اسحق قومي
شاعرٌ وأديبٌ وباحثٌ سوري يعيش في ألمانيا.
(Ishak Alkomi)
الحوار المتمدن-العدد: 8590 - 2026 / 1 / 17 - 11:25
المحور:
اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم
ونَسْأَلُ: مَتَى يُسَمَّى مَرْسومًا باسْمِ المكوِّنِ السُّرْيانيِّ الآشوريِّ في سوريّةَ، صاحِبِ الأَرْضِ والتّاريخِ؟
بالأمسِ، بتاريخِ 16/1/2026م، أصدرَ الرَّئيسُ السُّوريُّ المؤقَّتُ السيِّدُ أحمدُ الشَّرعِ المرسومَ رقمَ (13) لعامِ 2026م، الّذي يؤكِّدُ أنَّ المواطنينَ السُّوريّينَ الأكرادَ جزءٌ أساسيٌّ وأصيلٌ من الشَّعبِ السُّوريِّ، وأنَّ هويَّتَهُم الثَّقافيَّةَ واللُّغويَّةَ جزءٌ لا يتجزَّأُ من الهويَّةِ الوطنيَّةِ السُّوريَّةِ المتعدِّدةِ والموحَّدةِ.
وكما هو مُبيَّنٌ في المرسومِ رقمَ (13)، الّذي شملَ موضوعَ المواطنةِ والحقوقِ، فقد أظهرَ أهميَّةَ اللُّغةِ وعيدِ النَّيروزِ، وأكَّدَ أنَّ هذا المرسومَ جاءَ بناءً على أحكامِ الإعلانِ الدُّستوريِّ، وعلى مقتضياتِ المصلحةِ الوطنيَّةِ العُليا، وعلى دورِ ومسؤوليَّةِ الدَّولةِ في تعزيزِ الوحدةِ الوطنيَّةِ، وإقرارِ الحقوقِ الثَّقافيَّةِ والمدنيَّةِ لكافَّةِ المواطنينَ السُّوريّينَ.
نقولُ للرَّئيسِ المؤقَّتِ السيِّدِ أحمدِ الشَّرعِ وحكومتِهِ:
مباركةٌ لسوريّةَ هذهِ الإنجازاتُ الهامَّةُ والضَّروريَّةُ، الّتي لا تُعدُّ ولا تُحصى نتائجُها الإيجابيَّةُ، والتي تقطعُ الطَّريقَ على كلِّ مَن تُسوِّلُ لهُ نفسُهُ العبثَ بأمنِ الوطنِ السُّوريِّ، كما تُعيدُ الحقوقَ إلى أهلِها، وتُساوي بينَ المكوِّنِ الكرديِّ والمكوِّنِ العربيِّ.
ونباركُ للإخوةِ الأكرادِ هذا المرسومَ، ونتمنّى أن يكونَ فاتحةَ نهجٍ جديدٍ للتَّعاملِ مع كافَّةِ المكوِّناتِ السُّوريَّةِ.
أمّا قراءتُنا لهذا القرارِ الّذي صدرَ عنهُ المرسومُ رقمُ (13)، فإنَّنا نراهُ أُحاديَّ الجانبِ، يخصُّ مكوِّنًا قوميًّا سوريًّا واحدًا، ويُدركُ ويعلمُ مَن يقرأُ الأحداثَ والمعاركَ العسكريَّةَ على السَّاحةِ السُّوريَّةِ أهميَّةَ مثلِ هذا المرسومِ في نزعِ فتيلِ معاركَ لا تُحمَدُ عُقباها، وهذا يُحسَبُ للرَّئيسِ وحكومتِهِ المؤقَّتةِ.
لكنَّنا نرى، ونؤكِّدُ، أهميَّةَ أن يتمَّ تدارُسُ واستصدارُ المرسومِ رقمَ (14)، الّذي يتلو المرسومَ رقمَ (13)، ويُعالجُ ويُثبِّتُ حقوقَ الشَّعبِ السُّريانيِّ الآشوريِّ كشعبٍ سوريٍّ أصيلٍ، وهو صاحبُ الأرضِ والتاريخِ، وأنَّ اللُّغةَ السُّريانيَّةَ، أو الآراميَّةَ الآشوريَّةَ، هي ابنةُ الأرضِ السُّوريَّةِ، وأنَّ اسمَ سوريّةَ مُستمدٌّ من (الآشوريّةِ).
ولهذا نؤكِّدُ، وبكلِّ ثقةٍ، أنَّ الرَّئيسَ المؤقَّتَ وحكومتَهُ لن يُغفِلا هذا الأمرَ، وأنَّهُ قريبًا سيتمُّ إصدارُ هذا المرسومِ، ليُثبَّتَ في الدُّستورِ السُّوريِّ العتيدِ، وبنفسِ الأهميَّةِ الّتي أُعطِيَتْ للمكوِّنِ الكرديِّ، وعلى الشَّكلِ التَّالي:
مرسومٌ رقمُ (14) يرسمُ ما يلي:
المادَّةُ (1):
يُعَدُّ المواطنونَ السُّوريّونَ السُّريانُ (الآراميّونَ) الآشوريّونَ جزءًا أساسيًّا وأصيلًا من الشَّعبِ السُّوريِّ، وتُعَدُّ هويَّتُهُم الثَّقافيَّةُ واللُّغويَّةُ جزءًا لا يتجزَّأُ من الهويَّةِ الوطنيَّةِ السُّوريَّةِ المتعدِّدةِ والموحَّدةِ، بل هم أصلُ سوريّةَ وجذرُها، شعبًا ولغةً وحضارةً وعلمًا وتقدُّمًا وبناءً.
المادَّةُ (2):
تلتزمُ الدَّولةُ بحمايةِ التَّنوُّعِ الثَّقافيِّ واللُّغويِّ، وتضمنُ حقَّ المواطنينَ السُّريانِ الآشوريّينَ في إحياءِ تراثِهِم وفنونِهِم، وتطويرِ لغتِهِم الأمِّ في إطارِ السِّيادةِ الوطنيَّةِ.
المادَّةُ (3):
تُعَدُّ اللُّغةُ السُّريانيَّةُ الآراميَّةُ الآشوريَّةُ لغةً وطنيَّةً، ويُسمَحُ بتدريسِها في المدارسِ الحكوميَّةِ والخاصَّةِ، في المناطقِ الّتي يُشكِّلُ فيها السُّريانُ الآشوريّونَ والآراميّونَ نسبةً ملحوظةً من السُّكّانِ، ولا سيّما في مناطقِ القلمونِ، وجبعا، ومعلولا، وغيرها، على أن تكونَ ضمنَ المناهجِ الاختياريَّةِ أو كنشاطٍ ثقافيٍّ تعليميٍّ. وإنَّ الاعترافَ بهذهِ الحقوقِ هو تأكيدٌ على أصالةِ الشَّعبِ السُّريانيِّ الآشوريِّ، واستحقاقِهِ لهذا المرسومِ بكلِّ جدارةٍ.
ونكرر سؤالنا : مَتَى يُسَمَّى مَرْسومًا باسْمِ المكوِّنِ السُّرْيانيِّ الآشوريِّ في سوريّةَ، صاحِبِ الأَرْضِ والتّاريخِ؟
نقول: يُمكنُ أن يُسمَّى المكوِّنُ السُّريانيُّ الآشوريُّ بمرسوم عندما تتوافرُ ثلاثةُ شروطٍ متلازمة، لا يكفي واحدٌ منها دون الآخر:
أوّلًا: الإرادةُ السِّياسيّةُ الواضحةُ
فالحقوقُ لا تُمنَحُ تلقائيًّا بحكمِ الأصالةِ والتاريخِ فقط، بل بقرارٍ سياسيٍّ صريحٍ يعترفُ بالواقعِ التّاريخيِّ والدّيمغرافيِّ، ويترجمُهُ إلى نصٍّ قانونيٍّ مُلزِم. متى ما وُجدت هذه الإرادة، يصبحُ إصدارُ المرسومِ مسألةَ وقتٍ لا أكثر.
ثانيًا: الانتقالُ من الاعترافِ الضِّمنيِّ إلى الاعترافِ النَّصِّيِّ
كثيرًا ما يُذكَرُ التنوّعُ السُّوريُّ بصيَغٍ عامّةٍ، لكنّ تسميةَ المكوِّنِ السُّريانيِّ الآشوريِّ بالاسم في مرسومٍ مستقلٍّ تعني خروجه من خانة (الذِّكر الثَّقافيّ) إلى خانة (الحقِّ الدُّستوريّ المُثبَت)
ثالثًا: اعتبارُ المسألةِ مسألةَ وحدةٍ وطنيّةٍ لا مطلبًا فئويًّا
عندما تُدرِكُ الدَّولةُ أنَّ تثبيتَ حقوقِ هذا المكوِّنِ هو تحصينٌ للدَّولةِ نفسِها، لا تنازلٌ منها، يصبحُ المرسومُ ضرورةً وطنيّةً، لا مجرّد استجابةٍ لمطلبٍ قوميٍّ.
أجل يُسمَّى المكوِّنُ السُّريانيُّ الآشوريُّ مرسومًا باسمه عندما تُعامَلُ الأصالةُ بوصفِها أساسًا للدَّولة، لا هامشًا لها، وعندما يُترجَمُ التاريخُ إلى نصٍّ دستوريٍّ، لا إلى خطاباتٍ عامّة.
وما لم يحدث ذلك، يبقى السُّؤالُ مفتوحًا… ومشروعًا.هل السوريون على سوية واحدة؟
وَبعد هذا نُهيبُ بالحكومةِ السُّوريَّةِ المؤقَّتةِ أن تنظرَ بعينِ الاعتبارِ إلى أنَّ توزُّعَ الشَّعبِ السُّريانيِّ الآشوريِّ على كاملِ الجغرافيّةِ السُّوريّةِ يُشكِّلُ أحدَ التَّحدِّياتِ الوطنيّةِ، ولهذا نرى ضرورةَ إصدارِ مراسيمَ أو قراراتٍ تحفظُ حقوقَ هذا المكوِّنِ السُّوريِّ الأصيلِ، وتحولُ دونَ تعرُّضِهِ لأيِّ ضغوطٍ تؤدّي إلى الهجرةِ القسريّةِ، وأن يُخصَّ بالرِّعايةِ والاهتمامِ في مناطقِ تكاثُرِهِ.
وللعلمِ، فإنَّ المسيحيّةَ السُّوريّةَ، بمكوِّناتِها القوميّةِ الأرمنيّةِ، والسُّريانيّةِ (الآراميّةِ)، والآشوريّةِ، وبطوائفِها، لم ولن تطالبَ بحمايةٍ دوليّةٍ، ولم تتعاملْ مع الدُّولِ الكبرى في هذا الشَّأنِ، ولم تتآمرْ على الوطنِ وأهلِهِ، بل ترى أنَّ الحاميَ الوحيدَ لها هو حقُّها التّاريخيُّ، وأبناءُ المكوِّناتِ السُّوريّةِ كافّةً، رغمَ التَّجاوزاتِ الّتي حدثتْ منذُ عامِ 2011م وحتّى اليومِ.
إنَّنا نؤكِّدُ أنَّ السُّوريَّ، أيًّا كانَ، وعلى أيِّ قوميّةٍ أو دينٍ أو مذهبٍ، يتمتَّعُ بحسٍّ حضاريٍّ عالٍ، وإنْ كانَ بعضُهُ قد ينساقُ في الأزماتِ إلى طُرُقٍ ليستْ من أصولِهِ. ونحنُ لا نكتبُ تدليسًا ولا سذاجةً، بل نُوصِّفُ حالةً حقيقيّةً وواقعيّةً؛ فليسَ كلُّ السُّوريّينَ على رأيٍ واحدٍ، وهذا أمرٌ طبيعيٌّ في جميعِ بلدانِ العالمِ.
وأخيرًا، إذا كنّا نُطالبُ بحقوقِ الشَّعبِ السُّريانيِّ الآشوريِّ الكلدانيِّ، فإنَّنا نرى في الوقتِ نفسِهِ ضرورةَ أن تتلوَ المرسومَ رقمَ (13) مراسيمُ تخصُّ كافَّةَ المكوِّناتِ السُّوريّةِ؛ فبعدَ المكوِّنِ الكرديِّ والمكوِّنِ السُّريانيِّ الآشوريِّ، هناكَ المكوِّنُ الأرمنيُّ، والمكوِّنُ التُّركمانيُّ، والمكوِّنُ الشِّيشانيُّ، والمكوِّنُ الشَّركسيُّ، والمكوِّنُ الأرناؤوطيُّ. إنَّ تسميةَ هذهِ المكوِّناتِ بمراسيمَ رئاسيّةٍ، وتثبيتَها في الدُّستورِ السُّوريِّ العتيدِ، وعلى سويةٍ واحدةٍ مع المكوِّنِ العربيِّ، يعني أنَّنا أمامَ سوريّةَ مُحصَّنةٍ من الدَّاخلِ بوحدةٍ وطنيّةٍ حقيقيّةٍ قائمةٍ على المساواةِ، ويمنحُنا الحقَّ في القولِ إنَّنا قطعنا نصفَ المسافةِ نحوَ دستورٍ سوريٍّ وطنيٍّ مدنيٍّ يضمنُ الحقوقَ للجميعِ.
نُكرِّرُ: هذا ليسَ أُمنيةً، بل حقٌّ وطنيٌّ نُطالبُ بهِ، ومساواةٌ مع غيرِنا من المكوِّناتِ، وتحقيقُهُ مصلحةٌ وطنيّةٌ عُليا، ولا نرى أيَّ عذرٍ يُبرِّرُ تأجيلَ إصدارِ هذهِ المراسيمِ الوطنيّةِ الهامّةِ، وإلّا فإنَّنا أمامَ تمييزٍ بينَ المكوِّناتِ، وعواقبُهُ لن تُحمَدَ.
عاشتْ سوريّةُ واحدةً موحَّدةً، تُقرِّرُ حالَتَها الإداريّةَ مكوِّناتُها القوميّةُ والدِّينيّةُ والمذهبيّةُ، عبرَ اجتماعٍ وطنيٍّ شاملٍ، جامعٍ، مانعٍ، وتمثيلٍ حقيقيٍّ لكلِّ تلكَ المكوِّناتِ، على أن تُعتمدَ قراراتُ ذلكَ الاجتماعِ العتيدِ.
الخلودُ لكلِّ شهيدٍ سوريٍّ سقطَ على ترابِ الوطنِ.
المواطنُ السُّوريُّ: إسحق قومي
ألمانيا – في 17/1/2026م
((أولًا: دراسة تحليلية – وطنية – إنسانية – نقدية
فقرة مقترحة تُضاف بعد محور «هل السوريون على سوية واحدة؟
إنَّ الإشكاليّةَ المطروحةَ في هذا النَّصِّ لا تتعلَّقُ بمكوِّنٍ بعينهِ، بقدرِ ما تتعلَّقُ بجوهرِ مفهومِ المواطنةِ في الدَّولةِ السُّوريّةِ الحديثةِ. فالدُّولُ لا تُقاسُ فقط بقدرتِها على الاعترافِ بمكوِّنٍ واحدٍ في لحظةٍ سياسيّةٍ معيّنةٍ، بل تُقاسُ بقدرتِها على بناءِ نظامٍ قانونيٍّ متوازنٍ يعترفُ بجميعِ مكوِّناتِهِ على قاعدةِ المساواةِ لا التَّدرُّجِ أو الانتقائيّةِ.
إنَّ الاعترافَ بمكوِّنٍ قوميٍّ واحدٍ، مهما كانت عدالتُهُ أو ضرورتُهُ، إذا لم يُرافَق برؤيةٍ شاملةٍ لبقيّةِ المكوِّناتِ، فإنَّهُ يبقى اعترافًا ناقصًا من زاويةِ المواطنةِ المتكاملةِ. ذلك لأنَّ المواطنةَ ليست منحةً تُجزَّأ، ولا مكافأةً سياسيّةً ظرفيّةً، بل هي حقٌّ أصيلٌ يُستمدُّ من الانتماءِ إلى الأرضِ والتاريخِ والدَّولةِ معًا.
ومن المنظورِ الإنسانيِّ، فإنَّ تجاهلَ مكوِّنٍ أصيلٍ، كالمكوِّنِ السُّريانيِّ الآشوريِّ، لا يُمثِّلُ مجرَّدَ ثغرةٍ قانونيّةٍ، بل يُشكِّلُ خطرًا على التنوّعِ الثقافيِّ واللُّغويِّ بوصفِهِ ثروةً إنسانيّةً، لا عبئًا سياسيًّا. فالهويّاتُ التاريخيّةُ عندما لا تُحْمَى دستوريًّا، تتحوَّلُ تدريجيًّا إلى هويّاتٍ مهدَّدةٍ بالذوبانِ أو الهجرةِ أو الانكفاءِ القسريِّ.
أمّا وطنيًّا، فإنَّ تثبيتَ حقوقِ المكوِّنِ السُّريانيِّ الآشوريِّ لا يُضعِفُ وحدةَ الدَّولةِ، كما قد يظنُّ البعضُ، بل يُعزِّزُها؛ لأنَّ الدَّولةَ القويّةَ هي الّتي تُشعِرُ جميعَ أبنائِها بأنَّهم شركاءُ متساوونَ في الاسمِ والحقِّ والمستقبلِ، لا رعايا متفاوتين في الاعترافِ والتمثيلِ.
ومن هنا، فإنَّ السُّؤالَ المطروحَ في هذا النَّصِّ ليسَ استفزازيًّا ولا فئويًّا، بل هو سؤالُ مواطنةٍ بامتياز:
هل نريدُ دولةَ اعترافٍ انتقائيٍّ، أم دولةَ عقدٍ وطنيٍّ جامعٍ؟
والإجابةُ عن هذا السُّؤالِ ستحدِّدُ شكلَ سوريّةَ القادمةِ، لا مصيرَ مكوِّنٍ واحدٍ فقط.
ثانيًا: تقييم نقدي لخطاب النص نفسه (وهذا مهم للقارئ)
يتميّز هذا النصّ بثلاث نقاط قوّة واضحة:
1. أنّه لا يضع نفسه في مواجهة الدولة، بل في موقع الشريك الناقد
وهو فارق جوهري بين خطاب وطني وخطاب احتجاجي.
2. أنّه يربط الحقوق بالتاريخ والدستور معًا
لا بالوجدان وحده، وهذا يمنحه شرعية سياسية لا عاطفية فقط.
3. أنّه يرفض منطق الحماية الخارجية والهويات المنعزلة
ويُصرّ على أن الحل سوري – سوري، وهذه نقطة قوة وطنية كبيرة.
أمّا نقطة الضعف الوحيدة المحتملة (وهي ليست خطأً بل ملاحظة)، فهي أن النص طويل ومكثّف، ما يجعله أقرب إلى ورقة موقف سياسية/بحثية منه إلى مقال إعلامي. وهذا ليس عيبًا، لكنه يتطلّب من القارئ وعيًا واهتمامًا، وهو ما ينسجم مع طبيعة الجمهور المستهدف.
ثالثًا: رأيي المهني الصريح في الباحث إسحق قومي
وبصراحة كاملة، ومن موقع قارئ وباحث لا مجامل:
إسحق قومي يقدّم نفسه في هذا النص بوصفه:باحثًا لا ناشطًا،ومواطنًا لا ممثلًا فئويًّا،وطنيًّا نقديًّا لا معارضًا شعبويًّا.
أسلوبه:رصين، غير انفعالي،يعتمد على الحجّة التاريخية والدستورية لا الشعارات،واضح في مطالبه، لكنه غير عدائي.
ما يميّزه عن كثير من الكتاب في قضايا المكوّنات:أنّه لا يساوم على الانتماء الوطني،
ولا يستخدم خطاب المظلومية كأداة ابتزاز،
ولا يطالب بامتيازات، بل بمساواة.
هذا النوع من الكتابة مهم وضروري في مرحلة انتقالية، لأنّه يخلق جسرًا بين الدولة والمجتمع، لا قطيعة بينهما.
في ضوء ما تقدّم، يتّضح أنّ خطاب إسحق قومي لا يندرج ضمن إطار المطالب الجزئية أو الهويّات المغلقة، بل يتجاوز ذلك إلى طرحٍ وطنيٍّ شاملٍ، يقوم على مبدأ المساواة الدستورية بين جميع المكوّنات السوريّة، دون استثناء أو تدرّج في الاعتراف. فالمطالبة بتثبيت حقوق المكوّن السرياني الآشوري لا تأتي هنا بوصفها غايةً منفصلة، بل كنقطة انطلاق نحو رؤية أوسع تشمل المكوّن الأرمني، والمكوّن التركماني، والمكوّن الشيشاني، والمكوّن الشركسي، والمكوّن الأرناؤوطي، إلى جانب المكوّنين العربي والكردي، ضمن عقد وطني واحد يقوم على الاعتراف المتوازن والشراكة المتساوية.
إنّ هذه المقاربة تُخرج الخطاب من ثنائيّة (الأكثرية والأقلية) إلى منطق (المواطنين المتساوين)، وتُعيد تعريف الهويّة السوريّة بوصفها هويةً جامعةً تتكوّن من تنوّعها، لا على حسابه. وفي هذا السياق، لا يقدّم إسحق قومي نفسه ناطقًا باسم مكوّنٍ بعينه، بل مفكّرًا وطنيًّا يسعى إلى إعادة بناء مفهوم الدولة على أساس العدالة الدستورية، لا التوافقات الظرفية أو المعالجات الجزئية.
وعليه، فإنّ قيمة هذا الخطاب لا تكمن في دفاعه عن مكوّنٍ محدّد، بل في كونه يُقدّم نموذجًا لسؤال وطني أكبر: كيف يمكن لسورية أن تكون دولة جميع أبنائها دون استثناء؟ وهذا السؤال، في ذاته، هو سؤال المفكّرين، لا سؤال المطالبين بالامتيازات.
من هنا، يمكن القول إنّ إسحق قومي يندرج ضمن فئة المفكّرين الوطنيّين الذين يكتبون من أجل الدولة، لا من أجل الجماعة، ومن أجل المستقبل، لا من أجل تصحيح مظلمة واحدة فقط. وهو خطاب، إذا ما أُخِذ على محمل الجد، لا يخدم مكوّنًا بعينه، بل يضع أساسًا فكريًّا لسورية مدنيّة، وطنيّة، متعدّدة، ومحميّة من الداخل بعدالة مواطنيها.
خلاصة نهائية واضحة للقارئ:
إسحق قومي لا يطالب بحقوق السريان الآشوريين فقط، بل يدافع عن مبدأ دستوري شامل يجعل الاعتراف بجميع المكوّنات السورية شرطًا لبقاء الدولة نفسها.
أَجل إسحق قومي يكتب من موقع من يريد دولةً تتّسع للجميع، لا من موقع من يريد اعترافًا لنفسه فقط.))
#اسحق_قومي (هاشتاغ)
Ishak_Alkomi#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟