أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فريد بوكاس - من “صوموا لرؤيته” إلى “صوموا بقرار سيادي”: كيف أُفرغ النص من روحه الجماعية؟














المزيد.....

من “صوموا لرؤيته” إلى “صوموا بقرار سيادي”: كيف أُفرغ النص من روحه الجماعية؟


فريد بوكاس
(Farid Boukas)


الحوار المتمدن-العدد: 8623 - 2026 / 2 / 19 - 08:06
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


ألمانيا: فريد بوكاس ، صحفي باحث و ناشط سياسي

حين قال النبي صلى الله عليه وسلم: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته»، لم يكن يقدّم توجيهًا تقنيًا مرتبطًا بآلية بصرية بدائية، بل كان يؤسّس قاعدة جماعية في العبادة، قوامها الاجتماع، ووحدتها الرؤية المشتركة، لا تفرّد القرار ولا تسييسه. فالخطاب النبوي، كما هو معلوم في أصول الفقه، يُحمل على عموم الأمة ما لم يرد مخصّص، وهو هنا موجّه بصيغة الجمع، لا الفرد، وإلى الأمة، لا إلى سلطة سياسية بعينها.

وقد نبّه ابن تيمية إلى هذا المعنى بوضوح حين أكّد أن العبرة في العبادات الظاهرة هو اجتماع الناس لا تفرّقهم، وأن اختلاف المطالع لا ينبغي أن يتحوّل إلى ذريعة لتمزيق الجماعة، لا سيما إذا ثبتت الرؤية ثبوتًا شرعيًا معتبرًا. بل ذهب في بعض فتاواه إلى أن إعلان الرؤية من بلدٍ ما، إذا شاع وثبت، يلزم سائر المسلمين الأخذ به، لأن المقصود من الصوم ليس الرؤية في ذاتها، بل تحقق دخول الشهر للأمة.

وهذا الفهم ينسجم تمامًا مع ما قرّره الإمام ابن عاشور في تفسيره التحرير والتنوير، حيث شدّد على أن الشريعة الإسلامية شريعة وحدة وانتظام، وأن الأحكام التعبدية ذات البعد الجماعي لا يجوز تفسيرها تفسيرًا يُفضي إلى الفوضى والتشرذم. وعند تفسيره لقوله تعالى:
«واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرّقوا»
يؤكد ابن عاشور أن الجميع هنا ليست لفظًا بلاغيًا، بل تكليف شرعي صريح، وأن أي ممارسة دينية تُنتج الانقسام المتكرّر تُناقض المقصد القرآني، حتى لو استندت إلى تأويل فقهي جزئي.


أما في العصر الحديث، فقد كان يوسف القرضاوي أكثر وضوحًا وجرأة في ربط المسألة بسياقها السياسي المعاصر، حيث صرّح غير مرة بأن الأصل أن يصوم المسلمون جميعًا إذا ثبتت الرؤية في أي بلد إسلامي، لا سيما في عصر الاتصالات الفورية والدقة الفلكية. واعتبر أن التمسك المتعسّف بفكرة “السيادة القُطرية” في العبادات بدعة سياسية لا أصل لها في الفقه، وأنها تفرغ حديث النبي من معناه المقاصدي.

ويذهب القرضاوي إلى أبعد من ذلك حين يعتبر أن توحيد الصيام ليس مسألة شكلية، بل قضية وعي حضاري، لأن الأمة التي تعجز عن الاتفاق على بداية شهر قمري، كيف لها أن تتفق على مشروع نهضوي أو موقف مصيري؟

وعليه، فإن القول بأن على المسلمين أن يصوموا إذا أعلنت دولة ما ثبوت رؤية الهلال ليس قولًا شاذًا ولا خارجًا عن التراث، بل هو قولٌ مؤصّل شرعًا، ومدعوم مقاصديًا، وراجحٌ واقعًا. أما الإصرار على أن “لكل دولة هلالها”، فهو في حقيقته إسقاط سياسي معاصر على نص شرعي بريء، لم يعرفه المسلمون بهذا الشكل في تاريخهم الطويل.

إن الخطر الحقيقي لا يكمن في اختلاف فقهي محتمل، بل في تحويل الخلاف إلى أداة سيطرة، وفي جعل العبادة قرارًا إداريًا، يُعلن بمرسوم، ويُلغى ببيان. وهنا تتحقق نبوءة العلماء حين حذّروا من تديين السياسة بدل تحكيم الدين في السياسة.

فالحديث النبوي لم يقل: صوموا إذا أعلنت وزارتكم، ولم يقل القرآن: واعتصموا بحبل الله ما لم يتعارض مع السيادة الوطنية. لكن ما يحدث اليوم هو إعادة صياغة الدين بلغة الدولة القُطرية، لا بلغة الأمة، وهو أخطر أشكال التحريف، لأنه لا يطعن في النص، بل في روحه ووظيفته الجامعة.

وخلاصة الأمر، أن صيام المسلمين معًا عند ثبوت الرؤية في أي بلد إسلامي هو التجسيد العملي لقوله تعالى: «واعتصموا بحبل الله جميعًا»، وأن الإصرار على التفرّق ليس ورعًا فقهيًا، بل خضوعٌ سياسي مُقنّع بلباس الاجتهاد. ولن تستعيد الأمة وحدتها في الكبير، ما دامت عاجزة عن توحيد نفسها في الصغير.



#فريد_بوكاس (هاشتاغ)       Farid_Boukas#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أيها المغاربة… هذه ليست كارثة طبيعية، هذه مرآتنا
- الدولة حين تُعلِن الكارثة… لحماية أملاك الملك
- المغرب: دولة تنجو وشعب يغرق
- مفاوضات مدريد:الصحراء الغربية بين الحسم الأمريكي وحسابات الج ...
- الحدود على صفيح ساخن: الجزائر تتحرك والمغرب يواجه الطوارئ
- المغرب: فيضانات القصر الكبير… عندما تتحول الملكية التنفيذية ...
- المغرب والجزائر بين القمع والدعاية
- غار جبيلات: المغرب والجزائر وصمت المليارات… واختفاء جلول سلا ...
- المغرب بين السدود والموت: حين يصبح الماء امتيازاً والقرى ضحي ...
- قتل المهربين، حماية الشبكة: فشل استخباراتي منهجي على الحدود ...
- فيضانات المغرب: أرقام تفضح خطاب الإنجازات
- المغرب: السجن المفتوح
- المغرب بين الجرافة والملعب: كيف تُنهب المدينة ويُلهى الشعب
- تصوف البلاط: صناعة القطيع باسم الروح
- التضامن المغاربي والتحولات السياسية في العلاقات الدولية بعد ...
- المغرب والجزائر: من التضامن التحرري إلى النزاع الحدودي
- الهجرة غير النظامية في المغرب من المسؤول؟ عندما يصبح القصر، ...
- من الرباط إلى داكار: مباراة كشفت عُري العدالة الرياضية
- هزيمة المغرب أمام السنغال: فضيحة كروية أم صفقة سياسية مكتملة ...
- المغرب: كرة القدم كأفيون والواقع كجحيم


المزيد.....




- تزامن رمضان 2026 مع الصوم الكبير عند المسيحيين -إشارة جيدة- ...
- أهمية العادات والتقاليد الرمضانية الروحية والاجتماعية
- متحدثة البيت الأبيض تعلق على رفض الفاتيكان الانضمام إلى -مجل ...
- مقترح إيراني لإنشاء مركز مالي مشترك لتسهيل الاستثمارات بين ا ...
- عكرمة صبري: 600 حاجز عسكري تعزل الفلسطينيين عن المسجد الأقصى ...
- الأمم المتحدة: الوضع يتدهور في ليبيا على عدة جبهات.. ويجب إج ...
- الاحتلال يمنع إدخال وجبات الإفطار للصائمين إلى باحات المسجد ...
- رئيس استخبارات حرس الثورة الاسلامية العميد مجيد خادمي: 10 أج ...
- رئيس استخبارات حرس الثورة الاسلامية : الوحدة 8200 الإسرائيلي ...
- تزامن رمضان 2026 مع الصوم الكبير عند المسيحين -إشارة جيدة-


المزيد.....

- رسالة السلوان لمواطن سعودي مجهول (من وحي رسالة الغفران لأبي ... / سامي الذيب
- الفقه الوعظى : الكتاب كاملا / أحمد صبحى منصور
- نشوء الظاهرة الإسلاموية / فارس إيغو
- كتاب تقويم نقدي للفكر الجمهوري في السودان / تاج السر عثمان
- القرآن عمل جماعي مِن كلام العرب ... وجذوره في تراث الشرق الق ... / مُؤْمِن عقلاني حر مستقل
- علي قتل فاطمة الزهراء , جريمة في يترب / حسين العراقي
- المثقف العربي بين النظام و بنية النظام / أحمد التاوتي
- السلطة والاستغلال السياسى للدين / سعيد العليمى
- نشأة الديانات الابراهيمية -قراءة عقلانية / د. لبيب سلطان
- شهداء الحرف والكلمة في الإسلام / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فريد بوكاس - من “صوموا لرؤيته” إلى “صوموا بقرار سيادي”: كيف أُفرغ النص من روحه الجماعية؟