أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فريد بوكاس - تصوف البلاط: صناعة القطيع باسم الروح














المزيد.....

تصوف البلاط: صناعة القطيع باسم الروح


فريد بوكاس
(Farid Boukas)


الحوار المتمدن-العدد: 8598 - 2026 / 1 / 25 - 04:22
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ألمانيا : فريد بوكاس، صحفي باحث و ناشط سياسي

لا يمكن فهم طبيعة الاستبداد في العالم العربي بمعزل عن الدين، ليس بوصفه عقيدة روحية أو منظومة أخلاقية، بل بوصفه أداة حكم. فالأزمة العميقة التي تعيشها المنطقة ليست ناتجة عن غياب الدين، كما يروّج الخطاب الرسمي، بل على العكس تمامًا: هي ناتجة عن احتكار الدين وتسييسه وتحويله إلى آلية ضبط اجتماعي تُدار من أعلى، وتُفرغ من محتواه القيمي.

لقد أدركت الأنظمة العربية مبكرًا أن القمع الأمني وحده غير كافٍ لضمان الاستقرار طويل الأمد. السجون قد تُرهب، لكنها لا تُقنع. القوة قد تُخضع الجسد، لكنها لا تُسيطر على العقل. ومن هنا نشأت الحاجة إلى ما يمكن تسميته بـالاستبداد الناعم: منظومة متكاملة تجمع بين التخويف، والتخدير، وإنتاج سردية دينية تشرعن الواقع القائم وتُقدّمه باعتباره قدرًا إلهيًا لا يُناقش.

الإسلام السياسي: عدو مُفصَّل حسب الطلب

في هذا السياق، جرى توظيف جماعات الإسلام السياسي، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين، كأداة سياسية مرنة. فهذه الجماعات لا تُعامل بوصفها خصمًا مبدئيًا، بل بوصفها وظيفة سياسية. حين تحتاج السلطة إلى تخويف الداخل وكسب دعم الخارج، تُضخَّم الجماعة وتُربط بالإرهاب والفوضى والانهيار. وحين تقتضي المصلحة، يتم فتح قنوات التواصل معها أو توظيفها بشكل غير مباشر لإعادة ضبط التوازنات.

هذا الاستخدام الانتهازي يكشف أن الصراع ليس بين “دولة مدنية” و“مشروع ديني”، بل بين سلطة تسعى للاحتكار الكامل للمجال العام، وأي فاعل قد ينافسها على الشرعية. الدين هنا ليس موضوع الصراع، بل أداته.

من القمع إلى التخدير: نموذج الإسلام المُدار

إذا كان نموذج المواجهة مع الإسلام السياسي قائمًا على التخويف، فإن نموذج “الإسلام الوسطي” قائم على التخدير. ويبرز النموذج المغربي بوصفه حالة نموذجية في هذا السياق. فبدل الصدام المفتوح، يتم إنتاج نسخة رسمية من التدين، تُدار من قبل الدولة، وتُموَّل من المال العام، وتُقدَّم باعتبارها الضامن للاستقرار.

يتم ضخ مليارات الدراهم سنويًا في الزوايا الصوفية، وترميم الأضرحة، وتوسيع الشبكات الروحية المرتبطة بالسلطة. هذه المؤسسات لا تعمل خارج السياسة، بل في صميمها، إذ تؤدي وظيفة واضحة: تحييد الفئات الفقيرة والمهمشة سياسيًا، عبر خطاب يجرّم الاحتجاج، ويمجّد الصبر، ويُفرغ مفاهيم العدل والمحاسبة من مضمونها.

التصوف، في هذا السياق، لا يُقدَّم بوصفه تجربة روحية فردية، بل بوصفه أيديولوجيا طاعة جماعية. الزوايا تتحول إلى فضاءات لإعادة إنتاج الخضوع، وشيوخها إلى وسطاء بين السلطة والمجتمع، يتلقون الامتيازات مقابل ضبط القواعد الشعبية.

اقتصاد الزوايا: المال العام كأداة ولاء

لا يمكن فصل هذا النموذج عن البعد الاقتصادي. فالتمويل الضخم للزوايا والأضرحة ليس خيارًا ثقافيًا بريئًا، بل استثمار سياسي محسوب. كل درهم يُنفق في هذا المجال هو جزء من منظومة شراء الولاءات، وتوجيه الوعي، وإفراغ المجال الاجتماعي من أي ديناميكية احتجاجية.
المفارقة الصارخة أن هذه الأموال تُنفق في وقت تعاني فيه قطاعات حيوية من الانهيار: صحة هشة، تعليم متدهور، بطالة متفشية، وفوارق اجتماعية صارخة. لكن منطق السلطة واضح: المواطن المتعلم والمتمتع بحقوقه خطر محتمل، أما المواطن المُنهك والمخدَّر فهو ضمانة للاستقرار.

الشرعية الدينية ونفاق السلطة

تبلغ هذه المنظومة ذروتها حين تقرن السلطة نفسها بشرعية دينية أو نسب مقدس. هنا لا تعود المسألة سياسية فحسب، بل تتحول إلى تحريم رمزي لأي مساءلة. فمعارضة الحاكم تُقدَّم كخروج عن الدين، ونقد السياسات كتهديد للوحدة الروحية للأمة.
في الوقت ذاته، تُمارس سياسات تتناقض جذريًا مع أي تصور أخلاقي: نهب للثروات، قمع للحريات، إفقار ممنهج، وتواطؤ واضح مع اقتصاد المخدرات الذي ينتشر في الأحياء الفقيرة تحت أعين الدولة. هذا التناقض ليس خللًا عابرًا، بل جزء من استراتيجية كسر المجتمع وإبقائه في حالة إنهاك دائم.

الهوية كحقل صراع سياسي

ولا يكتمل فهم هذه البنية دون التوقف عند مسألة الهوية. فالمغرب الكبير، تاريخيًا وثقافيًا، فضاء أمازيغي قبل أن يكون عربيًا. غير أن السلطة، باسم الدين ووهم “الوحدة”، فرضت تعريبًا قسريًا، ومسحت الذاكرة الجماعية، وأعادت إنتاج علاقة الهيمنة نفسها التي عرفتها المنطقة في مراحل الغزو الأولى.

الهويات هنا لا تُدار بوصفها تنوعًا، بل بوصفها أداة ضبط. أقلية مهيمنة تُعيد تعريف التاريخ، وتحتكر اللغة، وتُعيد إنتاج سلطتها عبر سردية دينية–لغوية تُقصي الأغلبية، ثم تُقدّم هذا الإقصاء باعتباره انسجامًا وطنيًا.

احتكار الإسلام وكذبة التفوق الأخلاقي

تُظهر المقارنة مع العالم الإسلامي الأوسع زيف الادعاءات العربية باحتكار التدين. فالعرب لا يشكلون سوى أقل من ربع مسلمي العالم، ومع ذلك يقدّمون أنفسهم مركز الإسلام الأخلاقي والسياسي. في حين أن نماذج التنمية، وبناء المؤسسات، والحكم الرشيد في العالم الإسلامي ظهرت خارج الفضاء العربي، دون الحاجة إلى تسييس الدين أو تحويله إلى أداة حكم.

خلاصة

المشكلة ليست في الدين، بل في تحويله إلى جهاز أمني ناعم.
ليست في التدين، بل في تجريده من بعده التحرري.
وليست في الهوية، بل في تسليعها لخدمة السلطة.
وما لم يتم تفكيك هذا التحالف البنيوي بين الاستبداد والدين، سيظل العالم العربي عالقًا في حلقة مفرغة: سلطة تُنتج الخضوع، ومجتمع يُعاد تشكيل وعيه ليقبل القهر باعتباره قدرًا إلهيًا، لا خيارًا سياسيًا قابلًا للتغيير.



#فريد_بوكاس (هاشتاغ)       Farid_Boukas#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التضامن المغاربي والتحولات السياسية في العلاقات الدولية بعد ...
- المغرب والجزائر: من التضامن التحرري إلى النزاع الحدودي
- الهجرة غير النظامية في المغرب من المسؤول؟ عندما يصبح القصر، ...
- من الرباط إلى داكار: مباراة كشفت عُري العدالة الرياضية
- هزيمة المغرب أمام السنغال: فضيحة كروية أم صفقة سياسية مكتملة ...
- المغرب: كرة القدم كأفيون والواقع كجحيم
- حين تُشترى الكرامة بهدف: كيف تُستعمل كرة القدم لتخدير المغار ...
- المغرب: أخنوش يرحل والسلطة لا تتغير
- حين تتقاسم الذئاب العالم: كيف تُدار الحروب على حساب الشعوب؟
- مرض الملك وصناعة الخداع السياسي: كيف يُدار المغرب على وقع ال ...
- المغرب: دولة الريع المطلق واستعمار الداخل
- مغرب الملاعب لا مغرب الحقوق: تشريد الأسر وتجاهل المعتقلين ال ...
- أمريكا تفعل… والحكام العرب يتحدثون
- أمريكا وإدارة الإخضاع: فنزويلا كنموذج ورسالة مفتوحة للعالم ا ...
- المغرب : نظام يُراكم الثروة ويُعمّم الفشل
- قصيدة: الحمارُ السادس
- خلف الملاعب اللامعة: المغرب بين القمع وخصخصة الدولة
- المغرب و الكرم المفقود: الدولة تُكرم الزائر وتُهمل المواطن
- الإشادة بالملاعب المغربية: شهادات عابرة للحدود أم محتوى موجه ...
- اتهام بلا تقادم: المغرب ومحاكمة الرأي في زمن الواجهة الحقوقي ...


المزيد.....




- توقعات بعودة وشيكة للإنترنت في إيران بعد أسبوعين من حجبها
- واشنطن تنسق مع إسرائيل لهجوم محتمل وإيران تهدد بضرب القواعد ...
- ترامب يعلن الطوارئ في 10 ولايات مع تقدم عاصفة ثلجية واسعة ال ...
- خطوة بلجيكية لافتة: لا أسلحة إلى إسرائيل عبر أجوائنا
- مئات يحضرون مراسم تأبين أليكس بريتي قتله ضابط حرس الحدود في ...
- عاجل | السفير الكوبي في كولومبيا كارلوس بيدرا للجزيرة: كوبا ...
- بعد سقوط قتيل.. حاكم بمينيابوليس يطالب بسحب قوات الهجرة وترم ...
- دمشق تفكك خلية متورطة في استهداف الأمن والجيش بالساحل
- عاصفة ثلجية تلغي 10 آلاف رحلة جوية بأمريكا
- أكسيوس: نتنياهو منع هرتسوغ من حضور إطلاق -مجلس السلام- بدافو ...


المزيد.....

- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فريد بوكاس - تصوف البلاط: صناعة القطيع باسم الروح