أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فريد بوكاس - حين تُشترى الكرامة بهدف: كيف تُستعمل كرة القدم لتخدير المغاربة؟














المزيد.....

حين تُشترى الكرامة بهدف: كيف تُستعمل كرة القدم لتخدير المغاربة؟


فريد بوكاس
(Farid Boukas)


الحوار المتمدن-العدد: 8589 - 2026 / 1 / 16 - 22:20
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ألمانيا: فريد بوكاس ، صحفي باحث و ناشط سياسي


في المغرب، لا تُدار السياسة فقط عبر القوانين والمؤسسات، بل عبر العاطفة الجماعية. لا تُضبط الشوارع فقط بالعصي والقوانين الزجرية، بل بالأغاني، بالأهداف، وبالرايات التي تُرفع في لحظة انتصار كروي. هنا، تصبح كرة القدم أكثر من رياضة، وأكثر من تسلية شعبية، لتتحول إلى أداة حكم غير معلنة، تُستعمل عند الحاجة لتسكين الغضب، وإعادة ترتيب الأولويات في وعي شعب مُنهك.
ـ حين تتأهل الفرق، تُعلَّق الأسئلة.
ـ حين تُرفع الكؤوس، تُؤجَّل المحاسبة.
ـ وحين يفرح الناس، يُطلب منهم أن ينسوا.

إن مشهد الاحتفال الجماعي في الشوارع لا يمكن فصله عن مشهد آخر أقل ضجيجًا وأكثر قسوة: مشهد بلد يعاني من اختلالات بنيوية عميقة، تُخفى عمدًا خلف واجهة «الاستقرار» و«النجاح الرياضي». فالأضواء التي تُغرق الساحات ليست بريئة، بل تؤدي وظيفة سياسية دقيقة: تحويل أنظار الناس من الأسفل إلى الأعلى، من الأرض إلى الشاشة، من الواقع إلى الوهم.

لقد نجح النظام المغربي، بذكاء محسوب، في الاستثمار في كرة القدم باعتبارها اللغة الوحيدة التي يفهمها الجميع، والفضاء الوحيد الذي يُسمح فيه بالتنفيس الجماعي. فبدل أن يهتف الناس ضد الغلاء، يهتفون باسم اللاعبين. وبدل أن يطالبوا بالعدالة، يطالبون بركلة جزاء. هكذا يُعاد توجيه الغضب، لا حلّه.

في المقابل، يستمر القمع بهدوء. لا يحتاج إلى ضجيج، ولا إلى تبرير. اعتقالات تطال مدونين وصحفيين ونشطاء رأي، محاكمات تُدار بمنطق العقاب لا العدالة، وأحكام تُرسل رسائل واضحة: الكلام مكلف، والصمت أكثر أمانًا. الترحيل التعسفي للمعتقلين بين السجون، كما في حالة سعيدة العلمي، ليس إجراءً إداريًا، بل عقوبة نفسية تهدف إلى كسر الإرادة وعزل الإنسان عن محيطه. لكن من يهتم؟ فالكاميرات مشغولة بتصوير الأهداف لا الزنازين.

هنا يتجلى التناقض الصارخ: بلد يحتفل بالحياة في الملاعب، ويُضيّق الخناق على الحياة في الواقع. بلد يطالب مواطنيه بالحب والانتماء، لكنه يبخل عليهم بالحقوق. الوطنية تُختزل في التشجيع، بينما تُجرَّم حين تتحول إلى نقد.

وفي قلب هذا التناقض، يظهر الانقسام الطبقي بوضوح فاضح. مغرب الواجهة، حيث الطرق معبدة، والملاعب حديثة، والخدمات متوفرة، ومغرب الهامش، حيث العزلة، والبرد، والجوع، وانعدام الأفق. هناك، في القرى الجبلية والمناطق النائية، لا يعني الفوز في مباراة شيئًا لطفل يمشي ساعات ليصل إلى مدرسة بلا تدفئة، ولا لأم تفقد ابنها لأن أقرب مستشفى يبعد عشرات الكيلومترات.

الدولة التي تستطيع تشييد ملاعب بمواصفات عالمية، وتستضيف تظاهرات قارية ودولية، تعجز ـ أو تتعاجز ـ عن فك العزلة عن قرى بأكملها. وهذا ليس فشلًا تقنيًا، بل اختيار سياسي. اختيار يضع الصورة قبل الإنسان، والاستثمار الدعائي قبل الاستثمار الاجتماعي.

أما الحديث عن «البنية التحتية»، فقد تحوّل إلى شعار فارغ. فالبنية التحتية ليست إسفلتًا فقط، بل صحة وتعليم ونقل عمومي وعدالة مجالية. ليست إنارة الشوارع في مراكز المدن، بل إنارة العقول بالمعرفة، وحماية الأجساد بالطب، وصون الكرامة بالحقوق. لكن ما نراه هو بنية تحتية انتقائية، تُبنى حيث توجد المصالح، لا حيث توجد الحاجة.

ثم تأتي المديونية، باعتبارها الآلية الصامتة لنهب المستقبل. ديون تتراكم باسم التنمية، لكن نتائجها لا تظهر إلا في جيوب الفقراء: ارتفاع الأسعار، تقليص الدعم، هشاشة الشغل، وتآكل القدرة الشرائية. المواطن يدفع الثمن مرتين: مرة عبر الضرائب، ومرة عبر تدهور الخدمات. في المقابل، تُحمى الشركات الكبرى، خصوصًا المرتبطة بدوائر السلطة والنفوذ، من الخسارة، وتُفتح لها أبواب الامتيازات والصفقات.

المديونية هنا ليست قدرًا، بل أداة إعادة توزيع عكسي للثروة: من الفقراء إلى الأغنياء، ومن الهامش إلى المركز، ومن المجتمع إلى شبكات المصالح. ومع ذلك، يُطلب من المواطن الصبر، ويُقال له إن «الوضع صعب عالميًا»، بينما تُنفق الملايين على التظاهرات والاحتفالات.
في هذا السياق، تصبح كرة القدم وظيفة سياسية كاملة الأركان. فهي:
• تخلق شعورًا زائفًا بالانتصار الجماعي،
• تُعوض غياب الأفق الاقتصادي بأمل مؤقت،
• وتُعيد إنتاج الشرعية الرمزية للنظام أمام الداخل والخارج.
لكن هذا الوهم لا يمكن أن يدوم. فالجوع لا يُقهر بالأغاني، والبرد لا يُهزم بالأهداف، والظلم لا يُمحى بالكؤوس. قد تصمت الأسئلة مؤقتًا، لكنها لا تموت. وقد يُقمع الغضب، لكنه يتراكم.

إن أخطر ما في هذا المشهد ليس الفقر في حد ذاته، بل تطبيعه. ليس القمع فقط، بل اعتياده. وليس كرة القدم، بل تحويلها إلى بديل عن الوعي. حين يعتاد الناس أن يفرحوا بدل أن يسألوا، وأن يشجعوا بدل أن يُحاسبوا، نكون أمام أزمة عميقة في معنى المواطنة.
المغرب اليوم يقف أمام مفترق طرق:
إما الاستمرار في إدارة الأزمات بالفرجة، أو مواجهة الحقيقة كما هي:
ـ دولة لا يمكن أن تستقر طويلًا على أساس التفاوت والقمع وصناعة الوهم.
ـ فالأضواء تنطفئ دائمًا،
ـ والمدرجات تفرغ،
ـ لكن الواقع يبقى…
ـ عنيدًا، ثقيلًا، وغير قابل للهتاف.



#فريد_بوكاس (هاشتاغ)       Farid_Boukas#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المغرب: أخنوش يرحل والسلطة لا تتغير
- حين تتقاسم الذئاب العالم: كيف تُدار الحروب على حساب الشعوب؟
- مرض الملك وصناعة الخداع السياسي: كيف يُدار المغرب على وقع ال ...
- المغرب: دولة الريع المطلق واستعمار الداخل
- مغرب الملاعب لا مغرب الحقوق: تشريد الأسر وتجاهل المعتقلين ال ...
- أمريكا تفعل… والحكام العرب يتحدثون
- أمريكا وإدارة الإخضاع: فنزويلا كنموذج ورسالة مفتوحة للعالم ا ...
- المغرب : نظام يُراكم الثروة ويُعمّم الفشل
- قصيدة: الحمارُ السادس
- خلف الملاعب اللامعة: المغرب بين القمع وخصخصة الدولة
- المغرب و الكرم المفقود: الدولة تُكرم الزائر وتُهمل المواطن
- الإشادة بالملاعب المغربية: شهادات عابرة للحدود أم محتوى موجه ...
- اتهام بلا تقادم: المغرب ومحاكمة الرأي في زمن الواجهة الحقوقي ...
- بين الفيضانات والملاعب البراقة: المغرب يدفن شعبه في صمت
- المغرب: صرخة الشعب بين الظلم والانكسار
- قصيدة سياسية مغربية : بياعوني أبيعكم
- كأس إفريقيا في المغرب بين الفرجة والمعاناة: الملك المسؤول ال ...
- المغرب: حين تُدار الدولة بمنطق الامتياز… ويُترك المواطن خارج ...
- ملحمة كأس العرب والمواطن المغربي المغلوب
- الهوية العربية بين اللغة والسياسة والدين: قراءة تحليلية في ش ...


المزيد.....




- حشدٌ يمنع ضباطا فيدراليين من اقتحام مطعم بيتزا في مينيسوتا.. ...
- شاهد.. أول مروحية ذاتية القيادة مصممة لتنفيذ مهام خطيرة دون ...
- بعد أنباء عن دور عربي.. ترامب: -أقنعت نفسي- بتأجيل ضرب إيران ...
- زيلينسكي يأمل بحسم اتفاق الضمانات الأمنية مع واشنطن الأسبوع ...
- الرئيس السوري يصدر مرسوما يعلن فيه الكردية -لغة وطنية-
- نائب فرنسي يثير ضجة بعد مقارنته إجراء ضريبيا بمذابح رواندا
- شبكات يتناول مزحة واي فاي بطائرة وخروف إسطنبول ومشادة ترامب ...
- الكرملين يرحب بدعوة عواصم أوروبية لاستئناف الحوار مع روسيا
- دراسة بريطانية تكشف الثمن الخفي لاستخدام الشاشات في سنوات ال ...
- نحو نصف مليون مجند انضموا للجيش الروسي في 2025


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فريد بوكاس - حين تُشترى الكرامة بهدف: كيف تُستعمل كرة القدم لتخدير المغاربة؟