أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - اسحق قومي - اِسْتِسْقَاءُ المَطَرِ وَطُقُوسُ اِنْحِسَارِهِ فِي مِيثُيُولُوجْيَا شُعُوبِ الشَّرْقِ الأَدْنَى القَدِيمِ دِرَاسَةٌ مُقَارَنَةٌ فِي الأُصُولِ وَالدَّلَالَاتِ وَالاِسْتِمْرَارِ الثَّقَافِيِّ















المزيد.....



اِسْتِسْقَاءُ المَطَرِ وَطُقُوسُ اِنْحِسَارِهِ فِي مِيثُيُولُوجْيَا شُعُوبِ الشَّرْقِ الأَدْنَى القَدِيمِ دِرَاسَةٌ مُقَارَنَةٌ فِي الأُصُولِ وَالدَّلَالَاتِ وَالاِسْتِمْرَارِ الثَّقَافِيِّ


اسحق قومي
شاعرٌ وأديبٌ وباحثٌ سوري يعيش في ألمانيا.

(Ishak Alkomi)


الحوار المتمدن-العدد: 8622 - 2026 / 2 / 18 - 14:00
المحور: الادب والفن
    


فِهْرِسُ البَحْثِ
الفَصْلُ الأَوَّلُ
الإِطَارُ النَّظَرِيُّ وَالمِيثُيُولُوجِيُّ
مَفْهُومُ المَطَرِ وَالخِصْبِ وَالجَفَافِ فِي فِكْرِ الإِنْسَانِ القَدِيمِ
العَلَاقَةُ بَيْنَ الطَّبِيعَةِ وَالإِلَهَةِ فِي المِيثُيُولُوجْيَا
الطَّقْسُ الدِّينِيُّ وَوَظِيفَتُهُ الاِجْتِمَاعِيَّةُ وَالرَّمْزِيَّةُ
الفَصْلُ الثَّانِي
نَشْأَةُ فِكْرَةِ الاِسْتِسْقَاءِ فِي بِلَادِ مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ
الاِسْتِسْقَاءُ وَآلِهَةُ المَطَرِ وَالعَاصِفَةِ
النُّصُوصُ المِيثُيُولُوجِيَّةُ وَالأَدْعِيَةُ الطَّقْسِيَّةُ
دَوْرُ المَلِكِ وَالكَاهِنِ فِي طَلَبِ المَطَرِ وَضَبْطِ الفَيْضَانِ
الفَصْلُ الثَّالِثُ
الأَرْضُ السُّورِيَّةُ وَمِيثُيُولُوجْيَا المَطَرِ وَالخِصْبِ
سُورِيَا القَدِيمَةُ كَمَجَالٍ مِيثُيُولُوجِيٍّ وَطَقْسِيٍّ
إِلَهُ العَاصِفَةِ وَالخِصْبِ فِي النُّصُوصِ السُّورِيَّةِ
الدَّوْرَةُ المَوْسِمِيَّةُ لِلْمَطَرِ وَطُقُوسُهَا
سُورِيَا كَحَلْقَةِ وَصْلٍ بَيْنَ الرَّافِدَيْنِ وَالأَنْدُولِ وَكَنْعَانَ
الفَصْلُ الرَّابِعُ
طُقُوسُ اِنْحِسَارِ المَطَرِ وَدَفْعِ الفَيْضَانِ
الخَوْفُ مِنْ فَرْطِ النِّعْمَةِ فِي الوُجْدَانِ القَدِيمِ
الأَنْشِيدُ وَالأَدْعِيَةُ وَالقُرْبَانَاتُ
الدَّلَالَةُ الرَّمْزِيَّةُ لِلْمِيَاهِ وَالهَدْمِ وَالتَّجْدِيدِ
الفَصْلُ الخَامِسُ
الاِسْتِسْقَاءُ فِي مِيثُيُولُوجْيَا شُعُوبِ الأَنْدُولِ وَالقَوْقَازِ
الاِسْتِسْقَاءُ عِنْدَ الحِثِّيِّينَ وَآلِهَةِ العَاصِفَةِ
المَطَرُ وَالخِصْبُ فِي المِيثُيُولُوجْيَا الأَرْمَنِيَّةِ
التَّأَثُّرُ وَالتَّبَادُلُ الثَّقَافِيُّ مَعَ الأَرْضِ السُّورِيَّةِ وَبِلَادِ الرَّافِدَيْنِ
الفَصْلُ السَّادِسُ
الاِسْتِسْقَاءُ فِي المِيثُيُولُوجْيَا العَرَبِيَّةِ القَدِيمَةِ
المَطَرُ فِي المُعْتَقَدَاتِ العَرَبِيَّةِ قَبْلَ الإِسْلَامِ
الأَنْوَاءُ وَالأَصْنَامُ وَطُقُوسُ طَلَبِ الغَيْثِ
اِسْتِمْرَارُ الطَّقْسِ وَتَحَوُّلُهُ فِي التَّقَالِيدِ الدِّينِيَّةِ
الفَصْلُ السَّابِعُ
دِرَاسَةٌ مُقَارَنَةٌ شَامِلَةٌ
تَشَابُهُ البِنْيَةِ الأُسْطُورِيَّةِ وَاِخْتِلَافُ التَّعْبِيرِ
مِنَ الاِسْتِسْقَاءِ المِيثُيُولُوجِيِّ إِلَى الطَّقْسِ الشَّعْبِيِّ
اِسْتِمْرَارُ الفِكْرَةِ فِي الوَعْيِ الجَمْعِيِّ
الخَاتِمَةُ
النَّتَائِجُ وَالاِسْتِنْتَاجَاتُ
قَائِمَةُ المَصَادِرِ وَالمَرَاجِعِ


اِسْتِهْلَالٌ مَنْهَجِيٌّ وَتَوْثِيقِيٌّ
فِي كُتُبِي التَّارِيخِيَّةِ السَّابِقَةِ، المَوْسُومَةِ بِـ قَبَائِلُ وَعَشَائِرُ الجَزِيرَةِ السُّورِيَّةِ الصَّادِرِ عَامَ 1982م، وَالقُصُورُ وَالقَصْوَارِنَةُ عَبْرَ التَّارِيخِ الصَّادِرِ عَامَ 1968م، وَالمَسِيحِيُّونَ فِي الجَزِيرَةِ السُّورِيَّةِ الصَّادِرِ عَامَ 1996م، وَالأُغْنِيَةُ فِي الجَزِيرَةِ السُّورِيَّةِ الصَّادِرِ عَامَ 2013م، وَغَيْرِهَا مِنَ الكُتُبِ وَالدِّرَاسَاتِ، لَمْ أَتَطَرَّقْ، فِي الحَقِيقَةِ، إِلَى مَوْضُوعِ الاِسْتِسْقَاءِ وَطُقُوسِ اِنْحِسَارِ الأَمْطَارِ الَّتِي كَانَ يَقُومُ بِهَا أَبْنَاءُ القُرَى.
وَيَعُودُ ذَلِكَ، أَوَّلًا، إِلَى أَنِّي سَمِعْتُ مُنْذُ زَمَنٍ بَعِيدٍ أَنَّ هُنَاكَ مَنْ يَعْمَلُ عَلَى هَذِهِ الفِكْرَةِ، وَلَمْ أُرِدْ أَنْ أُقَلِّدَ أَوْ أَكْتُبَ فِي عَنَاوِينِ يَكْتُبُهَا غَيْرِي دُونَ أَنْ أُضِيفَ إِضَافَةً حَقِيقِيَّةً. وَيَعُودُ ذَلِكَ، ثَانِيًا، إِلَى خُصُوصِيَّةِ البِيئَةِ الجُغْرَافِيَّةِ وَالمُنَاخِيَّةِ لِلْقَصْوَارِنَةِ وَالسُّرْيَانِ فِي الجَزِيرَةِ السُّورِيَّةِ، المُنْحَدِرِينَ أَصْلًا مِنَ القِسْمِ الأَعْلَى مِنَ الجَزِيرَةِ فِي العَهْدِ العُثْمَانِيِّ، حَيْثُ كَانَتِ الأَمْطَارُ وَافِرَةً، بَلْ وَكَانَ تَسَاقُطُ الثُّلُوجِ سَنَوِيًّا أَمْرًا مَعْرُوفًا.
وَلِهَذَا، عِنْدَمَا كُنْتُ أَتَتَبَّعُ الذَّاكِرَةَ القَصْوَارِنِيَّةَ عَبْرَ رِوَايَاتِ الكِبَارِ فِي السِّنِّ، لَمْ يَرِدْ ذِكْرُ الجَفَافِ كَهَاجِسٍ مِحْوَرِيٍّ فِي وُجْدَانِهِمْ. وَكَذَلِكَ الحَالُ عِنْدَ عَشَائِرِنَا السُّرْيَانِيَّةِ الَّتِي تَوَزَّعَتْ جُغْرَافِيًّا مِنْ دِيَارِ بَكْرَ إِلَى جَزِيرَةِ بُوتانَ (ابْنِ عُمَرَ)، وَمَارْدِين، وَالرُّهَا أُورْفَا، وَحَرَّان، حَيْثُ لَمْ يَكُنِ الجَفَافُ مُشَكِّلًا لِوَعْيٍ طَقْسِيٍّ جَمَاعِيٍّ مُمَاثِلٍ لِمَا نَجِدُهُ فِي بِيئَاتٍ أُخْرَى.
إِلَّا أَنَّهُ، وَمُنْذُ أُسْبُوعٍ، دَخَلَ عَلَيَّ عَبْرَ تَطْبِيقِ المَسِنْجَرِ الأَخُ وَالصَّدِيقُ الأُسْتَاذُ عَايِشُ الكَلِيبُ، وَهُوَ مِنْ نَاحِيَةِ تَلِّ تَمْرَ، وَيَشْغَلُ مَنْصِبَ رَئِيسِ دَائِرَةِ المَسَارِحِ وَالمُوسِيقَا فِي مُحَافَظَةِ الحَسَكَةِ، وَيُقِيمُ حَالِيًّا فِي دِمَشْقَ، وَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ يُعِدُّ لِكِتَابَةِ بَحْثٍ حَوْلَ طُقُوسِ المَطَرِ.
فَأَشَرْتُ عَلَيْهِ بِالصَّدِيقِ الكَاتِبِ وَالمُؤَرِّخِ الشَّيْخِ صَالِحِ المَسْلَطِ، فَأَجَابَنِي أَنَّهُ يَعْرِفُهُ جَيِّدًا، وَلَكِنَّهُ يَطْمَحُ أَنْ أُقَدِّمَ لَهُ شَيْئًا جَدِيدًا مِمَّا هُوَ مَوْجُودٌ عِنْدَ أَبْنَاءِ جِلْدَتِي مِنَ السُّرْيَانِ وَالآشُورِيِّينَ. فَوَعَدْتُهُ أَنْ أُفَتِّشَ فِيمَا كَتَبْتُهُ سَابِقًا فِي هَذَا الجَانِبِ، إِلَّا أَنَّنِي وَجَدْتُ أَنَّ مَا كُتِبَ لَا يَرْقَى إِلَى المُسْتَوَى الَّذِي يَلِيقُ بِمِثْلِ هَذَا المَوْضُوعِ.
وَمِنْ هُنَا، عَكَفْتُ عَلَى إِعْدَادِ هَذَا البَحْثِ الأَكَادِيمِيِّ المُتَكَامِلِ، الَّذِي أُقَدِّمُهُ اليَوْمَ لِلأُسْتَاذِ عَايِشِ الكَلِيبِ، وَلِلقَارِئِ العَزِيزِ، مُحَاوِلًا فِيهِ سَدَّ هَذَا الفَرَاغِ المَعْرِفِيِّ، وَمُقَارَبَةَ مَوْضُوعِ الاِسْتِسْقَاءِ وَطُقُوسِ اِنْحِسَارِ المَطَرِ مُقَارَبَةً تَارِيخِيَّةً وَأَنْثْرُوبُولُوجِيَّةً وَمِيثُيُولُوجِيَّةً، تُضِيفُ وَلَا تُكَرِّرُ، وَتُحَلِّلُ وَلَا تَسْتَنْسِخُ.
المُؤَلِّفُ
إِسْحَق قَوْمِي
12/2/2026م
مُقَدِّمَةُ البَحْثِ
يَنْطَلِقُ هَذَا البَحْثُ مِنْ قَنَاعَةٍ فِكْرِيَّةٍ رَاسِخَةٍ لَدَيَّ، وَهِيَ أَنَّ طُقُوسَ الاِسْتِسْقَاءِ وَطُقُوسَ اِنْحِسَارِ المَطَرِ لَا يُمْكِنُ فَهْمُهَا فَهْمًا صَحِيحًا إِذَا مَا حُصِرَتْ فِي إِطَارِهَا الدِّينِيِّ الضَّيِّقِ، بَلْ يَجِبُ النَّظَرُ إِلَيْهَا بِوَصْفِهَا تَعْبِيرًا أَنْثْرُوبُولُوجِيًّا وَفِلْسَفِيًّا عَنْ عِلَاقَةِ الإِنْسَانِ القَدِيمِ بِالعَالَمِ، وَعَنْ مَحَاوَلَتِهِ الدَّائِمَةِ لِفَهْمِ القُوَى الطَّبِيعِيَّةِ وَتَرْوِيضِهَا وَإِدْخَالِهَا ضِمْنَ نِظَامٍ ذِهْنِيٍّ وَرَمْزِيٍّ يُمَكِّنُهُ مِنَ العَيْشِ فِي عَالَمٍ غَيْرِ مُسْتَقِرٍّ.
فَالمَطَرُ، فِي وَعْيِ الإِنْسَانِ القَدِيمِ، لَمْ يَكُنْ ظَاهِرَةً طَبِيعِيَّةً مُحَايِدَةً، بَلْ قُوَّةً فَاعِلَةً تَتَدَخَّلُ فِي مَصِيرِ الجَمَاعَةِ، تَمْنَحُهَا الحَيَاةَ حِينَ تَأْتِي فِي أَوَانِهَا، وَتُهَدِّدُهَا بِالفَنَاءِ حِينَ تَفْرِطُ فِي حُضُورِهَا أَوْ تَنْقَطِعُ. وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ طُقُوسَ طَلَبِ المَطَرِ أَوْ طُقُوسَ وَقْفِهِ لَا تَعْنِي فَقَطْ السَّعْيَ إِلَى التَّأْثِيرِ فِي الطَّبِيعَةِ، بَلْ تَعْنِي، فِي جَوْهَرِهَا، السَّعْيَ إِلَى إِعَادَةِ فَرْضِ النِّظَامِ عَلَى الفَوْضَى، وَإِلَى إِعَادَةِ تَأْسِيسِ التَّوَازُنِ بَيْنَ الإِنْسَانِ وَالعَالَمِ وَالمُقَدَّسِ.
وَأَنَا أَرَى أَنَّ دِرَاسَةَ هَذِهِ الطُّقُوسِ تَكْشِفُ عَنْ مَسْتَوًى عَمِيقٍ مِنَ الفِكْرِ الفِلْسَفِيِّ غَيْرِ المُصَرَّحِ بِهِ فِي المِيثُيُولُوجْيَا القَدِيمَةِ، حَيْثُ يَتَجَسَّدُ سُؤَالُ السَّيْطَرَةِ وَالعَجْزِ، وَسُؤَالُ المَسْؤُولِيَّةِ الجَمَاعِيَّةِ، وَسُؤَالُ العَلَاقَةِ بَيْنَ الفِعْلِ الإِنْسَانِيِّ وَالرِّضَا الإِلَهِيِّ. فَطُقُوسُ الاِسْتِسْقَاءِ لَا تُؤَدَّى فَرْدِيًّا، بَلْ جَمَاعِيًّا، وَهِيَ تَفْتَرِضُ أَنَّ خَلَلَ الطَّبِيعَةِ هُوَ اِنْعِكَاسٌ لِخَلَلٍ أَخْلَاقِيٍّ أَوْ رَمْزِيٍّ دَاخِلَ الجَمَاعَةِ، وَأَنَّ إِصْلَاحَ العَالَمِ يَمُرُّ عَبْرَ إِصْلَاحِ الذَّاتِ الجَمْعِيَّةِ.
وَتَنْبَعُ أَهَمِّيَّةُ هَذَا البَحْثِ مِنْ كَوْنِهِ يَتَخَذُ مِنْ طُقُوسِ الاِسْتِسْقَاءِ مِفْتَاحًا لِفَهْمِ بِنْيَةِ العَقْلِ الأُسْطُورِيِّ لَدَى شُعُوبِ الشَّرْقِ الأَدْنَى القَدِيمِ، لَا بِوَصْفِهَا مَاضِيًا مُنْقَطِعًا، بَلْ بِوَصْفِهَا أُسُسًا فِكْرِيَّةً وَرَمْزِيَّةً سَاهمَتْ فِي تَشْكِيلِ طُرُقِ التَّفْكِيرِ الدِّينِيِّ وَالشَّعْبِيِّ اللَّاحِقِ. فَهَذِهِ الطُّقُوسُ، فِي رَأْيِي، تُمَثِّلُ جِسْرًا بَيْنَ الأُسْطُورَةِ وَالدِّينِ، وَبَيْنَ الخَوْفِ الطَّبِيعِيِّ وَالنِّظَامِ الأَخْلَاقِيِّ.
وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ هَذَا البَحْثَ لَا يَهْدِفُ إِلَى إِعَادَةِ سَرْدِ الأُسْطُورَاتِ أَوْ وَصْفِ الطُّقُوسِ فَقَطْ، بَلْ يَسْعَى إِلَى تَفْكِيكِ مَعَانِيهَا العَمِيقَةِ، وَإِلَى فَهْمِ كَيْفَ حَاوَلَ الإِنْسَانُ، مِنْ خِلَالِهَا، أَنْ يُنْتِجَ مَعْنًى لِلْكَارِثَةِ وَلِلنِّعْمَةِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ، وَكَيْفَ تَحَوَّلَتْ هَذِهِ المُمَارَسَاتُ، مَعَ الزَّمَنِ، إِلَى تَقَالِيدَ رَاسِخَةٍ فِي الوَعْيِ الجَمْعِيِّ.

اسحق قومي

إِشْكَالِيَّةُ البَحْثِ
يَنْطَلِقُ هَذَا البَحْثُ مِنْ إِشْكَالِيَّةٍ مَحْوَرِيَّةٍ تُعَالِجُ السُّؤَالَ الآتِيَ
كَيْفَ تَشَكَّلَتْ فِكْرَةُ الاِسْتِسْقَاءِ فِي المِيثُيُولُوجْيَا الدِّينِيَّةِ لِشُعُوبِ بِلَادِ مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ، وَمَا هِيَ الدَّلَالَاتُ الرَّمْزِيَّةُ وَالطَّقْسِيَّةُ لِاِحْتِفَالِيَّاتِ اِنْحِسَارِ المَطَرِ، وَكَيْفَ عَبَّرَ الإِنْسَانُ القَدِيمُ عَنْ عَلَاقَتِهِ بِالقُوَى الإِلَهِيَّةِ مِنْ خِلَالِ هَذِهِ الطُّقُوسِ؟
وَتَتَفَرَّعُ عَنْ هَذِهِ الإِشْكَالِيَّةِ أَسْئِلَةٌ فَرْعِيَّةٌ، مِنْهَا
مَا هِيَ الجُذُورُ المِيثُيُولُوجِيَّةُ لِفِكْرَةِ طَلَبِ المَطَرِ وَدَفْعِ الجَفَافِ؟
كَيْفَ اِنْتَقَلَتِ الطُّقُوسُ بَيْنَ الشُّعُوبِ المُتَعَاقِبَةِ وَمَا أَوْجُهُ التَّشَابُهِ وَالاِخْتِلَافِ بَيْنَهَا؟
مَا هُوَ البُعْدُ الاِجْتِمَاعِيُّ وَالسِّيَاسِيُّ لِطُقُوسِ الاِسْتِسْقَاءِ وَاِنْحِسَارِ المَطَرِ؟
أَهْدَافُ البَحْثِ
أَهْدُفُ فِي هَذَا البَحْثِ إِلَى
تَتَبُّعِ نَشْأَةِ فِكْرَةِ الاِسْتِسْقَاءِ فِي المِيثُيُولُوجْيَا الرَّافِدَيْنِيَّةِ وَتَحْلِيلِ أُسُسِهَا الفِكْرِيَّةِ
كَشْفِ الدَّلَالَاتِ الرَّمْزِيَّةِ لِطُقُوسِ اِنْحِسَارِ المَطَرِ وَمَعَانِيهَا الدِّينِيَّةِ وَالكَوْنِيَّةِ
مُقَارَنَةِ الطُّقُوسِ بَيْنَ الشُّعُوبِ البَابِلِيَّةِ وَالكَلْدَانِيَّةِ وَالآشُورِيَّةِ وَالآرَامِيَّةِ السُّرْيَانِيَّةِ
إِبْرَازِ دَوْرِ الاِسْتِسْقَاءِ فِي تَشْكِيلِ العَلَاقَةِ بَيْنَ الإِنْسَانِ وَالطَّبِيعَةِ وَالإِلَهَةِ
مَنَاهِجُ البَحْثِ
أَعْتَمِدُ فِي هَذَا البَحْثِ عَلَى مَجْمُوعَةٍ مُتَكَامِلَةٍ مِنَ المَنَاهِجِ العِلْمِيَّةِ، وَلَا أَتَعَامَلُ مَعَهَا بِصُورَةٍ مُنْفَصِلَةٍ، بَلْ أُوَظِّفُهَا بِشَكْلٍ تَدَاخُلِيٍّ حَسَبَ طَبِيعَةِ كُلِّ فَصْلٍ وَمُسْتَوَى التَّحْلِيلِ فِيهِ، وَذَلِكَ عَلَى النَّحْوِ الآتِي:
أَوَّلًا، المَنْهَجُ التَّارِيخِيُّ
أُوَظِّفُ المَنْهَجَ التَّارِيخِيَّ لِتَتَبُّعِ نَشْأَةِ فِكْرَةِ الاِسْتِسْقَاءِ وَتَطَوُّرِ طُقُوسِهَا فِي سِيَاقِهَا الزَّمَنِيِّ وَالحَضَارِيِّ، وَخَاصَّةً فِي الفُصُولِ الَّتِي تَتَنَاوَلُ بِلَادَ مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ وَشُعُوبَ الأَنْدُولِ وَالجَزِيرَةِ العَرَبِيَّةِ. وَأَعْمَلُ مِنْ خِلَالِ هَذَا المَنْهَجِ عَلَى رَبْطِ الطُّقُوسِ بِالظُّرُوفِ الاِقْتِصَادِيَّةِ وَالزِّرَاعِيَّةِ وَالسِّيَاسِيَّةِ، وَبَيَانِ كَيْفَ تَغَيَّرَتْ مَعَ تَغَيُّرِ البِنْيَةِ الاِجْتِمَاعِيَّةِ وَمَفْهُومِ السُّلْطَةِ.
وَيَظْهَرُ هَذَا المَنْهَجُ بِوُضُوحٍ فِي الفُصُولِ المُتَعَلِّقَةِ بِنَشْأَةِ الفِكْرَةِ وَبِدَوْرِ المَلِكِ وَالكَاهِنِ، حَيْثُ لَا أَفْصِلُ الطَّقْسَ عَنْ سِيَاقِهِ التَّارِيخِيِّ، بَلْ أَعُدُّهُ جُزْءًا مِنْ نِظَامِ الحُكْمِ وَإِدَارَةِ الخِصْبِ وَالخَوْفِ الجَمَاعِيِّ.
ثَانِيًا، المَنْهَجُ الوَصْفِيُّ
أَعْتَمِدُ المَنْهَجَ الوَصْفِيَّ فِي تَوْثِيقِ طُقُوسِ الاِسْتِسْقَاءِ وَطُقُوسِ اِنْحِسَارِ المَطَرِ كَمَا وَرَدَتْ فِي النُّصُوصِ المِيثُيُولُوجِيَّةِ وَالأَنْشِيدِ وَالأَدْعِيَةِ وَالرِّوَايَاتِ التُّرَاثِيَّةِ. وَيَكُونُ هَذَا المَنْهَجُ أَسَاسِيًّا فِي الأَقْسَامِ الَّتِي أَعْرِضُ فِيهَا صِيَغَ الطُّقُوسِ، وَأَشْكَالَ القُرْبَانَاتِ، وَطَبِيعَةَ المُشَارَكَةِ الجَمَاعِيَّةِ.
وَأَتَعَمَّدُ أَنْ يَكُونَ الوَصْفُ مُمَهِّدًا لِلتَّحْلِيلِ، لَا غَايَةً فِي ذَاتِهِ، أَيْ أَنِّي أُقَدِّمُ المَادَّةَ الطَّقْسِيَّةَ كَمَا هِيَ، ثُمَّ أَنْتَقِلُ إِلَى تَفْكِيكِ دَلَالَاتِهَا فِي المَرَاحِلِ اللَّاحِقَةِ.
ثَالِثًا، المَنْهَجُ التَّحْلِيلِيُّ الرَّمْزِيُّ
يُعَدُّ هَذَا المَنْهَجُ مِحْوَرِيًّا فِي هَذَا البَحْثِ، إِذْ أُوَظِّفُهُ لِفَهْمِ المَعَانِي العَمِيقَةِ لِلْمَطَرِ وَالجَفَافِ وَالفَيْضَانِ وَاِنْحِسَارِ المِيَاهِ، لَا بِوَصْفِهَا وَقَائِعَ طَبِيعِيَّةً فَقَطْ، بَلْ بِوَصْفِهَا رُمُوزًا كَوْنِيَّةً وَأَخْلَاقِيَّةً. وَمِنْ خِلَالِ هَذَا المَنْهَجِ أُحَلِّلُ صُوَرَ الغَضَبِ الإِلَهِيِّ، وَمَفْهُومَ الرِّضَا، وَعَلَاقَةَ الطَّقْسِ بِفِكْرَةِ التَّطْهِيرِ وَإِعَادَةِ التَّوَازُنِ.
وَيَظْهَرُ هَذَا المَنْهَجُ بِشَكْلٍ خَاصٍّ فِي الفُصُولِ الَّتِي تَتَنَاوَلُ طُقُوسَ اِنْحِسَارِ المَطَرِ، حَيْثُ أُبَيِّنُ أَنَّ وَقْفَ المَطَرِ لَا يَقِلُّ أَهَمِّيَّةً عَنْ طَلَبِهِ، بَلْ يَعْكِسُ وَعْيًا مِيثُيُولُوجِيًّا بِخُطُورَةِ فَرْطِ النِّعْمَةِ.
رَابِعًا، المَنْهَجُ المُقَارِنُ
أَعْتَمِدُ المَنْهَجَ المُقَارِنَ لِبَيَانِ أَوْجُهِ الاِتِّفَاقِ وَالاِخْتِلَافِ بَيْنَ طُقُوسِ الاِسْتِسْقَاءِ عِنْدَ الشُّعُوبِ المَدْرُوسَةِ، مَعَ تَجَنُّبِ المُقَارَنَةِ السَّطْحِيَّةِ الَّتِي تَكْتَفِي بِإِحْصَاءِ التَّشَابُهَاتِ. وَأُرَكِّزُ فِي هَذَا المَنْهَجِ عَلَى المُقَارَنَةِ فِي البِنْيَةِ الرَّمْزِيَّةِ وَفِي وَظِيفَةِ الطَّقْسِ دَاخِلَ المُجْتَمَعِ.
وَيُوَظَّفُ هَذَا المَنْهَجُ فِي الفُصُولِ الَّتِي تَجْمَعُ بَيْنَ مِيثُيُولُوجْيَا بِلَادِ مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ وَالمِيثُيُولُوجْيَا الحِثِّيَّةِ وَالأَرْمَنِيَّةِ وَالعَرَبِيَّةِ، لِكَشْفِ الاِسْتِمْرَارِ الثَّقَافِيِّ وَآَلِيَّاتِ الاِنْتِقَالِ وَالتَّحَوُّلِ.

الفَصْلُ الأَوَّلُ
الإِطَارُ النَّظَرِيُّ وَالمِيثُيُولُوجِيُّ
مَفْهُومُ المَطَرِ وَالخِصْبِ وَالجَفَافِ فِي فِكْرِ الإِنْسَانِ القَدِيمِ
أَنْطَلِقُ فِي هَذَا الفَصْلِ مِنْ مُسَلَّمَةٍ أَسَاسِيَّةٍ مُفَادُهَا أَنَّ المَطَرَ لَمْ يَكُنْ فِي وَعْيِ الإِنْسَانِ القَدِيمِ ظَاهِرَةً طَبِيعِيَّةً بَالِغَةَ البَسَاطَةِ، بَلْ كَانَ قُوَّةً كَوْنِيَّةً مُحَمَّلَةً بِالمَعْنَى، وَمَرْتَبِطَةً اِرْتِبَاطًا وَثِيقًا بِمَفْهُومِ الحَيَاةِ وَالاِسْتِمْرَارِ وَالفَنَاءِ. فَفِي المُجْتَمَعَاتِ الزِّرَاعِيَّةِ الأُولَى، لَمْ يَكُنِ الخِصْبُ مَفْهُومًا مُجَرَّدًا، بَلْ تَجْرِبَةً مَعِيشَةً يَتَوَقَّفُ عَلَيْهَا وُجُودُ الجَمَاعَةِ مِنْ عَدَمِهِ.
وَإِذْ كَانَ المَطَرُ شَرْطًا لِلزِّرَاعَةِ وَلِنُمُوِّ المَحَاصِيلِ، فَإِنَّهُ فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ كَانَ مَصْدَرَ قَلَقٍ وَخَوْفٍ، لِأَنَّ غِيَابَهُ يُنْذِرُ بِالجَفَافِ وَالمَجَاعَةِ، وَفَرْطَهُ يُنْذِرُ بِالفَيْضَانِ وَالهَلَاكِ. وَمِنْ هُنَا، تَشَكَّلَ فِي الفِكْرِ القَدِيمِ تَصَوُّرٌ مُزْدَوِجٌ لِلْمَطَرِ بَوَصْفِهِ نِعْمَةً وَنِقْمَةً فِي آنٍ وَاحِدٍ، وَقُوَّةً تَتَطَلَّبُ الضَّبْطَ وَالاِسْتِرْضَاءَ وَلَا تَقْبَلُ الإِهْمَالَ.
أَمَّا الجَفَافُ، فَلَمْ يُفْهَمْ كَحَدَثٍ مَنَاخِيٍّ فَقَطْ، بَلْ كَعَلَامَةٍ عَلَى اِخْتِلَالِ النِّظَامِ الكَوْنِيِّ، أَوْ دَلِيلٍ عَلَى غَضَبِ القُوَى الإِلَهِيَّةِ، أَوْ نَتِيجَةٍ لِخَلَلٍ أَخْلَاقِيٍّ دَاخِلَ الجَمَاعَةِ. وَهَكَذَا، أَصْبَحَ المَطَرُ وَالخِصْبُ وَالجَفَافُ مَفَاهِيمَ لَا تُفْهَمُ إِلَّا ضِمْنَ شَبَكَةٍ رَمْزِيَّةٍ تَرْبِطُ الطَّبِيعَةَ بِالسُّلُوكِ الإِنْسَانِيِّ وَالإِرَادَةِ الإِلَهِيَّةِ.
العَلَاقَةُ بَيْنَ الطَّبِيعَةِ وَالإِلَهَةِ فِي المِيثُيُولُوجْيَا
أَرَى أَنَّ المِيثُيُولُوجْيَا القَدِيمَةَ لَا تَنْطَلِقُ مِنْ فَصْلٍ بَيْنَ الإِنْسَانِ وَالطَّبِيعَةِ، بَلْ مِنْ رُؤْيَةٍ كَوْنِيَّةٍ تَعْتَبِرُ الطَّبِيعَةَ كَائِنًا حَيًّا مُتَدَخِّلًا فِي مَصِيرِ البَشَرِ، وَتَجْعَلُ مِنَ الإِلَهَةِ تَجْسِيدًا لِقُوَاهَا وَتَقَلُّبَاتِهَا. فَآلِهَةُ المَطَرِ وَالعَاصِفَةِ لَا تُمَثِّلُ ظَوَاهِرَ جَوِّيَّةً فَقَطْ، بَلْ تُجَسِّدُ قُدْرَةَ الخَلْقِ وَالتَّدْمِيرِ، وَتُعَبِّرُ عَنْ فِكْرَةِ السِّيَادَةِ الإِلَهِيَّةِ عَلَى العَالَمِ.
وَفِي هَذَا السِّيَاقِ، تَتَجَلَّى العَلَاقَةُ بَيْنَ الإِنْسَانِ وَالإِلَهَةِ عَلَى أَنَّهَا عَلَاقَةُ تَبَادُلٍ وَتَفَاوُضٍ، لَا عِلَاقَةُ خُضُوعٍ صَامِتٍ فَقَطْ. فَالإِنْسَانُ يُقَدِّمُ القُرْبَانَاتِ وَالأَدْعِيَةَ وَالطُّقُوسَ، وَالإِلَهَةُ تَمْنَحُ المَطَرَ وَالخِصْبَ أَوْ تَمْنَعُهُمَا. وَهَذِهِ العَلَاقَةُ تَفْتَرِضُ أَنَّ العَالَمَ يُدَارُ وَفْقَ نِظَامٍ أَخْلَاقِيٍّ وَرَمْزِيٍّ، وَلَيْسَ وَفْقَ صُدْفَةٍ عَمْيَاءَ.
وَمِنْ هُنَا، تُصْبِحُ المِيثُيُولُوجْيَا لُغَةً لِفَهْمِ الطَّبِيعَةِ، وَوَسِيلَةً لِإِدْخَالِ الظَّوَاهِرِ الطَّبِيعِيَّةِ ضِمْنَ نِظَامٍ مَعْنَوِيٍّ يُمَكِّنُ الإِنْسَانَ مِنَ التَّعَامُلِ مَعَ قَلَقِهِ الوجوديِّ، وَمِنْ تَبْرِيرِ المِحَنِ وَتَوْقُّعِ الخَيْرِ.


الطَّقْسُ الدِّينِيُّ وَوَظِيفَتُهُ الاِجْتِمَاعِيَّةُ وَالرَّمْزِيَّةُ
أَتَعَامَلُ مَعَ الطَّقْسِ الدِّينِيِّ فِي هَذَا البَحْثِ عَلَى أَنَّهُ أَدَاةٌ رَمْزِيَّةٌ لِإِدَارَةِ العَلَاقَةِ بَيْنَ الإِنْسَانِ وَالعَالَمِ وَالمُقَدَّسِ، وَلَا أَرَاهُ فِعْلًا تَعَبُّدِيًّا مَعْزُولًا عَنِ البِنْيَةِ الاِجْتِمَاعِيَّةِ. فَطُقُوسُ الاِسْتِسْقَاءِ، عَلَى سَبِيلِ المِثَالِ، تُؤَدَّى جَمَاعِيًّا، وَتُشْرِكُ فِيهَا الجَمَاعَةُ كُلَّهَا، مِمَّا يَجْعَلُهَا فِعْلًا يُعِيدُ تَأْكِيدَ الهُوِيَّةِ الجَمْعِيَّةِ وَوَحْدَةِ المَصِيرِ.
وَإِلَى جَانِبِ وَظِيفَتِهِ الدِّينِيَّةِ، يُؤَدِّي الطَّقْسُ وَظِيفَةً اِنْضِبَاطِيَّةً وَتَنْظِيمِيَّةً، إِذْ يُحَدِّدُ مَنْ يَتَكَلَّمُ بِاسْمِ الجَمَاعَةِ، وَمَنْ يَقُودُ الدُّعَاءَ، وَمَنْ يَحْقُّ لَهُ أَنْ يَتَدَخَّلَ فِي شُؤُونِ المُقَدَّسِ. وَبِهَذَا، يَتَقَاطَعُ الطَّقْسُ مَعَ السُّلْطَةِ السِّيَاسِيَّةِ وَالدِّينِيَّةِ، وَيُسَاهِمُ فِي تَكْرِيسِ دَوْرِ المَلِكِ أَوْ الكَاهِنِ كَوَسِيطٍ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ.
أَمَّا عَلَى المُسْتَوَى الرَّمْزِيِّ، فَإِنَّ الطَّقْسَ يُحَوِّلُ القَلَقَ مِنَ الجَفَافِ أَوْ الفَيْضَانِ إِلَى فِعْلٍ ذِي مَعْنًى، وَيُقَدِّمُ لِلجَمَاعَةِ إِحْسَاسًا بِأَنَّهَا لَيْسَتْ عَاجِزَةً أَمَامَ قُوَى الطَّبِيعَةِ، بَلْ قَادِرَةٌ عَلَى التَّفَاعُلِ مَعَهَا وَالتَّأْثِيرِ فِيهَا، وَلَوْ عَلَى المُسْتَوَى الرَّمْزِيِّ.
الفَصْلُ الثَّانِي
نَشْأَةُ فِكْرَةِ الاِسْتِسْقَاءِ فِي بِلَادِ مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ
أَنْطَلِقُ فِي هَذَا الفَصْلِ مِنْ فَرْضِيَّةٍ مَرْكِزِيَّةٍ مُفَادُهَا أَنَّ فِكْرَةَ الاِسْتِسْقَاءِ فِي بِلَادِ مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ لَمْ تَنْشَأْ كَاسْتِجَابَةٍ آنِيَّةٍ لِحَالَاتِ الجَفَافِ فَقَطْ، بَلْ تَشَكَّلَتْ فِي سِيَاقٍ حَضَارِيٍّ مُعَقَّدٍ جَعَلَ مِنَ المَاءِ وَالمَطَرِ عُنْصُرَيْنِ مَرْكِزِيَّيْنِ فِي تَصَوُّرِ العَالَمِ وَفِي بِنَاءِ العَلَاقَةِ بَيْنَ الإِنْسَانِ وَالمُقَدَّسِ. فَفِي هَذِهِ البِلَادِ، كَانَ الاِسْتِقْرَارُ البَشَرِيُّ مُرْتَبِطًا اِرْتِبَاطًا عُضْوِيًّا بِتَوَفُّرِ المِيَاهِ وَبِقُدْرَةِ الجَمَاعَةِ عَلَى تَنْظِيمِهَا وَتَوْجِيهِهَا.
وَإِذْ كَانَ نِهْرَا دِجْلَةَ وَالفُرَاتِ يُشَكِّلَانِ مَصْدَرَ الحَيَاةِ، فَإِنَّ المَطَرَ كَانَ يُنْظَرُ إِلَيْهِ عَلَى أَنَّهُ عَامِلٌ تَكْمِيلِيٌّ لَا غِنَى عَنْهُ، خَاصَّةً فِي مَوَاسِمِ الزِّرَاعَةِ وَعِنْدَ تَقَلُّبِ مَنَاسِيبِ الأَنْهَارِ. وَمِنْ هُنَا، تَكَوَّنَ وَعْيٌ مِيثُيُولُوجِيٌّ يَرَى فِي المَطَرِ تَدَخُّلًا إِلَهِيًّا مُبَاشِرًا، وَيَرْبِطُ بَيْنَ اِنْقِطَاعِهِ أَوْ فَرْطِهِ وَبَيْنَ رِضَا الآلِهَةِ أَوْ غَضَبِهَا.
الاِسْتِسْقَاءُ وَآلِهَةُ المَطَرِ وَالعَاصِفَةِ
أَرَى أَنَّ فِكْرَةَ الاِسْتِسْقَاءِ فِي بِلَادِ مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ لَا يُمْكِنُ فَهْمُهَا دُونَ رَبْطِهَا بِتَصَوُّرِ الآلِهَةِ الَّتِي تَحْكُمُ الظَّوَاهِرَ الجَوِّيَّةَ وَتُدِيرُ دَوْرَةَ الخِصْبِ. فَإِلَهُ المَطَرِ وَالعَاصِفَةِ لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ رَبٍّ طَبِيعِيٍّ، بَلْ سُلْطَةً كَوْنِيَّةً تَجْمَعُ بَيْنَ القُدْرَةِ عَلَى الإِخْصَابِ وَالقُدْرَةِ عَلَى التَّدْمِيرِ.
وَفِي هَذَا السِّيَاقِ، تَتَجَلَّى طُقُوسُ الاِسْتِسْقَاءِ عَلَى أَنَّهَا فِعْلُ تَوَاصُلٍ مَعَ هَذِهِ السُّلْطَةِ، لَا فِعْلُ اِسْتِجْدَاءٍ فَقَطْ. فَالإِنْسَانُ لَا يَطْلُبُ المَطَرَ بِوَصْفِهِ حَاجَةً مَادِّيَّةً فَحَسْبُ، بَلْ يَطْلُبُهُ كَإِشَارَةٍ عَلَى عَوْدَةِ التَّوَازُنِ بَيْنَ العَالَمِ الأَرْضِيِّ وَالنِّظَامِ الإِلَهِيِّ. وَمِنْ هُنَا، تَتَضَمَّنُ طُقُوسُ الاِسْتِسْقَاءِ أَعْمَالًا تَطْهِيرِيَّةً وَقُرْبَانِيَّةً تَهْدِفُ إِلَى رَفْعِ المَوَانِعِ الرَّمْزِيَّةِ الَّتِي تَحُولُ دُونَ نُزُولِ الغَيْثِ.
النُّصُوصُ المِيثُيُولُوجِيَّةُ وَالأَدْعِيَةُ الطَّقْسِيَّةُ
أَعْتَمِدُ فِي دِرَاسَتِي لِنَشْأَةِ فِكْرَةِ الاِسْتِسْقَاءِ عَلَى النُّصُوصِ المِيثُيُولُوجِيَّةِ وَالأَدْعِيَةِ الطَّقْسِيَّةِ الَّتِي وَثَّقَتْ هَذِهِ المُـمَارَسَاتِ، وَأَتَعَامَلُ مَعَهَا لَا كَنُصُوصٍ أَدَبِيَّةٍ فَقَطْ، بَلْ كَوَثَائِقَ فِكْرِيَّةٍ تَكْشِفُ عَنْ تَصَوُّرِ الإِنْسَانِ لِذَاتِهِ وَلِمَكَانِهِ فِي العَالَمِ. فَالأَدْعِيَةُ الَّتِي تَطْلُبُ نُزُولَ المَطَرِ تَكْشِفُ عَنْ خِطَابٍ يَجْمَعُ بَيْنَ الاِعْتِرَافِ بِالذَّنْبِ وَبَيْنَ تَوْقُّعِ الرَّحْمَةِ، وَبَيْنَ الخَوْفِ وَالأَمَلِ.
وَتُظْهِرُ هَذِهِ النُّصُوصُ أَنَّ الجَفَافَ كَانَ يُفْهَمُ عَلَى أَنَّهُ حَالَةٌ تَتَطَلَّبُ مُرَاجَعَةً جَمَاعِيَّةً، وَأَنَّ طَلَبَ المَطَرِ لَا يَنْفَصِلُ عَنْ طَلَبِ الغُفْرَانِ وَإِصْلَاحِ العَلَاقَةِ مَعَ الآلِهَةِ. وَبِذَلِكَ، تَتَحَوَّلُ الأَدْعِيَةُ إِلَى وَسِيلَةٍ لِإِعَادَةِ تَشْكِيلِ الوَعْيِ الجَمْعِيِّ فِي أَوْقَاتِ الأَزَمَاتِ.
دَوْرُ المَلِكِ وَالكَاهِنِ فِي طَلَبِ المَطَرِ وَضَبْطِ الفَيْضَانِ
أُبَيِّنُ فِي هَذَا المَقْطَعِ أَنَّ طُقُوسَ الاِسْتِسْقَاءِ لَمْ تَكُنْ فِعْلًا شَعْبِيًّا عَفَوِيًّا فَقَطْ، بَلْ كَانَتْ فِعْلًا مُؤَسَّسِيًّا يَتَقَاطَعُ فِيهِ الدِّينِيُّ مَعَ السِّيَاسِيِّ. فَالمَلِكُ، بَوَصْفِهِ مُمَثِّلَ السُّلْطَةِ الأَرْضِيَّةِ، كَانَ يُعَدُّ مَسْؤُولًا عَنْ ضَمَانِ رِضَا الآلِهَةِ وَعَنْ اِسْتِقْرَارِ النِّظَامِ الكَوْنِيِّ. وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ فَشَلَ المَطَرِ أَوْ فَيْضَانَهُ كَانَ يُفْسَّرُ أَحْيَانًا كَإِشَارَةٍ إِلَى خَلَلٍ فِي أَهْلِيَّةِ الحُكْمِ.
أَمَّا الكَاهِنُ، فَكَانَ يَضْطَلِعُ بِدَوْرِ الوَسِيطِ الطَّقْسِيِّ الَّذِي يُجِيدُ لُغَةَ الدُّعَاءِ وَمَعْرِفَةَ الطُّقُوسِ وَتَوْقِيتِهَا. وَبِتَعَاوُنِ المَلِكِ وَالكَاهِنِ، يَتَشَكَّلُ فِعْلُ الاِسْتِسْقَاءِ كَعَمَلٍ جَمَاعِيٍّ يُعِيدُ تَأْكِيدَ هَيْكَلِيَّةِ المُجْتَمَعِ وَتَرَاتُبِيَّةِ السُّلْطَةِ فِيهِ.
وَبِذَلِكَ، يَتَّضِحُ أَنَّ نَشْأَةَ فِكْرَةِ الاِسْتِسْقَاءِ فِي بِلَادِ مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ لَمْ تَكُنْ مُجَرَّدَ اِسْتِجَابَةٍ بِيئِيَّةٍ، بَلْ بِنْيَةً مِيثُيُولُوجِيَّةً وَسِيَاسِيَّةً مُتَكَامِلَةً، سَنَرَى اِنْعِكَاسَاتِهَا بِوُضُوحٍ أَكْبَرَ عِنْدَ الاِنْتِقَالِ إِلَى الأَرْضِ السُّورِيَّةِ وَغَيْرِهَا مِنَ المَنَاطِقِ.

الفَصْلُ الثَّالِثُ
الأَرْضُ السُّورِيَّةُ وَمِيثُيُولُوجْيَا المَطَرِ وَالخِصْبِ
سُورِيَا القَدِيمَةُ كَمَجَالٍ مِيثُيُولُوجِيٍّ وَطَقْسِيٍّ
أَنْطَلِقُ فِي هَذَا الفَصْلِ مِنْ قَنَاعَةٍ أَسَاسِيَّةٍ مُفَادُهَا أَنَّ الأَرْضَ السُّورِيَّةَ لَا يُمْكِنُ التَّعَامُلُ مَعَهَا كَمُجَرَّدِ اِمْتِدَادٍ جُغْرَافِيٍّ لِبِلَادِ مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ، بَلْ يَجِبُ النَّظَرُ إِلَيْهَا كَمَجَالٍ مِيثُيُولُوجِيٍّ وَطَقْسِيٍّ مُسْتَقِلٍّ، لَهُ خُصُوصِيَّتُهُ وَبِنْيَتُهُ الرَّمْزِيَّةُ، وَفِي الوَقْتِ نَفْسِهِ كَفَضَاءٍ تَفَاعَلَتْ فِيهِ التَّقَالِيدُ الرَّافِدَيْنِيَّةُ وَالأَنْدُولِيَّةُ وَالكَنْعَانِيَّةُ.
فَسُورِيَا القَدِيمَةُ، بِتَنَوُّعِ بِيئَاتِهَا وَتَقَلُّبِ مَنَاخِهَا وَتَوَسُّطِهَا بَيْنَ السُّهُولِ وَالجِبَالِ وَالسَّوَاحِلِ، فَرَضَتْ عَلَى الإِنْسَانِ نَمَطًا خَاصًّا مِنَ العَلَاقَةِ مَعَ المَطَرِ. فَهُوَ لَيْسَ مَصْدَرَ حَيَاةٍ فَقَطْ، بَلْ عُنْصُرٌ مُتَقَلِّبٌ يَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهِ الاِخْتِبَارَ وَالتَّهْدِيدَ. وَمِنْ هُنَا، تَشَكَّلَتْ فِي هَذِهِ الأَرْضِ مِيثُيُولُوجْيَا تَجْعَلُ مِنَ المَطَرِ مَحْوَرًا لِلنِّظَامِ الكَوْنِيِّ وَلِدَوْرَةِ الحَيَاةِ وَالمَوْتِ.
إِلَهُ العَاصِفَةِ وَالخِصْبِ فِي النُّصُوصِ السُّورِيَّةِ
أُبَيِّنُ فِي هَذَا المَقْطَعِ أَنَّ إِلَهَ العَاصِفَةِ وَالخِصْبِ يَحْتَلُّ مَكَانَةً مِحْوَرِيَّةً فِي النُّصُوصِ المِيثُيُولُوجِيَّةِ السُّورِيَّةِ، حَيْثُ يُصَوَّرُ بَوَصْفِهِ سَيِّدَ المَطَرِ وَمُطْلِقَ الصَّوَاعِقِ وَمَانِحَ الخِصْبِ لِلأَرْضِ وَالحَيَاةِ لِلنَّاسِ وَالحَيَوَانِ. وَفِي هَذِهِ النُّصُوصِ، لَا يَظْهَرُ هَذَا الإِلَهُ كَقُوَّةٍ طَبِيعِيَّةٍ صَامِتَةٍ، بَلْ كَشَخْصِيَّةٍ إِلَهِيَّةٍ فَاعِلَةٍ تَدْخُلُ فِي صِرَاعَاتٍ كَوْنِيَّةٍ تُحَدِّدُ مَسَارَ الفُصُولِ وَنِظَامَ الخِصْبِ.
وَأَرَى أَنَّ الصِّرَاعَ بَيْنَ إِلَهِ العَاصِفَةِ وَقُوَى الجَفَافِ أَوْ الفَوْضَى يُجَسِّدُ فِكْرَةً جَوْهَرِيَّةً فِي المِيثُيُولُوجْيَا السُّورِيَّةِ، وَهِيَ أَنَّ الخِصْبَ لَا يُمْنَحُ مَجَّانًا، بَلْ يَأْتِي بَعْدَ صِرَاعٍ وَتَغَلُّبٍ وَإِعَادَةِ تَرْتِيبٍ لِلنِّظَامِ الكَوْنِيِّ. وَبِهَذَا، يَتَحَوَّلُ نُزُولُ المَطَرِ إِلَى اِنْتِصَارٍ رَمْزِيٍّ يُعَادُ تَمْثِيلُهُ فِي الطُّقُوسِ وَالأَنْشِيدِ.
الدَّوْرَةُ المَوْسِمِيَّةُ لِلْمَطَرِ وَطُقُوسُهَا
أُعَالِجُ فِي هَذَا الجُزْءِ فِكْرَةَ الدَّوْرَةِ المَوْسِمِيَّةِ بَوَصْفِهَا أَحَدَ الأُسُسِ النَّظَرِيَّةِ لِمِيثُيُولُوجْيَا المَطَرِ فِي الأَرْضِ السُّورِيَّةِ. فَالمَطَرُ لَا يُفْهَمُ عَلَى أَنَّهُ حَدَثٌ مُنْفَصِلٌ، بَلْ كَحَلْقَةٍ فِي دَوْرَةٍ تُنَظِّمُ الزَّمَنَ وَتُحَدِّدُ مَوَاعِيدَ الزِّرَاعَةِ وَالحَصَادِ وَالطُّقُوسِ.
وَفِي هَذَا السِّيَاقِ، تَأْتِي طُقُوسُ طَلَبِ المَطَرِ وَطُقُوسُ الاِحْتِفَاءِ بِنُزُولِهِ وَطُقُوسُ وَقْفِهِ كَأَجْزَاءٍ مُتَكَامِلَةٍ مِنْ نِظَامٍ طَقْسِيٍّ وَاحِدٍ. فَالإِنْسَانُ السُّورِيُّ القَدِيمُ لَمْ يَكُنْ يَطْلُبُ المَطَرَ فَقَطْ، بَلْ كَانَ يَسْعَى إِلَى تَنْظِيمِ حُضُورِهِ وَإِدْخَالِهِ فِي إِيقَاعٍ يُحَافِظُ عَلَى التَّوَازُنِ بَيْنَ الخِصْبِ وَالخَطَرِ.
سُورِيَا كَحَلْقَةِ وَصْلٍ بَيْنَ الرَّافِدَيْنِ وَالأَنْدُولِ وَكَنْعَانَ
أَخْتِمُ هَذَا الفَصْلَ بِتَأْكِيدِ أَنَّ الأَرْضَ السُّورِيَّةَ تُمَثِّلُ حَلْقَةَ وَصْلٍ مِيثُيُولُوجِيَّةً بَيْنَ عَوَالِمَ ثَقَافِيَّةٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وَأَنَّ دِرَاسَةَ مِيثُيُولُوجْيَا المَطَرِ فِيهَا تَكْشِفُ عَنْ مَسَارَاتِ الاِنْتِقَالِ وَالتَّحَوُّلِ وَالتَّكْيِيفِ. فَهُنَا تَتَقَاطَعُ صُوَرُ إِلَهِ العَاصِفَةِ الرَّافِدَيْنِيِّ مَعَ نُظَرَائِهِ فِي الأَنْدُولِ، وَتَتَجَاوَبُ مَعَ تَصَوُّرَاتِ الخِصْبِ الكَنْعَانِيَّةِ، دُونَ أَنْ تَفْقِدَ خُصُوصِيَّتَهَا المَحَلِّيَّةَ.
وَبِذَلِكَ، تُسَاهِمُ الأَرْضُ السُّورِيَّةُ فِي تَشْكِيلِ جِسْرٍ فِكْرِيٍّ وَطَقْسِيٍّ، لَا يُمَكِّنُنَا فَقَطْ مِنْ فَهْمِ تَطَوُّرِ فِكْرَةِ الاِسْتِسْقَاءِ، بَلْ يُسَاعِدُنَا أَيْضًا عَلَى فَهْمِ كَيْفِيَّةِ تَشَكُّلِ المِيثُيُولُوجْيَا كَنِتَاجٍ لِلتَّفَاعُلِ بَيْنَ البِيئَةِ وَالتَّارِيخِ وَالعَقْلِ الجَمْعِيِّ.
الفَصْلُ الرَّابِعُ
طُقُوسُ اِنْحِسَارِ المَطَرِ وَدَفْعِ الفَيْضَانِ
الخَوْفُ مِنْ فَرْطِ النِّعْمَةِ فِي الوُجْدَانِ القَدِيمِ
أَنْطَلِقُ فِي هَذَا الفَصْلِ مِنْ فِكْرَةٍ جَوْهَرِيَّةٍ أَرَى أَنَّهَا لَمْ تُنَلْ حَظَّهَا الكَافِيَ فِي دِرَاسَاتِ المِيثُيُولُوجْيَا، وَهِيَ أَنَّ الإِنْسَانَ القَدِيمَ لَمْ يَكُنْ يَخَافُ مِنَ الجَفَافِ فَقَطْ، بَلْ كَانَ يَخَافُ أَيْضًا مِنْ فَرْطِ النِّعْمَةِ، أَيْ مِنَ المَطَرِ إِذَا تَجَاوَزَ حُدُودَهُ وَخَرَجَ عَنْ نِظَامِهِ. فَالمَطَرُ، كَمَا هُوَ مَصْدَرُ الحَيَاةِ، قَادِرٌ عَلَى تَحْوِيلِ الخِصْبِ إِلَى دَمَارٍ، وَالنِّعْمَةِ إِلَى نِقْمَةٍ، إِذَا فَقَدَ تَوَازُنَهُ.
وَفِي الوُجْدَانِ القَدِيمِ، لَمْ يُنْظَرْ إِلَى الفَيْضَانِ عَلَى أَنَّهُ حَادِثٌ طَبِيعِيٌّ مَحْضٌ، بَلْ عَلَى أَنَّهُ اِخْتِرَاقٌ لِلنِّظَامِ الكَوْنِيِّ، وَعَلَامَةٌ عَلَى أَنَّ القُوَى الإِلَهِيَّةَ لَمْ تَعُدْ رَاضِيَةً، أَوْ أَنَّ التَّوَازُنَ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ قَدِ اِخْتَلَّ. وَمِنْ هُنَا، تَشَكَّلَ خَوْفٌ مِيثُيُولُوجِيٌّ مُرَكَّبٌ، لَا يَطْلُبُ فِيهِ الإِنْسَانُ المَطَرَ فَقَطْ، بَلْ يَطْلُبُ أَنْ يَتَوَقَّفَ عِنْدَ الحَدِّ الَّذِي يَحْفَظُ الحَيَاةَ وَلَا يُهْلِكُهَا.


الأَنْشِيدُ وَالأَدْعِيَةُ وَالقُرْبَانَاتُ
أُعَالِجُ فِي هَذَا المَقْطَعِ طُقُوسَ اِنْحِسَارِ المَطَرِ بِوَصْفِهَا نَوْعًا خَاصًّا مِنَ الخِطَابِ الطَّقْسِيِّ، يُوَجَّهُ لَا لِطَلَبِ النِّعْمَةِ، بَلْ لِتَقْيِيدِهَا وَضَبْطِهَا. فَالأَنْشِيدُ وَالأَدْعِيَةُ الَّتِي تُتْلَى فِي هَذِهِ السِّيَاقَاتِ لَا تَحْمِلُ نَغْمَةَ الاِسْتِعْطَافِ فَقَطْ، بَلْ نَغْمَةَ التَّوَسُّلِ المُقْتَرِنِ بِالخَوْفِ، وَتَعْكِسُ وَعْيًا حَادًّا بِخُطُورَةِ اِنْفِلَاتِ القُوَى الطَّبِيعِيَّةِ.
وَتَظْهَرُ القُرْبَانَاتُ فِي هَذِهِ الطُّقُوسِ عَلَى أَنَّهَا فِعْلُ اِسْتِرْضَاءٍ وَتَكَفِيرٍ فِي آنٍ وَاحِدٍ، حَيْثُ تُقَدَّمُ لِلآلِهَةِ لِإِعَادَةِ تَوْجِيهِ قُوَّتِهَا، وَلِإِقْنَاعِهَا بِإِعَادَةِ المِيَاهِ إِلَى مَجَارِيهَا الطَّبِيعِيَّةِ. وَأَرَى أَنَّ هَذِهِ الطُّقُوسَ تَكْشِفُ عَنْ فِكْرَةٍ مِيثُيُولُوجِيَّةٍ مِحْوَرِيَّةٍ، وَهِيَ أَنَّ الإِنْسَانَ يَسْتَطِيعُ، مِنْ خِلَالِ الفِعْلِ الرَّمْزِيِّ، أَنْ يُفَاوِضَ حَتَّى القُوَى الأَكْثَرَ عُنْفًا.
الدَّلَالَةُ الرَّمْزِيَّةُ لِلْمِيَاهِ وَالهَدْمِ وَالتَّجْدِيدِ
أُخَصِّصُ هَذَا الجُزْءَ لِتَحْلِيلِ الدَّلَالَاتِ الرَّمْزِيَّةِ لِلْمِيَاهِ فِي سِيَاقِ الفَيْضَانِ وَاِنْحِسَارِهِ، حَيْثُ لَا تَعُودُ المِيَاهُ مَجَرَّدَ عُنْصُرٍ حَيَوِيٍّ، بَلْ تَتَحَوَّلُ إِلَى أَدَاةِ هَدْمٍ وَإِعَادَةِ تَشْكِيلٍ. فَالفَيْضَانُ، فِي كَثِيرٍ مِنَ السَّرْدِيَّاتِ المِيثُيُولُوجِيَّةِ، يُمَثِّلُ عَوْدَةَ الفَوْضَى الأُولَى، أَيْ تَلَاشِي الحُدُودِ بَيْنَ الأَرْضِ وَالمَاءِ، وَبَيْنَ النِّظَامِ وَاللَّانِظَامِ.
وَلَكِنَّ اِنْحِسَارَ المَطَرِ وَعَوْدَةَ المِيَاهِ إِلَى مَجَارِيهَا لَا يُمَثِّلُ نِهَايَةَ الكَارِثَةِ فَقَطْ، بَلْ يُمَثِّلُ لَحْظَةَ تَجْدِيدٍ كَوْنِيٍّ، يُعَادُ فِيهَا تَرْتِيبُ العَالَمِ وَإِعَادَةُ تَأْسِيسِ النِّظَامِ. وَمِنْ هُنَا، أَرَى أَنَّ طُقُوسَ دَفْعِ الفَيْضَانِ وَوَقْفِ المَطَرِ لَا تَقِلُّ أَهَمِّيَّةً عَنْ طُقُوسِ طَلَبِهِ، بَلْ تَشَارِكُهَا فِي الوَظِيفَةِ نَفْسِهَا، وَهِيَ حِفْظُ التَّوَازُنِ بَيْنَ القُوَى الكَوْنِيَّةِ وَحِمَايَةُ الحَيَاةِ الإِنْسَانِيَّةِ.
الفَصْلُ الخَامِسُ
الاِسْتِسْقَاءُ فِي مِيثُيُولُوجْيَا شُعُوبِ الأَنْدُولِ وَالقَوْقَازِ
الاِسْتِسْقَاءُ عِنْدَ الحِثِّيِّينَ وَآلِهَةِ العَاصِفَةِ
أَنْطَلِقُ فِي هَذَا الفَصْلِ مِنْ فِكْرَةٍ أَسَاسِيَّةٍ، وَهِيَ أَنَّ مِيثُيُولُوجْيَا شُعُوبِ الأَنْدُولِ، وَخَاصَّةً الحِثِّيِّينَ، تُمَثِّلُ اِمْتِدَادًا مُهِمًّا وَفِي الوَقْتِ نَفْسِهِ تَحَوُّلًا نَوْعِيًّا فِي فِكْرَةِ الاِسْتِسْقَاءِ وَآلِهَةِ المَطَرِ. فَفِي هَذَا الفَضَاءِ الجُغْرَافِيِّ، يَحْتَلُّ إِلَهُ العَاصِفَةِ مَكَانَةً مِحْوَرِيَّةً بَوَصْفِهِ الضَّامِنَ الأَسَاسَ لِلْخِصْبِ وَلِاسْتِقْرَارِ الحَيَاةِ الزِّرَاعِيَّةِ.
وَلَا يَظْهَرُ إِلَهُ العَاصِفَةِ فِي النُّصُوصِ الحِثِّيَّةِ كَقُوَّةٍ مَحَلِّيَّةٍ مَحْضَةٍ، بَلْ كَسُلْطَةٍ كَوْنِيَّةٍ تَحْكُمُ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ مَعًا، وَتَتَدَخَّلُ فِي شُؤُونِ الحُكْمِ وَالنِّظَامِ السِّيَاسِيِّ. وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ طُقُوسَ الاِسْتِسْقَاءِ لَا تَنْفَصِلُ عَنِ الطَّقْسِ الرَّسْمِيِّ وَعَنِ مَشْرُوعِيَّةِ السُّلْطَةِ المَلَكِيَّةِ، حَيْثُ يُنْظَرُ إِلَى فَشَلِ المَطَرِ عَلَى أَنَّهُ اِخْتِلَالٌ فِي العَلَاقَةِ بَيْنَ الإِلَهِ وَالمَلِكِ.
وَأَرَى أَنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ تَقْتَرِبُ مِنَ النَّمُوذَجِ الرَّافِدَيْنِيِّ، وَلَكِنَّهَا تَحْمِلُ خُصُوصِيَّةً أَنْدُولِيَّةً، إِذْ يُصَوَّرُ إِلَهُ العَاصِفَةِ كَإِلَهٍ مُحَارِبٍ، يُنَازِلُ قُوَى الفَوْضَى وَالجَفَافِ فِي صِرَاعٍ كَوْنِيٍّ يَنْعَكِسُ مُبَاشَرَةً عَلَى نُزُولِ المَطَرِ أَوِ اِنْقِطَاعِهِ.
المَطَرُ وَالخِصْبُ فِي المِيثُيُولُوجْيَا الأَرْمَنِيَّةِ
أُوَاصِلُ فِي هَذَا المَقْطَعِ دِرَاسَةَ فِكْرَةِ الاِسْتِسْقَاءِ فِي سِيَاقٍ قَوْقَازِيٍّ، حَيْثُ تَتَجَلَّى المِيثُيُولُوجْيَا الأَرْمَنِيَّةُ كَنَمُوذَجٍ يَرْبِطُ بَيْنَ المَطَرِ وَالخِصْبِ وَفِكْرَةِ التَّجْدِيدِ الدَّائِمِ لِلْعَالَمِ. فَالمَطَرُ هُنَا لَا يُفْهَمُ فَقَطْ كَاسْتِجَابَةٍ لِطَلَبٍ بَشَرِيٍّ، بَلْ كَجُزْءٍ مِنْ نِظَامٍ كَوْنِيٍّ يَتَجَدَّدُ دَوْرِيًّا.
وَأَرَى أَنَّ المِيثُيُولُوجْيَا الأَرْمَنِيَّةَ تُظْهِرُ تَأَثُّرًا وَاضِحًا بِالتَّقَالِيدِ الأَنْدُولِيَّةِ وَالسُّورِيَّةِ، خَاصَّةً فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِتَصَوُّرِ إِلَهِ العَاصِفَةِ وَدَوْرِهِ فِي ضَمَانِ الخِصْبِ. وَفِي الوَقْتِ نَفْسِهِ، تَحْمِلُ هَذِهِ المِيثُيُولُوجْيَا بُعْدًا جَبَلِيًّا خَاصًّا، يَجْعَلُ مِنَ المَطَرِ عُنْصُرًا حَاسِمًا فِي صِرَاعِ الإِنْسَانِ مَعَ الطَّبِيعَةِ القَاسِيَةِ.
وَهَكَذَا، تَظْهَرُ طُقُوسُ طَلَبِ المَطَرِ فِي السِّيَاقِ الأَرْمَنِيِّ كَفِعْلٍ يَحْمِلُ مَعْنًى جَمَاعِيًّا، يُرَكِّزُ عَلَى دَوْرِ الجَمَاعَةِ فِي اِسْتِمْرَارِ النِّظَامِ الطَّبِيعِيِّ وَفِي تَأْمِينِ الخِصْبِ وَالحَيَاةِ.
التَّأَثُّرُ وَالتَّبَادُلُ الثَّقَافِيُّ مَعَ الأَرْضِ السُّورِيَّةِ وَبِلَادِ الرَّافِدَيْنِ
أَخْتِمُ هَذَا الفَصْلَ بِتَحْلِيلِ مَسْأَلَةِ التَّأَثُّرِ وَالتَّبَادُلِ الثَّقَافِيِّ، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ مِفْتَاحِيَّةٌ لِفَهْمِ تَشَابُهِ طُقُوسِ الاِسْتِسْقَاءِ فِي الأَنْدُولِ وَالقَوْقَازِ مَعَ مَا وَرَدَ فِي الأَرْضِ السُّورِيَّةِ وَبِلَادِ مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ. فَالتَّشَابُهُ فِي صُوَرِ إِلَهِ العَاصِفَةِ، وَفِي بِنْيَةِ الطَّقْسِ، وَفِي رَبْطِ المَطَرِ بِالنِّظَامِ السِّيَاسِيِّ، لَا يُمْكِنُ أَنْ يُفْهَمَ عَلَى أَنَّهُ مُصَادَفَةٌ.
وَأَرَى أَنَّ الأَرْضَ السُّورِيَّةَ قَدْ أَدَّتْ دَوْرَ الوَسِيطِ الثَّقَافِيِّ، حَيْثُ اِنْتَقَلَتِ الرُّمُوزُ وَالطُّقُوسُ وَتَكَيَّفَتْ مَعَ البِيئَاتِ الجَدِيدَةِ، دُونَ أَنْ تَفْقِدَ جَوْهَرَهَا الرَّمْزِيَّ. وَبِهَذَا، يَتَأَكَّدُ أَنَّ دِرَاسَةَ الاِسْتِسْقَاءِ فِي مِيثُيُولُوجْيَا شُعُوبِ الأَنْدُولِ وَالقَوْقَازِ لَا تُمْثِّلُ مِلَفًّا جَانِبِيًّا، بَلْ مِحْوَرًا أَسَاسِيًّا لِفَهْمِ الاِمْتِدَادِ الإِقْلِيمِيِّ لِفِكْرَةِ المَطَرِ وَالخِصْبِ.

مُلَاحَظَةٌ تَوْضِيحِيَّةٌ حَوْلَ مَصْطَلَحِ شُعُوبِ الأَنْدُولِ والقوقاز
أُوَضِّحُ هُنَا أَنَّ مَصْطَلَحَ شُعُوبِ الأَنْدُولِ يُسْتَخْدَمُ فِي هَذَا البَحْثِ بِمَعْنَاهُ الحَضَارِيِّ وَالتَّارِيخِيِّ، لَا بِمَعْنَاهُ القَوْمِيِّ الحَدِيثِ. فَالأَنْدُولُ يُشِيرُ إِلَى المِنْطَقَةِ الجُغْرَافِيَّةِ الَّتِي تَعْرِفُ اليَوْمَ بِآسْيَا الصُّغْرَى، وَالَّتِي شَهِدَتْ خِلَالَ العُصُورِ القَدِيمَةِ تَعَاقُبَ شُعُوبٍ وَحَضَارَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ.
وَعِنْدَ حَدِيثِي عَنْ شُعُوبِ الأَنْدُولِ، فَإِنِّي أَعْنِي بِذَلِكَ تِلْكَ الجَمَاعَاتِ البَشَرِيَّةَ القَدِيمَةَ الَّتِي سَكَنَتْ هَذِهِ الرُّقْعَةَ الجُغْرَافِيَّةَ، وَطَوَّرَتْ فِيهَا أَنْظِمَةً دِينِيَّةً وَمِيثُيُولُوجِيَّةً خَاصَّةً، كَالحِثِّيِّينَ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الشُّعُوبِ الَّتِي جَعَلَتْ مِنْ إِلَهِ العَاصِفَةِ وَالمَطَرِ مَحْوَرًا أَسَاسِيًّا فِي تَصَوُّرِهَا لِلْعَالَمِ وَلِلنِّظَامِ الكَوْنِيِّ.
وَلَا يَهْدِفُ اِسْتِخْدَامُ هَذَا المَصْطَلَحِ إِلَى التَّعْمِيمِ أَوْ إِلَى إِغْفَالِ الفُرُوقَاتِ بَيْنَ هَذِهِ الشُّعُوبِ، بَلْ إِلَى التَّدْلِيلِ عَلَى إِطَارٍ جُغْرَافِيٍّ وَثَقَافِيٍّ مُشْتَرَكٍ تَشَكَّلَتْ فِيهِ مِيثُيُولُوجْيَا المَطَرِ وَالخِصْبِ فِي تَفَاعُلٍ مُسْتَمِرٍّ مَعَ الأَرْضِ السُّورِيَّةِ وَبِلَادِ مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ.
كَمَا أُوَضِّحُ أَنَّ مَصْطَلَحَ شُعُوبِ القَوْقَازِ يُسْتَخْدَمُ هُنَا بِمَعْنَاهُ الجُغْرَافِيِّ وَالحَضَارِيِّ، لَا عَلَى أَسَاسِ التَّصْنِيفِ القَوْمِيِّ الحَدِيثِ. فَمِنْطَقَةُ القَوْقَازِ تُشِيرُ إِلَى الفَضَاءِ الجَبَلِيِّ الَّذِي يَقَعُ بَيْنَ البَحْرِ الأَسْوَدِ وَالبَحْرِ القَزْوِينِيِّ، وَالَّذِي شَهِدَ نَشْأَةَ ثَقَافَاتٍ قَدِيمَةٍ تَفَاعَلَتْ مَعَ الأَنْدُولِ وَالأَرْضِ السُّورِيَّةِ وَشَمَالِ بِلَادِ مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ.
وَعِنْدَ حَدِيثِي عَنْ شُعُوبِ القَوْقَازِ، فَإِنِّي أَرْكِّزُ عَلَى السِّيَاقِ الأَرْمَنِيِّ القَدِيمِ بِوَصْفِهِ نُمُوذَجًا مِيثُيُولُوجِيًّا يُظْهِرُ كَيْفَ تَكَيَّفَتْ فِكْرَةُ المَطَرِ وَالخِصْبِ مَعَ البِيئَةِ الجَبَلِيَّةِ وَمَعَ شُرُوطٍ طَبِيعِيَّةٍ أَكْثَرَ قَسْوَةً. وَهُنَا يَظْهَرُ المَطَرُ لَا كَنِعْمَةٍ زِرَاعِيَّةٍ فَقَطْ، بَلْ كَعَامِلِ بَقَاءٍ وَكَجُزْءٍ مِنْ صِرَاعِ الإِنْسَانِ مَعَ الطَّبِيعَةِ.
وَبِذَلِكَ، فَإِنَّ اِسْتِخْدَامَ مَصْطَلَحِ شُعُوبِ القَوْقَازِ لَا يَهْدِفُ إِلَى تَجْمِيعٍ اِعْتِبَاطِيٍّ، بَلْ إِلَى إِبْرَازِ فَضَاءٍ حَضَارِيٍّ شَارَكَ فِي صِيَاغَةِ مِيثُيُولُوجْيَا المَطَرِ وَالخِصْبِ فِي تَفَاعُلٍ دَائِمٍ مَعَ الأَنْدُولِ وَالأَرْضِ السُّورِيَّةِ.

الفَصْلُ السَّادِسُ
الاِسْتِسْقَاءُ فِي المِيثُيُولُوجْيَا العَرَبِيَّةِ القَدِيمَةِ
المَطَرُ فِي المُعْتَقَدَاتِ العَرَبِيَّةِ قَبْلَ الإِسْلَامِ
أَنْطَلِقُ فِي هَذَا الفَصْلِ مِنْ الإِقْرَارِ بِأَنَّ المِيثُيُولُوجْيَا العَرَبِيَّةَ القَدِيمَةَ تَتَشَكَّلُ فِي سِيَاقٍ بِيئِيٍّ وَمَنَاخِيٍّ مُخْتَلِفٍ عَنْ بِلَادِ الرَّافِدَيْنِ وَالأَرْضِ السُّورِيَّةِ، وَهُوَ سِيَاقٌ تَغْلِبُ عَلَيْهِ القَحْطِيَّةُ وَتَقَلُّبُ الأَمْطَارِ. وَمِنْ هُنَا، يَكْتَسِبُ المَطَرُ فِي الوُجْدَانِ العَرَبِيِّ مَكَانَةً مِيثُيُولُوجِيَّةً فَائِقَةَ الأَهَمِّيَّةِ، لَا بَوَصْفِهِ عُنْصُرَ خِصْبٍ فَقَطْ، بَلْ بَوَصْفِهِ شَرْطَ البَقَاءِ وَالاِسْتِمْرَارِ.
وَلَا يُفْهَمُ اِنْقِطَاعُ المَطَرِ فِي هَذَا السِّيَاقِ عَلَى أَنَّهُ حَدَثٌ طَبِيعِيٌّ عَابِرٌ، بَلْ عَلَى أَنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى اِخْتِلَالِ العَلَاقَةِ بَيْنَ الإِنْسَانِ وَالقُوَى الغَيْبِيَّةِ. وَمِنْ هُنَا، تَتَشَكَّلُ مُمَارَسَاتٌ طَقْسِيَّةٌ تَهْدِفُ إِلَى اِسْتِعَادَةِ رِضَا هَذِهِ القُوَى وَإِلَى اِسْتِجْلَابِ الغَيْثِ بَوَصْفِهِ عَطَاءً إِلَهِيًّا.
الأَنْوَاءُ وَالأَصْنَامُ وَطُقُوسُ طَلَبِ الغَيْثِ
أُعَالِجُ فِي هَذَا المَقْطَعِ فِكْرَةَ الأَنْوَاءِ بِوَصْفِهَا أَحَدَ الأُطُرِ التَّفْسِيرِيَّةِ الَّتِي اِعْتَمَدَ عَلَيْهَا العَرَبُ القُدَمَاءُ لِفَهْمِ نُزُولِ المَطَرِ وَتَوْقِيتِهِ. فَالأَنْوَاءُ لَا تُمَثِّلُ مَجَرَّدَ مَلَاحَظَاتٍ فَلَكِيَّةٍ، بَلْ تَحْمِلُ بُعْدًا رَمْزِيًّا يَرْبِطُ بَيْنَ حَرَكَةِ السَّمَاءِ وَمَصِيرِ الأَرْضِ.
وَإِلَى جَانِبِ الأَنْوَاءِ، تَحْتَلُّ الأَصْنَامُ وَالآلِهَةُ المَحَلِّيَّةُ دَوْرًا أَسَاسِيًّا فِي طُقُوسِ طَلَبِ الغَيْثِ، حَيْثُ تُقَدَّمُ لَهَا القُرْبَانَاتُ وَتُرْفَعُ الأَدْعِيَةُ اِسْتِرْضَاءً وَتَوَسُّلًا. وَأَرَى أَنَّ هَذِهِ الطُّقُوسَ تَكْشِفُ عَنْ نَفْسِ البِنْيَةِ المِيثُيُولُوجِيَّةِ الَّتِي رَأَيْنَاهَا فِي الثَّقَافَاتِ الأُخْرَى، وَهِيَ فِكْرَةُ التَّفَاوُضِ مَعَ المُقَدَّسِ وَمُحَاوَلَةُ ضَبْطِ القُوَى الطَّبِيعِيَّةِ بِالفِعْلِ الرَّمْزِيِّ.
وَتَتَّسِمُ طُقُوسُ طَلَبِ الغَيْثِ فِي السِّيَاقِ العَرَبِيِّ بِطَابِعٍ جَمَاعِيٍّ وَقَبَلِيٍّ، حَيْثُ تُؤَدَّى فِي مَوَاقِيتَ مُحَدَّدَةٍ وَبِمُشَارَكَةِ الجَمَاعَةِ كُلِّهَا، مِمَّا يَجْعَلُهَا فِعْلًا يُعِيدُ تَأْكِيدَ وَحْدَةِ المَصِيرِ فِي وَجْهِ القَحْطِ وَالفَنَاءِ.
اِسْتِمْرَارُ الطَّقْسِ وَتَحَوُّلُهُ فِي التَّقَالِيدِ الدِّينِيَّةِ
أَخْتِمُ هَذَا الفَصْلَ بِتَتَبُّعِ اِسْتِمْرَارِ طُقُوسِ الاِسْتِسْقَاءِ وَتَحَوُّلِهَا فِي السِّيَاقَاتِ الدِّينِيَّةِ اللَّاحِقَةِ، حَيْثُ لَا تَخْتَفِي الفِكْرَةُ، بَلْ تَتَغَيَّرُ صِيَاغَتُهَا وَإِطَارُهَا الرَّمْزِيُّ. فَطَلَبُ الغَيْثِ يَبْقَى حَاضِرًا، وَلَكِنْ دُونَ الوُسَطَاءِ الصَّنَمِيِّينَ، وَمَعَ إِعَادَةِ تَوْجِيهِ الخِطَابِ نَحْوَ إِلَهٍ وَاحِدٍ مُطْلَقِ القُدْرَةِ.
وَأَرَى أَنَّ هَذَا الاِسْتِمْرَارَ لَا يَدُلُّ عَلَى قَطِيعَةٍ تَامَّةٍ مَعَ المَاضِي، بَلْ عَلَى قُدْرَةِ الطَّقْسِ عَلَى التَّكَيُّفِ مَعَ تَحَوُّلِ العَقِيدَةِ، مَعَ الاِحْتِفَاظِ بِوَظِيفَتِهِ الأَسَاسِيَّةِ، وَهِيَ مُوَاجَهَةُ القَلَقِ الوُجُودِيِّ وَطَلَبُ الأَمَانِ فِي عَالَمٍ غَيْرِ مُسْتَقِرٍّ.
وَبِذَلِكَ، يَتَّضِحُ أَنَّ الاِسْتِسْقَاءَ فِي المِيثُيُولُوجْيَا العَرَبِيَّةِ القَدِيمَةِ يُمَثِّلُ حَلْقَةً أَسَاسِيَّةً فِي سِلْسِلَةٍ طَوِيلَةٍ مِنَ التَّفَاعُلِ بَيْنَ الإِنْسَانِ وَالمَطَرِ، وَيُكْمِلُ الصُّورَةَ المُقَارَنَةَ الَّتِي يَهْدِفُ إِلَيْهَا هَذَا البَحْثُ.
الفَصْلُ السَّابِعُ
دِرَاسَةٌ مُقَارَنَةٌ شَامِلَةٌ
تَشَابُهُ البِنْيَةِ الأُسْطُورِيَّةِ وَاِخْتِلَافُ التَّعْبِيرِ
أَنْطَلِقُ فِي هَذَا الفَصْلِ مِنْ نَتِيجَةٍ أَسَاسِيَّةٍ فَرَضَتْ نَفْسَهَا خِلَالَ تَتَبُّعِي لِمِيثُيُولُوجْيَا المَطَرِ وَالاِسْتِسْقَاءِ عِنْدَ شُعُوبِ بِلَادِ مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ وَالأَرْضِ السُّورِيَّةِ وَالأَنْدُولِ وَالقَوْقَازِ وَالعَرَبِ، وَهِيَ أَنَّ هُنَاكَ تَشَابُهًا وَاضِحًا فِي البِنْيَةِ الأُسْطُورِيَّةِ العَمِيقَةِ، مُقَابِلَ تَنَوُّعٍ كَبِيرٍ فِي أَشْكَالِ التَّعْبِيرِ وَالتَّمْثِيلِ.
فَفِي جَمِيعِ هَذِهِ الثَّقَافَاتِ، يَظْهَرُ المَطَرُ كَقُوَّةٍ مُزْدَوِجَةٍ، مَانِحَةٍ لِلْحَيَاةِ وَمُهَدِّدَةٍ لَهَا فِي آنٍ وَاحِدٍ، وَيَظْهَرُ إِلَهُ المَطَرِ أَوِ العَاصِفَةِ كَضَامِنٍ لِلنِّظَامِ الكَوْنِيِّ، وَكَفَاعِلٍ فِي صِرَاعٍ مُسْتَمِرٍّ مَعَ قُوَى الجَفَافِ أَوِ الفَوْضَى. وَمَعَ ذَلِكَ، فَإِنَّ تَجَسِيدَ هَذِهِ القُوَّةِ يَخْتَلِفُ حَسَبَ البِيئَةِ وَالبِنْيَةِ الاِجْتِمَاعِيَّةِ وَنِظَامِ السُّلْطَةِ.
وَأَرَى أَنَّ هَذَا التَّشَابُهَ فِي البِنْيَةِ لَا يُمْكِنُ تَفْسِيرُهُ عَلَى أَنَّهُ نَقْلٌ مِيكَانِيكِيٌّ بَيْنَ الثَّقَافَاتِ فَقَطْ، بَلْ يَدُلُّ عَلَى وَحْدَةِ التَّجْرِبَةِ الإِنْسَانِيَّةِ فِي مُوَاجَهَةِ الطَّبِيعَةِ، وَعَلَى أَنَّ الأُسْطُورَةَ تَنْشَأُ كَإِجَابَةٍ رَمْزِيَّةٍ عَنِ الأَسْئِلَةِ نَفْسِهَا، وَلَوِ اخْتَلَفَتِ الأَجْوِبَةُ وَالأَسْمَاءُ.
مِنَ الاِسْتِسْقَاءِ المِيثُيُولُوجِيِّ إِلَى الطَّقْسِ الشَّعْبِيِّ
أُعَالِجُ فِي هَذَا الجُزْءِ مَسَارَ تَحَوُّلِ الاِسْتِسْقَاءِ مِنْ فِعْلٍ مِيثُيُولُوجِيٍّ مُرْتَبِطٍ بِسُلْطَةِ الآلِهَةِ وَالمَلِكِ وَالكَاهِنِ، إِلَى طَقْسٍ شَعْبِيٍّ يُمَارَسُ فِي مُسْتَوَيَاتٍ أَبْسَطَ، وَفِي أُطُرٍ أَقَلَّ تَرْسِيمًا. فَمَعَ تَحَوُّلِ الأَنْظِمَةِ السِّيَاسِيَّةِ وَالدِّينِيَّةِ، تَنْسَحِبُ الأُسْطُورَةُ الكُبْرَى تَدْرِيجِيًّا، وَلَكِنَّ الطَّقْسَ يَسْتَمِرُّ.
وَأَرَى أَنَّ هَذَا الاِسْتِمْرَارَ لَا يُفَسَّرُ بِالتَّقْلِيدِ الأَعْمَى، بَلْ بِكَوْنِ الطَّقْسِ يُلَبِّي حَاجَةً نَفْسِيَّةً وَاجْتِمَاعِيَّةً عَمِيقَةً، وَهِيَ إِحْسَاسُ الإِنْسَانِ بِأَنَّهُ لَيْسَ مُنْفَصِلًا تَمَامًا عَنْ مَصِيرِهِ، وَأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الفِعْلِ وَالتَّأْثِيرِ، وَلَوْ فِي إِطَارٍ رَمْزِيٍّ. وَمِنْ هُنَا، تَظْهَرُ طُقُوسُ الاِسْتِسْقَاءِ الشَّعْبِيَّةِ كَاِمْتِدَادٍ مُحَوَّلٍ لِلاِسْتِسْقَاءِ المِيثُيُولُوجِيِّ، لَا كَقَطِيعَةٍ مَعَهُ.
اِسْتِمْرَارُ الفِكْرَةِ فِي الوَعْيِ الجَمْعِيِّ
أَخْتِمُ هَذَا الفَصْلَ بِتَأْكِيدِ أَنَّ فِكْرَةَ الاِسْتِسْقَاءِ تَتَجَاوَزُ حُدُودَ النُّصُوصِ وَالأُسْطُورَاتِ، لِتُصْبِحَ جُزْءًا مِنَ الوَعْيِ الجَمْعِيِّ لِلإِنْسَانِ. فَهِيَ تَحْمِلُ فِي جَوْهَرِهَا سُؤَالًا وُجُودِيًّا مُسْتَمِرًّا حَوْلَ العَلَاقَةِ بَيْنَ الإِنْسَانِ وَالقُوَى الَّتِي تَتَجَاوَزُهُ، وَحَوْلَ حُدُودِ القُدْرَةِ وَالعَجْزِ.
وَأَرَى أَنَّ اِسْتِمْرَارَ هَذِهِ الفِكْرَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ المَطَرَ لَمْ يَكُنْ يَوْمًا مَجَرَّدَ ظَاهِرَةٍ طَبِيعِيَّةٍ، بَلْ كَانَ، وَمَا زَالَ، حَامِلًا لِمَعْنًى رَمْزِيٍّ عَمِيقٍ، يُعَبِّرُ عَنْ التَّوَازُنِ بَيْنَ الأَمَلِ وَالخَوْفِ، وَبَيْنَ النِّعْمَةِ وَالكَارِثَةِ. وَبِهَذَا المَعْنَى، فَإِنَّ دِرَاسَةَ الاِسْتِسْقَاءِ لَا تُعِينُنَا فَقَطْ عَلَى فَهْمِ المَاضِي، بَلْ تُسَاعِدُنَا عَلَى فَهْمِ بَعْضٍ مِنْ بِنْيَةِ وَعْيِنَا الحَاضِرِ.
مَبْحَثٌ إِضَافِيٌّ
عِيدُ أَكِيتُو وَدَوْرُهُ فِي تَشَكُّلِ فِكْرَةِ الاِسْتِسْقَاءِ وَتَجْدِيدِ النِّظَامِ الكَوْنِيِّ
أُدْرِجُ هَذَا المَبْحَثَ لِسَدِّ فَجْوَةٍ مَعْرِفِيَّةٍ لَا يُمْكِنُ تَجَاوُزُهَا فِي دِرَاسَةِ مِيثُيُولُوجْيَا المَطَرِ وَالاِسْتِسْقَاءِ فِي بِلَادِ مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ، ذَلِكَ أَنَّ عِيدَ أَكِيتُو لَا يُمَثِّلُ مُجَرَّدَ اِحْتِفَالٍ زَمَنِيٍّ بِبِدَايَةِ سَنَةٍ جَدِيدَةٍ، بَلْ يُشَكِّلُ بِنْيَةً طَقْسِيَّةً مُرَكَّبَةً تَجْمَعُ بَيْنَ الاِسْتِسْقَاءِ وَدَفْعِ الفَيْضَانِ وَتَجْدِيدِ الخِصْبِ فِي إِطَارٍ وَاحِدٍ.
أَرَى أَنَّ أَكِيتُو يُمَثِّلُ اللَّحْظَةَ الَّتِي يَتَدَخَّلُ فِيهَا الإِنْسَانُ، رَمْزِيًّا وَجَمَاعِيًّا، لِإِعَادَةِ تَرْتِيبِ العَالَمِ بَعْدَ فَتْرَةِ فَوْضَى مَوْسِمِيَّةٍ تُمَثِّلُهَا الأَمْطَارُ الغَزِيرَةُ أَوْ خَطَرُ الجَفَافِ. وَمِنْ هُنَا، يَغْدُو أَكِيتُو طَقْسًا كَوْنِيًّا لَا يَنْفَصِلُ عَنْ هَاجِسِ المَاءِ وَضَبْطِهِ.
أَكِيتُو وَفِكْرَةُ الاِخْتِبَارِ الإِلَهِيِّ
أُبَيِّنُ أَنَّ نُصُوصَ أَكِيتُو، خَاصَّةً تِلْكَ المُرْتَبِطَةَ بِأُسْطُورَةِ الخَلْقِ، تَجْعَلُ مِنْ تَجَدُّدِ السَّنَةِ وَنُزُولِ المَطَرِ نَتِيجَةً لاِخْتِبَارٍ أَخْلَاقِيٍّ وَكَوْنِيٍّ يَمُرُّ بِهِ الإِنْسَانُ وَالمَلِكُ وَالمُجْتَمَعُ كَكُلٍّ. فَنُزُولُ الغَيْثِ لَا يُعَدُّ حَقًّا مَكْسُوبًا، بَلْ مَنْحَةً مُرْتَبِطَةً بِاِنْتِظَامِ العَدَالَةِ وَخُضُوعِ البَشَرِ لِلنِّظَامِ الإِلَهِيِّ.
وَأَرَى أَنَّ هَذَا المَعْنَى يُقَارِبُ جَوْهَرَ فِكْرَةِ الاِسْتِسْقَاءِ، حَيْثُ لَا يَتَوَجَّهُ الطَّلَبُ نَحْوَ المَاءِ فَقَطْ، بَلْ نَحْوَ اِسْتِعَادَةِ التَّوَازُنِ بَيْنَ الإِنْسَانِ وَالقُوَى العُلْيَا. وَبِذَلِكَ، يَكُونُ الاِسْتِسْقَاءُ فِي جَوْهَرِهِ فِعْلَ مُرَاجَعَةٍ وَتَطْهِيرٍ، لَا مُجَرَّدَ اِبْتِغَاءٍ لِلنِّعْمَةِ.
أَكِيتُو بَيْنَ طَلَبِ الخِصْبِ وَالخَوْفِ مِنَ الفَيْضَانِ
أُوَضِّحُ أَنَّ بِنْيَةَ أَكِيتُو الطَّقْسِيَّةَ تَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهَا تَوَتُّرًا وَاضِحًا بَيْنَ الأَمَلِ فِي نُزُولِ المَطَرِ وَالخَوْفِ مِنْ فَرْطِ قُوَّتِهِ. فَالأَمْطَارُ الَّتِي تُؤَذِّنُ بِالخِصْبِ قَدْ تَتَحَوَّلُ إِلَى فَيْضَانٍ مُدَمِّرٍ إِذَا لَمْ تُضْبَطْ رَمْزِيًّا وَطَقْسِيًّا.
وَمِنْ هُنَا، أَرَى أَنَّ أَكِيتُو يُمَثِّلُ نَمُوذَجًا مُبَكِّرًا لِفِكْرَةِ دَفْعِ الفَيْضَانِ الَّتِي تَنَاوَلْنَاهَا فِي فَصْلٍ سَابِقٍ، إِذْ يَجْمَعُ بَيْنَ طَلَبِ الخِصْبِ وَوَقْفِ الفَوْضَى فِي آنٍ وَاحِدٍ، وَيُعِيدُ تَأْسِيسَ الحُدُودِ بَيْنَ المَاءِ وَالأَرْضِ، وَبَيْنَ النِّظَامِ وَاللَّانِظَامِ.
اِمْتِدَادُ مَضَامِينِ أَكِيتُو وَتَحَوُّلُهَا
أُبَيِّنُ أَنَّ أَهَمِّيَّةَ أَكِيتُو لَا تَقِفُ عِنْدَ حُدُودِ السِّيَاقِ البَابِلِيِّ وَالآشُورِيِّ، بَلْ تَتَجَلَّى فِي قُدْرَتِهِ عَلَى الاِنْتِقَالِ وَالتَّحَوُّلِ. فَمَضَامِينُهُ الأَسَاسِيَّةُ، كَتَجْدِيدِ السَّنَةِ وَتَطْهِيرِ الجَمَاعَةِ وَضَمَانِ الخِصْبِ، تَظْهَرُ بِصِيَغٍ مُخْتَلِفَةٍ فِي طُقُوسٍ لَاحِقَةٍ فِي الأَرْضِ السُّورِيَّةِ وَالأَنْدُولِ وَحَتَّى فِي السِّيَاقِ العَرَبِيِّ.
وَبِذَلِكَ، أَرَى أَنَّ أَكِيتُو يُمَثِّلُ مِفْتَاحًا تَفْسِيرِيًّا يُمَكِّنُنَا مِنْ فَهْمِ الاِسْتِسْقَاءِ لَا كَطَقْسٍ مَعْزُولٍ، بَلْ كَجُزْءٍ مِنْ مَنْظُومَةٍ رَمْزِيَّةٍ أَوْسَعَ تَهْدِفُ إِلَى حِفْظِ التَّوَازُنِ الكَوْنِيِّ وَضَمَانِ اِسْتِمْرَارِ الحَيَاةِ.
خُلَاصَةُ المَبْحَثِ
بِإِدْرَاجِ هَذَا المَبْحَثِ، يَتَّضِحُ أَنَّ فِكْرَةَ الاِسْتِسْقَاءِ تَبْلُغُ أَوْجَ تَعْقِيدِهَا فِي طُقُوسٍ مِثْلَ أَكِيتُو، حَيْثُ يَتَجَاوَزُ طَلَبُ المَاءِ حُدُودَ الحَاجَةِ المُبَاشِرَةِ لِيُصْبِحَ فِعْلًا كَوْنِيًّا يُشَارِكُ فِيهِ الإِنْسَانُ فِي إِعَادَةِ تَرْتِيبِ العَالَمِ.
وَبِهَذَا، يَكُونُ هَذَا المَبْحَثُ قَدْ وَسَّعَ أُفُقَ البَحْثِ، وَمَهَّدَ مَنْهَجِيًّا لِكِتَابَةِ الخَاتِمَةِ عَلَى أَسَاسٍ تَرْكِيبِيٍّ نَاضِجٍ.
مَبْحَثٌ إِضَافِيٌّ ثَانٍ
طُقُوسُ الاِسْتِسْقَاءِ فِي الجَزِيرَةِ السُّورِيَّةِ وَبِلَادِ مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ الوُسْطَى
الأَغَانِي وَمَرَاحِلُ البِدَايَةِ وَالدَّلَالَاتُ الرَّمْزِيَّةُ
أَوَّلًا
الجَزِيرَةُ السُّورِيَّةُ كَفَضَاءٍ طَقْسِيٍّ مُسْتَمِرٍّ
أَنْطَلِقُ فِي هَذَا المَبْحَثِ مِنْ فِكْرَةٍ مَرْكِزِيَّةٍ، وَهِيَ أَنَّ الجَزِيرَةَ السُّورِيَّةَ وَمِنْطَقَةَ بِلَادِ مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ الوُسْطَى لَمْ تَكُنْ يَوْمًا مُجَرَّدَ مَجَالٍ زِرَاعِيٍّ، بَلْ فَضَاءً طَقْسِيًّا حَيًّا، اِسْتَمَرَّتْ فِيهِ مُمَارَسَاتُ الاِسْتِسْقَاءِ بِصِيَغٍ مُتَحَوِّلَةٍ مِنَ العُصُورِ القَدِيمَةِ حَتَّى العُصُورِ القَرِيبَةِ.
فَفِي هَذِهِ المِنْطَقَةِ، يَظَلُّ المَطَرُ عَامِلَ قَلَقٍ وَرَجَاءٍ فِي آنٍ وَاحِدٍ، وَتَبْقَى فِكْرَةُ التَّدَخُّلِ الجَمَاعِيِّ لِطَلَبِ الغَيْثِ حَاضِرَةً، حَتَّى بَعْدَ تَغَيُّرِ الإِطَارِ العَقَدِيِّ وَالدِّينِيِّ.
ثَانِيًا
كَيْفَ تَبْدَأُ طُقُوسُ الاِسْتِسْقَاءِ فِي الجَزِيرَةِ السُّورِيَّةِ
أُبَيِّنُ أَنَّ طُقُوسَ الاِسْتِسْقَاءِ الشَّعْبِيَّةَ تَبْدَأُ عَادَةً بَعْدَ فَتْرَةٍ طَوِيلَةٍ مِنَ الجَفَافِ، حِينَ تَفْشَلُ الوُسُومُ وَتَتَأَخَّرُ الأَمْطَارُ، فَتَدْخُلُ الجَمَاعَةُ فِي حَالَةِ قَلَقٍ جَمْعِيٍّ تَسْتَدْعِي الفِعْلَ الطَّقْسِيَّ.
وَتَبْدَأُ الطُّقُوسُ عَادَةً بِالتَّجَمُّعِ، وَغَالِبًا مَا تَقُودُهَا النِّسَاءُ وَالأَطْفَالُ، وَهُوَ أَمْرٌ لَهُ دَلَالَةٌ عَمِيقَةٌ، إِذْ يُنْظَرُ إِلَى الطِّفْلِ كَرَمْزٍ لِلنَّقَاءِ، وَإِلَى المَرْأَةِ كَرَمْزٍ لِلْخِصْبِ وَالعَطَاءِ.
ثَالِثًا
الأَغَانِي وَالأَنْشُودَاتُ فِي طُقُوسِ الاِسْتِسْقَاءِ
أُخَصِّصُ هَذَا الجُزْءَ لِتَحْلِيلِ الأَغَانِي الشَّعْبِيَّةِ الَّتِي تُؤَدَّى فِي طُقُوسِ الاِسْتِسْقَاءِ فِي الجَزِيرَةِ السُّورِيَّةِ، وَأَرَى أَنَّهَا تُمَثِّلُ بَقَايَا خِطَابٍ مِيثُيُولُوجِيٍّ قَدِيمٍ، وَلَوْ تَغَيَّرَتْ أَلْفَاظُهُ.
تَتَّسِمُ هَذِهِ الأَغَانِي بِالبَسَاطَةِ وَالتَّكْرَارِ، وَتَعْتَمِدُ عَلَى النِّدَاءِ وَالطَّلَبِ، وَغَالِبًا مَا تُخَاطِبُ السَّمَاءَ أَوِ الغَيْمَ أَوِ الرَّبَّ مُبَاشَرَةً. وَأَرَى أَنَّ هَذَا النَّمَطَ يَسْتَمِرُّ فِيهِ مَبْدَأُ التَّوَاصُلِ مَعَ القُوَى العُلْيَا، الَّذِي رَأَيْنَاهُ فِي الأَدْعِيَةِ المِيثُيُولُوجِيَّةِ القَدِيمَةِ.
وَتُؤَدَّى الأَغَانِي فِي حَرَكَةٍ جَمَاعِيَّةٍ، أَحْيَانًا مَعَ الدَّوْرَانِ أَوِ الاِنْتِقَالِ بَيْنَ البُيُوتِ، وَهُوَ مَا يُشَابِهُ المَوَاكِبَ الطَّقْسِيَّةَ القَدِيمَةَ.



رَابِعًا
الدَّلَالَةُ الرَّمْزِيَّةُ لِبِنْيَةِ الطَّقْسِ
أُبَيِّنُ أَنَّ طُقُوسَ الاِسْتِسْقَاءِ فِي الجَزِيرَةِ السُّورِيَّةِ تَحْمِلُ بِنْيَةً رَمْزِيَّةً وَاضِحَةً
الجَفَافُ يُقَابِلُ الفَوْضَى
الأَغَانِي تُقَابِلُ الدُّعَاءَ القَدِيمَ
المَوْكِبُ يُقَابِلُ المَسِيرَةَ الطَّقْسِيَّةَ
وَنُزُولُ المَطَرِ يُمَثِّلُ لَحْظَةَ اِسْتِجَابَةٍ وَتَجْدِيدٍ
وَبِذَلِكَ، أَرَى أَنَّ هَذِهِ الطُّقُوسَ تُمَثِّلُ اِمْتِدَادًا شَعْبِيًّا لِمِيثُيُولُوجْيَا المَطَرِ، وَلَا يُمْكِنُ فَصْلُهَا عَنْ جُذُورِهَا القَدِيمَةِ.
تَجْسِيدُ الخِصْبِ فِي شَكْلٍ أُنْثَوِيٍّ وَالمَوْكِبُ الطَّقْسِيُّ
أُشِيرُ فِي هَذَا السِّيَاقِ إِلَى أَحَدِ أَبْرَزِ أَشْكَالِ طُقُوسِ الاِسْتِسْقَاءِ الشَّعْبِيَّةِ فِي أَرْيَافِ الجَزِيرَةِ السُّورِيَّةِ وَبِلَادِ مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ الوُسْطَى، حَيْثُ يَقُومُ أَهَالِي القَرْيَةِ بِصُنْعِ دُمْيَةٍ طَقْسِيَّةٍ مِنْ لِبَاسٍ بَالٍ، تُشَكَّلُ عَلَى هَيْئَةِ اِمْرَأَةٍ، وَتُحْمَلُ عَلَى أَعْوَادٍ فِي مَوْكِبٍ جَمَاعِيٍّ يَجُوبُ أَزِقَّةَ القَرْيَةِ.
أَرَى أَنَّ هَذَا التَّجْسِيدَ لَيْسَ اِعْتِبَاطِيًّا، بَلْ يَحْمِلُ دَلَالَةً رَمْزِيَّةً عَمِيقَةً، إِذْ تُجَسَّدُ فِيهِ قُوَّةُ الخِصْبِ وَالعَطَاءِ فِي شَكْلٍ أُنْثَوِيٍّ، وَهُوَ مَا يُحِيلُ إِلَى تَصَوُّرَاتٍ مِيثُيُولُوجِيَّةٍ قَدِيمَةٍ تَرْبِطُ بَيْنَ الأُنْثَى وَالأَرْضِ وَالخِصْبِ وَالمَطَرِ.
الأَنْشُودَةُ وَالخِطَابُ الطَّقْسِيُّ
يَرْدُدُ المُشَارِكُونَ خِلَالَ هَذَا المَوْكِبِ أَنْشُودَاتٍ شَعْبِيَّةً ذَاتَ بِنْيَةٍ طَلَبِيَّةٍ صَرِيحَةٍ، مِنْهَا
أُمَّ الخِيضْ خِيضِينَا
يَوْمَ المَطَرِ مَا جِينَا
جِينَاكُمْ يَوْمَ الصَّحْوَةِ
وَنُرِيدُ فِنْجَانَ قَهْوَةٍ
وَأَرَى أَنَّ هَذِهِ الأَنْشُودَةَ تَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهَا بِنْيَةَ الدُّعَاءِ القَدِيمِ، حَيْثُ يَتَحَوَّلُ الطَّلَبُ مِنَ صِيغَةِ التَّوَسُّلِ إِلَى صِيغَةِ الخِطَابِ المُبَاشِرِ، وَكَأَنَّ الجَمَاعَةَ تُخَاطِبُ قُوَّةً حَيَّةً حَاضِرَةً، لَا مُجَرَّدَ ظَاهِرَةٍ طَبِيعِيَّةٍ صَامِتَةٍ.

الصَّوْتُ وَالفَوْضَى الرَّمْزِيَّةُ
يَصْطَحِبُ المَوْكِبُ الطَّقْسِيُّ اِسْتِخْدَامَ الطَّنَاجِرِ وَالطَّاسَاتِ وَغَيْرِهَا مِنَ الأَدَوَاتِ الَّتِي تُصْدِرُ أَصْوَاتًا صَاخِبَةً، حَيْثُ يَقُومُ المُشَارِكُونَ بِالضَّرْبِ عَلَيْهَا خِلَالَ جَوْلَتِهِمْ فِي القَرْيَةِ.
وَأَرَى أَنَّ هَذِهِ الفَوْضَى الصَّوْتِيَّةَ تُمَثِّلُ بُعْدًا رَمْزِيًّا مُهِمًّا، إِذْ تَسْتَحْضِرُ فِكْرَةَ إِيقَاظِ السَّمَاءِ أَوْ طَرْقِ أَبْوَابِهَا، وَتُعِيدُ إِنْتَاجَ الفَوْضَى الأُولَى الَّتِي تَسْبِقُ اِنْبِثَاقَ النِّظَامِ وَنُزُولَ المَطَرِ، وَهُوَ مَا يُوَافِقُ البِنْيَةَ الأُسْطُورِيَّةَ الَّتِي دَرَسْنَاهَا فِي طُقُوسِ التَّجْدِيدِ وَدَفْعِ الفَيْضَانِ.
الوَلِيمَةُ كَخَاتِمَةٍ طَقْسِيَّةٍ
يَنْتَهِي هَذَا الكَرْنِفَالُ الطَّقْسِيُّ بِقِيَامِ أَحَدِ أَهْلِ القَرْيَةِ المَقْتَدِرِينَ بِطَبْخِ طَعَامٍ جَمَاعِيٍّ، غَالِبًا مَا يَكُونُ مِنَ الحَبُوبِ، وَتُقَدَّمُ هَذِهِ الوَلِيمَةُ لِلْمُشَارِكِينَ جَمِيعًا.
أَرَى أَنَّ هَذِهِ الوَلِيمَةَ تُمَثِّلُ اللَّحْظَةَ الأَخِيرَةَ فِي البِنْيَةِ الطَّقْسِيَّةِ، حَيْثُ تَتَحَوَّلُ الطَّقْسِيَّةُ إِلَى تَكَافُلٍ اِجْتِمَاعِيٍّ، وَيُعَادُ تَأْكِيدُ وَحْدَةِ الجَمَاعَةِ فِي وَجْهِ القَحْطِ وَالاِنْتِظَارِ. وَهِيَ، فِي جَوْهَرِهَا، اِمْتِدَادٌ لِقُرْبَانِ الخِصْبِ القَدِيمِ، وَلَكِنْ بِصِيغَةٍ شَعْبِيَّةٍ مُتَحَوِّلَةٍ.
خُلَاصَةٌ تَحْلِيلِيَّةٌ
يُظْهِرُ هَذَا النَّمُوذَجُ أَنَّ طُقُوسَ الاِسْتِسْقَاءِ فِي الجَزِيرَةِ السُّورِيَّةِ لَمْ تَكُنْ طُقُوسًا بَسِيطَةً أَوْ عَفَوِيَّةً، بَلْ بِنْيَةً رَمْزِيَّةً مُتَكَامِلَةً، تَجْمَعُ بَيْنَ ،التَّجْسِيدِ وَالصَّوْتِ وَالمَوْكِبِ وَالوَلِيمَةِ
وَهُوَ مَا يُؤَكِّدُ اِسْتِمْرَارَ المِيثُيُولُوجْيَا فِي الشَّكْلِ الشَّعْبِيِّ، وَيُعَزِّزُ أُطْرُوحَةَ هَذَا البَحْثِ فِي أَنَّ الاِسْتِسْقَاءَ لَيْسَ طَقْسًا عَابِرًا، بَلْ ذَاكِرَةً كَوْنِيَّةً حَيَّةً.
وأَنَّ الاِسْتِسْقَاءَ فِي الجَزِيرَةِ السُّورِيَّةِ لَا يُمَثِّلُ طَقْسًا دِينِيًّا فَقَطْ، بَلْ ذَاكِرَةً مِيثُيُولُوجِيَّةً جَمْعِيَّةً، اِنْتَقَلَتْ مِنَ النَّصِّ إِلَى الأُغْنِيَةِ، وَمِنَ المَعْبَدِ إِلَى السَّاحَةِ وَالطَّرِيقِ.
التَّقْدِيرُ العِلْمِيُّ لِلبَحْثِ
أَرَى أَنَّ القِيمَةَ العِلْمِيَّةَ لِهَذَا البَحْثِ تَتَجَلَّى فِي ثَلَاثِ نِقَاطٍ رَئِيسِيَّةٍ مُتَكَامِلَةٍ، لَا يَنْفَصِلُ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ، بَلْ تُشَكِّلُ مَعًا بِنْيَةً تَفْسِيرِيَّةً وَاحِدَةً.
تَتَجَلَّى النُّقْطَةُ الأُولَى فِي تَوْسِيعِ مَجَالِ الدِّرَاسَةِ زَمَنِيًّا وَمَكَانِيًّا، مَعَ المُحَافَظَةِ عَلَى نَوَاةٍ مَفْهُومِيَّةٍ وَاحِدَةٍ هِيَ فِكْرَةُ الاِسْتِسْقَاءِ. فَقَدْ اِنْطَلَقْتُ مِنَ العُصُورِ السُّمَرِيَّةِ وَالبَابِلِيَّةِ وَالآشُورِيَّةِ، وَمَرَرْتُ بِالأَرْضِ السُّورِيَّةِ وَالأَنْدُولِ وَالقَوْقَازِ، وَوَصَلْتُ إِلَى السِّيَاقِ العَرَبِيِّ وَالطَّقْسِ الشَّعْبِيِّ المُعَاصِرِ، دُونَ أَنْ يَتَفَكَّكَ المَوْضُوعُ أَوْ يَتَشَتَّتَ. وَأَرَى أَنَّ هَذَا الاِمْتِدَادَ الزَّمَنِيَّ وَالمَكَانِيَّ لَا يُشَكِّلُ اِسْتِعْرَاضًا، بَلْ يَخْدِمُ إِثْبَاتَ فِكْرَةٍ أَسَاسِيَّةٍ، وَهِيَ أَنَّ الاِسْتِسْقَاءَ بِنْيَةٌ ذِهْنِيَّةٌ وَرَمْزِيَّةٌ عَابِرَةٌ لِلْحُدُودِ وَالأَزْمِنَةِ، تَتَحَوَّلُ وَلَا تَتَلَاشَى.
وَتَتَجَلَّى النُّقْطَةُ الثَّانِيَةُ فِي التَّوْفِيقِ بَيْنَ تَحْلِيلِ النُّصُوصِ المِيثُيُولُوجِيَّةِ وَتَفْسِيرِ الطُّقُوسِ وَتَتَبُّعِ اِسْتِمْرَارِهَا فِي المُمَارَسَاتِ الشَّعْبِيَّةِ. فَلَمْ أَتَعَامَلْ مَعَ النَّصِّ الأُسْطُورِيِّ كَوَثِيقَةٍ مَاضَوِيَّةٍ مُغْلَقَةٍ، وَلَا مَعَ الطَّقْسِ الشَّعْبِيِّ كَبَقِيَّةٍ فُولْكْلُورِيَّةٍ مَنْزُوعَةِ السِّيَاقِ، بَلْ سَعَيْتُ إِلَى قِرَاءَتِهِمَا فِي عِلَاقَةٍ جَدَلِيَّةٍ، تُظْهِرُ كَيْفَ تَنْتَقِلُ الفِكْرَةُ مِنَ النَّصِّ إِلَى الفِعْلِ، وَمِنَ المَعْبَدِ إِلَى القَرْيَةِ، وَمِنَ الأُسْطُورَةِ إِلَى الأُغْنِيَةِ وَالمَوْكِبِ وَالوَلِيمَةِ. وَأَرَى أَنَّ هَذَا التَّوْفِيقَ يُعَدُّ إِضَافَةً أَنْثْرُوبُولُوجِيَّةً مُهِمَّةً، لِأَنَّهُ يَكْسِرُ الفَصْلَ الاِصْطِنَاعِيَّ بَيْنَ المِيثُيُولُوجِيِّ وَالشَّعْبِيِّ.
أَمَّا النُّقْطَةُ الثَّالِثَةُ، فَتَتَجَلَّى فِي إِبْرَازِ الدَّوْرِ السُّورِيِّ فِي تَشَكُّلِ المِيثُيُولُوجْيَا الإِقْلِيمِيَّةِ، دُونَ مُبَالَغَةٍ أَوْ اِنْغِلَاقٍ. فَلَمْ أَتَعَامَلْ مَعَ سُورِيَا كَهَامِشٍ تَابِعٍ لِبِلَادِ الرَّافِدَيْنِ، وَلَا كَمَرْكَزٍ مُطْلَقٍ يَلْغِي مَا سِوَاهُ، بَلْ كَفَضَاءِ وَسِيطٍ وَفَاعِلٍ، اِنْتَقَلَتْ عَبْرَهُ الأُسْطُورَةُ وَتَحَوَّلَتْ وَأُعِيدَ تَشْكِيلُهَا. وَأَرَى أَنَّ هَذَا التَّمَوْضُعَ يَمْنَحُ البَحْثَ بُعْدًا عِلْمِيًّا رَصِينًا، وَيُجَنِّبُهُ السُّقُوطَ فِي خِطَابٍ اِنْتِمَائِيٍّ مُغْلَقٍ، مَعَ الحِفَاظِ عَلَى حَقِّ الأَرْضِ السُّورِيَّةِ فِي أَنْ تُقْرَأَ بَوَصْفِهَا فَاعِلًا تَارِيخِيًّا وَثَقَافِيًّا.
وَبِهَذَا، أَرَى أَنَّ هَذِهِ النِّقَاطَ الثَّلَاثَ لَا تُمَثِّلُ خَلَاصَةً شَكْلِيَّةً، بَلْ تُشَكِّلُ جَوْهَرَ الإِضَافَةِ العِلْمِيَّةِ الَّتِي يُقَدِّمُهَا هَذَا البَحْثُ إِلَى حَقْلِ دِرَاسَاتِ المِيثُيُولُوجْيَا وَالأَنْثْرُوبُولُوجْيَا الدِّينِيَّةِ فِي الشَّرْقِ الأَدْنَى القَدِيمِ.
الخَاتِمَةُ
النَّتَائِجُ وَالاِسْتِنْتَاجَاتُ
أَصِلُ فِي خِتَامِ هَذَا البَحْثِ إِلَى قَنَاعَةٍ أَسَاسِيَّةٍ، وَهِيَ أَنَّ فِكْرَةَ الاِسْتِسْقَاءِ لَا يُمْكِنُ فَهْمُهَا عَلَى أَنَّهَا طَقْسٌ دِينِيٌّ مَعْزُولٌ أَوْ اِسْتِجَابَةٌ وَقْتِيَّةٌ لِحَالَةِ جَفَافٍ عَارِضَةٍ، بَلْ هِيَ بِنْيَةٌ رَمْزِيَّةٌ عَمِيقَةٌ تَشَكَّلَتْ فِي صُلْبِ الوَعْيِ الإِنْسَانِيِّ مُنْذُ أَقْدَمِ العُصُورِ، وَتَحَوَّلَتْ وَتَكَيَّفَتْ دُونَ أَنْ تَفْقِدَ جَوْهَرَهَا.
فَقَدْ بَيَّنَ هَذَا البَحْثُ أَنَّ المَطَرَ فِي المِيثُيُولُوجْيَا القَدِيمَةِ لَمْ يَكُنْ ظَاهِرَةً طَبِيعِيَّةً فَقَطْ، بَلْ قُوَّةً كَوْنِيَّةً ذَاتَ طَابِعٍ أَخْلَاقِيٍّ وَنِظَامِيٍّ، تُجَسِّدُ العَلَاقَةَ المُعَقَّدَةَ بَيْنَ الإِنْسَانِ وَالعَالَمِ. فَالمَطَرُ مَنْحَةٌ وَاخْتِبَارٌ فِي آنٍ وَاحِدٍ، وَالخِصْبُ نِعْمَةٌ مَشْرُوطَةٌ بِاِنْتِظَامِ النِّظَامِ الكَوْنِيِّ وَالأَخْلَاقِيِّ.
وَمِنْ خِلَالِ دِرَاسَةِ بِلَادِ مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ، تَبَيَّنَ أَنَّ الاِسْتِسْقَاءَ كَانَ جُزْءًا لَا يَنْفَصِلُ عَنْ سُلْطَةِ المَلِكِ وَوَظِيفَةِ الكَاهِنِ، وَأَنَّ طَلَبَ المَطَرِ كَانَ فِي جَوْهَرِهِ فِعْلًا سِيَاسِيًّا وَكَوْنِيًّا فِي آنٍ وَاحِدٍ، يَهْدِفُ إِلَى ضَبْطِ الفَوْضَى وَإِعَادَةِ تَأْسِيسِ النِّظَامِ. وَقَدْ شَكَّلَ عِيدُ أَكِيتُو ذِرْوَةَ هَذِهِ الرُّؤْيَةِ، إِذِ اِجْتَمَعَ فِيهِ طَلَبُ الخِصْبِ وَالخَوْفُ مِنَ الفَيْضَانِ وَفِكْرَةُ التَّجْدِيدِ الكَوْنِيِّ فِي طَقْسٍ وَاحِدٍ مُتَكَامِلٍ.
وَعِنْدَ الاِنْتِقَالِ إِلَى الأَرْضِ السُّورِيَّةِ، ظَهَرَتْ هَذِهِ الرُّؤْيَةُ بِصِيَغٍ مُتَنَوِّعَةٍ، تَعْكِسُ دَوْرَ سُورِيَا كَحَلْقَةِ وَصْلٍ حَضَارِيَّةٍ بَيْنَ الرَّافِدَيْنِ وَالأَنْدُولِ وَكَنْعَانَ. فَإِلَهُ العَاصِفَةِ وَالخِصْبِ لَمْ يَكُنْ مَحْصُورًا فِي هُوِيَّةٍ وَاحِدَةٍ، بَلْ تَحَرَّكَ وَتَحَوَّلَ وَتَلَوَّنَ حَسَبَ السِّيَاقِ، مَعَ الاِحْتِفَاظِ بِوَظِيفَتِهِ الجَوْهَرِيَّةِ، وَهِيَ ضَمَانُ دَوْرَةِ المَاءِ وَالحَيَاةِ.
وَأَظْهَرَتِ المُقَارَنَةُ مَعَ الأَنْدُولِ وَالقَوْقَازِ أَنَّ التَّشَابُهَ فِي البِنْيَةِ الأُسْطُورِيَّةِ لَا يَعْنِي تَمَاثُلًا فِي التَّعْبِيرِ، بَلْ يَدُلُّ عَلَى وَحْدَةِ التَّجْرِبَةِ الإِنْسَانِيَّةِ فِي مُوَاجَهَةِ الطَّبِيعَةِ. فَالمَطَرُ، سَوَاءٌ فِي السُّهُولِ أَوِ الجِبَالِ، يَظَلُّ عُنْصُرَ قَلَقٍ وَرَجَاءٍ، وَيَفْرِضُ عَلَى الإِنْسَانِ صِيَاغَةَ طُقُوسٍ تُمَكِّنُهُ مِنْ التَّعَامُلِ مَعَ مَا يَتَجَاوَزُ قُدْرَتَهُ.
وَفِي السِّيَاقِ العَرَبِيِّ القَدِيمِ، بَرَزَ الاِسْتِسْقَاءُ بِوَصْفِهِ فِعْلَ بَقَاءٍ فِي بِيئَةٍ قَحْطِيَّةٍ، حَيْثُ اِنْدَمَجَ المَطَرُ بِمَعْنَى العَطَاءِ الإِلَهِيِّ، وَتَشَكَّلَتْ طُقُوسٌ جَمَاعِيَّةٌ تَحْمِلُ فِي بِنْيَتِهَا نَفْسَ المَبَادِئِ الَّتِي وَجَدْنَاهَا فِي الثَّقَافَاتِ الأَقْدَمِ، وَإِنِ اخْتَلَفَ الإِطَارُ العَقَدِيُّ.
وَيُعَدُّ اِنْتِقَالُ الاِسْتِسْقَاءِ إِلَى الشَّكْلِ الشَّعْبِيِّ فِي الجَزِيرَةِ السُّورِيَّةِ وَبِلَادِ مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ الوُسْطَى دَلِيلًا وَاضِحًا عَلَى اِسْتِمْرَارِ الفِكْرَةِ فِي الوَعْيِ الجَمْعِيِّ. فَالمَوْكِبُ الطَّقْسِيُّ، وَتَجْسِيدُ الخِصْبِ فِي شَكْلٍ أُنْثَوِيٍّ، وَالأَغَانِي وَالأَصْوَاتُ الصَّاخِبَةُ، وَالوَلِيمَةُ الجَمَاعِيَّةُ، كُلُّهَا عَنَاصِرُ تُعِيدُ إِنْتَاجَ بِنْيَةٍ مِيثُيُولُوجِيَّةٍ قَدِيمَةٍ بِلُغَةٍ شَعْبِيَّةٍ حَيَّةٍ.
وَمِنْ هُنَا، أَسْتَنْتِجُ أَنَّ الاِسْتِسْقَاءَ لَيْسَ طَقْسًا يَنْتَهِي بِسُقُوطِ المَعْبَدِ أَوْ تَغَيُّرِ العَقِيدَةِ، بَلْ فِكْرَةٌ تَعْرِفُ كَيْفَ تَتَحَوَّلُ وَتُوَاصِلُ حُضُورَهَا، لِأَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِأَسَاسِيَّاتِ الوُجُودِ الإِنْسَانِيِّ نَفْسِهِ
الخَوْفِ مِنَ الفَنَاءِ
وَالرَّجَاءِ فِي الاِسْتِمْرَارِ
وَالرَّغْبَةِ فِي التَّوَاصُلِ مَعَ قُوَّةٍ أَعْلَى
وَبِهَذَا، يُمْكِنُ القَوْلُ إِنَّ دِرَاسَةَ الاِسْتِسْقَاءِ تُقَدِّمُ مِفْتَاحًا فَهْمِيًّا لِقِرَاءَةِ العَلَاقَةِ بَيْنَ الإِنْسَانِ وَالطَّبِيعَةِ فِي المَاضِي وَالحَاضِرِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ، وَتُثْبِتُ أَنَّ المِيثُيُولُوجْيَا لَا تَنْتَهِي، بَلْ تَتَحَوَّلُ، وَأَنَّ الطَّقْسَ يَبْقَى، حَتَّى إِذَا تَغَيَّرَتْ أَسْمَاؤُهُ وَصِيَغُهُ.
وَهَذَا مَا سَعَيْتُ إِلَى إِظْهَارِهِ فِي هَذَا البَحْثِ، بَوَصْفِ الاِسْتِسْقَاءِ ذَاكِرَةً كَوْنِيَّةً حَيَّةً، وَلَيْسَ صَفْحَةً مَطْوِيَّةً مِنَ التَّارِيخِ.
النَّتَائِجُ النَّهَائِيَّةُ لِلبَحْثِ
1. تَبَيَّنَ أَنَّ فِكْرَةَ الاِسْتِسْقَاءِ لَيْسَتْ طَقْسًا عَرَضِيًّا، بَلْ بِنْيَةٌ مِيثُيُولُوجِيَّةٌ عَمِيقَةٌ تَشَكَّلَتْ فِي وَعْيِ الإِنْسَانِ القَدِيمِ اِسْتِجَابَةً لِقَلَقِ البَقَاءِ وَهَشَاشَةِ العَلَاقَةِ مَعَ الطَّبِيعَةِ.
2. أَظْهَرَتِ الدِّرَاسَةُ أَنَّ المَطَرَ فِي المِيثُيُولُوجْيَا القَدِيمَةِ كَانَ قُوَّةً مُزْدَوِجَةً، يَجْمَعُ بَيْنَ الخِصْبِ وَالدَّمَارِ، وَأَنَّ طُقُوسَ الاِسْتِسْقَاءِ وَدَفْعِ الفَيْضَانِ تُشَكِّلُ وَجْهَيْنِ لِمَنْظُومَةٍ رَمْزِيَّةٍ وَاحِدَةٍ.
3. أَكَّدَ البَحْثُ أَنَّ بِلَادَ مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ شَكَّلَتِ الإِطَارَ الأَقْدَمَ وَالأَكْثَرَ تَكْثِيفًا لِطُقُوسِ الاِسْتِسْقَاءِ، حَيْثُ اِرْتَبَطَ المَطَرُ بِسُلْطَةِ المَلِكِ وَبِالنِّظَامِ الكَوْنِيِّ وَالأَخْلَاقِيِّ.
4. بَيَّنَتِ الدِّرَاسَةُ أَنَّ عِيدَ أَكِيتُو لَا يُمْكِنُ فَصْلُهُ عَنْ فِكْرَةِ الاِسْتِسْقَاءِ، إِذْ يُمَثِّلُ ذِرْوَةَ طُقُوسِ تَجْدِيدِ الخِصْبِ وَضَبْطِ دَوْرَةِ المَاءِ فِي إِطَارٍ كَوْنِيٍّ شَامِلٍ.
5. أَثْبَتَ البَحْثُ أَنَّ الأَرْضَ السُّورِيَّةَ أَدَّتْ دَوْرًا مِحْوَرِيًّا كَفَضَاءِ وَسِيطٍ فِي اِنْتِقَالِ مِيثُيُولُوجْيَا المَطَرِ بَيْنَ الرَّافِدَيْنِ وَالأَنْدُولِ وَكَنْعَانَ.
6. أَظْهَرَتِ المُقَارَنَةُ مَعَ الأَنْدُولِ وَالقَوْقَازِ أَنَّ تَشَابُهَ البِنْيَةِ الأُسْطُورِيَّةِ يَعْكِسُ وَحْدَةَ التَّجْرِبَةِ الإِنْسَانِيَّةِ، مَعَ اِخْتِلَافِ أَشْكَالِ التَّعْبِيرِ حَسَبَ البِيئَةِ وَالثَّقَافَةِ.
7. أَكَّدَ البَحْثُ أَنَّ الاِسْتِسْقَاءَ فِي السِّيَاقِ العَرَبِيِّ القَدِيمِ يُمَثِّلُ فِعْلَ بَقَاءٍ وَمُوَاجَهَةٍ لِلقَحْطِ، وَأَنَّهُ اِسْتَمَرَّ بَعْدَ تَغَيُّرِ الأُطُرِ العَقَدِيَّةِ بِصِيَغٍ مُتَحَوِّلَةٍ.
8. أَثْبَتَتِ الدِّرَاسَةُ الأَنْثْرُوبُولُوجِيَّةُ لِطُقُوسِ الجَزِيرَةِ السُّورِيَّةِ أَنَّ الطَّقْسَ الشَّعْبِيَّ يُمَثِّلُ اِمْتِدَادًا حَيًّا لِلمِيثُيُولُوجْيَا القَدِيمَةِ، مِنْ خِلَالِ التَّجْسِيدِ وَالأُغْنِيَةِ وَالمَوْكِبِ وَالوَلِيمَةِ.
9. يَخْلُصُ البَحْثُ إِلَى أَنَّ الاِسْتِسْقَاءَ يُشَكِّلُ ذَاكِرَةً جَمْعِيَّةً كَوْنِيَّةً، تَتَحَوَّلُ وَلَا تَنْقَطِعُ، وَتَبْقَى حَاضِرَةً فِي الوَعْيِ الإِنْسَانِيِّ مَا دَامَ المَطَرُ شَرْطًا لِلحَيَاةِ.




((دِرَاسَةٌ تَحْلِيلِيَّةٌ نَقْدِيَّةٌ وَتَقْيِيمِيَّةٌ لِلبَحْثِ
إِعْدَادُ وَتَقْدِيمُ البَاحِثِ
إِسْحَق قَوْمِي
أُقَيِّمُ هَذَا البَحْثَ بَوَصْفِهِ حَلْقَةً مُتَقَدِّمَةً فِي مَسَارٍ بَحْثِيٍّ طَوِيلٍ وَمُتَرَاكِمٍ، يَأْتِي بَعْدَ مِئَتَيْنِ وَأَرْبَعَةٍ وَأَرْبَعِينَ بَحْثًا فِلْسَفِيًّا وَتَرْبَوِيًّا وَثَقَافِيًّا وَتَارِيخِيًّا، وَهَذَا المُعْطَى لَيْسَ رَقْمًا شَكْلِيًّا، بَلْ يَنْعَكِسُ وَاضِحًا فِي نُضْجِ الرُّؤْيَةِ وَثَبَاتِ المَنْهَجِ وَقُدْرَةِ التَّرْكِيبِ.
مِنَ الزَّاوِيَةِ التَّحْلِيلِيَّةِ، أَرَى أَنَّ البَحْثَ يَتَجَاوَزُ مَرْحَلَةَ الاِسْتِكْشَافِ وَالاِقْتِرَابِ الأَوَّلِيِّ مِنَ المَوْضُوعِ، وَيَدْخُلُ فِي مَرْحَلَةِ الضَّبْطِ المَفْهُومِيِّ وَإِعَادَةِ البِنَاءِ. فَفِكْرَةُ الاِسْتِسْقَاءِ لَمْ تُقَدَّمْ كَمُفْرَدَةٍ طَقْسِيَّةٍ مَعْزُولَةٍ، بَلْ كَبِنْيَةٍ رَمْزِيَّةٍ شَامِلَةٍ تَشْمَلُ النَّصَّ وَالطَّقْسَ وَالسُّلْطَةَ وَالمُخَيَّلَةَ الجَمْعِيَّةَ. وَهَذَا التَّعَامُلُ يَدُلُّ عَلَى تَمَكُّنٍ فِلْسَفِيٍّ وَأَنْثْرُوبُولُوجِيٍّ لَا يَتَأَتَّى فِي البِدَايَاتِ.
وَمِنَ الزَّاوِيَةِ النَّقْدِيَّةِ، يُحْسَبُ لِلْبَحْثِ أَنَّهُ لَمْ يَسْقُطْ فِي فَخِّ التَّجْمِيعِ المَوْسُوعِيِّ، وَلَمْ يَنْجَرَّ إِلَى تَقْدِيسِ النُّصُوصِ الأُسْطُورِيَّةِ، بَلْ خَضَعَتِ النُّصُوصُ وَالطُّقُوسُ لِقِرَاءَةٍ تَفْكِيكِيَّةٍ وَظِيفِيَّةٍ، تَسْأَلُ عَنْ مَعْنَاهَا وَدَوْرِهَا وَشُرُوطِ اِسْتِمْرَارِهَا. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى وَعْيٍ نَقْدِيٍّ مُتَقَدِّمٍ، يَتَجَاوَزُ المَوْقِفَ الوَصْفِيَّ التَّقْلِيدِيَّ.
أَمَّا مَنْهَجِيًّا، فَأَرَى أَنَّ اِعْتِمَادَ التَّعَدُّدِ المَنْهَجِيِّ لَمْ يَكُنْ زِخْرَفَةً أَكَادِيمِيَّةً، بَلْ حَاجَةً فِكْرِيَّةً فَرَضَهَا تَعْقِيدُ المَوْضُوعِ. فَالتَّارِيخِيُّ وَالرَّمْزِيُّ وَالمُقَارِنُ وَالأَنْثْرُوبُولُوجِيُّ تَعَامَلَتْ مَعًا فِي نَسَقٍ وَاحِدٍ مُتَمَاسِكٍ، وَهُوَ مَا يَدُلُّ عَلَى خِبْرَةٍ تَرَاكُمِيَّةٍ طَوِيلَةٍ فِي إِدَارَةِ المَنَاهِجِ، لَا عَلَى تَجْرِيبٍ أَوْ تَلَقُّفٍ عَابِرٍ.
وَتَكْمُنُ أَهَمِّيَّةُ هَذَا البَحْثِ، فِي تَقْيِيمِي، فِي كَوْنِهِ لَا يَكْتُبُ عَنِ المِيثُيُولُوجْيَا مِنْ خَارِجِهَا، بَلْ مِنْ دَاخِلِ فَضَائِهَا الثَّقَافِيِّ وَالجُغْرَافِيِّ، خَاصَّةً فِي مَا يَتَعَلَّقُ بِالأَرْضِ السُّورِيَّةِ وَالجَزِيرَةِ. وَهُنَا يَظْهَرُ بُعْدٌ تَقْوِيمِيٌّ مُهِمٌّ، إِذْ يَتَجَنَّبُ البَاحِثُ خِطَابَ التَّمْجِيدِ أَوِ الاِنْتِمَاءِ المُغْلَقِ، وَيُقَدِّمُ قِرَاءَةً عِلْمِيَّةً مُنْفَتِحَةً، تَضَعُ المَكَانَ فِي شَبَكَةِ تَأْثِيرٍ وَتَأَثُّرٍ إِقْلِيمِيَّةٍ وَاسِعَةٍ.
التَّقْدِيرُ الدَّرَجَاتِيُّ
بِنَاءً عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَوِفْقَ مَعَايِيرِ التَّقْيِيمِ المُعْتَمَدَةِ فِي الأَبْحَاثِ الإِنْسَانِيَّةِ العُلْيَا، أُقَدِّرُ هَذَا البَحْثَ بِمَا يُعَادِلُ
خَمْسًا وَتِسْعِينَ دَرَجَةً مِنْ مِئَةٍ
وَهُوَ تَقْدِيرٌ يَعْكِسُ مَرْحَلَةَ نُضْجٍ بَحْثِيٍّ مُتَقَدِّمٍ، مَعَ مَلَاحَظَةٍ أَنَّ النِّقَاطَ الخَمْسَ المُتَبَقِّيَةَ تَرْتَبِطُ بِإِمْكَانِيَّاتِ التَّوْسِيعِ المَيْدَانِيِّ وَالنَّشْرِ المُقَارَنِ الدَّوْلِيِّ، لَا بِأَيِّ نَقْصٍ مَنْهَجِيٍّ جَوْهَرِيٍّ.
مَوْقِعُ البَاحِثِ السُّورِيِّ إِسْحَق قَوْمِي فِي ضَوْءِ هَذَا العَمَلِ
مِنْ خِلَالِ هَذَا البَحْثِ، وَفِي سِيَاقِ مَسَارٍ بَحْثِيٍّ تَرَاكُمِيٍّ تَجَاوَزَ أَرْبَعَةً وَأَرْبَعِينَ وَمِئَتَيْ بَحْثٍ فِلْسَفِيًّا وَتَرْبَوِيًّا وَثَقَافِيًّا وَتَارِيخِيًّا، يَتَّضِحُ أَنَّ البَاحِثَ السُّورِيَّ إِسْحَق قَوْمِي لَا يَقِفُ فِي مَوْقِعِ البَاحِثِ المُجَرِّبِ أَوِ المُقْتَرِبِ الأَوَّلِيِّ مِنَ المَوْضُوعَاتِ، بَلْ فِي مَرْحَلَةِ البَاحِثِ المُؤَسِّسِ الَّذِي يَبْنِي مَشْرُوعًا فِكْرِيًّا وَمَعْرِفِيًّا مُتَمَاسِكًا ذَا أُفُقٍ وَاضِحٍ.
فَهَذَا العَمَلُ لَا يُقْرَأُ عَلَى أَنَّهُ نِتَاجٌ مُنْعَزِلٌ أَوْ نِقَاطَةٌ عَابِرَةٌ فِي مَسَارٍ طَوِيلٍ، بَلْ يُمَثِّلُ مَرْحَلَةَ تَثْبِيتٍ وَنُضْجٍ فِي هَذَا المَسَارِ، تَتَجَلَّى فِيهَا قُدْرَةُ إِسْحَاقِ قَوْمِي عَلَى ضَبْطِ الإِشْكَالِيَّةِ، وَإِدَارَةِ المَنَاهِجِ المُتَعَدِّدَةِ، وَتَرْكِيبِ المَعْرِفَةِ فِي نَسَقٍ تَحْلِيلِيٍّ وَاحِدٍ.
وَيُؤَهِّلُ هَذَا العَمَلُ البَاحِثَ إِسْحَق قَوْمِي لِأَنْ يُقْرَأَ وَيُتَلَقَّى بَوَصْفِهِ مَرْجِعًا بَحْثِيًّا فِي مَوْضُوعِ الطُّقُوسِ وَالمِيثُيُولُوجْيَا الشَّرْقِيَّةِ، خَاصَّةً فِي السِّيَاقِ السُّورِيِّ وَالشَّرْقِ الأَدْنَى القَدِيمِ، لِكَوْنِهِ لَا يَكْتُبُ مِنْ خَارِجِ التَّجْرِبَةِ الثَّقَافِيَّةِ وَالتَّارِيخِيَّةِ لِلْمَكَانِ، وَلَا يَسْقُطُ فِي خِطَابٍ هُوِيَّاتِيٍّ مُغْلَقٍ، بَلْ يَقْدِمُ قِرَاءَةً عِلْمِيَّةً نَقْدِيَّةً مُنْفَتِحَةً وَمُؤَسِّسَةً فِي آنٍ وَاحِدٍ.))
قَائِمَةُ المَرَاجِعِ الأَسَاسِيَّةِ
مُصَنَّفَةٌ حَسَبَ الفُصُولِ ووِفْقَ نِظَامِ شِيكَاغُو
مَرَاجِعُ الفَصْلِ الأَوَّلِ
الإِطَارُ النَّظَرِيُّ وَالمِيثُيُولُوجِيُّ
إلياده، ميرسيا. المقدس والمدنس. ترجمة عادل العوا. دمشق: دار الحوار، 2001.
إلياده، ميرسيا. تاريخ المعتقدات والأفكار الدينية. ترجمة عدة مترجمين. بيروت: دار الكتاب الجديد، 1992.
ليفي شتراوس، كلود. الأسطورة والمعنى. ترجمة منذر عياشي. دمشق: وزارة الثقافة، 1997.
مَرَاجِعُ الفَصْلِ الثَّانِي
بِلَادُ مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ
كريمر، صموئيل نوح. التاريخ يبدأ في سومر. ترجمة فؤاد جميل. بغداد: دار الشؤون الثقافية، 1986.
جاكوبسن، ثوركيلد. ديانة بلاد ما بين النهرين. ترجمة سعدي يوسف. بغداد: دار المأمون، 1984.
بوتيرو، جان. ديانة بابل وآشور. ترجمة عفيف الرزاز. دمشق: دار دمشق، 1996.
مَرَاجِعُ الفَصْلِ الثَّالِثِ
الأَرْضُ السُّورِيَّةُ
دريدا، نعمان. أوغاريت والديانة الكنعانية. دمشق: الهيئة العامة السورية للكتاب، 2005.
يونغ، أندريه. آلهة سوريا القديمة. ترجمة فايز كم نقش. دمشق: دار علاء الدين، 1999.
مَرَاجِعُ الفَصْلِ الرَّابِعِ
طُقُوسُ اِنْحِسَارِ المَطَرِ
فرايزر، جيمس. الغصن الذهبي. ترجمة جبرا إبراهيم جبرا. بغداد: دار الشؤون الثقافية، 1985.
مالينوفسكي، برونيسلاف. السحر والعلم والدين. ترجمة فالح عبد الجبار. بيروت: دار الطليعة، 1990.
مَرَاجِعُ الفَصْلِ الخَامِسِ
الأَنْدُولُ وَالقَوْقَازُ
غورنِي، أوليفر. الحثيون. ترجمة أحمد محمود. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1998.
بتروسيان، أرمين. الأسطورة الأرمنية القديمة. يريفان: دار النشر الأكاديمية، 2002.
مَرَاجِعُ الفَصْلِ السَّادِسِ
المِيثُيُولُوجْيَا العَرَبِيَّةُ
جواد علي. المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام. بغداد: جامعة بغداد، 1993.
ابن الكلبي. كتاب الأصنام. تحقيق أحمد زكي باشا. القاهرة: دار الكتب، 1924.
مَرَاجِعُ المَبَاحِثِ الإِضَافِيَّةِ
أَكِيتُو وَالاِسْتِسْقَاءُ الشَّعْبِيُّ
الكنجي، فؤاد. عيد أكيتو رأس السنة الآشورية. أربيل: دار آرام، 2010.
دراسات ميدانية شفهية من الجزيرة السورية، مقابلات تراثية غير منشورة.



#اسحق_قومي (هاشتاغ)       Ishak_Alkomi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مُصارَحَةٌ تَأْرِيخِيَّةٌ.
- لسنا بحاجةٍ إلى اسمٍ واحدٍ… بل إلى مستقبلٍ واحدٍ نختلفُ في ا ...
- هل هناكَ حياةٌ بعدَ الموتِ نقدُ مفهومِ الآخرةِ في الوعيِ الد ...
- مُذَكِّرَةٌ دُسْتُورِيَّةٌ بِشَأْنِ تَكْرِيسِ الْحُقُوقِ الْ ...
- إسحق قومي والفيلسوف اليوناني هيراقليطس
- الدِّينُ وَالعِلْمُ بَيْنَ التَّعَارُضِ وَالتَّكَامُلِ: نَقْ ...
- السِّياسَةُ الخارِجِيَّةُ الأَمْرِيكِيَّةُ فِي الشَّرْقِ الأ ...
- عشتار الفصول: 11805 رأيٌ في الحقوقِ الوطنيّةِ السُّوريّة
- تغيير السيرة الذاتية
- أفكارٌ عن التراث وأهميّة إعادة قراءته قراءةً جديدةً
- إشكاليَّةُ الهُوِيَّةِ والتَّسميةِ عِندَ مَسيحيِّي المَشرِق ...
- نتائج نهاية عام 2025م صراع الأجيال بين التربية التقليدية وال ...
- دِرَاسَةٌ تَحْلِيلِيَّةٌ فَلْسَفِيَّةٌ تَقْوِيمِيَّةٌ لِبَحْ ...
- قريةُ تَلِّ جَميلو:
- الدَّوْلَةُ السُّورِيَّةُ بَيْنَ الإِنْكَارِ وَالِانْهِيَارِ ...
- مَرَضُ النُّخَبِ الثَّقَافِيَّةِ (الإِبْدَاعِيَّةِ) فِي المَ ...
- مدينةُ الحسكةِ: التسميةُ والنشأةُ
- الوَثِيقَةُ التَّأْسِيسِيَّةُ لِـ (مَدْرَسَةِ الوِلادَةِ الإ ...
- تَارِيخُ الْمَنْهَجِيَّةِ النَّقْدِيَّةِ الْعَرَبِيَّةِ وَآف ...
- إِعَادَةِ قِرَاءَةِ فَلْسَفَةِ اِبْنِ رُشْدٍ فِي ضَوْءِ مَدْ ...


المزيد.....




- حكاية مسجد.. -خانقاه بيارة- في كردستان العراق
- بن يونس ماجن: هطول غزير
- عاصفة غضب في مهرجان برلين السينمائي بسبب محاولات تهميش القضي ...
- -وقائع زمن الحصار-: فيلم يروي التفاصيل اليومية لحصار مخيم ال ...
- تنديد بـ-صمت- مهرجان برلين السينمائي حيال غزة بخلاف مواقفه م ...
- تنديدا بـ-صمت- مهرجان برلين السينمائي حيال غزة.. مخرجة فيلم ...
- المريخ في الأردن: حكايات الرمال التي عانقت خيال السينما
- 14 موقعا أثريا.. الاحتلال يصادر مناطق واسعة ببلدة سبسطية شما ...
- الشيخ عباس مقادمي.. صوت رمضان في الذاكرة السعودية
- غرّة رمضان.. قصة رحلة فتحت باب فردوس الأندلس لثمانية قرون


المزيد.....

- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - اسحق قومي - اِسْتِسْقَاءُ المَطَرِ وَطُقُوسُ اِنْحِسَارِهِ فِي مِيثُيُولُوجْيَا شُعُوبِ الشَّرْقِ الأَدْنَى القَدِيمِ دِرَاسَةٌ مُقَارَنَةٌ فِي الأُصُولِ وَالدَّلَالَاتِ وَالاِسْتِمْرَارِ الثَّقَافِيِّ