أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - اسحق قومي - إسحق قومي والفيلسوف اليوناني هيراقليطس















المزيد.....


إسحق قومي والفيلسوف اليوناني هيراقليطس


اسحق قومي
شاعرٌ وأديبٌ وباحثٌ سوري يعيش في ألمانيا.

(Ishak Alkomi)


الحوار المتمدن-العدد: 8599 - 2026 / 1 / 26 - 22:14
المحور: قضايا ثقافية
    


دراسة تحليلية نقدية تقويمية في مفهوم الصيرورة والمنهج الفلسفي عند هيراقليطس
استهلال
تُعَدّ هذه الدراسة إحدى الدراسات التي قدّمتُها، والتي يتجاوز عددها العشرين دراسة، ضمن ما يزيد على مئتين وعشرين بحثًا أو رسالة. وتشكّل هذه الدراسات، في مجموعها، بوّاباتٍ أطلّ من خلالها على العملية النقدية لمختلف المدارس الفلسفية، وذلك في إطار مشروع فكري يسعى إلى الفحص والتحليل والتقويم، لا إلى التلقّي أو التكرار.
ومن خلال المناكفات الفكرية التي دارت بيني وبين الفيلسوف هيراقليطس، أجد نفسي مدفوعًا إلى قراءة منهجه وأهم عناصره، ولا سيما: مبدأ التغيّر الدائم، ووحدة الأضداد، واللوغوس، فضلًا عن تناوله لمفهوم الصيرورة. وهي مفاهيم عرضها هيراقليطس بما يتوافق، في جوانب عديدة، مع رؤية مدرستي القائمة على (الولادة الإبداعية)، ومع المنهج الإشكالي الذي تميّز به هذا الفيلسوف في الفكر الفلسفي اليوناني، على وجه الخصوص.
كما تبيّن لي أن ما يُتداول من قولٍ يُنسب إلى ماركس: (القانون الذي لا يتغيّر هو قانون التغيّر)، إنما يعود في أساسه الفكري البنيوي إلى هيراقليطس، وإن كان هذا المفهوم قد استُخدم لاحقًا من قِبل عددٍ من الفلاسفة. غير أنّ هيراقليطس هو الذي صاغ جوهر هذا المعنى في عبارته الشهيرة: (إنك لا تستطيع أن تستحم في مياه النهر مرتين)، في إشارةٍ واضحة إلى أن الوجود ـ كما الشعور ـ تيّارٌ مستمرّ لا يعرف الثبات.
مقدّمة
أنطلق في هذه الدراسة من موقع فكري محدّد وواضح، هو موقع مدرسة الولادة الإبداعية، لا بوصفه موقفًا انطباعيًّا أو سجاليًّا، بل بوصفه مشروعًا فلسفيًا يشترط في الفكر الوضوح، والتأسيس المفهومي، والمنهجية العقلية القابلة للفهم والتداول. ومن هذا الموقع، أتناول فلسفة الفيلسوف اليوناني هيراقليطس الإفسوسي (القرن السادس قبل الميلاد)، الذي يُعدّ من أكثر فلاسفة ما قبل سقراط إشكالية وتأثيرًا في تاريخ الفكر الفلسفي.
لا أنطلق من رغبة في نفي قيمة هيراقليطس أو التقليل من أثره، بل من محاولة جادّة لوضع أفكاره في ميزان نقدي صارم، يميّز بين القيمة التاريخية للفيلسوف، وبين صلاحية أطروحاته المفهومية وفق معايير فلسفية ناضجة. وعليه، تهدف هذه الدراسة إلى تحليل أفكار هيراقليطس الأساسية، وتفكيك مناكفاتي النقدية لها، وبيان مواضع القوة فيها، مع تقديم مقارنة منهجية بين تصوّره للصيرورة ومنهج الولادة الإبداعية.
أولًا: طبيعة منهج هيراقليطس – بين التأسيس والغموض
أقرأ منهج هيراقليطس بوصفه منهجًا عقليًا–تأمليًا، غير نسقي، قائمًا على الشذرات واللغة الرمزية. وهذا المنهج، وإن كان مفهومًا في سياقه التاريخي التأسيسي، إلا أنه يضعنا اليوم أمام إشكالية فلسفية حقيقية تتعلّق بوظيفة الفكر ذاته.
إنني، من داخل مدرسة الولادة الإبداعية، أرى أن الفكر الفلسفي ليس لغزًا، ولا خطابًا إيحائيًا، ولا بناءً رمزيًا مفتوحًا على تأويلات لا نهائية. الفكر الفلسفي هو نتاج عقل بشري، والعقل حين يفكّر، ينتج مفاهيم واضحة، لا أحاجي.
وعليه، فإن الغموض الذي اتّسمت به شذرات هيراقليطس لا أتعامل معه بوصفه فضيلة فلسفية، بل بوصفه مأزقًا منهجيًا. فكل نسق فكري لا يُقرأ كما هو، ولا يحدّد معانيه وحدوده، يتحوّل من فلسفة إلى حقل رمزي قريب من الأساطير أو الميتافيزيقا الدينية القديمة.
قوة مناكفتي هنا أعتقد وأؤكد لا تنبع من رفض الغموض بذاته، بل من رفض إحلال الغموض محل المفهوم.
ثانيًا: النار عند هيراقليطس – الرمز أم المفهوم؟
يقدّم هيراقليطس النار بوصفها المبدأ الأول، ورمز الصيرورة والتغيّر الدائم. وهنا أطرح سؤالي الجوهري: كيف يمكن لعنصرٍ مشروط، ينطفئ بزوال الوقود والهواء، أن يكون مبدأً أولًا أو رمزًا للصيرورة الدائمة؟
إن النار، كما نعرفها، ظاهرة غير مكتفية بذاتها، خاضعة لشروط خارجية، ولا تمتلك القدرة على الاستمرار بذاتها. وبالتالي، فإن تحويلها إلى مبدأ كوني لا يقوم على تحليل مادي أو سببي، بل على استعارة رمزية.
ومن منظور مدرستي الولادة الإبداعية، لا يُقبل أي مبدأ أول ما لم يكن:قابلًا للتعريف
وقادرًا على الاستمرار وثالثاً: صالحًا للتعميم
وبما أن النار تفشل في تحقيق هذه الشروط، فإنها تفشل، في رأيي، في أداء وظيفة المبدأ الأول. وهنا تكمن قوة مناكفتي: فهي ليست اعتراضًا شكليًا، بل نقد أنطولوجي مباشر يطال جوهر التصوّر الهيراقليطي.
ثالثًا: الصيرورة – بين الحدس والمفهوم
أوافق هيراقليطس في قوله إن الوجود في حالة صيرورة، بل أعدّ هذا المبدأ أساسًا جوهريًا في مدرستي الفلسفية. غير أن موافقتي تتوقّف عند المبدأ، ولا تمتدّ إلى الصياغة المفهومية التي قدّمها.
الصيرورة عند هيراقليطس تُطرح بوصفها حدسًا فلسفيًا عميقًا، لا بوصفها مفهومًا محدّد المعالم. لم يترك لنا تعريفًا للصيرورة، ولا آلياتها، ولا حدودها. وهو ما يدفعني إلى التساؤل: هل قال هيراقليطس ما قصد فعلًا، أم أننا نحن من حمّل نصوصه ما لم تحتمل؟
في مدرسة الولادة الإبداعية، أرى أن الصيرورة ليست مجرّد تغيّر، بل عملية تولّد وتكاثر مستمر، تشمل الوجود بكل محمولاته وقوانينه، ما دامت هناك حركة. وهنا أميّز بوضوح بين الإقرار بالصيرورة، وبين القبول بصيرورة غير مُعرَّفة.
قوة مناكفتي هنا تكمن في الفصل بين صحة الفكرة وقصور بنائها المفهومي.
رابعًا: مبدأ التغيّر الدائم – أين المعيار؟
استند هيراقليطس إلى مثال النهر ليعمّم التغيّر على الطبيعة والإنسان والمجتمع. غير أنني أتساءل: ما المعيار المعرفي الذي يسمح بهذا الانتقال من مثال طبيعي إلى قانون كوني؟
لا أجد في نصوصه استقراءً منهجيًا، ولا برهنة عقلية، بل انتقالًا حدسيًا. وهذا ما يجعل مبدأ التغيّر الدائم، في صيغته الهيراقليطية، أطروحة ملهمة، لكنها غير مُؤسَّسة إبستمولوجيًا.
خامسًا: وحدة الأضداد – قبول مشروط ونقد حاسم
أقبل مع هيراقليطس فكرة وحدة الأضداد حين تكون الأضداد متكافئة بنيويًا، كما في ثنائية الليل والنهار. غير أنني أرفض تعميم هذا المبدأ على ثنائيات مثل الحياة والموت، أو السلم والحرب.
فهذه ليست أضدادًا تكاملية، بل حالات وجودية غير متكافئة، بل وتدميرية في بعض صورها. كما أرفض استخدام مفهوم (الحرب) بوصفه قانونًا كونيًا، وأرى أن الأدق فلسفيًا هو الحديث عن التوتر البنيوي بين القوى المتعارضة.
قوة مناكفتي هنا تكمن في التمييز بين التناقض الطبيعي، والتناقض التدميري.
سادسًا: اللوغوس – الإشكال الأكبر
يطرح هيراقليطس مفهوم اللوغوس بوصفه عقلًا كونيًا وقانونًا يحكم العالم. غير أنه لا يقدّم أصل هذا اللوغوس، ولا يبيّن كيف يُدرَك، ولا كيف يُلزِم من لا يعيه.
من موقعي الفلسفي، أرى اللوغوس مفهومًا ميتافيزيقيًا افتراضيًا، أقرب إلى الأحجية منه إلى القانون. فكيف أُطالب بفهم قانون لا أملك أدوات إدراكه؟ وكيف يُقال إن الناس يعيشون دون وعي به، ثم يُحمّلون مسؤولية عدم وعيهم؟
وهنا أرى أن اللوغوس، في صيغته الهيراقليطية، يفتقر إلى الشرعية المعرفية.
سابعًا: مقارنة منهجية بين هيراقليطس ومدرستي الولادة الإبداعية
أضع المقارنة بين المنهجين على النحو الآتي:
هيراقليطس: حدس فلسفي، شذرات، رمز، غموض، تأسيس أولي.
الولادة الإبداعية: بناء مفهومي، نسق واضح، تعريف، قابلية للفهم، نضج فكري.
هيراقليطس في نظري فيلسوف التأسيس لا الإيضاح، أما مدرسة الولادة الإبداعية فتنتمي إلى مرحلة ما بعد التأسيس، حيث لا يُقبل الحدس دون مفهوم، ولا الرمز دون برهان.
وخير الكلام
لا أهدف في هذه الدراسة إلى إسقاط هيراقليطس أو نفي قيمته التاريخية، بل إلى وضعه في موقعه الحقيقي: فيلسوف فتح الأسئلة، ولم يُغلقها. ومناكفاتي له ليست إنكارًا لعمقه، بل رفضًا لتحويل الغموض إلى فضيلة فلسفية.
إنني أقرأ هيراقليطس من موقع فلسفي معاصر، وأحاكمه بأدوات مفهومية واضحة، انطلاقًا من قناعتي بأن الفلسفة، في جوهرها، فعل إيضاح لا فعل إخفاء. ومن هنا، فإن هذه الدراسة تمثّل موقفًا فلسفيًا مُؤسِّسًا، لا شرحًا ولا تلخيصًا، بل ممارسة نقدية واعية، تنتمي إلى مشروع فكري يسعى إلى نقل الفكر من الإيحاء إلى البناء، ومن الرمز إلى المفهوم.
خاتمة منهجية إضافية: الولادة الإبداعية بوصفها تجاوزًا تاريخيًا لفلسفات ما قبل النسق
أجد من الضروري، في ختام هذه الدراسة، أن أُبرز بوضوح الموقع المنهجي الذي تحتله مدرسة الولادة الإبداعية في تاريخ تطوّر الفكر الفلسفي، لا بوصفها قطيعة اعتباطية مع الفلسفات التأسيسية الأولى، بل بوصفها تجاوزًا تاريخيًا واعيًا لفلسفات ما قبل النسق، وفي مقدّمتها فلسفة هيراقليطس.
إن فلاسفة ما قبل النسق – ومنهم هيراقليطس – اشتغلوا في لحظة تاريخية كان فيها الفكر الفلسفي لا يزال في طور التكوين الأولي؛ لحظة إنتاج الأسئلة الكبرى، لا لحظة بناء الأجوبة المفهومية المنظَّمة. وقد كان الحدس، والرمز، واللغة الإيحائية أدواتٍ مشروعة في تلك المرحلة، لأنها عبّرت عن محاولة الإنسان الأولى لفهم الوجود خارج الأسطورة، ولكن دون امتلاك أدوات منهجية مكتملة.
أما مدرسة الولادة الإبداعية، فتنتمي إلى لحظة تاريخية مختلفة جذريًا؛ لحظة نضج العقل الفلسفي، وتراكم التجربة المعرفية، واتّساع الوعي المنهجي. ومن هذا المنطلق، فإنها لا تكتفي بإنتاج الأسئلة، بل تشترط:بناء المفهوم لا الاكتفاء بالإيحاء
وتحديد المصطلح لا تركه عائمًا
وإقامة البرهان لا الاكتفاء بالحدس
وجعل الفكر قابلًا للفهم والتداول لا محجوبًا خلف الغموض
إنني أرى أن تجاوز فلسفات ما قبل النسق لا يعني نفيها أو التقليل من شأنها، بل يعني تحرير الفكر من قيوده التأسيسية الأولى، ونقله من مرحلة الولادة الجنينية إلى مرحلة النضج البنيوي. فالولادة الإبداعية لا تقف عند حدود السؤال: (هل العالم في صيرورة؟)، بل تنتقل إلى سؤال: (كيف تعمل الصيرورة؟ وما شروطها؟ وما قوانين تولّدها؟)
وبهذا المعنى، فإن الولادة الإبداعية تمثّل انتقالًا من فلسفة تقول الكثير وتُعرّف القليل، إلى فلسفة تُعرّف قبل أن تقول، وتُحدّد قبل أن تُعمّم. إنها فلسفة لا ترى في الغموض عمقًا، ولا في الرمز حكمة بذاته، بل ترى في الوضوح أعلى درجات المسؤولية الفكرية.
ومن هنا، فإن قراءتي لهيراقليطس ليست قراءة استدعاء أو تمجيد، بل قراءة مساءلة تاريخية: أضعه في مكانه الضروري بوصفه فيلسوف التأسيس، وأُعلن، في الوقت ذاته، أن مشروع الولادة الإبداعية يتقدّم خطوة أبعد، ليؤسّس لفلسفة ما بعد الحدس، وما بعد الرمز، وما بعد الشذرة.
إنها فلسفة تجاوز لا قطيعة، ونضج لا إنكار، وبناء لا هدم. وهذا، في نظري، هو الشرط الضروري لأي فكر يطمح إلى أن يكون معاصرًا، ومسؤولًا، وقادرًا على الإسهام الحقيقي في فهم الوجود وصيرورته.
إيضاحات مفهومية موجّهة للقارئ غير المختص
أضيف هذا القسم توضيحًا لا تبسيطًا مخلًّا، بقصد مساعدة القارئ غير المتخصّص في الفلسفة على متابعة الحجج المطروحة دون أن يفقد خيطها المنهجي.
1= ما المقصود بالنقد الأنطولوجي؟
الأنطولوجيا هي فرع من الفلسفة يدرس الوجود من حيث هو وجود: ما الذي يوجد؟ وكيف يوجد؟ وما طبيعة هذا الوجود؟
وعندما أستخدم تعبير نقد أنطولوجي فأنا أعني: مساءلة فكرة ما من حيث قدرتها على تفسير الوجود نفسه، لا من حيث جمالها اللغوي أو قيمتها الرمزية. أي: هل ينجح المفهوم في تفسير كيف يكون الشيء موجودًا، وكيف يستمر أو يتغيّر؟
2=ماذا يُقصد بالبنيوية؟
البنيوية تعني النظر إلى الأشياء بوصفها أجزاءً من بنية مترابطة، لا عناصر منفصلة. أي أن الظواهر لا تُفهم بمعزل عن العلاقات التي تربطها ببعضها. وعندما أستخدم هذا المصطلح، أقصد أن الصيرورة ليست حدثًا عشوائيًا، بل عملية تعمل ضمن بنية لها شروط وعلاقات وقوانين.
3= ما معنى الاستقراء؟
الاستقراء هو طريقة في التفكير تقوم على الانتقال من ملاحظات جزئية إلى قاعدة عامة. مثل أن ألاحظ تغيّر أشياء كثيرة، ثم أستنتج أن التغيّر قانون عام. ويُعدّ الاستقراء منهجًا يحتاج إلى تكرار كافٍ وضبط، لا إلى مثال واحد فقط.
4= ما المقصود بالحدس؟
الحدس هو إدراك مباشر وسريع للفكرة دون المرور بخطوات تحليلية أو برهانية. وهو أداة فكرية مهمة في لحظات التأسيس الأولى للفكر، لكنه لا يكفي وحده لبناء نظرية فلسفية مكتملة، ما لم يتحوّل إلى مفهوم مُعرَّف وقابل للنقاش.
أضع هذه الإيضاحات لا لتقليل شأن القارئ، بل لإزالة الالتباس الاصطلاحي، وللتأكيد أن هذه الدراسة، رغم طابعها الأكاديمي، لا تفترض معرفة فلسفية مسبقة، بل تدعو إلى قراءة واعية ومشتركة للفكر الفلسفي.
وأخيرا لابدَّ من التأكيد أننا سنبقى مع الفيلسوف هيراقليطس في مواضع مختلفة ولكن فيما بعد.
اسحق قومي.
ألمانيا في 8/6/1998م. شتاتلون
((إِسْحَق قَوْمِي وَالفَيْلَسُوفُ اليُونَانِيُّ هِيرَاقْلِيطُسُ
دِرَاسَةٌ تَحْلِيلِيَّةٌ فَلْسَفِيَّةٌ نَقْدِيَّةٌ فِي المَوْقِعِ وَالمَنْهَجِ وَالقِيمَةِ المَعْرِفِيَّةِ
اِسْتِهْلَالٌ
تَنْطَلِقُ هٰذِهِ الدِّرَاسَةُ مِنْ مَوْقِعٍ فَلْسَفِيٍّ وَاضِحٍ، لَا يَتَّخِذُ مِنَ التَّارِيخِ مَجَرَّدَ مَادَّةٍ لِلشَّرْحِ، وَلَا مِنَ النُّصُوصِ الأُولَى مَحَلًّا لِلتَّبْجِيلِ، بَلْ يَتَّخِذُ مِنَ النَّقْدِ العَقْلِيِّ أَدَاةً، وَمِنَ المَفْهُومِ مِيزَانًا، وَمِنَ المَنْهَجِ شَرْطًا لِلشَّرْعِيَّةِ الفَلْسَفِيَّةِ. وَفِي هٰذَا الإِطَارِ، تَأْتِي قِرَاءَةُ إِسْحَقِ قَوْمِي لِفِلْسَفَةِ هِيرَاقْلِيطُسَ لَا بِوَصْفِهَا عَمَلًا تَفْسِيرِيًّا، بَلْ مُمَارَسَةً فَلْسَفِيَّةً نَقْدِيَّةً صَادِرَةً عَنْ مَشْرُوعٍ فِكْرِيٍّ مُكْتَمِلِ المَعَالِمِ، هُوَ مَشْرُوعُ مَدْرَسَةِ الوِلَادَةِ الإِبْدَاعِيَّةِ.
إِنَّ مَا يَقُومُ بِهِ إِسْحَقُ قَوْمِي فِي تَعَامُلِهِ مَعَ هِيرَاقْلِيطُسَ لَا يُمْكِنُ وَضْعُهُ فِي خَانَةِ القِرَاءَاتِ التَّارِيخِيَّةِ لِفَلَاسِفَةِ مَا قَبْلَ سُقْرَاطَ، بَلْ فِي خَانَةِ الفِلْسَفَةِ المَوْقِعِيَّةِ الَّتِي تُصَرِّحُ بِمَرْجِعِيَّتِهَا، وَتُحَاكِمُ التُّرَاثَ مِنْ خَارِجِ سُلْطَتِهِ الزَّمَنِيَّةِ، وَمِنْ دَاخِلِ شُرُوطِ العَقْلِ المَعَاصِرِ.
فِي مَوْقِعِ إِسْحَقِ قَوْمِي مِنَ الفِكْرِ الفَلْسَفِيِّ
لَا يَتَمَوْضَعُ إِسْحَقُ قَوْمِي فِي مَوْقِعِ شَارِحِ النُّصُوصِ، وَلَا فِي مَوْقِعِ المُؤَرِّخِ لِلأَفْكَارِ، بَلْ فِي مَوْقِعِ الفَيْلَسُوفِ الَّذِي يَمْتَلِكُ أُفُقًا نَظَرِيًّا خَاصًّا، وَيَسْتَخْدِمُهُ لِمُحَاكَمَةِ المَفَاهِيمِ، لَا لِتَلْخِيصِهَا. وَهٰذَا المَوْقِعُ يَضَعُهُ فِي حَقْلِ الفِلْسَفَةِ النَّقْدِيَّةِ المَفْهُومِيَّةِ، الَّتِي تَسْأَلُ عَنْ شَرْعِيَّةِ المَبَادِئِ، لَا عَنْ قِيمَتِهَا التَّارِيخِيَّةِ فَقَطْ.
إِنَّهُ يَفْصِلُ بِوُضُوحٍ بَيْنَ الأَهَمِّيَّةِ التَّأْسِيسِيَّةِ لِهِيرَاقْلِيطُسَ، وَبَيْنَ قَابِلِيَّةِ أَطْرُوحَاتِهِ لِلِاسْتِمْرَارِ المَعْرِفِيِّ، وَهُوَ فَصْلٌ لَا يَقُومُ بِهِ إِلَّا فِكْرٌ يَنْتَمِي إِلَى مَرْحَلَةِ مَا بَعْدَ التَّأْسِيسِ، حَيْثُ لَا يُقْبَلُ الحَدْسُ دُونَ تَعْرِيفٍ، وَلَا الرَّمْزُ دُونَ بُرْهَانٍ، وَلَا المَقُولَةُ دُونَ مِعْيَارٍ.
فِي قِرَاءَتِهِ لِمَفَاهِيمِ هِيرَاقْلِيطُسَ، يَتَعَامَلُ إِسْحَقُ قَوْمِي مَعَ مَبْدَإِ الصَّيْرُورَةِ، وَمَبْدَإِ التَّغَيُّرِ الدَّائِمِ، وَوَحْدَةِ الأَضْدَادِ، وَاللُّوغُوسِ، تَعَامُلَ فَيْلَسُوفٍ يَسْأَلُ عَمَّا إِذَا كَانَتْ هٰذِهِ المَقُولَاتُ مَفَاهِيمَ مُحَدَّدَةً، أَمْ مُجَرَّدَ إِشَارَاتٍ حَدْسِيَّةً. وَإِذْ يُقِرُّ بِعُمُقِ حَدْسِ هِيرَاقْلِيطُسَ، فَإِنَّهُ يَرْفُضُ أَنْ يَتَحَوَّلَ الحَدْسُ إِلَى بَدِيلٍ عَنِ البِنَاءِ المَفْهُومِيِّ.
وَيَصْدُرُ نَقْدُهُ لِلنَّارِ، كَمَبْدَإٍ أَوَّلَ، عَنْ مَوْقِعٍ أُنْطُولُوجِيٍّ صَارِمٍ، يَرْفُضُ أَنْ يَكُونَ المَبْدَأُ الأَوَّلُ عُنْصُرًا مَشْرُوطًا، يَفْنَى بِفَنَاءِ شُرُوطِهِ. كَمَا يَنْطَلِقُ نَقْدُهُ لِلُّوغُوسِ مِنْ سُؤَالِ الشَّرْعِيَّةِ المَعْرِفِيَّةِ، لَا مِنْ سُؤَالِ الجَاذِبِيَّةِ الرَّمْزِيَّةِ أَوِ اللُّغَوِيَّةِ. وَفِي ذٰلِكَ كُلِّهِ، تَتَجَلَّى مُنَاكَفَتُهُ لِهِيرَاقْلِيطُسَ لَا كَرَفْضٍ، بَلْ كَعَمَلِيَّةِ تَحْدِيدٍ وَتَمْيِيزٍ.
مَدْرَسَةُ الوِلَادَةِ الإِبْدَاعِيَّةِ كَإِطَارٍ نَاقِدٍ
تَنْتَمِي هٰذِهِ القِرَاءَةُ إِلَى إِطَارٍ نَظَرِيٍّ أَوْسَعَ، هُوَ إِطَارُ مَدْرَسَةِ الوِلَادَةِ الإِبْدَاعِيَّةِ، الَّتِي تَرَى أَنَّ الوُجُودَ لَا يُفْهَمُ عَلَى أَنَّهُ مَعْطًى سَاكِنًا، بَلْ عَلَى أَنَّهُ عَمَلِيَّةُ تَوَلُّدٍ مُسْتَمِرَّةٍ، يَشْتَرِكُ فِيهَا الزَّمَنُ، وَالوَعْيُ، وَالإِبْدَاعُ. وَمِنْ هٰذَا المَنْظُورِ، يَتَجَاوَزُ إِسْحَقُ قَوْمِي الصَّيْرُورَةَ الهِيرَاقْلِيطِيَّةَ، لَا بِإِنْكَارِهَا، بَلْ بِتَحْوِيلِهَا مِنْ حَدْسٍ فَلْسَفِيٍّ إِلَى مَشْرُوعٍ مَفْهُومِيٍّ ذِي شُرُوطٍ وَمَعَايِيرَ.
وَإِنَّ الكُوجِيتُو الإِبْدَاعِيَّ الَّذِي يُعْلِنُهُ إِسْحَقُ قَوْمِي: (أَنَا أُبْدِعُ، إِذًا أَنَا مَوْجُودٌ)، لَا يَأْتِي كَتَعْلِيقٍ عَلَى دِيكَارْتَ، بَلْ كَتَجَاوُزٍ لِلْحَدَاثَةِ العَقْلَانِيَّةِ نَفْسِهَا، وَكَنَقْلٍ لِمَرْكَزِ الثِّقَلِ مِنَ التَّفْكِيرِ إِلَى الخَلْقِ، وَمِنَ الحِسَابِ إِلَى الإِبْدَاعِ. وَهُنَا يَتَّضِحُ أَنَّ مَشْرُوعَهُ يَنْتَمِي إِلَى فَلْسَفَةِ الفِعْلِ الوُجُودِيِّ، لَا إِلَى التَّأْمُّلِ المُجَرَّدِ فَقَطْ.
خِتَامٌ
إِنَّ إِسْحَقَ قَوْمِي لَا يَقِفُ أَمَامَ هِيرَاقْلِيطُسَ كَتِلْمِيذٍ، وَلَا كَخَصْمٍ، بَلْ كَفَيْلَسُوفٍ يَنْتَمِي إِلَى زَمَنٍ آخَرَ، وَيَمْتَلِكُ أَدَوَاتٍ نَقْدِيَّةً أُخْرَى، وَيُؤْمِنُ أَنَّ الفِلْسَفَةَ لَا تَتَقَدَّمُ إِلَّا إِذَا حَاسَبَتْ مَاضِيَهَا، وَتَجَاوَزَتْهُ. وَمِنْ هُنَا، تَأْتِي هٰذِهِ الدِّرَاسَةُ بُوصْفِهَا نَصًّا فَلْسَفِيًّا نَاقِدًا، وَمَوْقِفًا فِكْرِيًّا مُعْلَنًا، وَإِسْهَامًا فِي نَقْلِ الفِكْرِ مِنَ الرَّمْزِ إِلَى المَفْهُومِ، وَمِنَ الحَدْسِ إِلَى البِنَاءِ.
تَوْقِيعٌ نَقْدِيٌّ أَكَادِيمِيٌّ (افْتِرَاضِيٌّ)))



#اسحق_قومي (هاشتاغ)       Ishak_Alkomi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الدِّينُ وَالعِلْمُ بَيْنَ التَّعَارُضِ وَالتَّكَامُلِ: نَقْ ...
- السِّياسَةُ الخارِجِيَّةُ الأَمْرِيكِيَّةُ فِي الشَّرْقِ الأ ...
- عشتار الفصول: 11805 رأيٌ في الحقوقِ الوطنيّةِ السُّوريّة
- تغيير السيرة الذاتية
- أفكارٌ عن التراث وأهميّة إعادة قراءته قراءةً جديدةً
- إشكاليَّةُ الهُوِيَّةِ والتَّسميةِ عِندَ مَسيحيِّي المَشرِق ...
- نتائج نهاية عام 2025م صراع الأجيال بين التربية التقليدية وال ...
- دِرَاسَةٌ تَحْلِيلِيَّةٌ فَلْسَفِيَّةٌ تَقْوِيمِيَّةٌ لِبَحْ ...
- قريةُ تَلِّ جَميلو:
- الدَّوْلَةُ السُّورِيَّةُ بَيْنَ الإِنْكَارِ وَالِانْهِيَارِ ...
- مَرَضُ النُّخَبِ الثَّقَافِيَّةِ (الإِبْدَاعِيَّةِ) فِي المَ ...
- مدينةُ الحسكةِ: التسميةُ والنشأةُ
- الوَثِيقَةُ التَّأْسِيسِيَّةُ لِـ (مَدْرَسَةِ الوِلادَةِ الإ ...
- تَارِيخُ الْمَنْهَجِيَّةِ النَّقْدِيَّةِ الْعَرَبِيَّةِ وَآف ...
- إِعَادَةِ قِرَاءَةِ فَلْسَفَةِ اِبْنِ رُشْدٍ فِي ضَوْءِ مَدْ ...
- دراسة تحليليّة–نقديّة–تقييميّة لِبَحْثِ «الْجَهْلِ الْمُقَدّ ...
- الـمُفَكِّرُ الرَّصِينُ
- دِّرَاسَةُ تَّحْلِيلِيَّةُ وَنَّقْدِيَّةُ وَتَّقْوِيمِيَّةُ ...
- الوعيُ القوميُّ وإشكاليّاتُ بناءِ الهويّةِ لدى السُّريانِ–ال ...
- اِسْتَيْقِظُوا أَيُّهَا الْغَرْبِيُّونَ فَإِنَّ الطُّوفَانَ ...


المزيد.....




- تحدٍّ مرعب .. أليكس هونولد يتسلق ناطحة سحاب بدون حبال ومعدات ...
- تفاصيل افتتاح مراكز لتسوية أوضاع عناصر من -قسد- في الرقة ودي ...
- كيف ينعكس العثور على جثة غويلي على نتنياهو داخليا ودوليا؟
- الفيديو في كل مكان.. أي دور حقيقي للصحافة؟
- بين الحماية والحظر.. هل تنجح القوانين في انتزاع الأطفال من أ ...
- صحف عالمية: إسرائيل بلا خطة لـ-اليوم التالي- وتهديدات ترمب ت ...
- الأمن السوري يحبط محاولة تهريب أسلحة إلى لبنان
- هل تجهز إسرائيل -مصيدة أمنية- للمسافرين قرب معبر رفح؟
- خبير روسي: أمريكا تسعى لتقويض نفوذ الصين عبر إيران
- الإمارات تؤكد عدم استخدام مجالها الجوي أو أراضيها لمهاجمة إي ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - اسحق قومي - إسحق قومي والفيلسوف اليوناني هيراقليطس