أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فريد بوكاس - مغرب الملاعب لا مغرب الحقوق: تشريد الأسر وتجاهل المعتقلين السياسيين














المزيد.....

مغرب الملاعب لا مغرب الحقوق: تشريد الأسر وتجاهل المعتقلين السياسيين


فريد بوكاس
(Farid Boukas)


الحوار المتمدن-العدد: 8579 - 2026 / 1 / 6 - 18:51
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ألمانيا: فريد بوكاس ، صحفي باحث و ناشط سياسي



في مشهد يعكس اختلال الأولويات وانقلاب القيم، يعيش المغرب اليوم على إيقاع فرجة كروية صاخبة، تُقدَّم باعتبارها عنوان “النجاح” و“التقدم”، بينما تُدفن في الظل مآسٍ اجتماعية وسياسية ثقيلة، لا تجد طريقها إلى الشاشات ولا إلى عناوين الصحف. بلدٌ يُطلب من مواطنيه أن يفرحوا، أن يصفقوا، وأن يتغنّوا بالملاعب والبطولات، في وقت تُهدم فيه البيوت، تُشرَّد فيه الأسر، ويُترك معتقلو الرأي لمصيرهم في صمت مريب.

المغاربة اليوم يُدفعون دفعًا إلى ملاعب كرة القدم، حيث تنتشر فيديوهات التمجيد والتهليل بالبنية التحتية الرياضية “العالمية”، وكأن العشب الأخضر قادر على إخفاء تشققات الواقع. يُقال لهم إن هذه الإنجازات هي دليل على مغرب قوي وصاعد، لكن الحقيقة الصادمة أن هذه المشاريع، مهما بلغت كلفتها، لا تعود بالنفع لا من قريب ولا من بعيد على المواطن البسيط، الذي يزداد فقرًا وهشاشة، ويُدفع خارج مدنه وأحيائه باسم “التأهيل” و“التنمية”.

كرة القدم كأداة إلهاء سياسي

لم تعد كرة القدم مجرد رياضة أو متنفس شعبي، بل تحولت إلى أداة سياسية بامتياز، تُستعمل لتوجيه الوعي الجماعي وصرف الأنظار عن القضايا الحارقة. إنها سياسة الإلهاء المقصودة، أو ما يمكن تسميته دون مواربة: سياسة الخظيرة. حيث يُمنح المواطن ما يكفي من الفرجة والانتصارات الرمزية، مقابل التخلي عن حقه في السؤال والمساءلة.
بينما الجماهير منشغلة بكأس إفريقيا للأمم، وبعدد الأهداف والميداليات، تتحرك الجرافات في صمت. جرافات تهدم البيوت وتشرد ساكنيها بعيدًا عن عدسات الكاميرا. لا تغطية إعلامية، لا نقاش عمومي، فقط صراخ مكتوم لأسر تُلقى في الشارع وكأنها فائض بشري لا مكان له في “المغرب الحديث”.

الجرافات لا تتحرك من فراغ

هذه الجرافات لا تتحرك تلقائيًا، ولا بدافع “المصلحة العامة” كما يُروَّج. إنها تتحرك بتعليمات واضحة، وبمنطق الربح العقاري، في بلد يعرف الجميع فيه أن قطاع العقار ليس قطاعًا عاديًا، بل مجالًا استراتيجيًا تهيمن عليه شبكات مصالح قوية. والجميع يعلم، دون حاجة إلى تذكير، أن الهولدينغ الملكي يُعد المستثمر الأول والأقوى في هذا المجال.
حين يُهدم حيّ شعبي، لا يكون الهدف تحسين حياة ساكنيه، بل إفراغ الأرض، رفع قيمتها، وإدخالها في دورة الربح. المواطن هنا ليس غاية، بل عقبة مؤقتة. يُزال بأقل كلفة سياسية ممكنة، مستفيدين من انشغال الرأي العام بالفرجة الكروية.

صمت الإعلام… وتواطؤ الصورة

الإعلام، الذي يُفترض أن يكون عين المجتمع ولسانه، اختار موقعه بوضوح. كاميرات في الملاعب، تقارير عن “إبهار العالم”، واحتفالات لا تنتهي. في المقابل، صمت مطبق عن الهدم، عن التشريد، عن الاحتجاجات الصغيرة التي تُقمع قبل أن تكبر. وكأن معاناة هؤلاء لا تليق بالصورة التي يُراد تسويقها داخليًا وخارجيًا.
لكن المأساة لا تقف عند حدود السكن فقط، بل تمتد إلى ملف أشد حساسية وخطورة: ملف المعتقلين السياسيين.

معتقلو الرأي: الملف الذي يُراد نسيانه

بينما يُطلب من المغاربة أن يعيشوا نشوة الكرة، يقبع في السجون معتقلون سياسيون، لا لشيء سوى لأنهم قالوا “لا”. ناصر الزفزافي ورفاقه، الذين خرجوا من قلب احتجاج اجتماعي سلمي مطالبين بالكرامة والعدالة، ما زالوا خلف القضبان. المحامي محمد زيان، أحد وجوه الدولة نفسها سابقًا، انتهى به المطاف معتقلًا لأنه تجاوز الخطوط الحمراء غير المكتوبة. المدونة سعيدة العلمي تُترك اليوم في وضع إنساني حرج، مضربة عن الطعام، دون أي تفاعل رسمي يرقى إلى خطورة ما تمر به.
هؤلاء ليسوا أعداء الوطن، بل ضحايا نظام لا يتسامح مع الأصوات الحرة. تجاهلهم ليس نسيانًا، بل سياسة متعمدة: طمس القضايا الحقوقية تحت ضجيج الملاعب، وإقناع الناس بأن الفرح واجب، وأن الكلام ترف خطير.

القمع والإلهاء: وجهان لعملة واحدة

ما يجري في المغرب اليوم ليس سلسلة أحداث معزولة، بل منظومة متكاملة:
قمع في الداخل، إلهاء في الخارج.
سجون تُغلق على الأصوات المزعجة، وملاعب تُفتح على مصراعيها للجماهير.
جرافات تهدم البيوت، وأناشيد وطنية تُرفع لتغطية الضجيج.
إنها معادلة واضحة: كلما زادت الفرجة، قلّ السؤال. كلما علا الهتاف، خفت صوت الاحتجاج. لكن هذه المعادلة، مهما بدت ناجحة على المدى القصير، تحمل في طياتها فشلًا أخلاقيًا عميقًا.

وطن للكاميرات أم وطن للمواطنين؟

السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه اليوم هو: أي مغرب نريد؟ مغرب الواجهات والملاعب، أم مغرب الإنسان والكرامة؟ لا قيمة لأي كأس، ولا لأي بنية تحتية، إذا كان ثمنها تشريد الأسر، وسجن الأحرار، وخنق الأصوات.
كرة القدم ستمر، وكأس إفريقيا ستنتهي، وستنطفئ الأضواء. لكن البيوت المهدومة لن تعود، والسنوات المسروقة من أعمار المعتقلين لن تُعوَّض. أما الظلم، حين يُمرَّر بالصمت والفرجة، فإنه لا يختفي، بل يتراكم.
وفي النهاية، سيبقى السؤال الثقيل معلقًا في وجه الجميع:
ماذا فعلتم بالإنسان، وأنتم مشغولون بالتصفيق؟



#فريد_بوكاس (هاشتاغ)       Farid_Boukas#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أمريكا تفعل… والحكام العرب يتحدثون
- أمريكا وإدارة الإخضاع: فنزويلا كنموذج ورسالة مفتوحة للعالم ا ...
- المغرب : نظام يُراكم الثروة ويُعمّم الفشل
- قصيدة: الحمارُ السادس
- خلف الملاعب اللامعة: المغرب بين القمع وخصخصة الدولة
- المغرب و الكرم المفقود: الدولة تُكرم الزائر وتُهمل المواطن
- الإشادة بالملاعب المغربية: شهادات عابرة للحدود أم محتوى موجه ...
- اتهام بلا تقادم: المغرب ومحاكمة الرأي في زمن الواجهة الحقوقي ...
- بين الفيضانات والملاعب البراقة: المغرب يدفن شعبه في صمت
- المغرب: صرخة الشعب بين الظلم والانكسار
- قصيدة سياسية مغربية : بياعوني أبيعكم
- كأس إفريقيا في المغرب بين الفرجة والمعاناة: الملك المسؤول ال ...
- المغرب: حين تُدار الدولة بمنطق الامتياز… ويُترك المواطن خارج ...
- ملحمة كأس العرب والمواطن المغربي المغلوب
- الهوية العربية بين اللغة والسياسة والدين: قراءة تحليلية في ش ...
- ذهب المغرب… ثروة تُستخرج من تحت الأرض لتدفن فوقها: من يجرؤ ع ...
- تقرير أكاديمي: توظيف خطاب الإرهاب في المغرب سياسياً
- الحكم الذاتي في الصحراء الغربية: مناورة سياسية أم إصلاح حقيق ...
- الحكم الذاتي في الصحراء الغربية بين الشرعية الدولية وموازين ...
- التحول المفاهيمي في مقاربة مجلس الأمن لقضية الصحراء الغربية: ...


المزيد.....




- أمريكية تنتقل للعيش في بلدة إيطالية.. كيف أثر ذلك على صحة اب ...
- شاهد.. ترامب يكشف عن كمية وقيمة النفط التي تسلمتها أمريكا من ...
- اليمن.. المجلس الانتقالي الجنوبي ينفي -إعلان حله- ويؤكد مواص ...
- غرينلاند وأخواتها: ما هي الكيانات الثلاثة التي تشكّل مملكة ا ...
- كيف يمكن للقيادة الإيرانية التعامل مع الاحتجاجات التي تشهدها ...
- ماذا تريد الحكومة السورية في حلب؟
- عاجل | وول ستريت جورنال عن مسؤولين إسرائيليين: عملية جديدة ق ...
- هرمونات الرجل عبر اليوم.. متى يكون أكثر تركيزا أو أكثر توترا ...
- جزيرة القراصنة.. كيف تمكن السلطان سليمان القانوني من فتحها؟ ...
- فرق الإنقاذ تواصل البحث عن عشرات المفقودين تحت أكوام النفايا ...


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فريد بوكاس - مغرب الملاعب لا مغرب الحقوق: تشريد الأسر وتجاهل المعتقلين السياسيين