنبنا، سيدي. البيت الذي لا يحفظ سيدته بيتٌ فقد توازنه”.
كانت هذه صيغة اعتذار طقسية، تُقال حين لا يمكن تحديد المسؤولية بدقة، لكنها تُعترف كحقيقة معنوية. في الثقافة السامورائية، يتحمل الخدم عبء الخطأ لأنهم جزء من جسد البيت. البيت ليس جدرانًا فقط، بل شبكة ولاءات.
لم يرفع أوكاموتو صوته. قال فقط: “ارفعوا رؤوسكم”. لكن أحدًا لم يرفع رأسه فورًا. فرفع الرأس قبل الإذن الكامل قد يُعد وقاحة. انتظروا لحظة أخرى، ثم جلسوا على ركبهم، عيونهم لا تزال منخفضة.
أمر بتفتيش البيت. كل غرفة. كل صندوق. كل ممر. حتى غرف الخدم.
دخل رجال المفوضية المحلية بعد قليل. لم يكونوا شرطة بالمعنى الحديث، بل ساموراي من رتبة أدنى، يُعرفون برجال المفوض، يتولّون التحقيق في شؤون المدينة. وصلوا بثياب رسمية بسيطة، يحملون دفاتر ورقية وأقلام حبر، ومعهم مساعدين من الطبقات الأدنى لجمع المعلومات. انحنوا عند دخولهم، ثم جلسوا على الأرض في وضعية رسمية، وبدأوا تسجيل الأقوال.
كان الاستجواب يتم بهدوء. في اليابان الإيدوية، لا تُنتزع الاعترافات بالصراخ، بل بالضغط الصامت. يُطرح السؤال، ثم يُترك فراغ. والفراغ يجبر الشخص على الكلام.
سُئل الخدم واحدًا واحدًا: متى شوهدت السيدة آخر مرة؟ من دخل جناحها؟ هل سُمعت خطوات ليلًا؟ هل لوحظ شيء غير معتاد؟
كل إجابة كانت تُكتب بعناية على ورق الأرز. كل كلمة قد تصبح لاحقًا جزءًا من الرواية الرسمية.
أمر أوكاموتو بأن تُغلق بوابات البيت. لا أحد يدخل. لا أحد يخرج. البيت صار مكان تحقيق، ومكان حداد صامت في آنٍ واحد.
مع مرور الساعات، خرجت فرق البحث إلى الخارج. جابت حقول الأرز المغمورة بالماء، حيث تعكس المياه السماء مثل مرآة، وانطلقت كلاب الصيد في الليل الماطر. كانت الأقدام تغوص في الطين، والمشاعل ترتجف في الريح، والرجال ينادون بأسماء لا يجيب عليها أحد.
ونُشرت منشورات من كيوتو إلى أوساكا العنوان ذاته: “زوجة ساموراي شريفة اختُطفت على يد خادم منبوذ”.
لم تُكتب هذه الصياغة اعتباطًا. كان لا بد من تثبيت رواية تحفظ ماء وجه السيد. في مجتمع يقدّس الشرف، لا يمكن تصور أن امرأة ساموراي قد غادرت بإرادتها. الرواية الرسمية كانت ضرورة، لا مجرد تفسير.
أُعلنت مكافأة قدرها مئة ريو ذهبي، وهي ثروة كبيرة في ذلك الزمن. وُضعت الإعلانات عند بوابات القرى، وفي المعابد، وعلى الطرق التجارية. كان المسافرون يقرأونها عند الفجر، ويتناقلها التجار في الأسواق، ويهمس بها الناس عند آبار الماء.
الرواية الرسمية كانت واضحة: خطف وجريمة. لكن التاريخ، كما يحدث غالبًا، يحتفظ بنسخ أخرى، تظهر في الهوامش، في اليوميات الخاصة، في ما لا يُقال علنًا.
أخبرت ساكي، خادمة ميوكو المقرّبة، السلطات أن سيدتها كانت تخفي لفائف من الورق وملابس سفر بسيطة منذ أيام. لم تقل ذلك في الساحة العامة. قالته في غرفة جانبية، جالسة على ركبتيها، عيناها منخفضتان. كانت تعرف أن قول الحقيقة قد يُفسَّر كاتهام، لكن الصمت الكامل قد يكون خيانة أخرى.
لم يظهر هذا التصريح في التقرير الرسمي. لكنه بقي في يوميات قائد المفوضية المحلية، مكتوبًا بحبر خافت على هامش الصفحة، كما تبقى البقع الصغيرة على ورق الأرز رغم محاولات محوها.
وفي بيت أوكاموتو، عاد الصمت ليملأ الممرات. لكن لم يكن صمتًا هادئًا. كان صمتًا يعرف أن شيئًا ما قد انكسر.
وكشف جرد الغرفة اختفاء كيمونو بسيط، وأوراق شخصية، ومخطوطات أدبية. كانت من بينها نصوص لإيهارا سايكاكو، الكاتب الذي كتب عن حياة العامة والعشاق والتجار، وعن الرغبات التي لا تُذكر في البيوت النبيلة. في مجتمع يقدّس النظام، يمكن للقراءة نفسها أن تكون فعل تمرّد. والكتب، في اليابان الإيدوية، كانت تُقرأ أحيانًا في الخفاء، كما تُتداول بعض رسوم الشونغا — الرسوم الإيروتيكية الخشبية — التي لم تكن مجرد صور حسية، بل نصوصًا بصرية عن الجسد والرغبة والحرية في مجتمع مقيد.
وتذكر بعض اليوميات المكتشفة لاحقًا أن ميوكو كانت تقرأ قصائد باشو مع كازوهيرو. باشو، شاعر الرحلات، الذي جعل الطريق نفسه قصيدة، وجعل من السير فعل تأمل. الهايكو، ذلك الشعر القصير المكثف، كان طريقة لالتقاط لحظة عابرة وتحويلها إلى معنى كامل: صوت المطر على سقف خشبي، أو ورقة تسقط في بركة، أو مسافر يمشي وحده. ربما كانت تلك القراءات لحظة لقاء بين عالمين لا يُسمح لهما بالالتقاء، لحظة وجد فيها الاثنان مساحة صغيرة من الحرية داخل نظام كبير.
ادعى قائد مركب نهري أنه رأى عند الفجر امرأة محجبة الوجه بقطعة قماش تُعرف بالتينوغوي، ورجلًا بملابس مسافرين يصعدان قاربه. كان الفجر في اليابان لحظة انتقال بين عالمين: الضباب يعلو فوق الماء، والجبال البعيدة تبدو كأنها مرسومة بالحبر المخفف، والنهر يسير ببطء كأنه يحمل أسرار الليل معه. في مثل تلك الساعة، لا يكون الضوء كافيًا لرؤية الوجوه بوضوح، لكنه يكفي لرؤية النيات.
التينوغوي لم يكن مجرد قطعة قماش. كان يُستخدم في السفر والعمل والطقوس اليومية، وقد يخفي الوجه دون أن يثير الشك، لأن كثيرين كانوا يلفونه حول الرأس أو الفم لحماية أنفسهم من المطر والريح. لكن حين تُخفي امرأة من طبقة ساموراي وجهها بالتينوغوي، فإن ذلك يحمل معنى آخر: ليس فقط إخفاء الملامح، بل ترك الهوية وراءها مؤقتًا.
أما ملابس السفر، فكانت بسيطة وخفيفة، تُعرف بكونها عملية أكثر من كونها أنيقة. المسافر في اليابان الإيدوية يحمل معه ما يكفي فقط للطريق: حقيبة صغيرة، صندل قشّي، وربما عصا خشبية. السفر نفسه كان طقسًا، انتقالًا من نظام إلى آخر، من اسم إلى احتمال.
قال قائد المركب: “لم تبدُ خائفة. بدت كمن يغادر بإرادته”.
هذه الملاحظة الصغيرة كانت ثقيلة الدلالة. فالمرأة المختطفة عادة تُمسك بها يدٌ قاسية، أو تُجبر على الصعود. أما التي تمشي بخطوات ثابتة، وتنحني قليلًا قبل الصعود إلى القارب، فغالبًا ما تكون قد اتخذت قرارها مسبقًا. في اليابان، يمكن للهدوء أن يكون أقوى من أي إعلان. والوجه الذي لا يظهر عليه الذعر قد يخفي عاصفة حُسمت قبل لحظات.
ثم تلاشى الأثر. كما تتلاشى آثار الأقدام على طريق ترابي بعد هطول المطر. الأنهار في اليابان كانت طرقًا بقدر ما كانت مياهًا، والقوارب تربط القرى والمدن قبل أن تربطها الطرق البرية. من يصعد قاربًا عند الفجر قد يصل إلى مكان لا يعرفه أحد بحلول المساء.
قيل إنهما توجها شمالًا، نحو أراضٍ أقل رقابة، حيث تقلّ أعين السلطة وتزداد مساحات الغموض. الشمال في المخيلة اليابانية كان دائمًا مكانًا للبراري والبرد والابتعاد عن المركز. وقيل إنهما قصدا ناغاساكي — المدينة التي كانت نافذة اليابان الوحيدة على العالم الخارجي. هناك، في ذلك الميناء البعيد، كانت السفن الأجنبية ترسو، وكانت اللغات تختلط، وكانت البضائع القادمة من الصين وهولندا والبرتغال تُعرض في الأسواق. كانت ناغاساكي مكانًا يمكن فيه للمرء أن يسمع أصواتًا غير مألوفة، ويرى وجوهًا لا تنتمي إلى الطبقات المعروفة. ظهرت فيها الكنائس السرية، حيث كان بعض اليابانيين يعتنقون المسيحية في الخفاء رغم الحظر، وتقام الصلوات خلف الأبواب المغلقة. وفي مثل تلك المدينة، يمكن لشخص أن يغيّر اسمه ويبدأ من جديد، كما يبدّل المسافر كيمونو السفر عند عبور الحدود. الاسم في اليابان القديمة كان مرتبطًا بالمكان والطبقة والعائلة، لكن في الموانئ البعيدة يمكن أن يصبح الاسم خفيفًا، مؤقتًا، قابلًا للتبديل.
بحلول الصيف، خفت البحث. ففي المجتمعات التي تقدّس الانسجام، لا تُطارد الفضيحة إلى ما لا نهاية. يُبذل الجهد أولًا، ثم يُترك الصمت ليغطي ما تبقى. باع أوكاموتو أراضيه وعاد إلى مسقط رأسه مثقلًا بالعار. لم يكن البيع مجرد إجراء اقتصادي، بل انسحابًا من مشهد لم يعد يستطيع الوقوف فيه. في ثقافة الساموراي، حين يُصاب الشرف بجرح لا يمكن إصلاحه، يختار البعض العزلة بدل المواجهة.
بعد عامين، احترق مقر الإقامة الخشبي. البيوت اليابانية، المبنية من الخشب والورق، كانت عرضة للنار، والنار في المخيلة اليابانية تحمل معنيين: التطهير، والمحو. لم يعرف أحد إن كان الحريق صاعقة… أم رغبة في محو الذاكرة، كما تُحرق بعض العائلات الوثائق التي تذكّرها بالعار. فالنار، مثل الماء، قادرة على إعادة الأشياء إلى حالة بلا شكل.
ثم صمتت القصة قرنًا كاملًا. وفي اليابان، الصمت لا يعني النسيان دائمًا. أحيانًا يعني أن الحكاية انتقلت من السجلات الرسمية إلى الهمس، ومن الوثائق إلى الذاكرة الشفوية، حيث تبقى، مثل بذرة مدفونة، تنتظر من يعثر عليها بعد زمن طويل
المذكرات داخل الجدار
في عام 1958، أثناء ترميم منزل تقليدي في حي كيو بمدينة كيوتو، عثر العمال على صندوق خشبي “هيبا” مخبأ داخل جدار. كان ذلك زمن ما بعد الحرب، حين بدأت كيوتو تُرمّم بيوتها القديمة التي نجت من القصف، وحين عاد الناس ينقبون في الخشب والجدران بحثًا عن ما بقي من الماضي. في البيوت اليابانية التقليدية، لم تكن الجدران جدرانًا صلبة، بل طبقات من خشب خفيف وورق أرز مشدود، تسمح للضوء بالمرور وللأصوات بالانزلاق. وكان من المعتاد أن تُخفى الأشياء داخل هذه الجدران: رسائل، عملات، تمائم، وأحيانًا ذكريات لا يمكن الاحتفاظ بها علنًا. فالجدار في البيت الياباني ليس مجرد فاصل بين غرفتين، بل مساحة بين الصمت والاعتراف.
كان الصندوق من خشب الهيبا، وهو خشب عطري مقاوم للرطوبة والحشرات، يُستخدم غالبًا لحفظ الأشياء الثمينة. هذا الاختيار لم يكن عشوائيًا؛ فمن يضع شيئًا في صندوق هيبا، يضعه ليبقى طويلًا. كما لو أنه يعلم أن الزمن سيحفظ ما لا تستطيع السجلات حفظه.
كان داخل الصندوق مذكرات متضررة بعلامات ماء، موقعة بحرف واحد: “م”. الماء الذي أصاب الصفحات لم يمحُ الكلمات بالكامل، بل جعل الحبر ينتشر قليلًا، كأن النص نفسه تردّد بين البقاء والاختفاء. في اليابان، يُنظر إلى الورق والحبر كامتداد لليد والروح، والخط ليس مجرد كتابة بل أثر للشخصية. حتى حين تتلاشى الحروف، يبقى في انحناءاتها شيء من صاحبها.
تحدثت الصفحات عن علاقة مبنية على القراءة والحديث والاحترام. لم تكن الكلمات فاضحة أو مباشرة. لم يكن هناك إعلان حب صريح. في الثقافة اليابانية القديمة، كان الحب يُكتب عبر الإيحاء، عبر ذكر لحظة مشتركة، أو قصيدة قصيرة، أو وصف للمطر. عن باشو. عن الحرية. عن خوف دائم من انكشاف الأمر. كانت الكلمات هادئة، لكنها تحمل توترًا يشبه صوت الريح في غابة خيزران — ذلك الصوت الذي لا يكون صاخبًا، لكنه لا يتوقف.
كانت تكتب عن لحظات قراءة مشتركة، عن نقاش حول بيت شعر، عن صمت طويل بعد قصيدة. في تلك الصفحات، لم يظهر الخادم كخادم، بل كشخص يجلس في نفس مستوى النظر، يتحدث ويستمع. في عالم تحكمه الطبقات، كانت تلك المساواة اللحظية في القراءة أشبه بخرق صغير في جدار كبير.
التدوينة الأخيرة تحدثت عن خطة للهروب عبر القارب النهري إلى ناغاساكي. كُتبت الكلمات بحذر، كما لو أن الكاتبة تعرف أن الورق قد يُكتشف يومًا ما. لم تذكر الأسماء كاملة. اكتفت بحروف. لكن النية كانت واضحة: المغادرة. التحول. ترك الاسم وراءها.
فجأة، أصبحت قصة “الاختطاف” أقل يقينًا. بل ربما كانت قصة هروب. أو حب. أو محاولة للعيش خارج الاسم والطبقة. في اليابان الإيدوية، كان الخروج من الطبقة الاجتماعية أشبه بالخروج من الجلد نفسه. لكن بعض الناس كانوا يحاولون، حتى لو بثمن الاختفاء.
⸻
آثار حياة جديدة
في عام 1964، اكتشف باحثون في أرشيفات ناغاساكي سجلاً لزواج بين امرأة باسم “ماري” ورجل باسم “كيني”. كان الأرشيف في كنيسة قديمة، حيث احتُفظ بسجلات سرية تعود إلى زمن كانت فيه بعض الممارسات الدينية ممنوعة. ووصفت مذكرات كنيسة خفية امرأة بلباقة ساموراي وزوجًا متوترًا يحرس المدخل دائمًا، كمن لا يصدق أنه صار داخل الحياة لا خارجها. هذا الوصف وحده كان كافيًا لربط الحكاية القديمة بتلك الأسماء الجديدة.
تشير السجلات إلى أن “كيني” عمل نجارًا. في الثقافة اليابانية، النجار ليس مجرد حرفي، بل صانع بيوت وأضرحة ومعابد. النجار هو من يبني الإطار الذي تعيش فيه الحياة اليومية، وهو من يركّب الأعمدة الخشبية التي تحمل السقف، ومن يوازن بين القوة والمرونة. كان العمل في النجارة أيضًا عملًا شريفًا ومستقرًا، يسمح للمرء بأن يعيش دون أن يُسأل كثيرًا عن ماضيه.
أن يتحول خادم من طبقة منبوذة إلى نجار في مدينة ميناء، وأن تعيش معه امرأة بلباقة ساموراي تحت اسم جديد، كان يعني أن الاثنين دخلا حياة مختلفة تمامًا. حياة لا تعرفهما فيها العائلات القديمة. حياة يُقاس فيها الإنسان بما يفعله، لا بما وُلد فيه.
ثم، بعد سنوات قليلة، سافرا إلى شنغهاي مع انفتاح اليابان على العالم. كان ذلك زمن وصول السفن الأجنبية وبدء التحولات الكبرى، حين أصبح السفر ممكنًا، والحدود أقل صلابة. الانتقال إلى شنغهاي كان يعني عبورًا نهائيًا: خروجًا من اليابان، ومن الاسم، ومن الماضي الذي لا يمكن إصلاحه.
بعد ذلك، اختفى الأثر. كما تختفي آثار الأقدام على رصيف مبلل بعد مرور وقت قصير. لكن الاختفاء هنا لم يكن نهاية، بل تحولًا إلى حياة لا تُكتب في سجلات اليابان. حياة ربما عُيشت بهدوء، في بيت صغير، بعيدًا عن القصر الذي لم يعد موجودًا، وعن الأسماء التي لم تعد تُذكر
لكن القصص لا تختفي تمامًا في اليابان. إنها تبقى في الأماكن. في الخشب الذي يتشرب الرطوبة والذكريات معًا، في الحصى الذي مرّت عليه أقدام لا تُذكر أسماؤها، وفي الماء الذي يحتفظ بصوت كل شيء انعكس عليه يومًا.
يُقال إن بعض الأراضي تحتفظ بالذكريات، وإن الأرواح التي لم تُذكر أسماؤها تظل تمشي في المساء، خاصة قرب الماء، حيث تنعكس السماء على الأرض، ويصعب التمييز بين ما هو فوق وما هو تحت. في اليابان، لا يُنظر إلى الذاكرة كشيء يسكن العقول فقط، بل كشيء يسكن الأمكنة. فالبيت الذي شهد حزنًا يظل هادئًا بطريقة مختلفة. والنهر الذي حمل سرًا لا يعود نهرًا عاديًا.
طوال القرن العشرين، تحدث سكان المنطقة عن شخصين يمشيان عند الغسق قرب النهر. لم يكن أحد يؤكد أنهما شبحان، ولم يكن أحد ينفي. في اليابان، لا حاجة إلى اليقين حين يتعلق الأمر بالأرواح. يكفي أن يُقال إن الظلّ كان هناك، وأن خطوات خفيفة سُمعت فوق الحصى، وأن امرأة كانت تقف أحيانًا عند حافة الماء كأنها تنظر إلى طريق لم يعد موجودًا.
وقال آخرون إن أرض القصر القديم لا تزهر فيها الساكورا جيدًا. كانت الأشجار تتفتح، نعم، لكن بتردد، كأنها تتذكر شيئًا لم يُحسم. في الثقافة الشعبية اليابانية، يُعتقد أن الأرواح غير المرتاحة قد تؤثر في الطبيعة نفسها، أن الشجرة قد تحمل ذكرى، وأن التربة قد تحفظ وعدًا لم يكتمل. لكن هناك من قال أيضًا إن الساكورا هناك لم تكن ضعيفة، بل كانت تتفتح متأخرة قليلًا، كما لو أنها تنتظر أحدًا.
في ثمانينيات القرن الماضي، حين حاول بعض الباحثين مسح الأرض، قالوا إن تحتها فراغًا قديمًا، ربما بقايا أساس أو قبو. لكن القوانين الصارمة لحماية المواقع الأثرية أوقفت الحفر. ثم غمرت المياه جزءًا من الأرض، وبقي ما تحتها كما هو: غير مرئي، لكن حاضر.
اليوم، وُضعت لوحة صغيرة على ضفة النهر. ليست لوحة كبيرة، بل حجر بسيط، بنقش هادئ: “لذكرى جميع الأرواح التي سعت إلى مصيرها خارج الجدران المرسومة لها”.
لا تحمل أي أسماء. وفي اليابان، غياب الاسم لا يعني غياب الذاكرة. أحيانًا يكون الاسم غير مكتوب احترامًا للصمت. أو لأن القصة لم تعد تخص شخصين فقط، بل كل من حاول يومًا أن يخرج من الدور الذي وُضع له.
يمرّ الزوّار قرب اللوحة دون أن يعرفوا الحكاية كاملة. يرون النهر، والخيزران، والأشجار التي تنحني قليلًا مع الريح. في الربيع، تتفتح الساكورا، وتسقط بتلك الطريقة التي تجعل الناس يتوقفون لثوانٍ دون أن يعرفوا لماذا.
وربما، في مساء ممطر، حين يصبح الهواء أثقل قليلًا، وحين ينعكس ضوء الغروب على الماء مثل ورق قديم، يمكن لمن يقف هناك طويلًا أن يشعر بشيء خفيف: ليس شبحًا، ولا صوتًا واضحًا، بل حضورًا يشبه ذكرى لم يعشها.
في اليابان، يُقال إن بعض الأرواح لا تبقى لأنها لم تجد الراحة، بل لأنها وجدت أخيرًا المكان الذي أرادته. وأن بعض الهاربين لم يختفوا، بل عبروا إلى حياة أخرى لا تحتاج إلى اسم.
لا أحد يعرف على وجه اليقين ماذا حدث لميوكو وكازوهيرو بعد رحيلهما. ربما عاشا حياة بسيطة في مدينة بعيدة، ربما بنيا بيتًا من الخشب الخفيف، ربما قرآ معًا قصائد باشو في أمسيات هادئة، وربما، بعد سنوات طويلة، نسيا الاسم القديم تمامًا.
لكن القصة بقيت. بقيت لا في السجلات الرسمية، بل في الهمس. في دفاتر عُثر عليها بعد زمن. في حكايات تُروى بصوت منخفض. وفي تلك الفكرة اليابانية العميقة: أن الأشياء التي تختفي لا تموت، بل تتغير شكلًا.
فبعض القصص لا تُكتب بالحبر فقط. بل بالمطر، وبالخطوات التي تعبر الجسور عند الفجر، وبالسكوت الذي يتركه شخص خلفه حين يختار طريقًا لا عودة منه.
وفي الربيع، حين تتفتح الساكورا ثم تسقط بهدوء، قد يظن المارّ أن الزهرة ماتت. لكن اليابانيين يعرفون أن السقوط ليس نهاية، بل اكتمال لحظة.
وهكذا، في أرض الرزّ والشمس، حيث يُقاس الزمن بتفتح الزهور وانطفاء المصابيح الورقية، تظل بعض الحكايات حيّة لا لأنها كُتبت، بل لأنها عاشت، ثم اختارت أن تبقى في الهواء، بين المطر، وبين الذاكرة، وفي ظلّ أشجار الساكورا التي تزهر، ولو متأخرة.
#أوزجان_يشار (هاشتاغ)
Ozjan_Yeshar#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
معركة ليتل بيغ هورن: حين يكتب الذهب عقيدة الاستغلال عبر التا
...
-
الأرملة والذئب الأسود: من مجموعة “قصص حول العالم”
-
الإلهام والوحي في الكتابة بين العفاريت والجنّ… وطبائع البشر
-
النمس والخنفساء القاذفة: رؤية ما لا يُرى في فن إدارة المخاطر
-
صواميل العادة: حين يُقدَّس الخطأ وتُروَّض الكارثة
-
ظلال الروح: حين يتحوّل الإنسان إلى مساحةٍ لعدوانه
-
ومضات من حياة فراشة يوركشاير -إيميلي برونتي-
-
تحت السرير وفوق العالم: تشريح صناعة الخوف للسيطرة على الوعي
...
-
شمسٌ لا تنطفئ: كيف يصير الخذلان باباً للنور
-
فن إعادة رسم التاريخ، وسلطة السرد، وإغراء التعاطف
-
لقاء من الدهشة مع من يشبهنا
-
ومضات من حياة كارِل تشابِك: سيرة الكلمة في زمن الآلة وما تبق
...
-
صوفيا بارغيري: الطفلة الإيطالية التي عادت إلى ملوك مصر القدي
...
-
كرة القدم: الوحش الذي أردنا ترويضه… فأطعمناه غضبنا وخيباتنا
-
العقل الذي سبق الرصاصة: إيفاريست غالوا، أو كيف تموت الفكرة ق
...
-
الحياة كفعل مقاومة: روث كيئيليكولاني، أميرة هاواي التي رفضت
...
-
عُمَر بن سعيد: سيرةُ عالمٍ مسلمٍ كُسِرَت قيوده الجغرافية ولم
...
-
نحو حلف إستراتيجي إقليمي: خياراتنا، مصيرنا، ومستقبل الشرق ال
...
-
على حافة الزلزال الكبير: هل نحن أمام لحظة كسر النظام الإيران
...
-
سون تزو: كيف أُفرغ علم تجنّب الحرب من معناه؟
المزيد.....
-
خيمة تتحول إلى سينما متنقلة تمنح أطفال غزة متنفسا في رمضان
-
غزة تُربك مهرجان برلين السينمائى.. انقسام حول تبنى المهرجانا
...
-
في اليوم العالمي للغة الأم.. مستقبل العربية بعيون أربع خبراء
...
-
ثورة موسيقية عربية.. ليريا 3 يمنح جيميناي القدرة على التلحين
...
-
بنموسى.. مقرئ سكن ذاكرة المغرب وطرّز القرآن بمزامير الأندلس
...
-
السجادة الحمراء.. استُخدمت لأول مرة قبل حفل جوائز الأوسكار ب
...
-
حكاية مسجد.. -الصفاح- بالأغواط أراده الاستعمار كنيسة وفرضه ا
...
-
بلاغة الحجاج في مرايا السياسة: قراءة في كتاب الدكتور علي الم
...
-
حكاية مسجد.. -الصفاح- بالأغواط أراده الاستعمار كنيسة وفرضه ا
...
-
احتلال فلسطين ووقائع القمع والدمار الذى لحق بغزة فى رواية جد
...
المزيد.....
-
المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين
/ ياسر جابر الجمَّال
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو
...
/ السيد حافظ
-
أحافير شاب يحتضر
/ المستنير الحازمي
-
جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات
/ حسين جداونه
-
نزيف أُسَري
/ عبد الباقي يوسف
-
مرايا المعاني
/ د. خالد زغريت
-
مسرحية : النفساني
/ معتز نادر
-
تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ
/ دلور ميقري
-
ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء
...
/ ياسر جابر الجمَّال
-
دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس
/ السيد حافظ
المزيد.....
|