أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم - اسحق قومي - لسنا بحاجةٍ إلى اسمٍ واحدٍ… بل إلى مستقبلٍ واحدٍ نختلفُ في التسميةِ… وسنندثرُ إن لم نتّحدْ















المزيد.....



لسنا بحاجةٍ إلى اسمٍ واحدٍ… بل إلى مستقبلٍ واحدٍ نختلفُ في التسميةِ… وسنندثرُ إن لم نتّحدْ


اسحق قومي
شاعرٌ وأديبٌ وباحثٌ سوري يعيش في ألمانيا.

(Ishak Alkomi)


الحوار المتمدن-العدد: 8618 - 2026 / 2 / 14 - 20:15
المحور: اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم
    


استهلال
عندما يصبحُ ما يجري على أرضِ الواقعِ، أو عبرَ وسائلِ التواصلِ الاجتماعيِّ، شأنًا يمسُّ أبناءَ جلدتِنا مباشرةً، فإنّ المسؤوليةَ تقتضي تفكيرًا واقعيًّا متزنًا، بعيدًا عن العاطفةِ الهوجاءِ، وعن الأهدافِ الآنيّةِ والقصيرةِ المدى. فالتعاملُ مع قضايا مصيريّةٍ لا يحتملُ الانفعالَ، بل يستدعي قراءةً عقلانيّةً عميقةً تُفضي إلى مقترحاتٍ عمليّةٍ، قد تبدو للبعضِ، ولا سيّما للمتعصّبين لهذه التسميةِ أو تلك، وكأنّها عواملُ انقسامٍ، بينما هي في حقيقتِها محاولاتُ إنقاذٍ من واقعٍ متأزّمٍ يعيشه أبناءُ شعبِنا.
وانطلاقًا من ذلك، يصبحُ التحقّقُ من كلِّ ما يُنشرُ ويُتداولُ عبرَ وسائلِ التواصلِ الاجتماعيِّ أمرًا بالغَ الأهميّةِ، إذ إنّ كثيرًا من الخطاباتِ المتداولةِ لا تخلو من غاياتٍ تدميريّةٍ، تسعى إلى تأجيجِ الخلافاتِ، وزرعِ الفتنةِ، ودفعِ أبناءِ الشعبِ الواحدِ إلى صراعاتٍ داخليّةٍ تستنزفُ ما تبقّى من مقوّماتِ الصمودِ والوجودِ. ومن هنا، فإنّ اليقظةَ والوعيَ النقديَّ لم يعودا خيارًا، بل ضرورةً وجوديّةً.
وفي هذا السياقِ، لا يتناقضُ هذا الطرحُ مع ما كُتبَ سابقًا حولَ أنّ الاسمَ القوميَّ المعترفَ به هو السريانيّ الآشوريّ أو الآشوريّ السريانيّ، ولا مع الدعوةِ إلى تسميةٍ قوميّةٍ واحدةٍ، وعلمٍ واحدٍ، وتسميةٍ موحّدةٍ للغةِ. غيرَ أنّ ما نشهده اليومَ من تصعيدٍ حادٍّ، وخطابٍ متفلّتٍ يخرجُ عن الأطرِ الدبلوماسيّةِ والعقلانيّةِ، يفرضُ علينا تبنّي موقفٍ واضحِ المعالمِ، يؤسّسُ لمرحلةٍ قادمةٍ قوامُها الحوارُ المنظَّمُ، وعقدُ الاجتماعاتِ والمؤتمراتِ الجامعةِ لمختلفِ الفرقاءِ، تمهيدًا للوصولِ إلى صيغةٍ قوميّةٍ ناضجةٍ تقومُ على التوافقِ لا الإقصاءِ.
إنّ سعينا إلى الوحدةِ ليس دعوةً شعاريّةً، ولا مشروعًا إلغائيًّا كما قد يتوهّمُ بعضُ المتعصّبين، بل هو محاولةٌ واعيةٌ لإدارةِ الخلافِ، وترميمِ ما تكسّر، واستعادةِ القدرةِ على الفعلِ الجماعيِّ. فنحنُ اليومَ نقفُ على مفترقِ طرقٍ حاسمٍ، إمّا أن يقودَ إلى مزيدٍ من التشتّتِ والضياعِ، وإمّا أن يفتحَ أفقًا جديدًا، شرطَ أن نُحسنَ قيادةَ المرحلةِ، ونضمدَ جراحاتِنا، ونلمَّ شتاتَنا بإرادةٍ مسؤولةٍ ورؤيةٍ بعيدةِ المدى. والطريقةُ التي سنعرضُها لاحقًا تعبّرُ عن هذا التصوّر، وهي رؤيةٌ مقترحةٌ غيرُ مُلزِمةٍ، مفتوحةٌ للنقاشِ والتطويرِ، انطلاقًا من الإيمانِ بأنّ الحوارَ الجادَّ هو المدخلُ الوحيدُ إلى الخلاصِ الجماعيِّ.
الملخّص التنفيذي
تعالج هذه الوثيقة إشكالية الانقسام حول التسمية القومية داخل شعب واحد بتسميات متعدّدة (الكلدانية، الآشورية، السريانية، الآرامية، المارونية)، وتقدّم مقاربة تحليلية وسياسية وحقوقية تقوم على إدارة التعدّد لا إنكاره، وعلى توحيد الخطاب والمطالب في القضايا المصيرية دون فرض هوية واحدة.
تنطلق الوثيقة من تشخيص واقعي يعتبر أن الخطر الحقيقي لا يكمن في التنوّع الهويّاتي، بل في تحوّل التسمية إلى أداة صراع داخلي تُضعف القدرة على حماية الوجود التاريخي والإنساني، وصون اللغة، وضمان التعليم، وتأمين الحماية القانونية، وتحقيق التمثيل السياسي العادل.
وتقترح الوثيقة إطارًا تنسيقيًا حقوقيًا جامعًا، يقوم على الشراكة المتكافئة بين مختلف التسميات، وعلى حدٍّ أدنى مشترك غير قابل للمساومة، مع فصل واعٍ بين الخطاب الهويّاتي والعمل السياسي المشترك. كما تُرفق الوثيقة بمجموعة ملاحق تنظيمية عملية تهدف إلى تحويل هذا التصوّر من طرح فكري إلى نموذج حوكمة قابل للتطبيق أمام الجهات السياسية والحقوقية والإعلامية.
المتن
كثُرَتْ في الآونةِ الأخيرةِ الاتّهاماتُ، ووقعتْ مناكفاتٌ حقيقيّةٌ بشأنِ التسميةِ القوميّةِ بينَ أبناءِ الشعبِ الواحدِ بمختلفِ تسمياتِه التي ورثناها، على أقلِّ تقديرٍ، قبلَ مئتي عامٍ. ولما كانتْ أوضاعُنا مشرذمةً إلى درجةِ الضياعِ وفقدانِ الهويّةِ الوجوديّةِ، مع مناكفاتٍ بينَ المثقّفينَ وعامّةِ الشعبِ، وبينَ رجالِ الدينِ والساكتينَ عن الحقِّ، ممّن يمكنُهم إنقاذُ الموقفِ في هذه المحطّةِ، أرى أنْ نتوحّدَ في سبيلِ الحفاظِ على وجودِنا مهما كانتِ التضحياتُ، وإن كانتِ الحقائقُ صادمةً.
ومن لا يُقدِّرْ خطورةَ ضياعِنا، فهو أخطرُ من الأعداءِ الذين يحيكونَ لبعضِ ضعافِ النفوسِ منّا قضايا خلافيّةً تُصيبُنا في المقتلِ، حتّى نصلَ إلى نهايتِنا إلى الأبدِ.
وقبلَ الدخولِ في مجموعةِ المقترحاتِ، أطرحُ سؤالًا جوهريًّا: هل نحنُ مصابونَ بعُقدةِ وصَنَميّةِ التسميةِ؟ ولماذا لا نتّفقُ على تسميةٍ جديدةٍ نستنتجُها من تسمياتِنا القوميّةِ، ونعملُ على وحدتِنا، ما دامَ ما يجمعُنا أكبرَ من انقساماتِنا وإشكاليّةِ تسميتِنا؟ هل هذا ممكنٌ؟ نعم، ممكنٌ حينَ نكونُ عقلاءَ.
شعبٌ واحدٌ وتعدّدُ تسمياتٍ
نحنُ شعبٌ واحدٌ، مهما تعدّدتْ تسمياتُنا الكلدانيّةُ والأشوريّةُ والآراميّةُ السريانيّةُ والمارونيّةُ. هذه التسمياتُ لم تنشأ عبثًا، بل هي امتدادٌ لمساراتٍ تاريخيّةٍ وكنسيّةٍ وثقافيّةٍ متنوّعةٍ داخلَ إطارٍ حضاريٍّ وإنسانيٍّ واحدٍ. ومع ذلكَ، تتعمّقُ اليومَ الانقساماتُ بينَ أبناءِ هذا الشعبِ الواحدِ، ولا سيّما مع التصريحاتِ الواضحةِ التي تؤكّدُ أنّ الكلدانَ ليسوا أشوريينَ ولا سريانَ، بل كلدانٌ فقط.
من وجهةِ نظري، لا ينبغي التعاملُ مع هذه التصريحاتِ بوصفِها سببَ الأزمةِ، بل بوصفِها تعبيرًا صريحًا عن واقعٍ هويّاتيٍّ قائمٍ منذُ زمنٍ طويلٍ. فالمشكلةُ أعمقُ من تصريحٍ أو موقفٍ فرديٍّ، وهي مرتبطةٌ بتراكماتٍ تاريخيّةٍ وباختلافاتٍ في الوعيِ الذاتيِّ والانتماءِ، تفاقمتْ في زمنٍ نحنُ فيه أصلًا مهدَّدونَ في وجودِنا. وحينَ لا يبقى من أبناءِ هذا الشعبِ على أرضِ أجدادِه سوى نسبةٍ ضئيلةٍ جدًّا، يصبحُ الصراعُ الداخليُّ حولَ التسميةِ خطرًا وجوديًّا لا مجرّدَ خلافٍ فكريٍّ.
فشلُ التوحيدِ القسريّ
لهذا، أجدُ أنّ الدعوةَ إلى توحيدِ التسميةِ، سواءٌ بالقسرِ أو حتى بالترغيبِ، دعوةٌ غيرُ واقعيّةٍ، بل أقربُ إلى طرحٍ مثاليٍّ منفصلٍ عن الواقعِ النفسيِّ والاجتماعيِّ. فالهويةُ لا تُفرَضُ بقرارٍ، ولا تُصاغُ ببيانٍ، بل تُعاشُ وتُحمَلُ في الوعيِ والذاكرةِ والتجربةِ. وكلُّ محاولةٍ لفرضِ هويةٍ واحدةٍ ستؤدّي حتمًا إلى نتائجَ عكسيّةٍ، وإلى مزيدٍ من التشرذمِ بدلَ الوحدةِ.
إدارةُ التعدّد بدلَ إنكاره
انطلاقًا من ذلكَ، أطرحُ مقاربةً مختلفةً تقومُ أوّلًا على الإقرارِ الكاملِ بجميعِ التسمياتِ القائمةِ، دونَ نفيٍ أو تشكيكٍ أو تصنيفٍ هرميٍّ. لكلِّ تسميةٍ حقُّها المشروعُ في الوجودِ، ولكلِّ جماعةٍ أن تعتزَّ باسمِها وتراثِها وخصوصيّتِها الكنسيّةِ والثقافيّةِ، بل وبرمزِها وعلمِها، ما دامَ هذا الاعتزازُ لا يتحوّلُ إلى أداةِ إقصاءٍ أو إنكارٍ للآخرينَ.
وفي الوقتِ نفسِه، يجبُ أن يُدارَ هذا التعدّدُ الهويّاتيُّ بعقلانيّةٍ، بحيثُ لا يتحوّلُ إلى انقسامٍ سياسيٍّ أو تناحرٍ في المطالبِ. لذلكَ، أؤمنُ بضرورةِ العملِ على وحدةٍ صارمةٍ في الخطابِ السياسيِّ، وفي المطالبِ التاريخيّةِ والحقوقيّةِ، وفي القضايا المصيريّةِ المتعلّقةِ بالأرضِ واللغةِ والتعليمِ والوجودِ والحمايةِ القانونيّةِ والتمثيلِ السياسيِّ. هذه الوحدةُ ليست وحدةَ تسميةٍ، بل وحدةَ موقفٍ ومصلحةٍ ومصيرٍ.
الخطرُ الحقيقيّ
في النهايةِ، أقولُ بوضوحٍ: الخطرُ الحقيقيُّ لا يكمنُ في أن يقولَ أحدُنا أنا كلدانيٌّ، أو أنا أشوريٌّ، أو أنا سريانيٌّ، أو أنا آراميٌّ، أو أنا مارونيٌّ، بل يكمنُ في أن تتحوّلَ هذه الهويّاتُ إلى جدرانٍ نفسيّةٍ وسياسيّةٍ تعزلُنا عن بعضِنا، في وقتٍ نحنُ أحوجُ ما نكونُ فيه إلى الحدِّ الأدنى من التماسكِ العقلانيِّ. أمّا التعدّدُ المُقَرُّ، المقترنُ بوحدةِ المطالبِ والعملِ السياسيِّ، فهو الخيارُ الواقعيُّ الوحيدُ المتبقّي لشعبٍ يواجهُ خطرَ الذوبانِ لا خطرَ الاختلافِ.
آليّات إنقاذ الموقف وصدّ الاندثار
أمّا السؤالُ الجوهريُّ الذي يفرضُ نفسَه بعدَ هذا التشخيصِ، فهو: كيف نُنقذُ الموقفَ عمليًّا، وكيف يمكنُ لهذه التسمياتِ المتعدّدةِ أن تتعاونَ في سبيلِ هدفٍ واحدٍ، دونَ أن يلغيَ أحدُها الآخرَ أو يذوبَ فيه؟ في رأيي، لا يبدأُ الجوابُ من الخطابِ العاطفيِّ أو الشعاراتِ الكبرى، بل من آليّاتٍ واقعيّةٍ قابلةٍ للتنفيذِ، تقومُ على إدارةِ الاختلافِ لا إنكارِه.
أوّلُ هذه الآليّاتِ يتمثّلُ في إنشاءِ إطارٍ تنسيقيٍّ جامعٍ، لا يقومُ على توحيدِ الهويّةِ أو التسميةِ، بل على توحيدِ الأولويّاتِ الوجوديّةِ. إطارٌ يضمُّ ممثّلينَ عن مختلفِ التسمياتِ، السياسيّةِ والكنسيّةِ والثقافيّةِ، على قاعدةِ الشراكةِ المتكافئةِ، لا الهيمنةِ ولا الوصايةِ، ويكونُ هدفُه الوحيدُ صياغةَ موقفٍ مشتركٍ في القضايا المصيريّةِ التي تهدّدُ الوجودَ الجماعيَّ.
وثانيًا، لا بدّ من الاتفاقِ الصريحِ على حدٍّ أدنى مشتركٍ غيرِ قابلٍ للمساومةِ، يتمثّلُ في حمايةِ الوجودِ على الأرضِ التاريخيّةِ، وصونِ اللغةِ، وضمانِ التعليمِ الثقافيِّ، والدفاعِ عن الحقوقِ القانونيّةِ والسياسيّةِ. هذا الحدُّ الأدنى لا يطالبُ أحدًا بالتخلّي عن اسمِه أو رمزه، بل يطالبُ الجميعَ بعدمِ استخدامِ هذه الرموزِ ضدّ بعضِهم بعضًا.
وثالثًا، تقتضي الواقعيّةُ فصلًا عمليًّا واضحًا بين الخطابِ الهويّاتيِّ والخطابِ السياسيِّ. فلكلِّ جماعةٍ الحقُّ في خطابِها الثقافيِّ والكنسيِّ الخاصِّ، لكن حينَ يتعلّقُ الأمرُ بالوجودِ، والمطالبِ الحقوقيّةِ، والعلاقةِ مع الدولةِ أو المجتمعِ الدوليِّ، يجبُ أن يُقدَّمَ خطابٌ واحدٌ متّفقٌ عليه، لأنّ التشتّتَ في هذا المجالِ أحدُ أخطرِ أسبابِ التهميشِ والاستضعافِ.
ورابعًا، لا ينجحُ أيُّ تنسيقٍ من دونِ بناءِ ثقةٍ تدريجيّةٍ، تبدأُ بمشاريعَ عمليّةٍ ملموسةٍ لا خلافَ عليها، مثلَ دعمِ التعليمِ باللغةِ الأمّ، وحمايةِ القرىِ المتبقّيةِ، وتوثيقِ الذاكرةِ الجماعيّةِ، والعملِ الإغاثيِّ والاجتماعيِّ المشتركِ في الداخلِ والمهجرِ. فالتعاونُ العمليُّ يسبقُ الثقةَ الكاملةَ، لا العكسُ.
وأخيرًا، أؤمنُ أنّ إنقاذَ الموقفِ لا يتحقّقُ بخطابِ الضحيّةِ وحدَه، ولا بصراعاتِ التسمياتِ، بل بانتقالٍ واعٍ من سؤالِ من نحنُ إلى سؤالِ كيف نبقى. حينَ يصبحُ البقاءُ هدفًا مشتركًا أعلى من الاسمِ، تتحوّلُ التسمياتُ من خطوطِ انقسامٍ إلى دوائرِ تنوّعٍ داخلَ مشروعٍ واحدٍ. عندها فقط، يمكنُ لهذا الشعبِ، بتعدّدِ أسمائِه ووحدةِ مصيرِه، أن يوقفَ مسارَ الاضمحلالِ بدلَ أن يُسرِّعَه بيدِه.
من آليّات الإنقاذ إلى الالتزام الجماعيّ
إنّ هذه الآليّاتِ لا تكتسبُ معناها الحقيقيَّ ما لم تتحوّلْ من تصوّرٍ فكريٍّ إلى التزامٍ عمليٍّ واضحٍ، يُعبَّرُ عنه بإطارٍ جامعٍ، وخطابٍ مسؤولٍ، وإرادةٍ واعيةٍ تدركُ حجمَ الخطرِ وضرورةَ الفعلِ. ومن هنا، لا أرى في هذا الطرحِ مجرّدَ دعوةٍ نظريّةٍ، بل أرضيّةً واقعيّةً لإطلاقِ بيانٍ تأسيسيٍّ يُترجِمُ هذه الرؤيةَ إلى موقفٍ مُلزِمٍ أخلاقيًّا وسياسيًّا.
البيانُ التأسيسيُّ
أيّها الإخوةُ الكرامُ،
نلتقي اليومَ، ونحنُ نُدركُ أنّ شعبَنا، على اختلافِ تسمياتِه ومرجعيّاتِه التاريخيّةِ، قد دفعَ ثمنًا باهظًا من وجودِه وأمنِه واستقرارِه، لا بسببِ الاستهدافِ الخارجيِّ وحدَه، بل أيضًا بسببِ تشظّي الخطابِ واختلاطِ المساراتِ السياسيّةِ، وتقديمِ الخلافِ الداخليِّ على الخطرِ الوجوديِّ.
إنّ الحقيقةَ التي لا يجوزُ تجاهلُها هي أنّ التعدّدَ في التسمياتِ القوميّةِ والكنسيّةِ حقيقةٌ راسخةٌ في واقعِنا وتاريخِنا، وليس مشكلةً في ذاتِه. إنّما تتحوّلُ هذه الحقيقةُ إلى خطرٍ حينَ يُساءُ إدارتُها، أو حينَ تُستَخدمُ أداةً للإقصاءِ، أو وسيلةً لتبريرِ الانقسامِ والتقاعسِ عن العملِ المشتركِ.
ومن هذا المنطلقِ، نؤكّدُ أنّ عملَ كلِّ تسميةٍ ضمنَ إطارِها القوميِّ والثقافيِّ والكنسيِّ هو حقٌّ مشروعٌ، بل خيارٌ واقعيٌّ وناضجٌ، ما دامَ لا يتحوّلُ إلى قطيعةٍ سياسيّةٍ أو خطابٍ متناقضٍ في القضايا المصيريّةِ. فالتعدّدُ المحترَمُ لا يتناقضُ مع وحدةِ المصيرِ، بل يحتاجُ إلى إدارةٍ واعيةٍ تَحولُ دونَ تحوّلِه إلى صراعٍ داخليٍّ مُدمِّرٍ.
وفي الوقتِ نفسِه، نرفضُ أن يكونَ هذا التعدّدُ سببًا لتضاربِ الخطابِ السياسيِّ أو لتفكّكِ المطالبِ الحقوقيّةِ. فالخطابُ السياسيُّ والحقوقيُّ، حينَ يتعلّقُ الأمرُ بالوجودِ، والأرضِ، واللغةِ، والأمنِ، والتمثيلِ، يجبُ أن يكونَ واحدًا، واضحًا، ومتّسقًا، يُعبِّرُ عن المصالحِ المشتركةِ دونَ تفاضلٍ أو إقصاءٍ.
إنّ وحدةَ الخطابِ لا تعني وحدةَ الهويّةِ، وإنّ التنسيقَ السياسيَّ لا يعني إذابةَ الخصوصيّاتِ. بل هو تنسيقٌ يقومُ على مبادئَ واضحةٍ، في مقدّمتِها حمايةُ الوجودِ، وصونُ اللغةِ، وتثبيتُ الحقوقِ الثقافيّةِ والتعليميّةِ والإداريّةِ، وتحقيقُ تمثيلٍ سياسيٍّ عادلٍ وحقيقيٍّ.
ومن هنا، نرى أنّ الانتقالَ من مرحلةِ التشخيصِ إلى مرحلةِ الفعلِ يتطلّبُ إطارًا تنسيقيًّا حقوقيًّا، يُترجِمُ هذه المبادئَ إلى عملٍ منظَّمٍ، ويُشكِّلُ أداةً ديمقراطيّةً لتجميعِ الجهودِ، لا بديلًا عن الهويّاتِ، ولا منصّةً لإلغائِها، بل جسرًا للتعاونِ القائمِ على الاحترامِ والاختيارِ الحرِّ.
إنّنا لا ندعو إلى وحدةٍ مفروضةٍ، ولا إلى مشروعٍ شعاريٍّ، بل إلى شراكةٍ واعيةٍ بينَ تسمياتٍ حرّةٍ، تعملُ كلُّها في مجالِها، وتلتقي في خطابٍ سياسيٍّ وحقوقيٍّ واحدٍ، قويٍّ ومؤثّرٍ، يضعُ البقاءَ في مرتبةٍ أعلى من الاسمِ، والمصيرَ في مرتبةٍ أعلى من الخلافِ.
هذا هو الأساسُ الذي ننطلقُ منه،
وهذا هو الطريقُ الذي نراهُ ممكنًا،
وهذا هو الحدُّ الأدنى من المسؤوليّةِ أمامَ شعبٍ يواجهُ خطرَ الاضمحلالِ.
النظامُ الأساسيُّ للمجلسِ التنسيقيِّ الحقوقيِّ
التأسيسُ والهدفُ
يُؤسَّسُ بموجبِ هذا النظامِ مجلسٌ تنسيقيٌّ حقوقيٌّ يضمُّ ممثّلينَ عن الكلدانِ والآشوريّينَ والسريانِ، ويهدفُ إلى توحيدِ الجهودِ السياسيّةِ والحقوقيّةِ في القضايا المصيريّةِ، دونَ المساسِ بالهويّاتِ القوميّةِ أو التسمياتِ التاريخيّةِ لأيِّ طرفٍ.
يعملُ المجلسُ على تمثيلِ المصالحِ المشتركةِ أمامَ السلطاتِ التشريعيّةِ والتنفيذيّةِ، وعلى متابعةِ تنفيذِ الحقوقِ الثقافيّةِ والتعليميّةِ والإداريّةِ، والدفاعِ عن الوجودِ التاريخيِّ والإنسانيِّ على الأرضِ.
المبادئُ الحاكمةُ
يقومُ عملُ المجلسِ على المبادئِ الآتيةِ:
احترامُ التعدّدِ الهويّاتيِّ والتسمياتِ التاريخيّةِ،
رفضُ الإقصاءِ والتخوينِ والمزايدةِ،
الفصلُ بينَ الخلافِ الهويّاتيِّ والعملِ السياسيِّ،
وحدةُ الخطابِ في القضايا المصيريّةِ،
الشراكةُ المتكافئةُ وعدمُ الهيمنةِ أو الوصايةِ.
التمثيلُ والعضويّةُ
يتكوّنُ المجلسُ من أعضاءٍ يُمثّلونَ المكوّناتِ القوميّةَ المعنيّةَ، ويُراعى في اختيارِهم مبدأُ التوازنِ والمساواةِ ومنعُ الاستئثارِ.
يُختارُ الأعضاءُ بآليّاتٍ ديمقراطيّةٍ شفّافةٍ تُقرُّها الهيئةُ التأسيسيّةُ، وتُحدَّدُ مدّةُ العضويّةِ وآليّاتُ التجديدِ وفقَ نظامٍ داخليٍّ خاصٍّ.
آليّاتُ اتخاذِ القرارِ
تُتَّخذُ القراراتُ المصيريّةُ والحقوقيّةُ الكبرى على أساسِ التوافقِ، حفاظًا على وحدةِ الموقفِ.
أمّا القراراتُ التنظيميّةُ والإجرائيّةُ فتُتَّخذُ بأغلبيّةٍ معزَّزةٍ تضمنُ عدمَ تهميشِ أيِّ طرفٍ.
الشفافيّةُ والمساءلةُ
يلتزمُ المجلسُ بمبادئِ النزاهةِ والشفافيّةِ والمساءلةِ، وبنشرِ أعمالِه وقراراتِه للرأيِ العامِّ، وبفصلِ العملِ السياسيِّ عن الخلافاتِ الهويّاتيّةِ والتاريخيّةِ.
حلُّ الخلافاتِ
عندَ نشوءِ أيِّ خلافٍ فكريٍّ أو تاريخيٍّ أو سياسيٍّ، يُحالُ الأمرُ إلى لجانٍ استشاريّةٍ مختصّةٍ، دونَ أن يؤدّيَ ذلكَ إلى تعطيلِ عملِ المجلسِ أو شلِّ دورِه.
أحكامٌ ختاميّةٌ
هذا المجلسُ ليس بديلًا عن الهويّاتِ القوميّةِ، ولا منصّةً لإذابتِها، بل أداةٌ ديمقراطيّةٌ لتجميعِ القوّةِ وحفظِ الحقوقِ، وجسرٌ للتعاونِ القائمِ على الاحترامِ والاختيارِ الحرِّ.
النظامُ الداخليُّ للمجلسِ التنسيقيِّ الحقوقيِّ
الطبيعةُ التنظيميّةُ
المجلسُ هيئةٌ تنسيقيّةٌ تجميعيّةٌ، لا تحلُّ محلَّ الأحزابِ أو المؤسّساتِ القائمةِ، ولا تدّعي تمثيلَ هويّةٍ واحدةٍ، بل تُشكّلُ إطارًا لإدارةِ المصالحِ المشتركةِ وتوحيدِ الجهودِ.
أهدافُ المجلسِ
يهدفُ المجلسُ إلى:
الدفاعِ عن الحقوقِ السياسيّةِ والثقافيّةِ والتعليميّةِ والإداريّةِ،
حمايةِ الوجودِ التاريخيِّ والإنسانيِّ،
تعزيزِ المشاركةِ السياسيّةِ العادلةِ،
وتوحيدِ المطالبِ أمامَ السلطاتِ والجهاتِ المعنيّةِ.
آليّاتُ العملِ
يعتمدُ المجلسُ في عملِه على اللجانِ المتخصّصةِ، والتنسيقِ المستمرِّ بينَ أعضائِه، ووضعِ خططٍ مرحليّةٍ للمطالبِ الحقوقيّةِ، تشملُ حمايةَ الوجودِ، وتعزيزَ التعليمِ باللغةِ الأمِّ، وتثبيتَ الحقوقِ الإداريّةِ والثقافيّةِ، وضمانَ التمثيلِ السياسيِّ العادلِ.
التواصلُ والإعلامُ
يلتزمُ المجلسُ بخطابٍ إعلاميٍّ موحّدٍ في القضايا المصيريّةِ، ويُحظرُ استخدامُ منابرِه الرسميّةِ لتصفيةِ الخلافاتِ الهويّاتيّةِ أو التاريخيّةِ.
التعديلُ والتطويرُ
يبقى هذا النظامُ وثيقةً مفتوحةً للتطويرِ والتعديلِ وفقَ إرادةِ الأعضاءِ، وبما يخدمُ المصلحةَ العامّةَ للمكوّناتِ التي يمثّلُها المجلسُ.
الملاحق التنظيمية (مرافقة للوثيقة)
المطلب: حماية الوجود على الأرض التاريخية
مؤشر قياس التقدّم: برامج حماية، منع التغيير الديمغرافي، دعم قانوني/إداري
المطلب: صون اللغة والتعليم
مؤشر قياس التقدّم: إدراج اللغة في المناهج، مدارس/برامج تعليمية معتمدة، تدريب معلمين
المطلب: التمثيل السياسي والإداري
مؤشر قياس التقدّم: مقاعد/حصص تمثيلية، هيئات استشارية، مشاركة فعلية في القرار
المطلب: توثيق الذاكرة والانتهاكات
مؤشر قياس التقدّم: أرشيف موحد، تقارير دورية، شراكات حقوقية دولية
المطلب: دعم العودة والاستقرار
مؤشر قياس التقدّم: مشاريع إسكان، فرص عمل، بنى تحتية وخدمات
الملحق (2): ميثاق عدم الإقصاء
يلتزم الأطراف المنخرطون في الإطار التنسيقي بما يلي:
1. عدم تخوين أي تسمية أو نفي شرعيتها التاريخية أو الثقافية.
2. عدم مصادرة الرموز أو الذاكرة أو الخطاب الديني/الثقافي لأي طرف.
3. عدم احتكار التمثيل أو الادعاء بالنيابة الحصرية عن الجميع.
4. الالتزام بخطاب إعلامي موحد في القضايا المصيرية المتفق عليها.
5. اعتماد الحوار والآليات المؤسسية في إدارة الخلافات.
الملحق (3): آلية اختيار الممثلين
يتم اختيار الممثلين عبر ترشيح أو انتخاب شفاف تقره الهيئة التأسيسية.
يُراعى التوازن بين التسميات المختلفة ومنع الاستئثار.
يخصص حد أدنى لتمثيل الشباب والنساء.
يراعى تمثيل الداخل والمهجر.
تحدد مدة التمثيل وآليات التجديد بوضوح وبإعلان رسمي.
الملحق (4): بروتوكول فض النزاع
1. وساطة داخلية مباشرة بين الأطراف المعنية.
2. إحالة الخلاف إلى لجنة خبراء مستقلة متفق عليها عند التعذر.
3. سقف زمني لا يتجاوز (60) يومًا لمعالجة النزاع.
4. قرار تحكيمي ملزم في القضايا المصيرية، أو تجميد البند المختلف عليه دون تعطيل بقية العمل.
إسحق قومي
14/2/2026م
((قراءة تحليلية نقدية وتقييمية
في وثيقة((لسنا بحاجةٍ إلى اسمٍ واحدٍ… بل إلى مستقبلٍ واحدٍ))
للباحث السوري: إسحق قومي
تمهيد عام
تأتي وثيقة «لسنا بحاجةٍ إلى اسمٍ واحدٍ… بل إلى مستقبلٍ واحدٍ» في سياق تاريخي وسياسي شديد الحساسية، يتّسم بتراجع الوجود الديمغرافي، وتصاعد التهديدات الوجودية، وتفاقم الانقسامات الداخلية حول قضايا الهوية والتسمية داخل جماعات تاريخية متجذّرة في المشرق.
ولا تنطلق الوثيقة من جدل لغوي أو تاريخي مجرّد، بل من سؤال سياسي–وجودي مركزي: كيف يمكن لجماعات متعدّدة التسميات، تعيش واقع التهميش والاستضعاف، أن تحافظ على بقائها وحقوقها دون أن تنزلق إلى صراع داخلي يُسرّع اندثارها؟
أولًا: الإطار الفكري والمنهجي للوثيقة
تعتمد الوثيقة مقاربة فكرية تتجاوز الثنائية التقليدية بين “التوحيد” و“الانقسام”، وتقترح بدلًا منها إدارة واعية للتعدّد ضمن إطار حضاري وتاريخي مشترك. فالهوية، كما تُعالج في النص، ليست معطى جامدًا يُفرض بقرار سياسي أو ثقافي، بل تجربة تاريخية مركّبة تشكّلت عبر مسارات دينية وثقافية واجتماعية متداخلة.
من هنا، لا تُصوَّر التعددية بوصفها خللًا يجب تصحيحه، بل حقيقة بنيوية لا يمكن تجاوزها إلا بإدارتها عقلانيًا، وتحويلها من عامل صراع إلى عنصر توازن ضمن مشروع جماعي أوسع.
ثانيًا: التحليل السياسي – إعادة تعريف مركز الصراع
أحد أهم التحولات التي تقترحها الوثيقة هو نقل مركز النقاش من سؤال الهوية الرمزية إلى سؤال البقاء السياسي. فبدل الانشغال بمن يمتلك “الاسم الأصح”، تعيد الوثيقة ترتيب الأولويات حول عناصر الوجود الفعلي: الأرض، اللغة، التعليم، الأمن، والتمثيل السياسي.
هذا التحول لا يُعدّ تراجعًا عن الهوية، بل إعادة تموضع عقلاني لها ضمن سياق تهديد وجودي، حيث يصبح الانقسام الداخلي عامل إضعاف استراتيجي. كما ترفض الوثيقة بوضوح منطق “التوحيد القسري”، سواء أكان مباشرًا أم مغلّفًا بالترغيب، معتبرة أن فرض الهوية ينتج غالبًا ردود فعل دفاعية تعمّق الانقسام بدل تجاوزه.
وفي المقابل، تقترح بناء ائتلاف مصالح يقوم على:
الاعتراف بالتعدد،توحيد الخطاب في القضايا المصيرية،
وتطوير آليات مؤسسية تمنع تحوّل الخلاف إلى صراع صفري.
ثالثًا: البعد الحقوقي – من الرمز إلى الحق
تتميّز الوثيقة بتحويلها مسألة الهوية من إطار رمزي إلى إطار حقوقي عملي. فهي لا تكتفي بإعلان مظلومية عامة، بل تُحدّد حقوقًا قابلة للمطالبة والتنفيذ، مثل:
حماية الوجود على الأرض التاريخية،
صون اللغة والتعليم،
تأمين الحماية القانونية،
تحقيق تمثيل سياسي وإداري عادل،
وتوثيق الذاكرة والانتهاكات.
كما أنّ الفصل الواعي بين الخطاب الثقافي/الكنسي والخطاب السياسي والحقوقي يمنح الوثيقة قابلية عالية للاستخدام أمام مؤسسات الدولة والجهات الحقوقية الدولية، التي تتعامل أساسًا مع مطالب محددة وواضحة، لا مع نزاعات تعريفية مفتوحة.
رابعًا: الإطار المؤسسي ونموذج الحوكمة
لا تقف الوثيقة عند مستوى التشخيص أو الدعوة العامة، بل تنتقل إلى اقتراح إطار تنسيقي حقوقي بآليات واضحة، تشمل:شراكة متكافئة بين المكوّنات،
تحديد القضايا ذات الطابع الوجودي بوصفها مجال التوافق الأعلى،
آليات قرار متدرجة توازن بين التوافق والفعالية،
تنظيم التمثيل وفق معايير النزاهة والشفافية ومنع الاستئثار،
وبروتوكولات واضحة لإدارة الخلاف ومنع التعطيل.
وبهذا، تطرح الوثيقة نموذج حوكمة مرنًا لا يُلغي الخصوصيات، ولا يسمح في الوقت نفسه بتفكيك العمل المشترك، وهو ما يرفعها من مستوى النص الفكري إلى مستوى الوثيقة المرجعية القابلة للاعتماد.
خامسًا: التقييم النقدي العام للمضمون
من منظور نقدي بنّاء، يمكن القول إن الوثيقة تنجح في:تفكيك اختزال الأزمة في مسألة التسمية،
إعادة تعريف الصراع بوصفه صراع بقاء لا صراع تعريف،
تقديم لغة جامعة دون الوقوع في الإلغاء أو التذويب،
وتحويل الرؤية الفكرية إلى تصور مؤسسي عملي.
كما أن إدراج الملاحق التنظيمية يمنح النص صفة الجاهزية التطبيقية، ويُخرجه من دائرة الخطاب الإنشائي إلى فضاء التخطيط السياسي والحقوقي.
سادسًا: تقييم الباحث وموقعه الفكري
من خلال هذه الوثيقة، يمكن تصنيف الباحث إسحق قومي ضمن فئة الكتّاب التحليليين–السياسيين الذين يشتغلون على قضايا الهوية من زاوية واقعية–مؤسسية، لا من موقع السجال الإيديولوجي أو التعبئة العاطفية.
فالكاتب لا ينتمي إلى خطاب الهوية المغلقة، ولا إلى خطاب الإذابة أو الإنكار، بل يتموضع في مساحة وسطى ناضجة يمكن توصيفها بأنها خطاب إدارة التعدّد في سياق التهديد الوجودي.
كما يُظهر الباحث عقلية تفكير مؤسسي واضحة، من خلال انتقاله من التشخيص إلى اقتراح:
إطار تنسيقي،نظام أساسي،نظام داخلي،وملاحق حوكمة.
وهذا ما يجعله أقرب إلى كاتب سياسات (Policy-oriented thinker) أو باحث سياسي–حقوقي في شؤون الهوية الجماعية، لا مجرد كاتب رأي.
أسلوبيًا، ينجح إسحق قومي في الموازنة بين لغة خطابية تعبويّة موجهة للداخل، ولغة تحليلية عقلانية صالحة لمخاطبة النخب والجهات الرسمية، وهو توازن نادر في هذا النوع من الكتابات.
وبذلك يمكن وضعه ضمن فئة:
الباحثين في إدارة الأزمات الهويّاتية داخل الجماعات المهدَّدة
الذين يكتبون من داخل التجربة، لكن بأدوات تحليلية تتجاوز ردّة الفعل.
خاتمة اعتمادية
تمثّل وثيقة «لسنا بحاجةٍ إلى اسمٍ واحدٍ… بل إلى مستقبلٍ واحدٍ» مساهمة فكرية وسياسية ناضجة في نقاش طالما استُهلك بالانفعال والاستقطاب. فهي لا تطلب من الأطراف التنازل عن أسمائها أو ذاكرتها، بل تطلب إعادة ترتيب الأولويات على قاعدة أن المصير المشترك يسبق الخلاف الرمزي.
وبهذا المعنى، لا تقدّم الوثيقة حلًا نهائيًا لمسألة الهوية، لكنها تقدّم ما هو أكثر واقعية وأهمية:
إطارًا عقلانيًا قابلًا للتطبيق لإنقاذ الوجود وبناء فعل جماعي مسؤول.))



#اسحق_قومي (هاشتاغ)       Ishak_Alkomi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هل هناكَ حياةٌ بعدَ الموتِ نقدُ مفهومِ الآخرةِ في الوعيِ الد ...
- مُذَكِّرَةٌ دُسْتُورِيَّةٌ بِشَأْنِ تَكْرِيسِ الْحُقُوقِ الْ ...
- إسحق قومي والفيلسوف اليوناني هيراقليطس
- الدِّينُ وَالعِلْمُ بَيْنَ التَّعَارُضِ وَالتَّكَامُلِ: نَقْ ...
- السِّياسَةُ الخارِجِيَّةُ الأَمْرِيكِيَّةُ فِي الشَّرْقِ الأ ...
- عشتار الفصول: 11805 رأيٌ في الحقوقِ الوطنيّةِ السُّوريّة
- تغيير السيرة الذاتية
- أفكارٌ عن التراث وأهميّة إعادة قراءته قراءةً جديدةً
- إشكاليَّةُ الهُوِيَّةِ والتَّسميةِ عِندَ مَسيحيِّي المَشرِق ...
- نتائج نهاية عام 2025م صراع الأجيال بين التربية التقليدية وال ...
- دِرَاسَةٌ تَحْلِيلِيَّةٌ فَلْسَفِيَّةٌ تَقْوِيمِيَّةٌ لِبَحْ ...
- قريةُ تَلِّ جَميلو:
- الدَّوْلَةُ السُّورِيَّةُ بَيْنَ الإِنْكَارِ وَالِانْهِيَارِ ...
- مَرَضُ النُّخَبِ الثَّقَافِيَّةِ (الإِبْدَاعِيَّةِ) فِي المَ ...
- مدينةُ الحسكةِ: التسميةُ والنشأةُ
- الوَثِيقَةُ التَّأْسِيسِيَّةُ لِـ (مَدْرَسَةِ الوِلادَةِ الإ ...
- تَارِيخُ الْمَنْهَجِيَّةِ النَّقْدِيَّةِ الْعَرَبِيَّةِ وَآف ...
- إِعَادَةِ قِرَاءَةِ فَلْسَفَةِ اِبْنِ رُشْدٍ فِي ضَوْءِ مَدْ ...
- دراسة تحليليّة–نقديّة–تقييميّة لِبَحْثِ «الْجَهْلِ الْمُقَدّ ...
- الـمُفَكِّرُ الرَّصِينُ


المزيد.....




- اتهامات أوروبية لروسيا بمحاولة تسميم نافالني قبل وفاته بأربع ...
- تصعيد أميركي في سوريا: -ضربة الصقر- تطال عشرات المواقع لـ-دا ...
- رقم غير متوقّع: آلاف البريطانيين خدموا في الجيش الإسرائيلي خ ...
- DW تتحقق: فيديوهات مزيفة تثير الرعب حول فيضانات المغرب
- ضابط استخبارات أمريكي سابق للجزيرة: إسرائيل حاولت تجنيدي
- ديوان السودان.. التراث الشعبي تعزيز للروابط الاجتماعية
- كيف تبخرت جثامين آلاف البشر في غزة؟
- واشنطن تبحث عن جواسيس بين العسكر بالصين عبر -يوتيوب-.. كيف ت ...
- وزير الخارجية العراقي: فشل المفاوضات الإيرانية الأمريكية سيؤ ...
- عراقجي: مؤتمر ميونخ -سيرك- وأوروبا فقدت ثقلها


المزيد.....

- اليسار بين التراجع والصعود.. الأسباب والتحديات / رشيد غويلب
- قراءة ماركس لنمط الإنتاج الآسيوي وأشكال الملكية في الهند / زهير الخويلدي
- مشاركة الأحزاب الشيوعية في الحكومة: طريقة لخروج الرأسمالية م ... / دلير زنكنة
- عشتار الفصول:14000 قراءات في اللغة العربية والمسيحيون العرب ... / اسحق قومي
- الديمقراطية الغربية من الداخل / دلير زنكنة
- يسار 2023 .. مواجهة اليمين المتطرف والتضامن مع نضال الشعب ال ... / رشيد غويلب
- من الأوروشيوعية إلى المشاركة في الحكومات البرجوازية / دلير زنكنة
- تنازلات الراسمالية الأميركية للعمال و الفقراء بسبب وجود الإت ... / دلير زنكنة
- تنازلات الراسمالية الأميركية للعمال و الفقراء بسبب وجود الإت ... / دلير زنكنة
- عَمَّا يسمى -المنصة العالمية المناهضة للإمبريالية- و تموضعها ... / الحزب الشيوعي اليوناني


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم - اسحق قومي - لسنا بحاجةٍ إلى اسمٍ واحدٍ… بل إلى مستقبلٍ واحدٍ نختلفُ في التسميةِ… وسنندثرُ إن لم نتّحدْ