أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فريد بوكاس - المغرب بين الجرافة والملعب: كيف تُنهب المدينة ويُلهى الشعب















المزيد.....

المغرب بين الجرافة والملعب: كيف تُنهب المدينة ويُلهى الشعب


فريد بوكاس
(Farid Boukas)


الحوار المتمدن-العدد: 8600 - 2026 / 1 / 27 - 18:46
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ألمانيا: فريد بوكاس ، صحفي باحث و ناشط سياس


ما يجري اليوم في المغرب لا يمكن قراءته بمنطق الحدث، ولا اختزاله في قرارات إدارية ظرفية، ولا تفسيره بأخطاء تقنية أو “سوء تدبير”. نحن أمام مسار تاريخي طويل، متماسك في منطقه، أعاد إنتاج نفسه بأشكال مختلفة منذ الحماية الفرنسية إلى اليوم، دون أن يمس جوهره: التحكم في الأرض، في الثروة، وفي الوعي الجماعي.

هدم المنازل في الرباط والدار البيضاء، وما يرافقه من اقتلاع أحياء شعبية كاملة من جذورها، ليس إجراءً عمرانياً بريئًا، بل تعبير مباشر عن من يملك الحق في المدينة ومن يُقصى منها. فالمدينة، كما يؤكد علم الاجتماع الحضري، ليست فضاءً هندسيًا محايدًا، بل انعكاس مباشر لعلاقات القوة داخل المجتمع. من يملك الأرض يملك القرار، ومن يقرر شكل المدينة يقرر من له الحق في البقاء داخلها.

من الاستعمار إلى “الاستقلال المُدار”

حين فرضت فرنسا الحماية على المغرب سنة 1912، لم يكن الهدف بناء دولة حديثة لصالح سكانها، بل إنشاء فضاء اقتصادي تابع يخدم المركز الاستعماري. تمّت مصادرة الأراضي الخصبة، إعادة تنظيم المدن، تركيز الاستثمارات في الموانئ والمحاور الاستراتيجية، وربط البنية التحتية بحاجات التصدير لا بحاجات المجتمع المحلي. المدينة الاستعمارية كانت مدينة مفصولة اجتماعيًا: مركز حديث موجه للأوروبيين والنخب، وهامش مُهمَل للأغلبية.

بعد الاستقلال، لم يتم تفكيك هذه البنية، بل جرى تمديدها داخليًا. تغيرت الوجوه، وبقي المنطق. تشكلت نخبة محلية وُكلت لها مهمة إدارة نفس الاقتصاد، بنفس علاقات التبعية، مع هامش محدود من الاستقلال الشكلي. ما يسميه فرانز فانون “البرجوازية الوطنية” التي لا تنتج اقتصادًا مستقلًا، بل تقتات من الوساطة، والامتيازات، والاحتكار.

الاقتصاد الريعي: حين تتحول الدولة إلى شركة

في هذا السياق، لا يمكن فهم الدور المركزي للهولدينغ الملكي إلا باعتباره العمود الفقري للاقتصاد السياسي المغربي. لسنا أمام فاعل اقتصادي عادي، بل أمام تداخل بنيوي بين السلطة السياسية ورأس المال. الدولة هنا لا تلعب دور الحكم بين الفاعلين، بل تصبح فاعلًا رئيسيًا، يحدد قواعد اللعبة ويشارك فيها في آن واحد.

الأرض، السكن، الموانئ، الطاقة، النقل، الاتصالات… كلها تتحول إلى مجالات تراكم ريعي. السكن لا يُنظر إليه كحق اجتماعي، بل كأصل مالي. الأحياء الشعبية لا تُعتبر فضاءات للعيش، بل “عوائق” أمام الربح. لذلك تُهدم، لا لأنها غير صالحة للسكن، بل لأنها غير مربحة بما يكفي.
هذا ما وصفه ديفيد هارفي بـ**“التراكم عبر نزع الملكية”**: حين يصبح الربح قائمًا على انتزاع ما يملكه الناس أصلًا، لا على توسيع الإنتاج. بيت يُهدَم، حي يُزال، سكان يُدفعون إلى الهامش، ثم تُعاد الأرض نفسها إلى السوق في شكل مشاريع فاخرة، لا مكان فيها لمن كانوا يسكنونها.

الثروة الوطنية ونموذج التبعية

اقتصاديًا، يعيش المغرب تناقضًا صارخًا: وفرة في الموارد، وفقر في السيادة. الفوسفات، باعتباره ثروة استراتيجية، لا يُطرح كسؤال تحكم وطني، بل كعنصر في منظومة عالمية تتحكم فيها شركات وأسواق خارجية. القيمة المضافة الحقيقية لا تُنتج محليًا، بل تُصدَّر مع المادة الخام أو شبه المصنعة.

نفس المنطق يسري على قطاعات السكك الحديدية، الصناعة، والاتصالات. تبدو هذه القطاعات حديثة، لكنها تعمل داخل نموذج تبعي، حيث التكنولوجيا، القرار، والمعرفة تبقى خارجية. هذا ما يسميه سمير أمين “النمو بدون تنمية”: أرقام تتحسن، مشاريع تُنجز، لكن البنية العميقة للتبعية تبقى كما هي.

الفرجة كسياسة: إدارة الغضب لا حله

لكن أي نظام بهذا الحجم من التفاوت لا يمكن أن يستمر بالقهر المباشر فقط. هو يحتاج إلى إدارة الوعي. هنا تتحول الفرجة إلى أداة سياسية مركزية. ليست ترفًا، ولا هامشًا، بل جزءًا من آليات الحكم.
في هذا الإطار، لا يمكن فهم الضجيج الذي رافق مباراة المغرب والسنغال، وقرارات الكاف في مصر، وخطاب “إعادة الكأس للمغرب”، إلا كحلقة ضمن استراتيجية أوسع لتوجيه الانتباه. الحدث الرياضي يُحمَّل بدلالات وطنية مُضخَّمة، ويُحوَّل إلى قضية رأي عام مركزية، بينما تُدفع القضايا الاجتماعية والاقتصادية إلى الهامش.

الغضب مسموح به، بل مُشجَّع، شرط أن يُوجَّه نحو الخارج. مؤسسة رياضية، حكم مباراة، لجنة تنظيم… خصوم رمزيون لا يملكون سلطة على الأرض أو الثروة. هكذا يُفرَّغ الاحتقان دون أن يقترب من جوهر المشكلة.
أما الحديث عن “إعادة الكأس”، فهو نموذج لما يمكن تسميته بالوعد الرمزي التعويضي. وعد غير قابل للتحقق الواقعي، لكنه فعّال نفسيًا. لا يهم إن تحقق أم لا؛ المهم أنه يشتري الوقت، ويملأ الفضاء الإعلامي، ويمنع تشكّل نقاش عمومي حول ما يجري في الواقع: هدم، خصخصة، إعادة هيكلة المدن.

الهيمنة والوعي المُدار

أنطونيو غرامشي يشرح هذا بدقة حين يتحدث عن الهيمنة: ليست السيطرة بالقوة فقط، بل القدرة على جعل رؤية النخبة هي الرؤية السائدة. حين يُقنع المواطن بأن “الوطن” يُختزل في مباراة، وأن “الكرامة” تُقاس بكأس، وأن “العدالة” قرار لجنة، نكون أمام هيمنة ناجحة.
الإعلام يؤدي هنا دورًا حاسمًا، ليس فقط بما يقوله، بل بما لا يقوله. خبر عن هدم حي يُمرَّر بصيغة تقنية باردة، بينما مباراة تتحول إلى ملحمة وطنية. هذا ليس خللًا مهنيًا، بل إعادة ترتيب واعية للأولويات في الوعي الجماعي.

التنمية كواجهة

في المقابل، تُسوَّق التنمية باعتبارها مشهدًا بصريًا: أبراج، حدائق، إنارة، محطات قطار. مشاريع تُصمَّم لتُصوَّر، لا لتُعاش. التنمية هنا تُقاس بعدد الصور، لا بعدد الأسر التي تحسنت شروط عيشها.
المغرب غير المرئي، خارج عدسات الكاميرات، يعيش واقعًا مغايرًا: طرق مهترئة، خدمات عمومية هشة، تعليم بلا أفق، وصحة تُدار بمنطق التقشف. هذا التفاوت ليس صدفة، بل نتيجة مباشرة لاختيار اقتصادي يُراكم في المركز ويُفقِر الهامش.
أزمة نموذج لا أزمة أحداث
نحن إذن لسنا أمام أزمة مباراة، ولا أمام قرارات رياضية مثيرة للجدل، ولا حتى أمام ملفات اجتماعية معزولة. نحن أمام أزمة نموذج كامل:
• نموذج دولة تُدار بمنطق الريع
• اقتصاد تابع في بنيته
• مدينة تُعاد صياغتها ضد ساكنيها
• وفضاء عمومي يُدار بالفرجة بدل النقاش

السؤال الحقيقي الذي يُراد له ألا يُطرح ليس: هل أُعيد الكأس أم لا؟
بل:
من يملك الأرض؟
من يملك الثروة؟
من يقرر شكل المدينة وأولويات “التنمية”؟
وطالما بقي هذا السؤال خارج النقاش العمومي، سيستمر هدم البيوت، وستستمر صناعة الوهم، وسيبقى المغرب يتغير في واجهته… ليبقى ثابتًا في بنيته العميقة.



#فريد_بوكاس (هاشتاغ)       Farid_Boukas#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تصوف البلاط: صناعة القطيع باسم الروح
- التضامن المغاربي والتحولات السياسية في العلاقات الدولية بعد ...
- المغرب والجزائر: من التضامن التحرري إلى النزاع الحدودي
- الهجرة غير النظامية في المغرب من المسؤول؟ عندما يصبح القصر، ...
- من الرباط إلى داكار: مباراة كشفت عُري العدالة الرياضية
- هزيمة المغرب أمام السنغال: فضيحة كروية أم صفقة سياسية مكتملة ...
- المغرب: كرة القدم كأفيون والواقع كجحيم
- حين تُشترى الكرامة بهدف: كيف تُستعمل كرة القدم لتخدير المغار ...
- المغرب: أخنوش يرحل والسلطة لا تتغير
- حين تتقاسم الذئاب العالم: كيف تُدار الحروب على حساب الشعوب؟
- مرض الملك وصناعة الخداع السياسي: كيف يُدار المغرب على وقع ال ...
- المغرب: دولة الريع المطلق واستعمار الداخل
- مغرب الملاعب لا مغرب الحقوق: تشريد الأسر وتجاهل المعتقلين ال ...
- أمريكا تفعل… والحكام العرب يتحدثون
- أمريكا وإدارة الإخضاع: فنزويلا كنموذج ورسالة مفتوحة للعالم ا ...
- المغرب : نظام يُراكم الثروة ويُعمّم الفشل
- قصيدة: الحمارُ السادس
- خلف الملاعب اللامعة: المغرب بين القمع وخصخصة الدولة
- المغرب و الكرم المفقود: الدولة تُكرم الزائر وتُهمل المواطن
- الإشادة بالملاعب المغربية: شهادات عابرة للحدود أم محتوى موجه ...


المزيد.....




- شاهد كيف تدير هذه الروبوتات مطعمًا في الصين؟
- خبراء: عودة جزئية للإنترنت في إيران بعد 20 يومًا من الانقطاع ...
- قوة نارية كثيفة وضربة متعددة الأبعاد.. ماذا تُحضّر واشنطن لإ ...
- لماذا اهتمت الولايات المتحدة بالسيطرة على العديد من الجزر؟
- هل هناك مبالغة في تقدير فوائد فيتامين سي؟
- زيارة ستارمر إلى الصين ستكشف عن رؤيته لمكانة بريطانيا في الع ...
- أخبار اليوم: إسرائيل توقف ساعة حساب زمن اختطاف الرهائن بعد 8 ...
- التنمر المدرسي.. كيف يؤثر على صحة أطفالنا؟
- الولايات المتحدة: سيارات الأجرة ذاتية القيادة… هل هي آمنة؟
- الهند والاتحاد الأوروبي يوقعان اتفاقية تجارة حرة شاملة


المزيد.....

- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فريد بوكاس - المغرب بين الجرافة والملعب: كيف تُنهب المدينة ويُلهى الشعب