أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فريد بوكاس - فيضانات المغرب: أرقام تفضح خطاب الإنجازات














المزيد.....

فيضانات المغرب: أرقام تفضح خطاب الإنجازات


فريد بوكاس
(Farid Boukas)


الحوار المتمدن-العدد: 8603 - 2026 / 1 / 30 - 15:18
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ألمانيا: فريد بوكاس ، صحفي باحث و ناشط سياسي

لم تعد الكوارث في المغرب أحداثًا استثنائية، بل صارت نمطًا متكررًا، وسلسلة مترابطة من الفشل البنيوي، تُعرّي زيف الخطاب الرسمي الذي يروّج لبلد «صاعد» و«مستقر» و«رائد في البنيات التحتية». فمن زلزال الحوز، إلى فيضانات آسفي، وصولًا إلى فيضانات الشمال الشرقي، وتحديدًا تطوان والقصر الكبير، تتكشف الحقيقة العارية: الدولة المغربية عاجزة عن حماية مواطنيها، وغير مؤهلة لتدبير الأزمات، بل وأصبحت في حالات كثيرة سببًا مباشرًا في تعميق المأساة.

في القصر الكبير، لم تكن المياه وحدها هي التي أغرقت المدينة، بل أغرقها الإهمال المتراكم، وسوء التخطيط، وغياب الحكامة. حين يصل منسوب ملء سد وادي المخازن إلى 130%، وحين تضطر السلطات إلى فتح النوافذ بشكل استعجالي تفاديًا لانهياره، فإننا لا نكون أمام «كارثة طبيعية»، بل أمام كارثة سياسية وتقنية وإدارية مكتملة الأركان. قرار فتح النوافذ، الذي أُخذ تحت ضغط اللحظة، كلّف آلاف المواطنين الإجلاء القسري، وأغرق أحياء بأكملها، ودمّر أراضي فلاحية، دون سابق إنذار حقيقي، ودون خطط واضحة للحماية أو التعويض.

هذه ليست المرة الأولى، ولن تكون الأخيرة، لأن منطق التدبير لم يتغير: ردّ فعل متأخر، تواصل مرتبك، تحميل المسؤولية للطقس، ثم الصمت.

قبلها، في آسفي، لفظت الفيضانات عشرات الأرواح، وخلفت خسائر بمليارات الدراهم. ضحايا سقطوا لأن البنية التحتية هشة، لأن قنوات الصرف مغشوشة أو غير موجودة، لأن المدينة أُديرت بعقلية الترقيع لا بعقلية الوقاية. ومع ذلك، أُغلِق الملف بسرعة، دُفن الضحايا في الصمت، وغابت المحاسبة، وكأن شيئًا لم يقع.

أما الحوز، فحدّث ولا حرج. بعد شهور طويلة من الزلزال، ما زال آلاف المتضررين يعيشون في الخيام، أو في ظروف لا تليق بالبشر. الوعود تبخرت، واللجان اختفت، والتعويضات لم تصل إلا إلى فئة محدودة، في حين تُركت الأغلبية تواجه مصيرها وحدها. مأساة الحوز ليست فقط مأساة طبيعية، بل فضيحة دولة تخلّت عن مواطنيها، ثم انتقلت إلى تسويق إنجازات رياضية وسياحية، وكأن الخراب لا يعنيها.

وهنا يطرح السؤال الجوهري الذي تحاول السلطة الهروب منه:
أين هي البنية التحتية التي يتفاخر بها الخطاب الرسمي؟
هل البنية التحتية هي ملاعب كرة قدم بملايير الدراهم؟
هل هي ملاعب الغولف التي تستهلك الماء في بلد يعاني الجفاف؟
هل هي ملعب الهوكي الذي دُشّن حديثًا، بينما قرى بأكملها تغرق أو تنهار فوق رؤوس ساكنيها؟
أي معنى لبنية تحتية لا تصمد أمام أمطار موسمية؟
وأي دولة هذه التي تحمي صورتها أكثر مما تحمي مواطنيها؟

ثم أين هو صندوق الكوارث؟ ذلك الصندوق الذي يُستدعى في الخطابات، ويغيب في الواقع. أين هي آلياته؟ أين ذهبت أمواله؟ ولماذا يتحول المتضرر في كل مرة إلى متسول ينتظر صدقة أو إحسانًا، بدل أن يكون صاحب حق مكفول؟
وأين تذهب عائدات الثروات الطبيعية؟
عائدات المناجم التي تُستنزف بلا رحمة؟
عائدات الصيد البحري الذي يُصدَّر بينما الفقراء لا يذوقونه؟
عائدات الفوسفاط، والرخص، والامتيازات؟
الجواب المؤلم واضح، حتى وإن حاول الجميع إنكاره: المغرب ليس بلدًا واحدًا، بل بلدين.

هناك مغرب نافع، تُصب فيه الاستثمارات، وتُفرش له الطرق، وتُبنى له الملاعب، وتُحمى مصالحه بالقانون والقوة. مغرب تستفيد منه أقلية مرتبطة بالسلطة، من منتخبين صوريين، ومقاولين محظوظين، ووسطاء، ولوبيات ريعية.
وفي المقابل، هناك مغرب غير نافع، تسكنه الأغلبية الساحقة، مغرب القرى المنسية، والأحياء الهامشية، والفلاحين الصغار، والعمال، والمهمشين. مغرب يُترك لمصيره، ولا يُستحضر إلا عند الانتخابات، أو عند الحاجة إلى الصبر، أو لتلقي الصدمات.
الكوارث الطبيعية لا تقتل وحدها. الذي يقتل هو الإهمال، والفساد، وغياب العدالة المجالية، وانعدام التخطيط الاستباقي، والأخطر من كل ذلك: غياب المحاسبة. لأن الدولة التي لا تُحاسَب، تكرر أخطاءها، وتحوّل كل كارثة قادمة إلى مجزرة مؤجلة.
وما لم يتم الاعتراف بأن ما يقع ليس «ابتلاءً إلهيًا» ولا «حادثًا عرضيًا»، بل نتيجة خيارات سياسية واقتصادية واضحة، فإن الماء سيعود، والزلزال قد يتكرر، والضحايا سيتضاعفون، لأن الخطر الحقيقي في هذا البلد لم يعد الطبيعة، بل طريقة حكمه.



#فريد_بوكاس (هاشتاغ)       Farid_Boukas#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المغرب: السجن المفتوح
- المغرب بين الجرافة والملعب: كيف تُنهب المدينة ويُلهى الشعب
- تصوف البلاط: صناعة القطيع باسم الروح
- التضامن المغاربي والتحولات السياسية في العلاقات الدولية بعد ...
- المغرب والجزائر: من التضامن التحرري إلى النزاع الحدودي
- الهجرة غير النظامية في المغرب من المسؤول؟ عندما يصبح القصر، ...
- من الرباط إلى داكار: مباراة كشفت عُري العدالة الرياضية
- هزيمة المغرب أمام السنغال: فضيحة كروية أم صفقة سياسية مكتملة ...
- المغرب: كرة القدم كأفيون والواقع كجحيم
- حين تُشترى الكرامة بهدف: كيف تُستعمل كرة القدم لتخدير المغار ...
- المغرب: أخنوش يرحل والسلطة لا تتغير
- حين تتقاسم الذئاب العالم: كيف تُدار الحروب على حساب الشعوب؟
- مرض الملك وصناعة الخداع السياسي: كيف يُدار المغرب على وقع ال ...
- المغرب: دولة الريع المطلق واستعمار الداخل
- مغرب الملاعب لا مغرب الحقوق: تشريد الأسر وتجاهل المعتقلين ال ...
- أمريكا تفعل… والحكام العرب يتحدثون
- أمريكا وإدارة الإخضاع: فنزويلا كنموذج ورسالة مفتوحة للعالم ا ...
- المغرب : نظام يُراكم الثروة ويُعمّم الفشل
- قصيدة: الحمارُ السادس
- خلف الملاعب اللامعة: المغرب بين القمع وخصخصة الدولة


المزيد.....




- كيف أنقذ متسلق أبًا وابنه من سقوط قاتل على أعلى قمة في جبال ...
- القضية الكبرى الأخيرة بمفاوضات أوكرانيا وروسيا.. مراسل CNN ي ...
- لحظة انهيار سقف مبنى في أركنساس بسبب تراكم الثلوج
- ترامب يكشف عن رسالة نقلها لإيران ويهدد بتحرّك عسكري ضدها
- تقرير: مئات المسلحين العراقيين يدخلون الحسكة لدعم الأكراد.. ...
- سوريا تعلن اتفاقًا شاملًا مع -قسد- لوقف إطلاق النار ودمج الق ...
- أب فلسطيني عالق في مصر يشتاق للعودة إلى غزة
- ما الذي نعرفه عن آليات إعادة فتح معبر رفح الحدودي مع غزة؟
- -نَشعرُ أننا خُدعنا-: مقترح تعديل قوانين الهجرة في بريطانيا ...
- فنزويلا تفتح قطاع النفط أمام الشركات الخاصة تحت ضغط أمريكي


المزيد.....

- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فريد بوكاس - فيضانات المغرب: أرقام تفضح خطاب الإنجازات